Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2005, مقالات, نشرة رعيتي

دخول يسوع اورشليم/ الأحد 24 نيسان 2005/ العدد 17

أمس كان عندنا سبت لعازر الذي أقامه يسوع من بين الأموات صورة مسبقة عن قيامته هو في اليوم الثالث. لعل اهم ما جاء في إنجيل امس هو قول مرتا اخت لعازر للسيد: “لو كنت ههنا لم يمت اخي… فقال لها يسوع سيقوم اخوك”. ظنت انه كان يتكلم على القيامة في اليوم الأخير “قال لها يسوع انا القيامة والحياة”. وكأنه يقول القيامة الأخيرة سوف تحل ما في ذلك ريب. ولكن المهم ان تعيشوا انتم وكأنكم تحققون هذه القيامة كل يوم. وهذه حدث في داخل نفوسكم. انا قيامتكم وحياتكم ان انتم آمنتم بي. فالمهم التصاقكم بي. هنا تبدو المسيحية على انها عشق المؤمنين ليسوع. المسيحية ليست كتابا. هي أنا.

          في اليوم الثاني دخل يسوع الى اورشليم “راكبا على أتان وجحش ابن أتان”. هي دابة الفقراء. يدشن المسيح موته بشكل فاتح متواضع اي انه يدخل قلوب الناس وطراوتهم. يستقبله الأطفال بالدرجة الاولى. يركب بهيمة “ليحل بهيمية الأمم”.

          عشية ذلك اليوم والاثنين والثلاثاء نرتل “ها الخَتَن (وهي كلمة سريانية تعني العريس) في نصف الليل”. يدخل كل نفس في كثافة الظلام لأنه نورها. وكل نفس مؤمنة به تصير عروسا له. صرنا في مرتبة الحب. وتأكيدا لذلك نرتل ايضا: “انني اشاهد خِدْرَكَ مزينا يا مخلّصي”. والخدر هو الغرفة الزوجية اي ان الكنيسة تدعونا الى العرس، اسبوع آلام وليس اسبوع حزن. ذلك ان اوجاع المخلّص تعطينا فرح الخلاص. ومن جديد نستوحي إنجيل مرقس ونقول: “قلتَ لهم (اي لتلاميذك) ألا يماثلوا الأمم بالسيادة على من هم دونهم، فالاول فيكم ليكن خادما للكل والرئيس كالمرؤوس والمتقدم كالأخير”. ايضا هنا التواضع حتى آخر طريقه اي الموت.

          لا نعرف على وجه الضبط كيف قضى المعلم هذه الأيام الاولى في اورشليم، ولكنا نعرف الأقوال التي علّمها في الهيكل واهمها ما يتعلق بالدينونة. انتبهوا وعوا فصليبي يدين العالم، فلا تقعوا تحت الدينونة بمشاركتكم الذين سيقتلوني. أبيدوا شهواتكم المؤذية لئلا أحاكمكم في اليوم الأخير. احبوا موتي الإنقاذي لئلا تموتوا بمعاصيكم.

          بعد هذا، مساء الخميس العظيم، سيقيم العشاء السري مع تلاميذه. “شهوةً اشتهيتُ ان آكل هذا الفصح معكم… ثم تناول كأسا وشكر وقال: خذوا فاقتسموا بينكم فأني اقول لكم اني لا اشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. واخذ خبزا وشكر واعطاهم قائلا هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم… وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي…”. ثم خرج ومضى على عادته الى جبل الزيتون وتبعه تلاميذه.

          هذا هو القداس الإلهي عندنا. “هذا هو جسدي” اي هذا هو انا، بمعنى انكم اذا تناولتم القربان في كل ذبيحة تأكلونني اي تجعلون ذاتي في ذواتكم. والدم الذي تشربونه -وصورته الخمر- انما هو الحياة (في فلسفة ذلك العصر الدم هو الحياة). فكلما اجتمعتم تتناولون ذاتي وحياتي. القصة ليست اكل لحم وامتصاص دم بالمعنى البيولوجي. الكل فيكم هو أنا لأني انا القيامة والحياة كما قلت لمرتا قبل ايام معدودات. “من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وانا فيه”. فبالدم يتحد العريس والعروس. وما انا معطيكموه الآن صورة انما سيتم غدا على الصليب اذا طعن اليهود جسدي وأهرقوا دمي. اذ ذاك تنطلق حياتي من هذا الصليب عليكم وعلى العالم. “ثقوا اني غلبت العالم”. سيقول هذا بعد العشاء الأخير فيما كانوا نازلين الى وادي قدرون ليبلغوا جبل الزيتون حيث يسلم الخائن المعلم الى ايدي الخطأة.

          “انتم فيّ وانا فيكم”. عند ذاك آخذكم اليّ. انتم تحسبون اني صرت اليكم، وهذا ما اكدته قبل ذلك في الحديث عن خبز الحياة كما رواه يوحنا في إنجيله الرابع. ولكن ما لا تعرفونه انكم لحظة تأكلون جسدي وتشربون دمي، انا ايضا آكلكم واشربكم وأتناولكم لكي تكونوا معي على عرشي. فاذا نظرتم اليّ مصلوبا تستوون على العرش وتقومون من موتكم الروحي حتى نهاية هذا الوجود الأرضي، ثم تستوون على عرشي في السموات عن يمين الآب اي تكونون على كرامة الآب. انتم في الحب تتألهون وتصيرون ملوكا بملوكية الآب، وهذا هو فصحكم الأبدي.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مريم المصرية/ الأحد 17 نيسان 2005 / العدد 16

فيما نحن ندنو من الأسبوع العظيم ينتصب أمامنا وجه هذه المرأة الرائعة التي انتقلت من قاع خطاياها إلى ذروة مجدها. تعاطت الفحشاء منذ الثانية عشرة حبا بالفحشاء وليس طمعا بالمال فيما كانت تتقاضاه. مولودة مسيحية في الريف المصري ولكنها انتهت إلى الإسكندرية المدينة المترفة الواسعة حيث كان لها ان تنطلق إلى ملذاتها.

