Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2005, مقالات, نشرة رعيتي

مثل الوزنات / الأحد 6 شباط 2005 / العدد 6

مثل إنجيل اليوم رهيف لكونه يضع كل إنسان تحت مسؤولية كبيرة وهي ان يستثمر كل مواهبه فلا يدع قوة من قواه مهمَلة ولكن يغذيها وينميها لأن الله سيطلب منه ليس فقط نفسه ولكن سيسأله عما فعل بكل قدرة كانت فيه وعما اذا سعى ان يرتقي درجات الوجود الذي هو عليه.

          كلمة  وزنة  كانت تدل على مقياس للوزن، ثم صارت تعني عملة ثمينة توازي الف دولار. في تلك الأيام الفقيرة يكون العبد الذي استلم خمس وزنات قبض على مبلغ له قوة شرائية كبيرة. اي ان المثل الإنجيلي بقوله ان واحدا استلم خمس وزنات والآخر وزنتين والثالث وزنة يكون قد صور الوضع البشري الذي نحن عليه. نحن متفاوتو المواهب ولا يطلب الرب من النفس اكثر مما تستطيع.

          عندما افكر بهذا المثل يبدو لي انه هو ايضا إنجيل الدينونة كذاك الذي نعتبره إنجيل الدينونة:  كنتُ جائعا فأطعمتموني    او لم تطعموني . لا يمكن فصل هذين الفصلين، وكأن الإنجيل يقول: لا يكفي أن تطعم الجياع وإلى ما ذلك من أعمال عدّدها السيد، ولكن عليك ان تفعّل كل طاقاتك لأنك حامل طاقات من الله يجب ان تثمر ليستفيد منها سائر الناس. ما فيك من قوى ومواهب لم يوضع فيك من اجل متعتك الخاصة ولكن وضعت في خدمة البشر لأنكم عائلة الآب الواحدة التي لا يملك فيها احد شيئا لنفسه.

          عن اية وزنات يتكلم الكتاب؟ هل يجب مثلا انماء الطاقة البدنية؟ ليس لها طبعا قيمة الطاقة العقلية او الطاقة الروحية. مع ذلك عندما نراقب إنسانا مريضا نرى في بعض الأحيان انه لم يقم برياضة بدنية كافية. لا يُزج الإنسان في الجحيم اذا أهمل الرياضة ولكن المحافظة على الصحة واجب اخلاقي ذو اهمية ولو محدودة.

          الملكات العقلية أهم. وهنا يأتي الكسل آفة كبرى. فاذا قدر ذووك ان يرسلوك إلى مدرسة جيدة ثم إلى جامعة وكنت ذكيا، هذا فيه خدمة افضل لك وللبلد. اجل انت مسؤول ان اهملت قراءة الكتب وربما الجريدة اليومية لأن إنماء ثقافتك فيه خدمة للمجتمع، ولكنك لن تُزج في الجحيم بسبب من إهمال الدراسة وتعاطيك مهنة يدوية.

          المراد الأساسي في هذا المثل المواهب الروحية. وهذا ما سماه آباؤنا الحرب الروحية ومكافحة الشهوات. فأنت تنظر إلى القدرة الروحية التي فيك وتزيدها بالجهد الذي تبذله مع استمداد النعمة الإلهية. فإذا اهملت صلاتك لا تنزل عليك النعمة وتصير كأرض قاحلة. واذا لم تشترك في الطقوس الارثوذكسية تكون قد استغنيت عن كنوز عظيمة قادرة ان تؤهلك لفهم كبير وفرح كبير. هذه ثروة بين يديك وليست صعبة المنال. وعند موتك ان كنت لا تعرف هذه الأشياء تذهب إلى السماء فقيرا.

          واذا لم تستثمر المواهب فيدل هذا على انك لا تحب الرب كما يطلب ان تحبه. تكون كالاجير لا كالابن، في حين انه يريد ان تدخل الملكوت جميلا، بهيا، مزينا بثوب مذهب. واذا نظرت إلى الناس حولك ورأيتهم جائعين إلى عطف فأَنْمِ قدرتك على العطف. واذا رأيتهم خائفين من غضب عندك او من قسوة وكنت في اعماقك رقيقا فاجعل رقتك أكثر رهافة وأشمل عملا.

          راقب دائما ذاتك وحاول ان تضرب الشهوة المسيطرة، وان تكتسب الفضيلة المعاكسة، لانك اذا كبرت روحيا يكبر الناس بك. مكافأتك تأتي من قول السيد:  من له يعطى ويزاد . والمعنى ان الرب اذا رأى استعدادك للنمو يعطيك نموا. خف من الله:  العبد البطال ألقوه في الظلمة البرانية . ليس في الحقيقة من ظلمة الا ان الإنسان في الخطيئة يجعل الظلام في نفسه. فاذا شئت ان يأتيك نور فاسعَ إلى النور. يكون الملكوت قد دخل اليك وصار هو فيك ضياء.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

زكا العشّار/ الأحد 30 كانون الثاني 2005 / العدد 5

            يتعامل يسوع مع جابي ضرائب غني لأنه كان رئيسًا للجباة أي ملتزم الضريبة التي تؤدّى للرومان. هذا هو معنى العشّار. أي يفرض الضريبة كما يشاء. كانت الضريبة مفروضة على مدينة أو قرية ومحددة كلها. ولكن العشّار يجمعها من الأفراد وكثيرًا ما كان يتقاضى منهم مبالغ تفوق المجموعة المطلوبة منه.

            “كان يلتمس أن يرى يسوع”. الكلام الذي سمعه منه جذبه إليه. ولكن بسبب قصر قامته لم يتمكّن من تمييز وجهه عن وجوه مرافقيه وكانوا جمعًا غفيرًا. ألهمه قلبه أن يصعد الى جميزة كانت على الطريق الذي كان السيّد سيمرّ به. “فلما انتهى يسوع الى الموضع رفع طرفه فرآه”. اي ان المعلم كان عارفا بأن على الشجرة رجلا سوف يهتم هو به. عند ذاك قال له الرب: “يا زكا اسرع انزل فاليوم ينبغي ان امكث في بيتك”. عرف يسوع اسمه اي عرف قلبه. قال “اسرع انزل”. لا يبقَ عائق بيني وبينك. لن اقول لك كلمتين على السريع، عندنا حديث طويل يستغرق ان اتعشى عندك وان أساهرك.

