Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2005, مقالات, نشرة رعيتي

خلاص الأغنياء/ الأحد 27 تشرين الثاني 2005 / العدد 48

في اللغة التي كتب فيها الانجيل اي اليونانية، الانسان الذي واجه يسوع في قراءة اليوم كان وجيها او رئيسا اي عضوا في مجمع اليهود وسأل المعلم: “ماذا أعمل لأرث الحياة الابدية”. كان يعلم ما قاله الكتاب عن الخلاص. ربما أراد جوابا اوضح او اكثر تفصيلا من يسوع وسمّاه “المعلم الصالح”.  كان في هذا الكلام مجاملة للسيد او مديح  ولا سيما انه كان يعتبر المعلم بشرا فقط. سؤال لا يخلو من الخفة. لذلك رفض الرب ان ينعته هذا الرجل بنعت يليق بالله فقط.

          ماذا أعمل؟ اجاب عنها السيد بذكر بعض الوصايا المذكورة بالناموس. زكّى الرجل نفسه بقوله انه حفظها منذ صباه. عندئذ قال له يسوع: “واحدة تعوزك بعد، بع كل  شيء ووزعه ثم تعال اتبعني”. هذا كلام قاله يسوع لهذا الشخص بالذات ولم يعمّمه. قال له هذا لأن المال الكثير الذي كان له كان عائقا دون خلاصه.

          بعد ان رفض هذا الوجيه الميسور دعوة المسيح اليه والى التجند في صفوف اتباعه، قال الرب هذا القول الصعب: “ما اعسر على ذوي الاموال ان يدخلوا ملكوت الله. انه لأسهل ان يدخل الجمل في ثقب الابرة من ان يدخل غني ملكوت الله”.يسوع قال انه صعب ولم يقل انه مستحيل. صحّ ان السيد اعطى عن صعوبة الخلاص للغني صورة الجمل والإبرة، والجمل هو الجمل والإبرة هي الإبرة. انها مبالغة في تصوير صعوبة الخلاص. ولكن يسوع لا يسهّل الصعوبات ليجذب الناس الى الجدية. هذا من باب الملاحظة العامة لأن تعلق الغني بماله يدفعه الى الاهتمام المفرط به الى درجة الاحساس ان المال هو المنقذ وقد لا يعرف الغني ان كثرة المال يدفعه الى عشقه وهذا هو السقوط.

          ما من شك ان يسوع لا يرى منفذا من هذا العشق الا بالتوزيع لانه يدل على ان قلب الغني اتسع للفقراء وانه لا يحب المال حتى البخل بل صار يحب الناس ايضا. كيف يكون التوزيع؟ ما مقداره؟ مسائل لم يتعرض المسيح لها، ولكن الدعوة الاساسية هي ان نتخلى عن بعض ما نملك لكي لا يموت الناس جوعا، على الاقل ليتمكنوا من اعالة عيالهم، على ان تكون متواضعا في العطاء وان تجعل نفسك مع المحتاج في حالة التآخي.

          انت لا تعرف كل الفقراء ولا تقدر ان تحل لهم كل مشاكل حياتهم. ولكن تستطيع ان تختار بعضا وان تسعفهم بصورة جدية. ولا يكون الامر صوريا، ولكن تكون المساعدة حقيقية، فعالة. المهم أمران: ان تضرب العشق الذي فيك، وان تحب الفقراء وتنفّذ هذه المحبة بالعطاء. هذا يزعجك ان كنت متعلقا بثروتك، ولكن ليس من عمل صالح بلا تعب او بلا تضحية.

          عندما سأل السامعون المخلص من يخلص اذًا، اجاب: ما لا يستطاع عند الناس مستطاع عند الله. هذا لا يعني ان الرب يخلصك بصورة اعتباطية فيختار بعضا ويهمل بعضا. هذا يعني ما قاله بولس في رسالته اليوم: “بالنعمة انتم مخلَّصون”. فتحل نعمة الله على الغني وتلهمه محبة لم تكن له وهي تفتح قلبه ثم تفتح كفه ليحس بأن الفقير اخوه ويشاركه ما عنده. فالغني يرتاح بالعطاء، والفقير يحس بأن آخر احبه.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الغني الغبي / الأحد 20 تشرين الثاني 2005 / العدد 47

انجيل لوقا إنجيل الفقراء. الكلام الرئيس  عند لوقا عن الفقراء هو في التطويبة الأولى :”طوباكم ايها المساكين لان لكم ملكوت الله” (6 :20). وهو الفقر بالمعنى الحسي يقابله بالتطويبات نفسها عنده “ويل لكم ايها الأغنياء لانكم قد نلتم عزاء كم” (6: 24). غير ان معرفتنا لجماعة كانت تسمى “الفقراء الى الله ” توضح لنا ان المحتاج  غالبا ما كان محتاجا الى الله ايضا بحيث كان ينتظر منه “خبز الغد” وقد ورد عند بعض الشراح ان لفظة خبزنا الجوهري في الصلاة الربية قد تعني الخبز الذي يحتاج اليه في الغد لا بعد الغد.

          نحن امام مَثَلٍ سبقه قولان للسيد: اولا، انظروا وتحفّظوا من الطمع. وثانيا، متى كان لأحد كثير فليست حياته من امواله. بعد هذا يأتي المثل ومعناه تاليا من هاتين الكلمتين ليسوع.