          يوما وجدت جمهورا يتراكض إلى البحر وفهمت انه مسافر إلى القدس لإحياء عيد رفع الصليب فخطر لها ان تركب البحر ولا تملك أجرة السفينة. هل كان حجها إلى القدس من باب الفضول ام ان شيئا من مسيحيتها استفاق فيها؟ هنا قررت ان تُسلم نفسها لمن شاء من الركاب لتدفع ثمن الرحلة.

          بلغت اورشليم ولكن قوة خفية حالت دون دخولها كنيسة القيامة. تقول سيرتها التي كتبها القديس صفرونيوس بطريرك اورشليم انها رأت من بعد ايقونة  والدة الإله ووعدتها بأنها لن تدنس جسدها فيما بعد فسمعت صوتا من السماء يقول: “إذا عبرتِ الأردن تجدين راحة مجيدة”. سارت في الصحراء حتى بلغت كنيسة القديس يوحنا المعمدان على نهر الأردن ثم وجدت مركبا صغيرا نقلها إلى الضفة الأخرى فلازمت المنطقة سبعا وأربعين سنة تقتات من عشب البرية وتصلي كل الوقت.

          بقيت عواصف الميول السابقة تضربها 17 سنة حتى أدركت الهدوء. في ذلك الوقت كان في برية الأردن راهب يدعى زوسيما، والأديرة كانت كثيرة هناك. وكان يظن انه الأكمل بين البشر. غير ان الله اراد ان يبين له من كان اعظم منه. وكانت عادة الرهبان ان يغادروا اديارهم في اليوم الاول من الصوم ليوغلوا في الصحراء كل منهم على انفراد، ويجتمعون أحد الشعانين. وفيما كان يمشي في البادية رأى طيفًا من بعيد وتبين له انه امرأة عارية. خاطبها طالبا ان تقف، فقالت لا استطيع ان استدير اليك فأنا امرأة عارية فإليّ بردائك لاستتر واتمكن من التحدث اليك. فنزع رداءه وألقاه اليها وطرح نفسه على الأرض والتمس بركتها كما التمست هي بركته.

          اعترفت بكل ما جرى في حياتها وقالت له ان يعود اليها السنة المقبلة حاملا القرابين المقدسة وعينت له مكان الموعد. فجاء عند الموعد وناولها. وهذا ما نراه في معظم ايقوناتها. وفي السنة اللاحقة جاء ايضا فوجدها ميتة ويداها مصلبتان على صدرها، ووضعها في حفرة ورقدت في سلام الرب في اول نيسان حيث عيدها الأساسي إلى جانب هذه الذكرى.

          باختصار كلي احببت ان امجد بهذه السطور هذه المرأة العظيمة التي جعلتها الكنيسة في الصوم المقدس نموذجا للتوبة يحتذى به ولتقول لنا ان ما من خطيئة لا تُغفر لان رحمة الله اوسع من كل خطيئة وتذيبها ان اعترفنا بذنوبنا صادقين. ان في الانسان صورة الله كامنة وتتحرك اذا منّ الرب علينا بحنانه. تتحرك عندئذ طاقات الخير فينا وتغمر كمياه الطوفان كل اوساخ المعاصي ولا يبقى فينا الا نور الغفران.

          فاذا ما اخذنا نتوب في هذه الأربعينية المقدسة، يزداد نورنا ونمشي مع كل المؤمنين إلى ضياء القيامة، فلا يبقى فينا الا فاعليتها وتصير حياتنا فصحا ابديا.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مشوار الصوم/ الأحد 10 نيسان 2005 / العدد 15

ها نحن في الأحد الرابع في المنعطف الثاني من الصوم، الإنجيل فيه ينتهي بكلام المعلم: “ان ابن البشر سيُسلم الى ايدي الناس فيقتلونه وبعد ان يُقتل يقوم في اليوم الثالث”. الآلام والفصح هما اذا غاية هذا المشوار الجميل الذي نقوم به أحرارًا من الشيطان الذي قال عنه هذا الفصل الإنجيلي انه استولى على شاب مريض أعراضه هي أعراض داء الصرع. وفي سياق الحديث قال الرب عن هذا الشيطان انه “لا يخرج بشيء الا بالصلاة والصوم”.

          ان الرياضة الروحية الأربعينية التي نحن فيها تقوم على هذين الركنين: الإمساك والصلاة. إمساك نشهد فيه اننا نرفض السيطرة لشهوة الفم علينا فنمتنع فترة ساعات عن الطعام ونعف عن بعض الأطعمة لنسود رغباتنا ولو شرعية وذلك ترويضا لعقلنا حتى يقتنع ان المعدة ليست كل شيء. نحن من جسد ولكنا لسنا فقط من جسد، لسنا من جسد اذا أتينا من الروح القدس ساكنا فينا.