            ماذا يقول الكتاب بعد هذا الأمر؟ يقول: “فأسرع ونزل”. يسوع استعمل كلمتين: “اسرع انزل”. لبى زكا الأمر كما صدر من المعلم. “وقبله فرحا”. سُرَّ لكلمة السيد ودخل الفرح الى قلبه. اي انه اقتبل ان تقوم العلاقة بينه وبين المسيح. تم كل شيء بهذا الفرح. اكتملت توبة الرجل بلحظة.

            فلما اجتمعا في البيت قال هذا الانسان ليسوع: “هاءنذا يا رب اعطي المساكين نصف اموالي”. فهم ان حبه للمعلم يستتبع عملا وليس فقط مجرد سرور باللقاء. ثم قال: “ان كنت قد غبنت احدًا في شيء ارد اربعة أضعاف”. طبعا لم يكن زكا يتذكر اسماء الذين غبنهم. ولكنه عبّر بهذه الطريقة ليوحي بأنه مستعد ان يعطي الكثير الكثير حتى لا يبقى ما يثقل ضميره.

            عند ذاك قال يسوع: “اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت”. خلاص الرجل ابتدأ عند يسوع، عند نظرة يسوع الى هذا الانسان. ولكن ارتضاء زكا ليسوع جعل هذا الخلاص قابلا للتطبيق. هذا نسميه في الكنيسة الارثوذكسية “مشاركة” بين النعمة والطاعة. النعمة يجب ان يتبعها تنفيذ من الانسان. لا يقدر الانسان على شيء بلا هبة الله. ولكنا اذا لم نتقبل العطاء الإلهي المجاني بفرح ولم ننتقل الى الطاعة تبقى النعمة في قلب الله غير فاعلة. اجل قال بولس: “بالنعمة انتم مخلَّصون”. ولكن هذا القول يفترض قبولنا لعطية الله. لا يستطيع انسان ان يخلّص نفسه ما لم يرضَ الله عنه. ولكن الله يبقى كأنه مكتوف اليدين ان لم تستلم يدا الانسان عطية الله.

            واخيرا قال السيد: “ان ابن البشر انما أتى ليطلب ويخلص ما قد هلك”. في الرؤية البشرية هناك من يبدو وكأنه هلك نهائيا لأن شيئا لا يدل على توبته. ولكن يسوع يفتقد الخاطئ ويرحمه لأنه “يريد ان يخلصوا والى معرفة الحق يقبلوا”. البار والخاطئ كلاهما ابنان لله. ولا يميز الله بين رحمته للبار ورحمته للخاطئ. كلهم محبوب بالمحبة الإلهية الواحدة. ويذهب الراعي لافتقاد الخروف الضال لأنه يريده في الحظيرة ولا يسر بأن يهلك واحد من القطيع. “يخلّص ما قد هلك” اي ما اعتبره الناس هالكا نهائيا.

            لا احد يهلك نهائيا اية كانت معاصيه.   فعندما تصدمه او تجرحه وتحزنه يكفيه ان يفكر بكرم الرب. عند ذاك تمحى خطاياه توا وكأنها لم تكن.

            زكا مثال لكل واحد منا اذا أصر على البقاء في خطاياه. فلو اقترفنا اعظم الشرور لا يغضب الله علينا غضبا نهائيا اذ لا يريدنا ابناء غضب. كنا في الخطيئة جهالا ناسين الله وقدرته على العطاء وعلى تزكيتنا. وزكا تعني المزكى. ليس من انسان يستحيل على الله ان يزكيه. والله يطلبنا كما طلب العشار ويقول لكل واحد منا: “انا اريد ان اسكن بيتك. فلا تتحجر ولا تراكم خطاياك في قلبك بحيث لا يبقى مكان لي عندك. انا وحدي يمكنني ان املأ قلبك فرحا وان اجعل منك انسانا جديدا. لا تألف خطاياك. اريدك أليفي وصديقي. الخطيئة توهمك بأن فيها لذة. واللذة تذهب اذا انت قضيتها. ولكن ان سكنت انا قلبك فأعزيك الى الأبد، وان تبت توبة صادقة لا تردد فيها لا تعود عطشان الى شهواتك. ان فرحك بي لن يوجهك فيما بعد الى الخطيئة، الى الأشياء العابرة. فأنا قدير فيك اذا اعطيتني قلبك”.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

أعمى أريحا/ الأحد 23 كانون الثاني 2005 / العدد 4

اليوم أحد مرفع الجبن الذي ندخل يوم الاثنين الذي يليه الصيام المبارك. ونرجو الله أن يمتعكم ببركاته وعمق معانيه على قدر مشاركتكم الخِدَم الإلهية المختصة به. ومن صام منكم سوف يحس في نفسه باللمسات الإلهية التي يلمسه الله بها بالكلمات الإلهية أقراءات كانت أم أناشيد أم مزامير. كل شيء موضوع في هذه الخدم حتى نتدرج يوما بعد يوم إلى الأسبوع العظيم المقدس الذي هو المرحلة قبل الأخيرة من الذروة الفصح.

          ولكن خشية ان يظن المؤمن ان ما يقوم به هو إبدال طعام بطعام فقط أرادت الكنيسة ان نغوص على ما هو أعمق فقرأت علينا اليوم فصلا من عظة الجبل كما وردت عند متى، فصلا يتضمن ثلاثة محاور نركز الصوم عليها في عقولنا وقلوبنا.

          المحور الأول الغفران إذ يقول السيد: ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. ان الغفران يؤهلك ان تصوم مع ناس تحبهم اذ تكون قد غفرت لهم خطاياهم. الصوم صوم الجماعة والجماعة في المحبة التي تبذلها والمحبة التي تتلقاها هي الواقفة معا بنوع خاص يوم الخميس العظيم في ذكرى العشاء السري. ولهذا نفتش عمن أحزناه لنستغفره وندخل الصوم مطمئنين.