          “انسان غني أخصبت ارضه” :ليس في هذا شيء سيء ولا سيما اذا كان قليل المورد. ويحق له ان يفرح. يقال اليوم عن هذا إنه تنمية اقتصادية.

          هذا الرجل يقول في ذاته: اوسّع املاكي اذ انا في حاجة الى ان اجمع الغلات الكثيرة في مخازن حنطة اكبر. ليس من مأخذ على هذا الرجل في هذا. يبدأ التلميح الى اللوم عندما قال هذا الغني لنفسه: “لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة” (كيف يعرف؟). من قال له انه يعيش طويلا او ان احدًا لن يسرقه؟ ليس من ضمانة لدوام المال. يزداد لوم يسوع ليس بشكل صريح ولكن باستعمال الإنجيلي لكلمات تدل على ان الرجل ارتاح الى كنزه الجديد بقوله لنفسه: “استريحي وكلي واشربي وافرحي”. شهوة النفس عند هذا الرجل هي الدنيا وما فيها. الفرح عنده في الأشياء المادية والطمع بها. وعند ذاك يهمل نفسه اي عمق نفسه وحاجتها الى الله والى محبة الآخرين، وهاتان الحاجتان لا ينفع المال بهما. المهم الشوق الى الله ومعاشرته بالكلمة. كان المطلوب من الغني ان يجعل فرحه في غير الحنطة التي ازدادت وقوَّت الشهوة.

          نفسك لن تقدر ان تتمتع بشيء ايها الغني لأن الليلة تُطلب نفسك منك ولن يبقى لها شيء من دنياها. لذلك ينهي يسوع هذا المثل بقوله: “هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنيًا بالله”.

          لا ينبغي ان تحس يا انسان ان الذي عندك يكبرك او يزيد على قامتك ذراعا واحدة. لهذا بعد المثل يقول السيد: “لا تهتموا بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون. الحياة افضل من الطعام”. هنا كلام يشبه كثيرا ما ورد في العظة على الجبل عند متى، ويسميه الشراح العظة على السهل عند لوقا، وهي منتشرة في انجيل لوقا وليست في موضع واحد كما عند متى.

          ان يسوع لا يكره الغنى بحد نفسه ولا الاغنياء اذا كانوا لله. لا يريد الافتخار بالمال والتعلق به وتشهيه. هو وسيلة لا ينبغي ان تعشقها انت او تعبدها لئلا تصير لك مثل رب. ما تشتهيه من هذه الدنيا يستعبدك. استعمل كل شيء وكن حرا من كل شيء لتصير حقا مع يسوع.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

نَقْلُ الكاهن/ الأحد 13 تشرين الثاني 2005 / العدد 46

معروف عند الشعب قوله: الكاهن فلان مرسوم على كنيسة هذه القرية أو تلك. وقد أوضح القانون ٦ من المجمع المسكوني الرابع (451) ان الكاهن يعيَّن لخدمة كنيسة في مدينة أو قرية أو مقام شهيد أو دير. وكان اسم المدينة أو القرية يُذكَر علنًا في السيامة فيقال «النعمة الإلهية فلتنتدب الكاهن فلانا لكنيسة كذا في مدينة كذا أو قرية كذا». أي لا يُرسم الاكليريكي بصورة مطلقة، وكانت رغبة المجمع ان تمنع تجول الكهنة بسهولة من مكان إلى آخر بخلاف القوانين.

أحيانا إذا كانت أحدى الكنائس قليلة العدد، يُعيَّن الكاهن عليها وعلى كنيسة أخرى. وكان المألوف عندنا والمتبع ان يلازم الكاهن قريته حتى مماته أو عجزه الصحي ما لم يجرِ في حقه تأديب أو بدا انقسام أو مشاكل في الرعية فيُنقل إلى مكان آخر، وتُظهِر الوقائع ان من لا يوفَّق هنا قد يوفَّق هناك.

أحيانا يرغب الكاهن لأسباب متعلقة به ان ينتقل إلى أبرشية أخرى فيستأذن رئيسه لذلك، فيعيّن تاليا على كنيسة لم يرسم عليها. إلى جانب هذا، علّمتنا الخبرة الرعائية ان نقل الكاهن الذي انكشف نضجه وتقواه في رعية صغيرة جدا قد تستفيد منه رعية كبيرة. في الأخير، المطران هو الراعي المسؤول عن الجميع ويعرف أحوال الأبرشية ويعرف من أي كاهن يستفيد هنا ويستفيد هناك، أي يعرف أي كاهن قادر ان يدبر رعية سلسة أو يدبر تلك التي فيها بعض الصعوبات.

الأبرشية هي كنيسة واحدة ولها إدارة واحدة في التشاور بين الجميع ولا سيما بين الكهنة والأسقف، وتقوم على الثقة بأن المطران هو أبو الجميع إذ ليس عنده مصالح دنيوية، ورغبته الوحيدة ان يصبح المسيح سيد الجماعة، وفي هذا الإطار يأتي تثبيت الكاهن في مكانه أو نقله إلى مكان آخر.