          ثم الصلاة المكثفة في هذا الموسم شهادة على إيماننا ان من امتلأ من كلمة الله يقرأها في بيته ويسمعها مع الجماعة هو راغب في ان تحل فيه حضرة الله المباركة يتقدس وينمو بها. ان تسكن فيك كلمة الله لتطيعها وتتكيف بها هو ان تقول انك ترفض كلمات فيك تناقض كلمة الله. انت تطرد من نفسك كلمات يوسوس لك بها إبليس لتصير من حزبه. وانت وحدك غير قادر ان تطردها. كلمة الله الطاهرة المحيية تكنس الكلمات النجسة التي علقت بك. اي انك قائل انك ترغب في ان تصبح كائنا إلهي الفكر، إلهي التصرف وبدء هذا الفكر في هذا الزمان ان تغفر للناس زلاتهم ليغفر لك ابوك السماوي زلاتك. وبالغفران تجعل الانسان الآخر اخا لك ولو لم تلده امك اي تصير معه من عائلة الآب، هذه التي تسير معا الى مشهد الصلب فالقيامة.

          القيامة كانت نصر المسيح على الخطيئة والموت. المطلوب ان تجعل القيامة فيك اي ان تقوم انت من الخطيئة حتى لا يسود الموت الروحي عليك. واذا لم تستضف القيامة فيك تكون هذه حدثا حدث وولى. اما اذا جعلتها فيك تحس انها دائمة، انها فاعلة ابدا لتكون عندنا انسانية فصحية. ليست المسيحية أغنية تغنى. انها قائمة في البشر في أرواحهم وافكارهم ونحن الارثوذكسيين نقول انها في اجسادهم ايضا.

          اجل يقول القديسون ان الصوم وسيلة ولكنك تحتاج الى الوسيلة لتبلغ الغاية. والغاية هي الفرح. وما من فرح الا بعد جهاد. ان الرب يؤتيك السرور الحقيقي والابتهاج ان انت عملت له بواسطة ضبط جسدك وفكرك. فاذا رآك ضابطا كل هذا محبةً به يأتي اليك ويقرع باب نفسك فيدخل ويتعشى معك. اما اذا لم تجاهد فتكون قد اغلقت باب نفسك دون المسيح اليه اي تكون قد تعلقت بالأشياء العابرة التي التقطّها من هذه الدنيا العابرة.

          فاذا كنت جديا في هذه الحرب الروحية تخوضها ضد روح الشر تصير مجانسا للمسيح. مجانسا تعني انك تصير من جنس المسيح النور. لذلك تجمع ما استطعت من النور خلال هذا الزمان المبارك حتى اذا حل العيد ينظر اليك السيد المبارك ويرى انك بت على مقدار من النور اي يرى انك صرت مثيلا له بالنورانية. بلا هذه النورانية التي تطلبها بإلحاح تكون قد قرأت تاريخ العيد في الروزنامة.

          هل تريد ان تأتي من قيد في الروزنامة ام من محبة يسوع اياك. أحببه في هذا الموسم يحبك في فصحه ويقيمه في قلبك عسى يلازم قلبك مدى حياتك.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 3 نيسان 2005 / العدد 14

ثلاثة اسابيع من الصوم توصلنا في هذا الأسبوع (الأربعاء) إلى منتصف الصيام الذي ينتهي بسبت لعازر، وبعده ندشن صوم الأسبوع الكبير المقدس الذي هو أشد في نظامه النسكي واعمق في معانيه. وقد لاحظت الكنيسة ان ثلاثة اسابيع من الجهاد ترهق بعض المؤمنين الذين يملون من متابعة النسك والتضييق على انفسهم. فلئلا يتعبوا روحيا كما تعبوا جسديا وضعتهم الكنيسة امام مشهد الصليب واقتبست مقطعا من انجيل مرقس يعبر تعبيرا عظيما عن حقيقة الصليب.

          في هذا يقول السيد: “من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. اي اذا شئنا ان نمشي وراء يسوع فهذا له ثمن نبذله. ما هو الذي يجب بذله؟ ان تنحر هذه الشهوة او تلك لا يكفي. ان تنفق بعض المال او كثيره على الفقراء لا يكفي. انت يجب ان تذهب إلى الصميم، إلى أصل الشر وتنفيه عن ذاتك. الذات هي الكلمة المفتاح ويسميها الإنجيل النفس. فأنت تابع للمسيح إلى حيث وصل اي إلى الصليب. فاذا اردت ان تميت الخطيئة التي قتلت المسيح عليك ان تضحي ليس بشيء او بمجموعة اشياء ولكن بالأفكار المغلوطة والعلاقات المشبوهة اي بكل ما هو ساقط فيك وجارح لكيانك الروحي او مبطل للصوت الإلهي فيك. ذلك انك جعلت شخصك مكونا من هذه الأشياء او هذه الكلمات او تلك الوجوه. الأمر يتطلب انسلاخا عن ذاتك، عن اشياء متأصلة فيك لتجعل المسيح وحده مكونا لشخصيتك ومالئا كل فراغ فيك.

          تفريغ ذاتك مما علق بها من هذه الدنيا يسميه يسوع ان تهلك نفسك التي كانت تظن انها مكونة من هذه الأشياء الفانية والمؤذية التي تعبأت منها. ثم يقول: “من اهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. انت لا تفرغ ذاتك بدون هدف. تفرغها من اجل يسوع وسكناه فيك. تفرغها لكي تملأها من الإنجيل وتصير مسكن الإنجيل. عند ذاك فقط انت انسان جديد.

          ولكي لا يتساءل المؤمن: ماذا اترك من هذه الدنيا وماذا لا أترك قال له السيد: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. يمكن ان تربح كل شيء اذا استسلمت لمغريات الدنيا: المال والنفوذ والسلطة وما يطيب لهذا الجسد ان يستهلكه. كل هذا، مجتمعا، يسميه المسيح العالم. فاذا حصلت على كل ما في هذا العالم في رؤية المسيح والمؤمنين به لا تكون قد أخذت شيئا لأن “العالم يمضي وشهوته”. تبقى نفسك في فراغ.