          المحور الثاني الفرح اذ يقول: لا تكونوا معبسين كالمرائين… فاذا صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لا تتأفف من الصيام ومما يبدو لك صعبا فيه. انه صعب على الطفل والمريض. كل منهما معفى من الصوم. فرحك ناتج من انك تسعى مع الرب وإلى الرب. أنت انعزلت عن الخطيئة وطلبت البر. هذا وحده يكفي ليجعلك في فرح.

          المحور الثالث. لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض. احد مرامي الصيام ان توفر ثمن ما لا تأكل لتعطيه من كان في حاجة اليه. فاذا كان الصيام مع الجماعة، فهو اولا مع الجماعة المحتاجة. هذه اذا انت اعطيتها تحفظ لك ذلك السماء. ولهذا يقول: اكنزوا لكم كنوزا في السماء. المال الذي تبذله هنا يجيِّر لك وديعة في السماء إلى جانب كل وديعة روحية. انت لا تقدر ان تصوم اذا لم تحبب الآخرين، ولا يسعك ان تحبهم الا اذا شاركتهم اموالك.

          اذًا غفران أولاً حتى ينوجد الآخر أمامك ومعك. ثانيا) الغفران يعطيك فرحا. ثالثا) اذا كنا نصوم كجماعة نقوم بحاجات بعضنا البعض. فاذا اعتبرنا المال كنزنا فقلبنا فيه كما قال السيد. واذا اعتبرنا الآخر كنزنا فقلبنا عليه.

          هذه المدة الطويلة التي نتقشف فيها ونتعب جسديا نفيق فيها روحيا، نعي ضعفاتنا وحاجاتنا واولاها حاجتنا إلى يسوع.

          الإمساك والصلاة فيه سلاحنا الأمضى لنواجه التجارب ونبعدها عنا. اذا كنت ممتنعًا عن الطعام وبعض ألوانه وهاجمتك التجارب تتذكر انك في حالة حرب روحية فكيف تجمع بين كونك محاربا غالبا وبين ان تطيع نداء الشهوات فيك. من عظمة الصوم انه يقيم تناقضا في عقلك بين جاذبية الله وجاذبية الخطيئة.

          مع ذلك انت معرض للسقوط. ليس الإمساك ضمانة للبر. لذلك لا بد لك من التنبه الكبير حتى تعي حالتك كصائم وتعي حالتك كمواجه للتجارب. لا تتحير بين الرب وعدو الرب. انت حليف المسيح في هذا الزمان المبارك إلى ان ترى قيامته.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

هل هناك من يميت؟ / الأحد 16 كانون الثاني 2005/ العدد 3

الشعب يقول معزيا اهل الميت: “هيك إرادة الله” هذا ناتج من اعتقاد الأقدمين ان الله سبب مباشر للأفعال البشرية او انه هو يأمر بها. ومن هنا قول العهد القديم ان “الله يميت ويحيي”. حتى اكتشف حزقيال النبي ان الفرد مسؤول عن اعماله.

            طبعا الموت لا نقرره نحن. في العهد الجديد لا يقول الرب انه يقرره. يلاحظ الإنجيل فقط ان لعازر مات او مات ابن الأرملة. ولا يقول مرة ان هذا الانسان مات بمشيئة الله. فاذا قلنا ذاك فكأننا نقول ان الله دبر لإنسان معين حادثة سيارة او هو أرسل اليه نوعا من السرطان وقرر ان يفتك به السرطان في تاريخ معين. هذه اشياء في غاية السخف. اجل الله يعنى بكل واحد منا ويتلقى كلا منا عند موته ولكن ليس يمسك سجلا يكتب فيه مسبقا مدة العيش لفلان او فلان ويركب الأسباب كأنها آلة تنقض على الانسان لتضع حدا لحياته.

            لقد وضع الله من بعد سقوط الإنسان قوانين للطبيعة يحكم هذه الطبيعة بموجبها. والإنسان الفرد جزء من آلة الطبيعة فهي التي تسحقه في حركتها او لا تسحقه كما تسحق الحيوان او الزهرة. الله يستعيد الإنسان اليه من موت نتج عن جسد الإنسان الذي هو مجرد مختبر كيميائي او نتج عن الحركات الطبيعية مثل حريق او زلزال. ليس عند الله قصد في إحداث حرائق او زلازل. الله بوضعه قوانين الطبيعة لا يأتي باستثناء ليعزل انسانا ما عن مسيرة الطبيعة. قد يحدث هذا ونسميه اعجوبة او معجزة ولكن هذا لا يحدث لمجرد ان احدا من الناس يريد ذلك. الأعجوبة بيد الله وهو يعرف صالحنا وما يبنينا روحيا. لا يمنعك الله من طلب الأعجوبة ولكنه لا يقيد نفسه بكل طلب منك. هو يقدر ما ينفع خلائقه روحيا. المهم عنده ان تأتي الى الخلاص اي الى خلاص نفسك من الخطيئة.

            ما يريده الله هو ما عبر عنه في إنجيل يوحنا: “قد أتيت لتكون لهم حياة” (10: 10). ولما تكلم بعد هذا بقليل عن خرافه قال: “انا اعطيها حياة ابدية”. ليس من كلام هنا عن حياة في الجسد. من يسوع نستمد حياة لا تفنى بنعمته أعشناها هنا ام عشناها فوق. وهو القائل: “انا القيامة والحياة” (يوحنا 11: 25). هو لا يبدي اي اهتمام بأن تطول حياة امرئ وليس ما يدل اذا طالت انها افضل له. فاذا عمّر طويلا قد تكثر خطاياه. ليس من مقياس يدلنا على ان الحياة الطويلة افضل في العمق لنا ولأنسبائنا.

            نحن نتعامل مع الموجود اي مع الحياة او الموت. واذا مات عزيز نرتب حياتنا على ان هذا العزيز صار خارج سمعنا وبصرنا ومعشرنا. هذا صعب وموجع لأننا كنا نستطيب هذا الصديق. والرب لم يطلب الا نتوجع ولكنا نحمل القريب الينا في الصلاة لنصبر على الألم.

            في الواقع يخف الألم في اليوم الثالث ويخف في الأربعين واذا لم يكن الميت غاليا جدا يقول العلماء ان الحزن الشديد يزول بعد سنة. وليس مفيدا ابدا ان نستبقيه عاطفيا فينا اذا اخذ هو يغيب. العلاقة يجب ان تتحول الى علاقة صلاة اي الى بقاء في جسد المسيح.