ما حدث عندنا في الحرب ان كهنة اقتُلعوا من قراهم أو مرضوا أو ماتوا وفي بعض الحالات شغلوا كنائس كانت شاغرة . كل هذا جعل تبديلا في الأشخاص. اما وقد عادت الأوضاع إلى ما كانت عليه فكان لا بد من ترتيب بعض الأوضاع من جديد ليقلّ عدد الكنائس المسلَّمة إلى شخص واحد. ان حصر عدة رعايا بيد راع واحد لا يمكّنه من الانتباه الواحد المكثف لكل الكنائس. هذا ليس في طاقة إنسان. هذا يجعل الرعاية شيئا إسميًا. يكاد العمل يصير طقسيا فقط بتأمين القداس والصلوات هنا وهناك. اما هل من يسأل عن العائلات، وهل من يُعلّم ويعنى بالصغار؟ فإن شيئا من هذا لا بد ان يضعف.

القاعدة هي هذه أنه كلما صغرت الرعية تعظم الرعاية أي ننتقل من الكمّ إلى النوع. نحن نحتاج إلى نوعية عالية من الاهتمام وإلى حضور دائم للكاهن في شعب معين، في قرية معينة في هذا الجبل.

إلى هذا عندنا عدد كبير من طلاب اللاهوت لا بد لمطران الجبل ان يضع كل واحد في مكان. فليس من المعقول ان أُسلّم كنيستين أو ثلاثا لكاهن وأَرمي هذا الطالب بعد تخرجه في الشارع ولاسيما إذا كان محبا للمسيح وفهيما وشابا ناشطا.

سياستي ان تضيق الرقع الواسعة وان أُكثر عدد الخدام للهيكل حتى تُسمَع كلمة الحق في كل مكان ونحتضن أولادنا ونبني معابد جديدة. أكثر من كنيسة جديدة تنتظرنا. وبعضها أرضها عندنا (الحدث) أو اشتريناها (النقاش) والآخر سنشتريه لأن هناك مئات من العائلات لا راعي لها. تذكروا قول الله: «اضرب الراعي (أو أَلغِ الراعي) تتبدد خراف الرعية». ويرزق الله الكاهن الذي ضاقت رقعته وتكون نفسه قد كبرت لأن أخًا له يكون استلم مكانه بجدية.

إلى هذا نواجه اليوم قضية شيخوخة الكاهن الذي يحتاج إلى زميل مساعد. نحن لا نريد ان يترك احد كنيسته الا إذا تعذرت عليه الخدمة جسديا. ولكن لا بد من ان يزامله كاهن آخر أو شماس وان يقبل هذا بمحبة.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

المسامحة/ الأحد 6 تشرين الثاني 2005 /العدد 45

أن تسامح الآخر بوجوده، الا ترفض خصائصه وما يختلف فيه عنك هو الإقرار بأن الله سمح له ان يكون كما هو كائن أي قد يكون أسوأ مما تتمناه له ان يكون. ولكن الدنيا هي هكذا وفيها الناس كما خرجوا من بطون أمهاتهم وكما نموا في مجتمعهم وحسب خبراتهم العديدة.

ان يكون كما هو يجعلك تتوقع ان يتصرف كما عرف ان يتصرف وقد لا يروقك هذا. وأنت لا تكتفي بقبوله على الرغم عنك، ولكنك ترتضيه على رجاء إصلاحه، فالبشرية لوحة كل لون فيها مختلف عن الآخر، وارتضانا الله جميعا مختلفين إذ نحن أحرار وليس مِن قالب يتقولب البشر فيه. فإذا قبلت الآخر تكون قد قبلت ارادة الله في عبيده، وارادته التي لا نسبر غورها هي التنوع.

الشيء الذي ينتج عن القبول ان تتعاون مع الآخر إذا كان قريبا منك، اعني إذا كان في بيئتك أو اضطرتك مهنتك على التعاون. طبعا لا بد لك ان تعرف ان كان مستقيما أو سارقا، صادقا أم كذوبا. لك حق في الا تتعامل وإياه في مهنتك. المعاملة في دنيا العمل لا تضطرك على عشقه، وأنت تبقى في الاستقامة والصدق.

المسامحة تقضي بألاّ تقتل الآخر لأن المسيح حاضر في كل من تعامله، ولأن الذي أعطى الإنسان الحياة هو وحده الذي له حق استردادها. معنى ذلك انك لا تغضب أبدا فالغضب مصدر الشتيمة والضرب فالقتل. ومعنى ذلك ألاّ تحقد وان تبقى رفيقا بهذا الذي تعامله لأن الرفق جانب من جوانب المحبة القادرة على كل شيء.

من مظاهر المسامحة ان تتقبل في الرضاء الذي ليس على دينك ولا من كنيستك، فالناس هم حيث هم دينيا منذ ولادتهم، وعليك أن ترحمهم وألا تهزأ بمواقفهم الدينية، وإذا جادلت ففي احترام كامل. لا توافق باللسان على مواقف لا تقبلها كنيستك، ولا تتملق ولا سيما أنك قد لا تكون من العارفين بما هم عليه من معتقدات.

وبلدنا مجتمع متعدد. فأنت تواجه ولا تتحدى. وتفرح في أعيادهم وللفكر الصالح الذي هم عليه، وتتحفظ حيث ينبغي ان تتحفظ. ولا تجادل كثيرا، وان جادلت فبالحسنى إذ علينا ان نرعى المودات وان نقيم معهم وحدة إنسانية بعد ان تعذرت الوحدة الدينية أو المذهبية بيننا.