          “أَم ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه”. نفسك أثمن من هذا العالم وكل ما فيه. لا شيء في هذه الدنيا يفديها ولا شيء يضارعها. “انكم قد اشتُريتم بثمن” وهو دم ابن الله. لماذا تبيعون هذا الدم بأشياء بخسة؟ لماذا تتصرفون وكأن الدم الإلهي الذي انسكب لا يهمكم ولو تحسون بأنكم صرتم عظاما ولا مال لكم ولا نفوذ ولا سلطة؟

          لا يمكن ان تتحرروا إلا بالصليب أي بدق خطاياكم على مساميره، وإذا قبلتم أن تنصلبوا تعرفون أنكم ترثون المجد لأنه “بالصليب قد أتى الفرح لكل العالم”. في وسط هذا الصوم تكونون كمن ورث القيامة قبل حلول العيد. العيد هو ان تقوم نفوسكم من قبورها وانتم احياء بالجسد اي من قبر الخطيئة التي دفنت النفس فيها.

          هكذا يمكنكم ان تكملوا الصيام بفرح وان تأخذوا أقساطًا من الفصح، حتى إذا تحررتم حقا في فترة الصيام تتمكنون من قبول النور الفصحي.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

المخلع/ الأحد 27 آذار 2005 / العدد 13

الأحد الماضي ابتهجنا باستقامة الرأي التي نحن عليها. عبارة “استقامة الرأي” تترجم الى العربية الكلمة اليونانية “الأرثوذكسية” وهي تعني اننا أخذنا ايمان الرسل ولم ننحرف عنه وما شوهناه. ان المسيحية الاولى كما أتت من الإنجيل هي التي ندين بها. وعندما يقول إنجيل اليوم ان المسيح كان يخاطب الناس بالكلمة أراد ان يسوع كان يردد كلمات الأنبياء وموسى والمزامير ويفسرها للناس وما أتى بدين جديد.

          غير ان للناس حاجات يظنون انها خارج نطاق الكلمة مثل الصحة. الذين جاؤوا اليه لما كان يعلّم في كفرناحوم التمسوا منه شفاء لقريب لهم او جار كان مخلعا او مفلوجا، ولصعوبة وصولهم الى المعلم كشفوا السقف وهو مثل السقوف التي عرفناها في القرى كناية عن تراب موضوع على خشب. قاموا بكل شيء للوصول الى يسوع لإيمانهم بقدرته على الشفاء. لم يستجب فورا يسوع لطلبهم. هو كانت له رغبة اخرى فقال للشاب المريض: “يا بني مغفورة لك خطاياك”. هذا تأكيد لم يقم به ابدا نبي في اسرائيل ولا ربّاني (حاخام).

          شفى يسوع المريض بعد هذا وأكد بذا انه له سلطانا ان يغفر الخطايا اي ان له سلطان الله.

          كل مريض منا في جسده له ان يطلب الشفاء ولكن له اولا ان يطلب مغفرة خطاياه. هذا أهم. هناك هرمية في المطالب. لذلك قال السيد: “اطلبوا اولا ملكوت الله وبره والباقي يزاد لكم”. من منا مقتنع ان الخطيئة ليست مصيبة كبرى فقط ولكنها هي وحدها المصيبة. وهذه ليس لنا خلاص منها ما لم نقترب من يسوع ليلمسنا بنعمته ويضمنا الى صدره.

          هذان الاسبوعان اللذان قضيناهما في الصوم هل اردنا فيهما الدنو من يسوع، من شخصه، من وجهه، من أعماقه ام كانت لنا مجرد تغيير للأطعمة؟ الطعام الصيامي والإمساك عن كل طعام مجرد وسيلة ترويض لنرتمي على حضن المسيح لنصير ابناء الآب. طبعا يجب ان نستغفره ونستغفر الإخوة على الدوام لنذوق المحبة. هذا غايته ان نستلم سلام المسيح.

          الى جانب الإمساك واضح ان هذه الفترة فترة صلاة مكثفة، نحاول فهمها جيدا لنلتحق بالمعاني ونطيعها. وتتراوح المعاني بين الطلب والشكر والتسبيح وسط تلاوات انجيلية وتلاوات من العهد القديم وغاية كل صلاة ما طلبه بولس: “ليكن فيكم الفكر الذي كان في المسيح يسوع”.

          هذا يقودنا الى ان صلاتنا لن تجعل فينا فكر المسيح ان لم نقرنها بقراءة تأملية، هادئة، عميقة لكلمة الله. ذلك ان الكلمة هي التي تجعلنا نفهم الصلاة. والقراءة تحتاج عند الكثيرين ان يتحولوا عن إهمالهم للإنجيل وان يأخذوه ويفتحوه ليستطيبوه فيأكلوه. ان لم يحصل هذا فنحن مع ذواتنا ونأتي من أهوائنا وأمزجتنا ولا نأتي من الكلمة التي من سمعها يحيا بها.

          الكلمة شفت المخلع وهي اليوم تشفي مخلع الروح اي ذاك التي كسرته خطيئته او جعلته مفلوجا بالمعنى الروحي. نحن فينا تشوش فكري او اضطراب لكوننا نسمع الكلمة من مصالحنا او شهواتنا. متى نسمع فقط كلمة الله؟ وهي كافية للجواب عن كل سؤال تطرحه النفس في فوضاها او انحطاطها او تحيرها.