            عندما يقول السيد لا يسقط عصفور على الأرض الا بإذن ابيكم او لا يسقط شعرة الا بإذن ابيكم هذا يشير الى العناية الإلهية ولا يعني ان الله يأمر بإسقاط عصفور او إسقاط شعرة. نحن نموت بأذنه ولا نموت بقراره الا اذا اعتبرنا انه وضع قراره ضمن آلة الكون. هذا الكون يميت والله يعطينا الحياة الأبدية ويردنا اليه بحبه.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الظهور الإلهي/ الأحد 9 كانون الثاني 2005 / العدد 2

لا نزال نحيا في بركات عيد الظهور (الغطاس). ومتى الإنجيلي يقتبس قولة من اشعياء النبي: “ارض زبولون وارض نفتاليم” (وهما مقاطعتان) سميتا على اسمين اسماء الأسباط الاثني عشر الذين تقاسموا ارض فلسطين عندما دخلها بنو اسرائيل. وقال اشعياء ان اهلها “أبصر نورا عظيما”. متى كان ذلك؟ متى يقول ان هذا حصل لما أنارها يسوع بمعموديته وليس في ايام اشعياء. بعد هذا الكشف اخذ الإنجيلي يقول ان هناك “ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السموات”. والمعنى الواضح ان الملكوت صار بينكم لأن الملك معكم وسيعلن ملكه صراحة على الصليب.

            والمعمودية نفسها ما كانت الا صورة عن موت المسيح وقيامته اذ رسم موته بصورة دخوله في الماء كما رسم بخروجه من الماء قيامته. وان تتوبوا يعني ان تُغرقوا شهواتكم كأنها في ماء وتستيقظوا للبر. ان معمودية السيد تنعكس فينا توبة. اجل نعتمد اذا كنا صغارا ولكن هذه العملية دعوة الى ان نكون معمَّدين باستمرار، وهذا لا يتم الا بالتوبة وهي تعني باللغة الرجوع، الرجوع من خطايانا الى وجه المسيح حتى يأخذنا بالرؤية ونعيش بها. فاذا عرفنا اننا مرئيون من المسيح نراه نحن، ولا رؤية لنا اذا كانت الخطيئة تعمي بصائرنا فالمسيح نراه ببصيرة القلب. وكل منا عند ذاك يسمع ما سمعه السيد: “انت ابني الحبيب”. فنحن نصير محبوبين بالحبيب الوحيد يسوع. وندرك، عند ذاك، ان لنا أبا واحدا وهو الذي في السماء. لذلك نستهل الصلاة الربية بقولنا له: “ابانا الذي في السموات ليتقدس اسمك…”.

            نحن نسمع في قلوبنا اننا ابناء اذ نعرف اننا لم نبقَ عبيدا للخطيئة ولكن صرنا عبيدا للبر. وذلك يتم اذا ارسل الآب روح ابنه علينا كما ارسله على المسيح. المسيح يصور نفسه فينا بالروح القدس ويصير كل منا بالنعمة مسيحا اي ممسوحا بالنعمة. وبدء ذلك يكون بالميرون المقدس. والمسحة تدوم فينا اذا قبلناها بالرجوع الى الله.

            الغطاس الذي تقبّله السيد تقبلناه بالمعمودية بدءا وليس نهاية. والنهاية فوق في السماء من بعد قيامتنا من بين الأموات. عملية مستمرة وضع الرب يسوع أساسها بموته وقيامته فكانت البشارة بشهادة الدم. او بشارة الحياة الصالحة.

            لذلك يحتاج المؤمن الى المؤمن، ولذلك كان من الضروري ان يلتقي المؤمنون في الكنيسة فتنزل عليهم عنصرة كل يوم أحد وما أقيمت الذبيحة. وفيها نصير واحدا بتناولنا جسد الرب ودمه. وبلا ذلك نحن مبعثرون بهموم الحياة وغناها وملذاتها. نحن نصير في القداس الإلهي جسد الرب اي ملتصقين به ومنتظرين منه ان نصير به واحدا بعضنا مع البعض الآخر.

            عيد الظهور الذي هو العيد الأجلّ من بعد الفصح يصير عيدنا الشخصي ليس فقط يوم الذكرى ولكنه يصير عيدا موصولا.

            يظهر ابن الله للمرة الاولى سريا في قلوبنا يوم الميلاد طفلا فقيرا، معلما التواضع. ويظهر بنور جلي يوم عماده واحدا مع الآب والروح القدس ومتهيئًا لسر موته والقيامة. وهكذا تتجاوب الأعياد كما يتجاوب اللحن واللحن او كما تتجاوب الصلاة والصلاة حتى ندرك ان خلاصنا هو بالمسيح وحده فلا نفتش عن خلاص لنا وانتعاش وفرح الا اذا اعطينا الآخرين المسيح بحبنا لهم وهدايتنا لهم.

            الحياة المسيحية واحدة طوال حياتنا. ونبرزها بهذا العيد او ذاك وبالخدمة الإلهية الموصولة ودرسنا للكتاب الإلهي المحيي وعيشنا شركاء بعضنا لبعض ولاسيما للفقراء. لا الترتيل وحده ولا الصلاة وحدها مع ان كل نفحاتنا تأتي من الصلاة، ولكن باستمرار موت الخطيئة فينا وانبعاثنا بالرجاء حتى يكون الله الكل في الكل ويصبح الكون في آخر مطافه التاريخي مطرحا لله.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

السنة الجديدة/ الأحد 2 كانون الثاني 2005 /العدد الأول

في طقوسنا الكنسية رأس السنة هو في أول أيلول. أما أول كانون الثاني فهو بدء السنة المدنية التي تعود إلى الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر. وليس عندنا في هذا اليوم عيد اسمه رأس السنة. ولكن عندنا عيد ختانة الرب يسوع وعيد القديس باسيليوس الكبير. غير أن هذا اليوم يعتبره الناس مفْصلا ويطلق الناس الرصاص عند منتصف الليل ابتهاجا بالجديد الذي يأملونه. ولكن ما الجديد؟ اثنا عشر شهرا غالبا ما ستكون مثل السنوات السابقة فيها فقر شديد وعنف كبير وليس في الحياة السياسية الدولية أو المحلية ما يبشر بالخير. مع ذلك نريد أن نعتقد أنها فسحة أمل لأن الإنسان في ضيقه يرجو الخيرات. وعندنا نحن المؤمنين أن البركات تأتي من الله الذي يخترق الزمان وله القدرة أن يُنزل عليه نعمته. يمكن أن تحدث أعجوبة وان تتغير الأوضاع السياسية والاقتصادية بحيث يقلّ الفقر ويعمّ السلام العالم. ورجاؤنا ما قالته الملائكة: «المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام في أناسِ المسرةِ» أي الذين سُرَّ الله بهم لأنهم صالحون.