أنت لا تثأر من احد ولا تتعاطى النكاية أو الكيد، وقدِّم خدمة حيث استطعت لأن الخدمة تليّن القلوب. وإذا مرض من قررت ان تقربه منك، فأن تعوده يقرّبه منك ان لم يكن من الشرسين. وربما زالت عداوته لك إن رسب فيه شيء من العداوة. أَحرق سيئاته بمحبة واضحة، فاعلة. اذكرْ قول المعلّم: «مَن لطمَك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر» أي بَدّدْ عداء نفسه بلطف غير محدود. حافظ على مكانته وصيته وامدحه في غيابه إذا رأيته صالحا إذ يتشجع بهذا فترقى أخلاقه. ولو افترضنا انه بقي شريرا فاذكر قول السيد: «أحبوا أعداءكم، باركوا لأعينكم» لأن المبتغى ان نكون بالمحبة على هذه الأرض بدءا لملكوت الله.

السماحة من قبلك تصير تسامحا متبادلا بينك وبينه ويكون الله الجسر بينكما. هذا يكون انتصارك على نفسك ودعوة إليه ليدخل في نطاق المسيح.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الغني ولعازر / الأحد 30 تشرين الأول 2005 / العدد 44

المثل الإنجيلي قصة تعليمية ألّفها يسوع. والمثل يؤخذ جملةً ولا تؤخذ كل أجزائه على أنها ذات معنى لاهوتي. النص يتحدث عن حوار بين هالك وهو الغني ومخلَّص وهو لعازر الفقير، وهذا لن يحصل حسب تعليمنا إذ تقول كنيستنا أن الهلاك والخلاص أمران يحلان بعد القيامة بصورة نهائية. وقبل ذلك نقول أن الأرواح في قبضة الله ولا نتحدث عن أماكن. فمن الأرواح من مات أصحابها على رجاء القيامة والحياة الأبدية فهي ناجية على الرجاء. أما الدينونة فهي الدينونة الأخيرة. وأما من ارتكب خطايا جسيمة ولم يتب فعدم توبته يعذبه قبل الدينونة حتى يصدر الحكم الأخير.

          أما السيد فيتكلم على هذه الأشياء كما كان التفكير عند اليهود. المسكين هو في حضن إبراهيم. حافَظْنا على هذه العبارة ونُصوّر النفوس في هذا الحضن في أيقونة الدينونة. لذلك لا نقول نحن ان الإنسان الصالح يذهب الى السماء لأن السماء هي الغبطة الأخيرة بعد ان يبعث الله الأجساد من قبورها. نقول ان نفوس الصالحين في الفردوس او الملكوت. بالمقابل لا نقول ان نفوس الأشرار هي في نار جهنم. وبصورة عامة لا نستفيض في الكلام عن وضع الموتى قبل القيامة. نصلي من اجلهم لأن بعضا منهم قابل للرحمة. نصلي من اجل كل الناس اذ قد يكونون في الفردوس حيث يرتقون من حال الى حال، ولا نقول عن انسان انه نهائيا في الحجيم اذ لم يكشف الله لنا شيئا عن هذا.

          ليس المجال هنا للمناقشة ولكن لا يقودك المثل الى القول ان الغني المذكور عند لوقا قال عنه السيد انه في جهنم وقال عن لعازر انه في السماء. لم يعط السيد في المثل حديثا لاهوتيا عما يجري الآن للنفوس قبل الدينونة. جل ما أراده أن الذي يتنعم في هذه الحياة الدنيا متجاهلاً المحبة ولا سيما محبة الفقراء تنقلب أوضاعه في الحياة الأخرى. إنجيل لوقا إنجيل الفقراء بامتياز. وهو القائل: “طوباكم أيها الفقراء لأن لكم ملكوت الله”. خطيئة الغني انه لم يلتفت الى محتاج كان مطروحا عند باب الغني. لم يكترث له. الفقير كان له تعزية من الكلاب التي كانت تلحس قروحه.

          اسم لعازر وضعه السيد وهو يعني “الله معيني”. الغني لم يعطه الرب اسما وكأنه لم يكن بشيء. يموت الفقير ويذهب الى حضن ابراهيم. رافقته الملائكة إلى فوق. بشكل يتعمد فيه يسوع القسوة قال: “مات الغني فدُفن”. لم يكن له من ملاك يعينه. طلب الغني رحمة من ابراهيم ان يرسل لعازر ليغمس طرف إصبعه في الماء ويبرد لسانه. لم يقل انه اخطأ في حياته. هذا نوع من التذكر الذي لا يعني توبة، والتعليم الشائع عندنا ان الإنسان اذا كان يتوقع الهلاك لكونه اخطأ جسيما لا تتحرك نفسه لكي تتوب. الحركة البشرية في اعتقادنا هي التي يقوم بها الانسان في هذه الحياة نفسا وجسما معا.

          طلب الغني ان يُرسَل مَن يقول لإخوته ألاّ يفعلوا ما يستوجب لهم العذاب، فأجابه ابراهيم ان عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم. هذا يذكّر بعدد من الناس قال لي منذ مطلع شبابي: “مين رجع وخبّرنا؟”. وهؤلاء أرثوذكسيون كانوا يذهبون احيانا الى الكنيسة وكأنهم لم يسمعوا: “المسيح قام من بين الأموات…” او اية قطعة عن الذين هم في الملكوت او لم يحضروا مأتمًا.