          هذا الموسم هو الموسم الأمثل لنسمع ما يقوله الله لنا في كتابه والخِدَم الإلهية ليقوِّم اعوجاجنا ثم يجمّل سلوكنا بحيث يفرغ قلبنا مما ليس موافقا ليسوع فنرى المخلّص وحده سيد القلب.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الأم/ الأحد 20 آذار 2005 / العدد 12

شرف المرأة ان الله وهبها ان تكون أُمًا للمخلّص. فاتضح لنا بسبب هذا ان ولادة الاولاد كريمة، مقدسة. في هذا تتابع المرأة كالرجل عملية الخلق، تمدّ الخلق الى الأمام والى الآتي. ويحيط الرب المرأة بعنايته في حبلها ووضعها لأنه خالق الخلق وحاضنه، واذا قامت المرأة برعاية اولادها في الإيمان والفضائل تلعب دور الأب الروحي بمقار وتُقدّس نفسها بعد أن وهبها ربها قدرة على العطاء عظيمة. ذلك انها في تكوينها حاضن وفي ذهنيتها تبقى حاضنا الى الأبد اية سن بلغ وليدها كأنه لا يزال عندها يحيا على حرارة هذا الحضن وكأنها مسؤولة على الدوام عن إحاطته بأقصى ما عندها من عناية، كأنها تأبى ان ينقطع حبل السرّة.

هذا لا يعني ان كل أُم على اعلى نوعية من الصلاح، وقد تخطئ الى ولدها بالإهمال او القسوة، وتتصرف هذه او تلك من النساء بروح الاستيلائية والاستبداد والجهل التربوي المقترن كثيرا بالأمية المتفشية عندنا. فالعلاقة لا تستقيم دوما مع الوالد او الوالدة. وهناك ما يسمّيه علماء النفس «قتل الأب» في تهجم شعوري وخلاف. وقد نعيش خلافا مع الأم ايضا.

ولكون الله عارفا بالتشنجات الممكنة في البيت قال: «أَكرمْ اباك وامك». انه اكتفى بالإكرام لأنه اراد التعامل ولم يفرض حبا لاهبا للأهل. وما من شك في ان الطبيعة توجّه الشعور بالدرجة الاولى إلى من أتى بعدنا ومنا ولا توجّهه بالمقدار نفسه إلى السلف.

الحديث عن الأم والأب حديث عن التربية، وغير صحيح انها فطرة. هي شيء ندرسه اذ كثيرا ما نسيء التربية، ولذلك الأم تتعلم ايضا أمومتها عن طريق القراءة والندوات حتى لا تقع في هذه الهرطقة الشائعة اليوم انه لا يجوز ان تقول لابنك: لا. هناك عندنا تأديب، وفيه دائما حزم حتى الشدة بلا عنف. الذين يخشون قول «لا» لأنهم يخافون التعقيد في اولادهم لم يفهموا ان أب البحث عن العقد النفسية فرويد لم يقل كلمة ضد التأديب. فالولد ليس غصنا ينمو نفسيا من ذاته. هناك حركة إنماء وتقويم من قبل ذويه لأننا في الجنس البشري حواريون بحيث ننشئ اولادنا بفكرنا وسهرنا كما هم يعطوننا الكثير بطراوتهم في الطفولة او نضجهم اذا بلغوا.

قد تزداد العلاقة صعوبة اذا بلغ ذوونا الشيخوخة وكنا معايشيهم تحت سقف واحد. هنا قال بولس: «لا تزجر شيخا». الأم-الشيخة لها حق علينا بالانتباه الكبير والرعاية الصحية وقضاء وقت الى جانبها بمحبة فائقة لئلا تحس بالعزلة واننا لا نردّ لها ج

ميل صنعها او انها مهجورة لضعفاتها الجسدية او العقلية.

من مشكلاتنا حتى التعقيد اذا كنا ذكورا ان نلتصق بأمهاتنا اكثر من التصاقنا بزوجاتنا او ان نُخضع زوجاتنا لأمهاتنا فلا نكون قد قطعنا حبل السرة وبتنا اطفالا غير ناضجين. هذا امر ينبغي ان نسهر عليه روحيا وربما على صعيد التحليل النفسي. ينبغي ان نجاهد في سبيل اكتساب البنوّة السليمة ليبقى كل من الوالد والوالدة على عرشه.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الصوم / الأحد 13 آذار 2005 / العدد 11

اليوم أحد مرفع الجبن الذي ندخل يوم الاثنين الذي يليه الصيام المبارك. ونرجو الله أن يمتعكم ببركاته وعمق معانيه على قدر مشاركتكم الخِدَم الإلهية المختصة به. ومن صام منكم سوف يحس في نفسه باللمسات الإلهية التي يلمسه الله بها بالكلمات الإلهية أقراءات كانت أم أناشيد أم مزامير. كل شيء موضوع في هذه الخدم حتى نتدرج يوما بعد يوم إلى الأسبوع العظيم المقدس الذي هو المرحلة قبل الأخيرة من الذروة الفصح.

          ولكن خشية ان يظن المؤمن ان ما يقوم به هو إبدال طعام بطعام فقط أرادت الكنيسة ان نغوص على ما هو أعمق فقرأت علينا اليوم فصلا من عظة الجبل كما وردت عند متى، فصلا يتضمن ثلاثة محاور نركز الصوم عليها في عقولنا وقلوبنا.

          المحور الأول الغفران إذ يقول السيد: ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. ان الغفران يؤهلك ان تصوم مع ناس تحبهم اذ تكون قد غفرت لهم خطاياهم. الصوم صوم الجماعة والجماعة في المحبة التي تبذلها والمحبة التي تتلقاها هي الواقفة معا بنوع خاص يوم الخميس العظيم في ذكرى العشاء السري. ولهذا نفتش عمن أحزناه لنستغفره وندخل الصوم مطمئنين.