وكأن أنشودة الملائكة ليست تمني سلام لكل البشرية ولكن فقط لأولئك الذين أحبهم ربهم وأحبوه. فالملائكة تكلموا إذًا على سلام القلوب بالنقاوة وما تكلموا على سلام في دنيا السياسة. هذا ليس عنه وعد. السنة إذًا تجعلها أنت جديدة في نفسك إذا جددت نفسك بالنعمة. وهذا السلام الداخلي تعيشه أنت ولو معذبا ولو استمرت الحرب في العراق وفلسطين مثلا وأثر هذا على لبنان. أنت لا ترجو سنة جديدة ولكن تجديد ذاتك وتنقيتها تتجدد بها قلوب كثيرة.

قد تنتهي الحروب بقرار ويرتفـع مستوى العيش بمـجمـوعـة قـرارات متخـذة في البلـد وخـارج البلـد ويبقى نـاس أشرار يصنعون حروبـا بلا سلاح. وقد يـكون جرح القلوب أعمق من تلك التي تأتي بها الحروب.

فكّر منذ الآن كيف تتوب وكيف تتكتل مع التائبين لتكونوا ذلك القطيع الصغير المؤمن الذي لا يخاف لأنه أُعطي الملكوت. و«الملكوت في داخلكم» على ما قال السيد. ولكن إذا بقينا على صعيد الحياة المجتمعية، لك ان تعمل مع الآخرين لتحسين الوضع بكل الوسائل السياسية المشروعة أقله في بلدك الصغير لترى ان أشياء كثيرة تجددت لتتعزى بها ولا تظل تحت ضغط اليأس والحزن.

هناك إذًا جهدان مترافقان: جهد روحي كبير، عميق وجدّي، وجهد في المجتمع المدني عن طريق النضال الوطني الذي يطلبه الله منك ليحيا الناس بشيء من اليسر والراحة ويسعوا إلى سعادة عائلاتهم والوطن الذي يحتضنها. والتوبة التي تكون قد نزلت عليك تجعلك مواطنا صالحا ومقداما لأن السيئين لا يستطيعون ان ينشئوا بلدا سويا أو دولة هي في خدمة مواطنيها. فإذا كثر الإثم وفترت المحبة فلا جديد في الأمة وليس من دولة راقية.

لا شيء جديدا خارجا عنك وليس في المجتمع جديد إذا كانت القلوب ساقطة وليس فيها حرارة ولا كان في الأقوال دسم.

يمكن ان تتصور تصافي القلوب والفرح بالسلام ورُقيًّا حضاريا كبيرا تصل فيها دول متجاورة إلى التراص فيما بينها حتى تصبح مصرّة على عدم الحرب وعلى النمو الاقتصادي المشترك وهذا ما حصل في أوربا الغربية بين ألمانيا وفرنسا اللتين خاضتا ثلاث حروب بينهما حتى فهمتا ان السلام نافع لهما. وربما تم ذلك يوما في المجموعة الأوربية الكبيرة. لماذا لا يستطيع العرب أن يفعلوا ذلك؟

ينبغي ان تفهم الدول الغنية ان من مصلحتها ان تدعم الشعوب الضعيفة التي يقودها القمع الذي تعانيه إلى مظاهر العنف وما قد يسمى إرهابا. ينبغي ان تفهم الدول الغنية ان مصلحتها في رقي الأمم جميعا. ليس عند الله شيء ضد ان يرتب العالم شؤونه بإدراكه أن حاجة الجميع هي إلى المشاركة في الخيرات والمشاركة في الإنتاج الفكري والفني. هذا يعني إيمانا من القيمين على الشعوب ان التنافس في الحسنى يأتي في صالح الجميع. علينا ان نرجو يوما لا يحتاج فيه الإنسان إلى تأكيد نفسه بالسلاح بل إلى تأكيد نفسه وسواه بالحب.

عند ذاك كل سنة جديدة تصير أعظم جدة من التي سبقتها. أما مساهمتنا نحن المؤمنين فأن نهيئ بالتقوى العقول إلى هذه القناعة. فإذا أحسست بأهمية الله عندك تشتهيه للآخرين.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

عيد جامع لوالدة الإله/ الأحد في 26 كانون الأول 2004/ العدد 52

اليوم الثاني الذي يلي بعض الأعياد الكبرى نعيّد للشخص الذي يأتي بالدرجة الثانية بعد المسيح. فبعد الظهور الإلهي نقيم عيدا جامعا ليوحنا المعمدان لأنه كان هو الصابغ. وفي اليوم الذي يلي دخول السيد إلى الهيكل نعيد لسمعان الشيخ وحنة النبية. على هذا المثال نقيم اليوم عيدا لوالدة الإله ليس عيد حدث كعيد مولدها او رقادها.

            فبعد ان عيدنا للميلاد أمس جئنا نذكر ام الرب وجسدُهُ منها. لذلك رأينا ان تعظيمنا لحدث الميلاد يقودنا إلى تعظيم التي جعلت هذا الميلاد في الجسد ممكنا. وفي القراءة الإنجيلية اليوم نراها ترافقه إلى مصر (وقد تكون فقط برية سيناء) القريبة من بيت لحم. ونراها ترافقه في العودة إلى ارض اسرائيل وتلازمه في الناصرة التي انطلق منها إلى البشارة. وعند لوقا تحمله مع يوسف إلى الهيكل ثم يرافقانه إلى الهيكل لما بلغ سن الاثني عشر. وكانت معه في عرس قانا الجليل حتى انتصبت امامه لما كان معلقا على الصليب. فاذا رافقناه نحن في الروح رافقناها ايضا. هذا اليوم هو يومها.