          افهم ان تأتي هذه الشكوك من الملحدين، ولكن كيف يقول بها مَن يسمّي نفسه مؤمنا. فليسمعوا لموسى والأنبياء نترجمها اليوم: فليسمعوا من الإنجيل وكل الصلوات التي استند اصحابها الى الإنجيل لما ألّفوها. يسقط الإيمان اذا لم تجدده بقراءة الكتاب الإلهي ومشاركتك الخدمة الإلهية بفهم.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الصبر / الأحد 23 تشرين الأول 2005/ العدد 43

الصبر ليس الانهزام أمام المصاعب. ليس الاستكانة. لا يقول الصابر: أنا لا استطيع شيئا فإن الأمور هكذا تحصل وهكذا ستبقى. كل منا يحزن إذا صدمته الأشياء ولكن الصابر لا يقيم في حزنه إلى الأبد لأنه ثابت في الله. الصابر مجروح كما أنت مجروح ولكنه يأمل بأن الرب سيضمد جراحه ويؤتيه اليقظة والتعزيات. قد ينتظر كثيرا ولكن التعزية تجيء إليه.

هو لا ينتظر التغيير من مرور الزمان. فالزمان لا يشفي كل شيء. المؤمن يعرف أهمية النعمة وانها هي التي تبادر بخلاصنا. يصبر ليحافظ عليها ولا يبددها باللهو، ويؤمن بأن الله أبوه ولا يتركه إلى الألم أو الضجر طويلا.

في الحياة اليومية ترتطم بجدران ولكنك تصمد أمامها لأن الإيمان ينقل الجبال والجدران فلا يبقى أمامك حائط. تكون قد علوتها إذا تمسكت بالله. أما قال السيد: «من يصبر إلى المنتهى يخلص»؟ لماذا قال إلى المنتهى؟ لأن الإيمان الحقيقي يحفظك إلى المنتهى. فعلى قدر ما تفرغ نفسك من عدم الإيمان ومن الخطايا تنفتح أمامك أبواب السماء ويمطر الرب عليك نعمه.

تابع الله في كل كلمة منه يتابعك. ابقَ على اليقظة الروحية ولا تنم إلى الموت. ابق على حركتك الروحية الداخلية بحفظ الإنجيل والصلاة. لا تتأفف ولا تتذمر ولا تشتم حتى يظل الله مقيما فيك. اهدأ واذكر الموت فإنه قد يباغتك. اعبر عن اللذات المؤذية التي إذا قطفتها تؤذيك. قد تحزن لحظة إذا لم تأخذها، ولكنك تفرح بعد لحظة لأن الروح القدس يكون قد حلّ فيك. ان التواصل بينك وبين الله يجعلك ساهرا على نفسك، مراقبا لفكرك ولقلبك بقوة الكلمة الإلهية والصلاة فإنها هي القوة التي تجعلك مجابها لكل محنة.

لذلك قال الرسول: «ان عملتم الخير وصبرتم على الألم، كان في ذلك حظوة عند الله» (1بطرس 2: 2). عند ذاك تفهم ان الصبر يأتي من الداخل بعد ان يكون المسيح جعل نفسه في داخلك. هذا البنيان الروحي الذي تكون قد أقمته في داخلك يجعلك مالكا نفسك في كل شيء وواقفا أمام كل شيء وما تطلبه مع جميع القديسين هو «ملكوت يسوع المسيح وصبره» (رؤيا 1: 9).

الصبر لا يجمدك ولا يحجّرك. عكس ذلك، يجعلك ذا حيوية رائعة في هذا العالم، محوّلا لما حولك ولمن كانوا حولك. صابرًا، أنت متحرك بامتياز، تحتمل السجون والتعذيب واضطهاد بعض الناس إياك لأن نفسك لا تعرف اليأس إذ يتنزل عليك الرجاء على الدوام.

الكثير مما حولنا مليء بالشرور. قد لا تغير أنت محيطك كله، ولكنك تغير نفسك وبعض الذين هم حولك. قد تأتي بناس كثيرين إلى الصبر فلا تخف من ان أشياء كثيرة لا تتغير في عائلتك وبيئتك وبلدك. جهادك وجهاد الذين معك هما الضمان الوحيد للتغيير. المتأففون والمتذمرون لا يغيّرون شيئا. الذين يشتمونك يسيئون إلى أنفسهم فقط.

ابقَ على أخلاقك وفي الخدمة المتواضعة والصمت أمام النمّامين والحاسدين لأنك بهذا قد تخلّصهم. اعرف انك قائم على الصخرة التي هي المسيح وان ما ينتظرك هو ملكوت أُعد فقط للذين صَلبوا أنفسهم مع الشهوات. أنت موعود بنور المسيح اليوم وغدا.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مثل الزارع/ الأحد 16 تشرين الأول 2005 / العدد 42

للناس امام الكلمة الإلهية مواقف مختلفة. غير ان الكلمة واحدة لا تتغير اذ نحيا بها ولا نحيا روحيا بغيرها. هذه زرعها الله بالإنجيل. منا من لم يقرأه اذ يتكل على ما يسمع منه في قداس الأحد، هذا اذا حضر كل احد. وفي هذه الحال يسمع جزءا صغيرا. والإنجيل تتدرب انت عليه بالقراءة الشخصية، بالاستمتاع بها اي بالتأمل فيها وعهد لك مع الرب ان تطيعها كليا.

          كذلك من كلمة الله ما تسمعه في العبادات ان كنت من العابدين. والعدد الكبير منا لا يدخل الكنيسة الا قليلا او يدخلها في المواسم. هذا يعني ان سماع الكثيرين للكلمة قليل.