          المحور الثاني الفرح اذ يقول: لا تكونوا معبسين كالمرائين… فاذا صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لا تتأفف من الصيام ومما يبدو لك صعبا فيه. انه صعب على الطفل والمريض. كل منهما معفى من الصوم. فرحك ناتج من انك تسعى مع الرب وإلى الرب. أنت انعزلت عن الخطيئة وطلبت البر. هذا وحده يكفي ليجعلك في فرح.

          المحور الثالث. لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض. احد مرامي الصيام ان توفر ثمن ما لا تأكل لتعطيه من كان في حاجة اليه. فاذا كان الصيام مع الجماعة، فهو اولا مع الجماعة المحتاجة. هذه اذا انت اعطيتها تحفظ لك ذلك السماء. ولهذا يقول: اكنزوا لكم كنوزا في السماء. المال الذي تبذله هنا يجيِّر لك وديعة في السماء إلى جانب كل وديعة روحية. انت لا تقدر ان تصوم اذا لم تحبب الآخرين، ولا يسعك ان تحبهم الا اذا شاركتهم اموالك.

          اذًا غفران أولاً حتى ينوجد الآخر أمامك ومعك. ثانيا) الغفران يعطيك فرحا. ثالثا) اذا كنا نصوم كجماعة نقوم بحاجات بعضنا البعض. فاذا اعتبرنا المال كنزنا فقلبنا فيه كما قال السيد. واذا اعتبرنا الآخر كنزنا فقلبنا عليه.

          هذه المدة الطويلة التي نتقشف فيها ونتعب جسديا نفيق فيها روحيا، نعي ضعفاتنا وحاجاتنا واولاها حاجتنا إلى يسوع.

          الإمساك والصلاة فيه سلاحنا الأمضى لنواجه التجارب ونبعدها عنا. اذا كنت ممتنعًا عن الطعام وبعض ألوانه وهاجمتك التجارب تتذكر انك في حالة حرب روحية فكيف تجمع بين كونك محاربا غالبا وبين ان تطيع نداء الشهوات فيك. من عظمة الصوم انه يقيم تناقضا في عقلك بين جاذبية الله وجاذبية الخطيئة.

          مع ذلك انت معرض للسقوط. ليس الإمساك ضمانة للبر. لذلك لا بد لك من التنبه الكبير حتى تعي حالتك كصائم وتعي حالتك كمواجه للتجارب. لا تتحير بين الرب وعدو الرب. انت حليف المسيح في هذا الزمان المبارك إلى ان ترى قيامته.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مرفع اللحم/ الأحد 6 آذار 2005 /العدد 10

من محبة الكنيسة الأرثوذكسية للصيام والاستعداد له كأنه موسم ننتظره بفرح جعلت لنا اسبوعا يسبقه ندخل فيه جزئيا بالإمساك اذ نمتنع عن اللحم محافظين على البياض. هذا هو اول يوم من هذا الأسبوع يسمى مرفع اللحم اذ في اليوم الذي يليه نرفع اللحم عن الموائد.

          غير ان الكنيسة لا تريدنا ان نركز على الأطعمة تركيزا رئيسيا رفعتنا إلى الفضائل في فصل إنجيلي مركز على الفضائل الا وهو إنجيل الدينونة حسب رواية متى. يبدأ الكلام هكذا: “متى جاء ابن البشر في مجده”. نحن اذًا مأخوذون من الصوم الذي يبدو فترة تعب إلى آخر التاريخ، إلى المجد الذي سيسطع عند المجيء الثاني للرب. ولا يدخل احد إلى مجد يسوع الا بالدينونة التي تعلنه نقيا او تعلنه قذرا قد احب قذارته في هذا العالم.

          تحضر الناس إلى السيد الديان. اجل يسوع محب، لطيف، حنون، ان محبته هي التي تدين. فأنت تقبلتها في دنياك او رفضتها. اقتبالك لها في هذا الدهر يضمك اليها في اليوم الأخير، ورفضك لها هنا يستمر رفضا لها هناك. اي ان أعمالك التي كانت مع الرب في تجانس تلقيك عليه، والتي كانت معه في نفور تبعدك عنه. الله عادل وليس عنده محاباة للوجوه. انت ترتفع إلى السماء لأنك كنت في هذا العالم تسعى اليها. وانت تُستبعد من السماء لأنك اردت ان تبقى بعيدا. لا يخترع لك يسوع سماء ما كانت فيك ولا جحيما ما كانت فيك.

          ما القول الذي سيقال للخراف اي للذين كانوا من حظيرة المسيح؟ يقال لهم انهم مبارَكون وان المُلك أُعِدّ لهم. ثم يقول: “كنت جائعا فأطعمتوني وعطشت فسقيتموني الخ…”. عنى السيد بهذا القول انه بعد صعوده إلى السماء ترك لنفسه صورا عنه. انهم هم الذين احبوا بقية الناس فعليا، في الحياة اليومية وأحبوهم في الاوضاع التي كانوا فيها. فاذا لقيت جائعا لا تقرأ له كتابا او تقله معك في سيارتك ليتنزه. تعطيه رغيفا. انت معه في حاجته. واذا زرت مريضا لا تعطيه خبزا فإنه لا يحتاج اليه. تعطيه عزاء وحرارة المشاركة.

          غير ان الكتاب يقول اكثر من هذا. فعندما يقول السيد: “كنت جائعا فأطعمتوني” يوحد نفسه مع الجائع، يدمجه بنفسه. فالجائع والعطشان والسجين والمريض إخوة يسوع. واذا كنت اليهم تكون إليه.