            نحن نعي اهميتها عنده. وهذا يتجلى بنوع خاص لما قال السيد للتلميذ الحبيب الذي كان في رفقتها إلى الصليب: “هذه امك”. وعند هذا اخذها التلميذ الحبيب إلى خاصته. وهذا يعني ببساطة انه آواها عنده. ولكن بما هو اعمق روحيا من هذا الكلام يعني ان كل تلميذ حبيب يعتبرها امه اي يقيم معها علاقة إجلال وعلاقة محبة وعلاقة صلاة باعتبار ان السيد بعد رقادها أخذها إلى المجد الإلهي. فاذا انت استقطبك هذا المجد ورفعت عينيك إلى يسوع تراها معه. وفي هذا انت تراعي كلمتها في انجيل لوقا: “ها منذ الآن يطوبني سائر الأجيال” (1: 48).

            يقول احد القديسين وهو مكسيموس المعترف انك ان ولدت المسيح في قلوب الناس (بالتعليم او البشارة او الشهادة) تصبح مريما جديدة. والكنيسة عرفت مكانة مريم فسمتها والدة الإله في المجمع المسكوني الثالث وقالت عنها في المجمع الخامس انها الدائمة البتولية.

            هذه العبارة الأخيرة لا تدلنا فقط على عذريتها الدائمة الا انها دعوة الينا حتى نكون نحن -متزوجين كنا ام غير متزوجين- كارهين الخطيئة، دائمي النقاوة. المسيح كامل النقاوة ولكنه جعل امه بنعمته ايضا محفوظة من الدنس، اي دنس لتكون لنا قدوة اي لنقرر بإرادتنا ان الخطيئة ولو غلبتنا نستطيع ان نستعيد الطهارة التي حافظت عليها مريم. واذا تطهرنا بالتوبة نصير مريميين. مريم قدرت، بنعمة ربها، الا تسقط. فاذا كانت ارادة الله قداستنا وأطعنا إرادة الله ونهضنا نكون متشبهين بمريم. واسمها باللغة الآرامية التي كانت لغتها تعني “السيدة”. هذا كان اسما على مسمّى. ان نكون مريميين على هذه الطريقة يجعلنا طالبي قداسة في عصر كثر فيه الفسق واخذت الأمانة الزوجية تضعف فيه، عصر انتشر فيه الكذب وكل وسائل الاحتيال والهدر والسرقات، عصر شرعت فيه بعض الدول علاقات بين الناس مخالفة للطبيعة.

            كان الناس دائما يخطئون ربما بالقدر نفسه الذي يخطئ فيه هذا العصر. ولكنهم كانوا يستحيون بعد ارتكابهم المعصية. عصرنا هذا -وليس فقط في الغرب- يتباهى بأنه يفعل هذه الأشياء القبيحة ويعتبرها طبيعية. يسرقون بعضهم بعضا ويزكون السرقة في قولهم وفي أفعالهم ولن اعدد الخطايا فإن ذكرها قبيح كما يقول الرسول.

            ولن ينقذ اهل هذا الجيل الفاسد الملتوي الا الأنقياء الذين يكرهون الشر بكل جوارحهم. من منا يهرب من الآثام هربه من نار؟ من منا مقتنع ان الحياة الحرة هي الحرية من المعصية وان عيشنا مع الله هو العيش الحقيقي الذي يجعلنا متشبهين بالله؟

            امام انجرافنا إلى الشرور تنتصب مريم لتوحي الينا ان اقترابنا من يسوع هو الذي يعصمنا من الشرور ويعيد الينا العافية الروحية ويجعلنا بشرا سويا.

            واذا ولدنا مع يسوع في عيد ميلاده فالمهم هو المحافظة على هذه الولادة الجديدة التي تجعلنا حقا ابناء الله فنولد كل يوم بالنعمة لنبقى على النعمة التي ظللت والدة الإله وجعلتها قابلة للانتقال إلى المجد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أحد النسبة/ الأحد في 19 كانون الاول 2004 / العدد 51

هو الأحد السابق للميلاد يحتوي على “شجرة العائلة” التي وُلد منها السيد وعلى رواية الميلاد. غاية إيراد نَسَبِ المخلّص عند متى الذي وضع كتابه لليهود وللهيود المتنصرين ان يبين لهم ان يسوع هو ابن داود ليقول انه وريث الملك ولكن ملكه روحي. ثم ليقول انه ابن ابراهيم ابي المؤمنين والذي انحدر منه يهود ذلك الزمان (يهود اليوم ليسوا معظمهم اولاد ابراهيم). كان هّم متى ان يدل ان يسوع بشر حقيقي وثمرة السلسلة التي ورد معظم اسمائها في العهد القديم.

            من اول الكلام يُظهر متى ان يسوع هو المسيح. كلمة “المسيح” هي صفة ليسوع. وردت في الكتاب ووردت عند علماء اليهود وكانت تعني عندهم منقذ اسرائيل الذي يأتي في آخر الأيام ليقيم العدل ولكنه ليس المخلّص بالمعنى الروحي. المسيح مخلّصا من الخطيئة والموت فكرة مسيحية صرفة.

            السلسلة اوردت ثلاث مراحل، الاولى من ابراهيم الى داود، الثانية من داود الى جلاء بابل (لأنه حدث مهم في تاريخ اسرائيل)، والثالثة من جلاء بابل إلى المسيح. اربعة عشر جيلا في كل واحدة، والرقم 14 هو رمز داود التي تكتب في العبرية بلا ألف. رمز الدال 4 ورمز الواو 6 في ما يسمى عندنا علم الجمَّل. الحصيلة 14. فرتب متى السلسلة هكذا مستقيا الأسماء من العهد القديم.

            الى ذلك اورد اسماء اربعة نساء: تامار، وراحاب، وراعوث، اما الرابعة فلم يذكر اسمها ولكنه ذكرها بقوله “التي لأُوريا”. الاوليان ارتكبتا زنى. راعوث اجنبية، والاخيرة اخذها داود الملك بعد ان قتل زوجها. هذا ليوحي بأن السيد منحدر من جنس بشري خاطئ وان الطهارة هي فيه هو.