          ولكن عودًا الى هذا المثل الذي ألّفه يسوع، عندنا فئة تسمع ويجرّبها إبليس كي لا تحفظ. تبقى الكلمة قليلا ثم يأتي روح الشر وينتزعها لأنه لا يريد الناس ان يتأقلموا مع الكلمة، لأنها اذا بقيت في الناس يكون هو مطرودا من الناس ولا يبقى له شغل.

          ثم هناك فئة قال عنها يسوع انها على الصخر. هذه تقبل الكلمة بفرح ولكن هذه المجوعة ليس لها أصل. تؤمن الى حين وترتد في المحنة. فالعيش مع الله ثبات. في مواضع كثيرة من إنجيل يوحنا يقول السيد: “من يثبت فيّ وانا فيه”. هذا الكلام يعني انك اتخذت الرب مقاما لك. اما اذا استطبت كلامه الى حين، وقت سماعه ولم تسكنه، تكون فقط قائما بمشوار. ليس مع الكلمة مشوار. انت تسير دائما فيها او تسمّر نفسك عليها او تبيت فيها بإصرار لأنك تعرفها الإنقاذ. وكلما قويت فيك تصبح ذلك الترس الذي يجعلك تصد التجارب. انت مع الرب في السراء والضراء، اذا بدا لك نافعا واذا بدا انه يعرقل مشاريعك. اي تبقى معه اذا استخدمته لمصالحك الدنيوية ولا تبقى معه في العراء، في الجفاف وهو يريدك ان تعطش اليه كما هو دائما عطشان اليك. يريدك معه في الصحة والمرض، في البحبوحة او الفقر، اذا احسست بقربه او أحسست ببعده.

          ثم عندك فئة رهيبة هم اولئك “الذين يسمعون ثم يذهبون فيختنقون بهموم هذه الحياة وغناها وملذاتها فلا يأتون بثمر”. تذكّر اننا في النشيد الشاروبيمي في القداس قبل ان نقدّم الذبيحة نقول: “لنطرح عنا كل الاهتمامات (او الهموم) الدنيوية”. فاذا عرقلك اي همّ او هاجس او وسواس او قلق لا تستطيع ان ترفع القربان لله ولا تقدر ان تتحد بجسد المسيح. ينبغي ان تكون حرا من كل ضغط نفسي لتتجنح نفسك وتطير الى الله.

          هنا لوقا يوضح اهم الهموم ويقول انه الغنى والملذات. تعرفون جميعا قول السيد: “لا تستطيعون ان تخدموا ربين، الله والمال”. المال في خدمتك. لا تصر انت عاشقا له اي أسيرا له اذ لا يبقى عند ذاك موضع لله في قلبك. لقد أسلمت نفسك ليسوع بالمعمودية التي فيها رفضت الشيطان ووافقت المسيح. بعد هذا صار الطعام والشراب والمسكن كلها ثانوية، فلا تقمها في المقام الأول من قلبك لئلا يتحجر قلبك.

          اما الملذات فهي طاغية. كن معتدلا فيها ولو كانت شرعية لئلا تؤخذ بها.كل لذة اذا استفحلت آسرةٌ اي صعب الرجوع عنها فقد تسجلت في اعصابك وذوقك. دور المسيح الأساسي انه المحرر.

          تبقى المجموعة الحبيبة الى الله، مجموعة الذين “يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيد صالح ويثمرون بالصبر”. وكأنه يقول انت يمكنك بالنعمة التي تنزل عليك وبالجهد الموصول ان تجعل قلبك صالحا. وعندئذ تستحلي الله فيك. من هنا يأتيك الصبر على المحنة والقوة لتتصدى لها. فاذا بقيت على الإخلاص تنزل الكلمة عليك وتصير انت بالشهادة والعمل كلمة من كلمات الله.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم/ الأحد 9 تشرين الأول 2005 / العدد 41

يبدأ بولس هذا المقطع من الرسالة بكلمة من اشعياء: “اني في وقت مقبول استجبتُ لك وفي يوم خلاص اعنتك” ليقول ان وقت الخلاص هذا انما نحن فيه لأن هذا الخلاص أتانا بيسوع المسيح.

          ثم انظروا كيف ينتقل من هذا ليقول اننا “لسنا نأتي بمعثرة في شيء”. لماذا يجب الا يُعثر الرسول الآخرين؟ هل لحفظ صورة عن نفسه عند الآخرين، هل هو حريص على سمعته الشخصية؟ السبب الوحيد الذي يعطيه هو “الا يلحق الخدمة عيب”. فقد يشك الناس -لو اساء السلوك- بقدسية الخدمة الرسولية التي يقوم بها. وفي ايامنا اذا أتى المسؤول الروحي بمعثرة فيلحق هذا الكهنوت والكنيسة. من اجل كهنوتي أو أسقفيتي أحفظ نفسي.

          ثم يتابع: ان تكون خادما لله يتطلب صبرا كثيرا لأن بعض الناس متعبون ولأن بعضا مخالفون شتى انواع المخالفة، ولكن خدمتك اياهم يجب ان تستمر كل يوم لئلا يغضبوا او يصيبهم إحباط.