          بعض الوعاظ يقولون ان يسوع لا يسألنا عن الصلاة اذا صليناها. الجواب ان صلاتك انما ثمرتها العمل الصالح. هو لا ينطلق منك الا اذا كنت متحدا مع يسوع يوميا واذا دعوت اسمه. انه تكلم على الصلاة في مواضع اخرى من الإنجيل. في الدينونة التركيز على الآخر. لقاؤك اياه هو امتحان صدقك في المحبة، وذلك كله ينطلق من قول المعلم: “احبوا بعضكم بعضا كما انا احببتكم”.

          اما الخطأة فيقول لهم: “اني جعت فلم تطعموني وعطشت فلم تسقوني…”. هم يردون: “متى رأيناك جائعا او عطشان الخ…”. وجوابه القاطع لهم: “بما انكم لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”. الخطيئة التي ينسبها اليهم خطيئة الغفلة. انتم اهملتم الآخرين. هذه هي اساءة كبرى انكم لم تكونوا، بسبب الإغفال، إخوة لإخوتكم. انه لم ينسب اليهم افعالا سيئة ارتكبوها. ينسب اليهم افعالا لم يقوموا بها. الآخَر موجود وخطئيتك انك لم تره ولم تره في ظرفه. فقد تتحدث بصورة جذابة إلى جائع او تناقش معه سبب جوعه قائلا مثلا لماذا لم يكن عمل تقتات منه في حين انه يحتاج إلى رغيف. الظرف الذي يكون فيه الآخر أمر مهم جدا. تدخل انت في وضع الآخَر. هكذا يحس انك تكون معه فيصبح هو ايضا معك وتصبحان كلاكما في المسيح.

          عندئذ فقط ترفع الدينونة عنك. انت تدخل في حركة الصيام لكي تحب، لكي تشارك الفقراء والحزانى، لكي تفهم حاجاتهم لأنك تصبح صائما كالفقير ولا تنس ان يسوع كان فقيرا. الصيام إمساك من اجل الحب.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 27 شباط 2005 / العدد 9

          هذا الفصل الإنجيلي يقرأ لك لتعرف انك انت هو الابن الشاطر. فبعد ان جذبك التواضع، الأحد الماضي، بمثل الفريسي والعشار بات عليك مبدئيا ان تقول: انا لست بشيء لأني لا ازال انسانا دنسا. هذا يفرض ان ترى النجاسة التي فيك وانك بت عشير الخنازير. لماذا تركت بيت الآب كذاك الولد؟ ما الذي أهواك؟ حسب الابن البار الذي لم يغادر المنزل اخوه الشاب بدد ماله للزواني. خطيئة الجسد معتبرة مألوفة في سن الشباب. والحقيقة انها شائعة في كل عمر. غير انها في المثل الإنجيلي صورة عن كل خطيئة اذ يعف كثير من شبابنا. هي ليست مركز النص.

          فللنص مركزان اولهما الترك وثانيهما العودة. الترك بالنسبة إلى كل واحد يبدأ بجاذبية ما هو خارج البيت وما يغري فيه. والعودة هي التوبة اي التحرر من الإغراء والإيمان بأن محبتنا لله هي التي تحفظنا من التجربة وتجعل بيننا وبين الرب موآنسة وفرحا.

          كل منا يمر بتجارب عديدة تهزنا وتجعلنا في البدء مترددين بين الخير والشر حتى ننزلق إلى الشر ونلتذ به ونظن ان لنا فيه سعادتنا. ثم نغرق فيه غرقا عميقا بحيث لا نبقى منجذبين إلى البر. ثم يحن الله علينا حنانا كبيرا لكوننا ابناءه وينزل علينا نعمته ويجدد فينا ذكرى الطهارة التي كنا عليها فتشدنا من جديد اليها فنقوم من عمق المياه إلى سطحها فنرتمي في الطهر مرة واحدة ونسبح في بحر التوبة ونحس ان لنا فيها فرحا مجددا. ولكن المهم ان نلازمها. فتنقطع عنا ذكرى الخطيئة. والمهم، اذا تبنا، ان ننسى الخطيئة وإغراءها ولا نعود إلى سحرها لأننا اذا عدنا إلى تذكر سحرها نتعرض إلى السقوط من جديد.

          ماذا قال الابن الضال لما أحس بمرارة الطيش الذي كان عليه؟ قال: “اقوم وأمضي إلى أبي”. أقوم لأني لم أبق راضيا عن خطيئتي ولا اريد ان أبقى فيها. هذا يتطلب حركة من النفس. وهذه الحركة يحدثها الله فيك. “أقوم” تعني اني نادم ولن ابقَ مترددًا بين رعاية الخنازير وأبي. “امضي إلى أبي” اي أتحرك، اتخذ قرارا بالعودة. فكما ان السقوط كان بقرار، كذلك التوبة بقرار. ثم ماذا قال؟ “وأقول له (اي لأبي) قد اخطأتُ إلى السماء وامامك”. اي اني اعترف بخطيئة الترك لمنزل العائلة. لا مغفرة بلا اعتراف، بلا إقرار ان الإنسان اراد الشر فأخطأ. ولكون الوالد هو الذي انجرح بمغادرة الولد للمنزل اعترف له ابنه بأنه آذاه. والأذى ان الوالد احس نفسه مهجورا. جعله ابنه وحده وتفرقت العائلة. “ولستُ مستحقا بعد ان أُدعى لك ابنا”. فقد سقطَتْ في عيني الابن الشاطر بنوته.