            يقف النسب عند يوسف لأن الولد منسوب الى أبيه او المحسوب أباه (يوسف لم يكن أبا لسيد). عرّفه الإنجيلي على انه خطيب مريم اي زوجها حسب العقد الذي كان معروفا عند اليهود بحيث انه ولو لم تقترن به فعليا ترثه. غير انها لم تكن مقيمة عنده. زفافها اي انتقالها الى بيته تم بعد الميلاد وهذا ما يشير اليه هذا الفصل بقوله: “فأخذ امرأته” بمعنى آواها في منزله لتحسب زوجة بنظر الناس. كان لا بد ان يظهر يسوع، لحماية مريم، ابنا ليوسف. اسم يسوع مؤلف من الياء وهي اول حرف من كلمة “يهوه” التي تعني الله بلغتهم، ومن “يشوع” وهو فعل يعني خلّص، يخلص. الاسم كان معروفا عندهم واختاره الآب ليسمي به ابنه على الأرض. اما اسم عمانوئيل (وفيه إيل وهو اسم آخر لله في العهد القديم) فهو اسم آخر للسيد ولكنه لم يُستعمل بالمناداة. غير ان هذا الاسم يشددنا بالايمان ان الله صار معنا بمسيحه.

            ثم قد يأتي السؤال من آخر القراءة: ما معنى “لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر”؟ كل ما أراده متى ان يذكر ان العذراء حبلت في عذريتها. الانجيل يروي هذه الحقيقة بقولتين: “ها العذراء تحبل وتلد ابنا”. والقولة الثانية “لم يعرفها” تؤيد الاولى، ولا يقول شيئا عما اذا جرى زواج فعلي بين يوسف ومريم بعد الولادة. انه يؤكد عدم وجود تواصل بينهما قبل الميلاد ولا يهتم لما جرى بعد. الأمثلة عديدة في مخاطبة الناس بعضهم بعضا ،فاذا سألتك: هل كنت امس حتى الظهر في بيتك؟ وقلت لي: نعم. تكون مجاوبا عن سؤالي. انا ما سألتك عما فعلت بعد الظهر، وانت اجبت عن سؤالي ولم تكشف لي عما فعلته بعد الظهر. هاجس متى لم يكن ان يروي شيئا عن حياة مريم بعد ولادتها يسوع. كان هاجسه ان يؤكد الميلاد البتولي.

            اما كونها “الدائمة البتولية” فهذا نعرفه من اعتقاد المسيحيين الموثق مند القرن الثاني للميلاد وما نحن نردده في العبادات وما أكده المجمع المسكوني الخامس. وهذا عندنا نحن الارثوذكسيين جزء من معتقدنا. هذا هو تقليدنا او تراثنا.

            اليوم يزداد تهيؤنا لميلاد الرب الذي ظهر قديما بالأنبياء والآن يظهر لنا بشخصه لابسا جسدا مثلنا ومتخذا كل اوضاعنا ما عدا الخطيئة. الآن نحن نولد ايضا، اذا شئنا، بالتواضع وانكسار القلب. الآن نصير فقراء اليه لأنه هو إله الفقراء. واذا صرنا الى وداعته وحلاوة نفسه نقدر نحن ايضا ان نُظهره في العالم لأن المطلوب ان يولد يسوع في كل قلب. ما يَسُرُّ الله هو عيد موصول في النفس البشرية العائدة اليه.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأجداد/ الأحد في 12 كانون الاول 2004 / العدد 50

هذا هو الأحد السابق لأحد النسبة، نذكر فيه أجداد المسيح في الجسد، اي الذين سبقوه من اول الخليقة اليه الذين كانوا من الأمم (اي الوثنيين) والذين انحدروا من ابراهيم. والكنيسة  أرادت بتلك الذكرى ان تبيّن ان كل الجمالات الروحية في الشعوب كلها جمعها المسيح في بشريته المقدسة، فلا فضل في هذا ليهودي على أممي لأنهم جميعًًًا سوف يخلصهم المسيح، اي انه خلّص بموته الذين كانوا في مملكة الموت يهودًا كانوا أم أمميين. فالذين ماتوا قبله  نقول انهم في الجحيم ونعني بها نطاق الموت وقد زارهم بروحه  عند صلبه. أما الذين جاؤوا بعده فقد خلصهم بالإيمان.

            فقد اتجهت كل الأفكار الصالحة التي ظهرت قبله اليه اذ كان عند الوثنيين ولا سيما اليونانيين فكر عظيم تجلّى بالفلسفة. الفلاسفة التمسوا بعض ما قال به المسيح التماسًا. كذلك كانت هناك حكايا وثنية فيها تعاليم روحية او صوَر تشبه بعض ما جاء في الإنجيل. فقد عاش هؤلاء على بعض من الحقائق ولم يعيشوا الحقيقة كلها.

            ما من شك عندنا ان الحقيقة الأسطع كانت في العهد القديم الذي يبدأ في سفر التكوين بذكر الله خالقًا ثم بذكره مخلّصا لشعبه من مصائب حلّت به ومن معصيات ارتكبها. كانت  في شريعة موسى إشارات الى السيد ورموز. فالهيكل رمز الى الهيكل الوحيد الذي هو المسيح. والختانة رمز للمعمودية. غير ان ذروة العهد القديم الذي تكلّم بصوَر تتراوح بين الغموض والوضوح عن مولد السيد (ها ان العذراء تحبل وتلد، وذلك في اشعياء) او عن موته (كشاة سيق الى الذبح وكنعجة أمام جازيها هكذا لم يفتح فاه). لهذا قال آباؤنا ان اشعيا هو الإنجيلي الخامس. فالله قاد الشعوب كلها، على قدر ما كانت تستطيع ان تفهم، الى المسيح فلما جاء الكامل بَطَلَ الناقص.

            بسبب هذا التهيؤ لظهور المخلّص كان الرسل يكلمون الوثنيين بطريقة قريبة اليهم ويكلمون اليهود استنادا الى كتاب كان الرسل واليهود يعتبرونه معا ملهَمًا من الله.