          بعد هذا يتبسط بولس بالحديث عن أتعابه ويسميها بعامة شدائد وضيقات، ولكن يحدد أنواعها اكثر فيقول انه تقبل جلدات وزج في سجون وتعب كثيرا من أجل الإنجيل وصام طوعا تقربا من الله وفي كل هذا لم يتذمر وبقي على طهارته والمعرفة اي معرفته لله بالمحبة والخبرة. وبقي على طول أناة وسعة صدر يحتمل المؤمنين ويحتمل الأمم وكل ذلك في رفق، في حنان، بلا غضب، في انعطاف واحتضان ثم يقول “في الروح القدس”. بمعنى ان كل هذه المواهب كانت تنزل عليه من الروح الإلهي. والروح يفتح لك باب المحبة الصادقة بلا تفريق بين ناس وناس.

          ويعلو في الكلام ثم يعلو ويوضح ان المحبة التي تدفقت عليه إنما تجعل في فمه كلمة الحق وهذه الكلمة نفسها هي قوة الله. وكلمة الله هذه تُسلّمه من كل صوب في كل الأحوال التي تمر عليه أكان في مجد ام كان في هوان، أكان في سوء الصيت (لأن هناك مفترين) ام في حسنه.

          في هذا الصراع الذي يواجه فيه الوثنيين والإخوة الكذبة الرافضين تعليمه يعتبرونه مضلا وهو صادق. وما اصعبه موقفا ان يخونك احد الناس وانت تعرف نفسك صادقا وقابضا على الحقيقة.

          ثم هناك من يجعله مائتا (اي كلا شيء) في حين انه حي، مليء بالحياة. وثمة من يظنه حزين وهو ممتلئ بفرح المسيح. هناك ايضا من يعتبره فقيرا ويعيّره بذلك وهو كان كذلك حقا الا انه غني بالمسيح ويغني الكثيرين بالمسيح، حتى يصل الى قمة تعييرهم “كأنّا لا شيء لنا” ويرد عليها بقوله “ونحن نملك كل شيء”.

          المسيح عنده كل الوجود وهو الغني ويغني احباءه. واذا كان السيد كل شيء فأنت تلازمه وهو يلازمك وُيمكّنكَ من الشهادة له ومن العطاء ومن ان تبقى على إخلاصك حتى النهاية ولا شيء في خطاياك وهذه الدنيا يزعزعك لكونك تعرف الرب يسوع يقينا.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة/ الأحد 2 تشرين الاول 2005 / العدد 40

إنجيل لوقا إنجيل الرحمة بامتياز وهذا يظهر واضحًا في هذا الفصل الذي نتلـوه اليـوم. الوصية التي نستهل بها هذه القراءة: كما تريـدون ان يفعل النـاس بكم… أقوى من الوصية القائلـــة في موضع آخر: ما لا تريدون أن يفعـل النـاس بكم… إذ تدفعنـا الى المبادرة بالمحبة بأفعال مختلـفة محددة تُجمع كلهـا تحـت رايـة الرحمـة. من هذه الأعمال الإحسان وهو سكـب الروح للروح معبَّرا عنـه بالعطـاء المــادي إذ يقوم على المشاركـــة واليقـيـن ان ما لي هـو لك لأنك الأحـوج.

          ووصية الإحسان تعلو علوًا كبيرًا إذ يدعونا السيد الى ان نحسن الى مَن لا يحبوننا اذ الإحسان عنده ليس قائمًا على العاطفة   ولكن على الحاجة فالأكثر حاجة هو مَََن ينبغي أن تلتفت إليه فهو بسبب من الحاجة قريب الى الله. وتصبح أنت تالًيًا أقرب الى الله إذ ليس لكََ مصلحة عاطفية.

          كذلك الدَين الذي تطلبه او لا تطلبه اذا كان مَن استدان منك عاجزًا عن تسديده. وقد تقتضي حكمة التربية ان نذّكر المدين بإيفاء  دينه حتى لا يقع في استغلالنا وعدم التحسس بمديونيته وقد يكون لنا في هذا إفقار. يجب أن نربّي الناس على ضرورة الوفاء بما عليهم من واجب.

          والقمة في كل هذا الكلام قول السيد: “فكونوا رحماء كما ان أباكم هو رحيم”. وإذا عنَت الرحمة طول الأناة وسعة الصدر فإنما يقع كل ذلك تحت الغفـران الذي هو القبول بأن مَن أساء إليك إنما أساء الى الله اولا والى نفسه ثانيًًًًًا وان ما يشفيه هو ذلك الحب الذي تغمره به لأن هذا الإنسان إناء خزفي كما يقول بولـس في رسالة اليوم وقد انكسـر بالخطيئة واذا غفرت تعطيه حظًا في أن يقوم من الخطيئة الى وجهه ربّه الذي ينظر إليه بالحنان.

          غير ان حنان الرب انما يُتَرجم بموقف الغافر أسيء اليه. والغافر يصبح هكذا كالإله الغفور الذي ينظر الى الخطأة على انهم ابناؤه كالصالحين… وانت إذًا تنظر الى مَن آذاك بكلمة أو تصرّف على أنّه أخ لك فيقوى انتماؤك الى عائلة الآب التي فيها الصالح والصالح والناس فيها أوانٍ خزفية معرضة للكسر. بعض يُجبر وبعض لا يجبر. ولكن ليس أحد منا من حديد. ولعلك اذا غفرت تذكر انك قادر على السقوط. لهذا قال الرسول: “اذا زلَّ أحد منكم فاصلحوا انتم الروحانيين مثل هذه بروح الوداعة”.