          ولكن ماذا فعل الوالد؟ يجيب الإنجيل: “وفيما هو بعد غير بعيد رآه ابوه فتحنن عليه واسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله” فكان اللقاء. لماذا رآه ابوه؟ لأنه كان ينتظره في مكان مشرف، مثل “سطيحة”. عند الرؤية تحنن لأن له قلب والد لا يقسو ولا يعرف البغض. وهو بادر بالتحية. هكذا يفعل الله بنا. فكان عناق بين الرجلين.

          اعترف الولد كما كان قرر. لم يوبخه ابوه. فقال للخدام: “هاتوا الحلة الاولى وألبسوه واجعلوا خاتما في يده وحذاء في رجليه”. زيّنه وجمّله.

          هذا الذي سميناه “مَثَلَ الابن الشاطر” هو في الحقيقة مثل الأب الحنون. من يعرف ان الله هو ابونا الحنون لا يخطئ.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الكنيسة والطقس الرديء/ الأحد20 شباط 2005 / العدد 8

هالني في العاصفة الثلجية التي حلّت بالبلد أني كنت عاقدًا اجتماعًا كبيرًا تغيّب عنه كثيرون. عذرت مريضًا وعذرت الذين حالت الثلوج من سلوكهم الطريق. ولكني لم أعذر الذين خافوا من البرد الشديد. فنحن نحبّ الله في البرد والحر ونترجم هذا في حضور مطلوب.

ثم بعد هذا -في خضم العاصفة- أقمت القداس الإلهي في إحدى القرى ولم تكن في أعالي الجبال والطرقات سالكة فيها مع سقوط أمطار خفيفة. وعذرت الشيوخ ولكني لم أعذر الشبان.

أتساءل اليوم: لماذا يكابد الناس مشقات المناخ لزيارة صديق أو حبيب ولا يتحمّلون أي عناء ليزوروا المسيح في كلمته التي يسمعون في كنائسهم، وكيف يحرمون أنفسهم من تناول جسده ودمه الكريمين؟ أليس هو الحبيب الذي يشتاق إلينا والمفروض ان نبادله هذا الشوق؟ ان الذي يغيب كأنه يقول: أنا أُرجئ زيارتي للمسيح لأنه غير منظور أما حبيبي فمنظور.

حدّثني أحد كهنة الأبرشية ان امرأة مسنّة أوصاها طبيبها ألا تذهب يوم الأحد إلى الكنيسة حتى لا تتعرّض إلى سوء مناخ أو إلى مشي متعثر فأجابته: أفضّل أن أموت في طريقي إلى الكنيسة أو في الكنيسة من ان أموت على فراشي.

أنا لا أتمنى ان يصيب أحد نزلة صدرية ولكن هذه الحياة فيها خيارات. إذا ذهب بنا الحرص على صحتنا إلى درجة الوسواس الضخم أو الخوف الشديد يكون فينا خلل. هذا العمر اقتحام. هنا أود ان أحدثكم عن الاب الروحي الذي كان يرشدني في باريس لما كنت اطلب اللاهوت فيها في منتصف القرن العشرين. كان هذا الكاهن المتوحد يحبني كثيرا ويستضيفني كل يوم بعد الظهر لتناول الشاي. دخلت عليه مرة وكان معصَّب الجبين بمنديل ابيض. سألته عن صحته. قال عندي حرارة 39 درجة. جلست في مكاني. وبعد دقائق معدودة رن الهاتف في الممر الذي كان يقود إلى البهو الذي كنت أنا فيه. فتركني وذهب ليتناول المخابرة ورأيته عائدا إليّ ونزع المنديل عن رأسه. وقلت: ما هذا الذي جرى حتى ترمي بالمنديل؟ قال: الطالب فلان مريض بمصحّ المسلولين، وطلب أن اذهب إليه لكي يتناول جسد الرب. فسألته عن المسافة بين المعهد اللاهوتي (الذي كنا فيه) والمصحّ. قال: ستون كيلومترا. قلت له: عليك إذًا ان تجتاز 120 كيلومترا يضاف إليها مسافة المِترو وأنت على هذه الحالة. أليس الأفضل ان ترتاح الليلة عسى تنخفض الحرارة وتذهب في الصباح الآتي إلى رفيقنا؟ قال: قد لا يعيش صديقنا حتى الغد. يجب ان يتناول هذا المساء. ذهب أبي الروحي وعاد غير مكترث لصحته وشُفي من مرضه.

الأعذار دون الذهاب إلى القداس: أنا تعبتُ هذا الأسبوع وليس لي من وقت راحة إلا صباح الأحد، أو أنا ارغب في ان اصعد بعائلتي إلى الجبل، أو اذهب بها إلى البحر، وما إلى ذلك.

حدثني احد الناس ان شابا ماتت أمه ودفنت يوم سبت ولم يتقبل المعزّين في اليوم التالي صباحا لأنه كان لا يستطيع ان يتنفس بلا القداس الإلهي. أتصور ان هذا الفتى حمل أمه في صلاته ولم يغرق في حزنه. أنا أعرف عن بعض الأفارقة انهم يسوقون سيارتهم أربع ساعات ليَصلوا إلى أقرب كنيسة. أجسادهم تتعب ككل الأجساد. الا انهم متيقنون ان هذا هو الخبز النازل من السماء، وانهم دونه تقتات أجسادهم فقط بالخبز والخضار.

نفسي كانت حزينة حتى الموت لما أقمت الذبيحة الإلهية التي كلمتكم عليها وكنت انظر إلى فراغ الكنيسة أي إلى لا شيء والناس خائفون من البرد. غيابهم جعلني في برد أشد وأعظم وجعا من ذاك.

متى نفهم ان حبنّا لله الذي ندّعيه يجب ان يُتَرجم؟

Continue reading