            اما نحن المؤمنين بيسوع فتكون قلوبنا قريبة من قلوب الوثنيين او من قلوب اليهود، فيها غلط او فيها تحجر. وقد دعانا يسوع اليه بالمعمودية اي بأن نميت شهواتنا ونلتصق به ولكنا نفضل احيانا كثيرة خطايانا على المسيح وكأننا لم نتعمد. لهذا يدعونا السيد باستمرار اليه بالأعياد والصلوات المختلفة وكلمات الإنجيل ويدفعنا بالنعمة الى ان نوقظ النداء القديم الذي استمعناه وعشنا منه في عائلات مسيحية.

            ها ان ذكر الميلاد يتكثف. وقد بدأنا ذلك من اسابيع بالترتيل واستعدت قلوبنا لنستقبل حلاوة يسوع وطراوته ونترك ما هو ضده من فكر وسلوك. فالوثنيات تستيقظ في تيارات فلسفية او شبه فلسفية، والفكر الذي يدمر العائلة ويسعى الى انفكاكها يظهر بصورة قاسية. والابتعاد عن الكنائس يقوى في مكان او لا يزال هو اياه في مكان آخر. ليس هيرودس وحده اراد خنق المسيح. كل البدع الخارجة عن الكنيسة مدعيةً إخلاصها للمسيح هي ايضا من القوى المعادية لنا.

            زد على ذلك الإهمال في هذه الرعية او تلك. هل كل رعية دافئة كالمذود؟ هل كل انسان حاضن للطفل الإلهي مثل مريم؟

            هذا العيد يتم في قلبك او ليس عيدا. وانت قادر ان تجعله عيدا للآخرين اذا اجتمعتم بالغفران والعطاء جميعا حول يسوع الآتي من اجلنا.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (غلاطية 5: 22-6: 2)/ الأحد في 5 كانون الأول 2004 / العدد 49

ما يلفت في بدء الرسالة قول بولس “ثمر الروح” بالمفرد ثم يعدد الفضائل التي يزرعها الروح القدس فينا. المحبة والفرح والسلام الخ… ليوحي ان ليس من حسنة فينا الا ومعطيها الروح الإلهي وليوحي ايضا ان الفضائل متماسكة فمن عنده المحبة التي يسميها اولا تأتيه الفضائل الأخرى لكون مصدرها واحدا.

            وحتى لا يظن القارئ ان الفضائل محفورة فينا الى الأبد يلفتنا الرسول الى ان هناك جهدا نبذله لنحافظ عليها فيأتي الخلاص موآزرة بين الجهد البشري والنعمة الإلهية. الفضائل ليست خزانة حديد اذ يجب العمل على حفظها وإذكائها والاقتناع بما يلغيها او يدمرها فينا. لذلك قال: “الذين للمسيح صلبوا اجسادهم مع الآلام والشهوات”. ويريد بالجسد الجانب الخاطئ فينا المكون من الأهواء التي ننفعل بها (ويسميها الآلام) وكذلك الشهوات التي هي تحقيق للأهواء الكامنة. لذلك يريد ان نضرب لا الخطيئة الظاهرة وحسب ولكن الأعماق النفسية التي نبتت منها الخطيئة. وهذا ما سيتكلم عليه كثيرا آباؤنا النساك الذين سموا الأهواء واعتبروها ثمانية وتحدثوا عن العلاج الروحي الذي نتقبله لنستأصلها من النفس حتى نصير احرارا من الهوى بمعنى النزعة المؤذية المولدة للشر على انواعه.

            اذًا نعيش بالروح اي بالروح القدس، نمتلئ منه فنسلك به. سلوكك يأتي من الداخل الذي كوّنه الله بالنعمة وبعد هذا يأتي العمل. ثم العمل بدوره يستدعي الروح الإلهي لينزل عليك. عندئذ يختار الكاتب ثلاث رذائل كأمثلة ويذكر العُجب او التباهي والمجد الباطل وهما مرتبطان بالكبرياء ثم الغضب الذي يدل على ان النفس ليست مطمئنة الى الله ولا تحب الإخوة واخيرا يذكر الحسد الذي يجعلنا غير محبين للخير عند الآخرين او نشتهي الذي عندهم من خيرات الدنيا ونكره ان يكونوا افضل منا.

            بعد هذا يلاحظ الرسول ان كل الناس معرضون للزلل فيقول: “اذا أخذ احدكم في زلة فأصلحوا انتم الروحيين مثل هذا بروح الوداعة”. لا تكرهوا احدا بسبب خطيئته فإن كل انسان حبيب الله ولو سقط وكل انسان افتداه يسوع ولكنه غفل عن رؤية الحق وعن مراقبة نفسه وأهملها فدخلت اليها عتمات الخطيئة. هذا اصلحوه باللوم او التأنيب او النصيحة الهادئة حسب احواله فلكل من الناس كلمة تقولونها له. ولا تكونوا قساة عليهم ولو كنتم ذوي حزم وعزم.

            اصلحوه بروح الوداعة التي قال عنها يسوع: “تعلموا مني انني وديع ومتواضع القلب”. تسلس بالوداعة علاقتك بالناس فاذا احبوك بسببها تستطيع ان تقول لهم كلمة الله وهي تصلحهم بقوة ذاتها. ولكن اذا أصلحت الآخرين “تبصر انت لنفسك لئلا تجرب انت ايضا” اي لا تستكبر اذا اصلحت ولا تحسب نفسك خيرا من الآخرين وتواضع امام الله لتعبر كلمته من فمك الى قلب الآخرين.

            ويختتم بولس هذا المقطع بقوله: “احملوا بعضكم اثقال بعض وهكذا أتموا ناموس المسيح”. فالناس متعبون ومرضى نفسيا وروحيا وكثيرون منهم غليظة قلوبهم وغليظة اقوالهم. احتملوهم جميعا كما حملنا السيد على كتفيه. واذكروهم في ادعيتكم اذا خطئوا وهذا افضل حمل لهم. احملوهم بحب يرضَ الله عنكم وعنهم.

            ذلك لأننا واحد في المسيح وكنيسة واحدة. وتتجلى الكنيسة اذا صبرنا بعضنا على بعض وتآزرنا ولم نحاسب احدا على خطيئة ثم رفقنا به وخدمناه حتى الموت.

            وينهي بولس قوله اذا فعلتم هذا تتمون ناموس المسيح الذي تختصره كلمة محبة.

Continue reading