          هذا هو اللطف بمن قسا عليك وهو أصعب من اللطف بالودعاء… لقد فوّضنا الله بأن نكون أطباء. ليس من طب روحي أعظم من طب الرحمة الذي في كل حين يشفي ويضمد ويجعل في النفس رقة وبالرقة يتكوّن مجتمع الإلهيين. وهكذا فقط نكمل التشبه بالمسيح: “تعلموا مني انا وديع ومتواضع القلب”. المسيحية مجتمع الودعاء الذين أعد لهم الملكوت وسُرَّ الله بهم لكونهم أصدقاءه.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

أن تعطي الكاهن / الأحد 25 أيلول 2005 / العدد 39

أنْ تحب كاهن رعيتك لا يجعله في حرج بسبب من المال. ساعده ألا يستجدي وألا يبطر وألا يحسب لدخول مال وألا يكون المال هاجسه. وإذا فعلت لا يتذمر من تقصير الرعية تجاهه. ساعد طالب اللاهوت أو المثقف روحيًا أن يدخل سلك الكهنوت بلا هاجس لإطعام العائلة التي سيكوّن.

حاولنا، هنا وثمة، أن نقتبس فكر المؤسسات فجعلنا للكاهن راتبا. لم نبذل الجهد الكافي لنجعله في كل مكان كافيا. وأفهم أن القرى الصغيرة جدا معذورة لو قصّرت. ويعني هذا انه لا بد من إنشاء صندوق مركزي يرعى كهنة الرعايا القليلة العدد. مع هذا أظن أن حاجة الكاهن لا تُسَدّ ان لم نتبنَّ نظام الاشتراكات أعائليةً كانت أم شخصية. عندما أراجع احد المجالس الرعائية لماذا تدفعون فقط مئتي أو ثلاثمئة ألف ليرة للكاهن، يأتي الجواب ان الصواني تجمع فقط هذا المبلغ. مبدئيا الكاهن الرسالي النشيط يؤثّر في عودة شعبنا إلى كنائسه، ولكن هذا يستغرق وقتا طويلا ومع ذلك يتخلف بعض. الاتكال على ما يُجبى في القداس صباح الأحد لا يحل مشكلة.

وأنا لست هنا في صدد تحدث عن التنظيم المالي، ولكني محدثكم عن محبتكم للكاهن والتعبير عن هذه المحبة بالعطاء المالي. وقد جرت العادة ان يعطى الراعي المحلّي شيئا بمناسبة قيامه بالأسرار. أنا بعد تأمل طويل لا أجد مانعا من الحفاظ على هذه العادة حيث هي تحكّمت. قلة قليلة جدا لا تعطي شيئا. في هذه الحال أرجو الا يذكّرها الأب الروحي بواجبها تجاهه. «مجانا أخذتم مجانا أعطوا». ومن الواضح ان يخدم الكاهنُ الفقيرَ والميسورَ بالاندفاع الواحد.

يهمني الا يختبئ المؤمن وراء الظن بأن الكاهن يدفع له الوقف ما يكفيه. معظم الناس لا يعلم ان وضع الكاهن عموما وسط. ولست أظن ان أحدا يعيش في بحبوحة كبيرة. أنت ليس عليك ان توصيه بالتقشف. هو يفرضه على نفسه، ولا يستطيع ان يفرضه على أطفاله. أنت، ان كنت كريم النفس، تحب كرامة العيش لكل من تحب. وهذه تقتضي ان يكون راعيك مرتاحا من الأعباء الثقيلة حتى لا يُحزن عياله ولا يتشتت بالسعي إلى المال إذ تضعف، عند ذاك، عزيمته الروحية. الحضارات القديمة كانت تيسّر معيشة الذين كانت تنتظر منهم إنتاجا فكريا. كاهنك يعيبه ان يفتش عن مأتم هنا وعرس هناك خارج رعيته. لا تضطره إلى ذلك. يمكنك وأنت فرد ان تخصص له مبلغا من المال كل شهر مهما كان يسيرا لتتذكر ان «العطاء مغبوط أكثر من الأخذ»، ولتشعر برابطة روحية معه معبَّر عنها بصورة محسوسة.

قد يكون عند بعضٍ لائحة ببعض العائلات يساعدونها، هذا جيد. اكتب اسم كاهنك على هذه اللائحة وفي المقدمة. إذا انتظرت معمودية ابنٍ لك لتعطي، وانتظرت اكليلك ومناسبة وفاة في عائلتك، قد لا تعطي كاهنك أكثر من عشر أو 15 مرة في حياتك كلها، وهذا قليل. أعط لتشعر بأن قوة خرجت منك أو لتحسّ بأنك شاركت خادم الكلمة لأن هذا يدعو لك بالخير والتوفيق والعافية.

هذا بعض من كرم تفتدي به لنفسك فيفرح الله بك إذ تتروض بذلك على الرحابة. فإذا بذلت وأحسست بأنك ساعدت، تحس بما هو أعظم وهو عطف الله عليك. ما يصل إلى يد الكاهن لا ينبغي أن يبقى حديث المؤمنين في مجالسهم. ينقطع هذا الحديث إذا اقتنعتم جميعا بصلاة الكاهن عنكم وعن عيالكم. أكرموه ولو رمزيا إذا كنتم محتاجين، وبسخاء إن كنتم على شيء من اليسر، حتى تكونوا بالعطاء المحب جسدا واحدا للمسيح.

Continue reading