Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2006, مقالات, نشرة رعيتي

قربى المسيحيين بعضهم لبعض/ الأحد 5 شباط 2006 / العدد 6

المهم في الزمن الرديء الذي نعيشه أن يقترب كلّ من الآخر بالمحبة. لأنّ أحدًا لا يزيد على المحبة شيئا. وهي تقضي بشيئين: أن نتمسك بالإيمان القويم ولا نحيد عنه إرضاءً للبشر، وأن نحبّ كل المؤمنين بيسوع أيّة كانت عقيدتهم، وذلك في الاحترام المتبادل، فلا يستعلي أحد على أحد، ولا يذم بعضنا بعضا، بل نتسابق في الإكرام. العارفون عقيدتنا بشكل صحيح، لهم أن يوضحوها لمن طلب التعرف اليها. التفسير واجب، ولكن واجب أيضا اجتناب الجدل وملازمة الهدوء.

هناك نوع من المشاركة في الأفراح والأتراح يعرفها اللبنانيون. ولكن أضيفوا عليها الإحسان اذا طلبه فقير من كنيسة أخرى. ليس لنا أن نردّ فقيرا الى طائفته اذا لم يتيسّر لها أن تساعده. هنا أتكلم ليس على العطاء الفردي الذي تمارسونه ولكن على عطاء من كنيستنا اذا توفر.

أما على صعيد العبادات فليس أسلوبنا نحن أن نختلط مع الآخرين في عباداتهم الا في ظروف استثنائية. المهم أن يتقدس كل منا وأن يحب طقوسه ويشترك في الخدمة الإلهية مع الذين يؤمنون مثله. التقارب ليس بالاختلاط ولكن في المحبة العملية. أن نقف معا هنا وهناك، أن نتبادل الزيارات في الكنائس ليست طريقتنا في التعارف بالعمق. والتلاقي هو في أعماق النفس وليس في ما يظهر. أما متى نظهر معا، فهذه تحتاج الى تنظيم يقوم به المسؤولون.

ما يؤسفني أن أرى بعضا من أبنائنا لا يصلّون في كنائسهم يوم الأحد اذ يكون عليهم أن يسيّروا سياراتهم خمس دقائق أكثر أو عشر ليصلوا الى كنيسة أرثوذكسية. هم مثلنا أو نحن مثلهم. هذا أرجو أن يصير بنعمة الله. ولكننا لسنا حتى الآن واحدا في ما نقول وفي ما يقولون. نحن أمام مشهد كنيستين منقسمتين نرجو اتحادهما بعد محادثات بين الكنائس وتذليل الصعوبات القائمة حتى اليوم. هذه أشياء فيها لاهوت وليس سهلا تذليلها.

القول اننا نريد أن نتحد اليوم مهما كلّف الأمر، قول مردود لأن أمور الكنيسة جديّة ولا تُحلّ المشكلات بلا رأي البطاركة والمطارنة والعلماء. ليس الجاهل كالعالِم. وفي هذا المجال ليس من أمر عسير التفاهُم عليه. التفاهم يشترط أن نكون جميعا على الإيمان الذي «سُلّم دفعة واحدة إلى القديسين».

المسيرة طويلة وشاقة، وتحتاج إلى صبر طويل. القول الذي أسمعه أحيانا: «نحن العلمانيين نريد الوحدة الآن» يتطلب جوابا أنْ أرشدوني إلى طريقة حل المشكلة.

تبقى قضية تاريخ واحد للفصح. الكنائس تسعى إلى هذا وألّفت لجنة عالمية لحل المعضلة. حسب تتبّعي للأمور، التأخر عن الحل ليس تلكؤًا عند الرئاسات الروحية. هناك شعوب لا تزال رافضة لهذا التفاهم وقد سبق في أحد البلدان الأرثوذكسية العريقة أن انقسم عدد رهيب من المؤمنين عن الكنيسة، عندما تبنّت بعض الكنائس التقويم الغربي للأعياد الثابتة (الميلاد، البشارة).

ثم توحيد الأعياد الثابتة لم يجعلنا نخطو خطوة واحدة في التقارب. الصعوبات اللاهوتية راوحت مكانها. ثم الإنجيليّون واللاتين يقيمون الفصح في يوم واحد ولم يتقاربا.

يمكن القيام بعمل واحد ليس على صعيد عالمي ولكن على صعيد إقليمي، وهو ان يتبنّى الجميع تاريخ الفصح الأرثوذكسي ما دام الحل العالمي لم يأتِ بعد ولا نستطيع أن ننفصل عن إخواننا الأرثوذكسيين في العالم، والكاثوليك الذين يعايشوننا في لبنان قد سمح لهم البابا أن يعيّدوا معنا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

فضائل الكاهن والأسقف/ الاحد 29 كانون الثاني 2006 / العدد 5

في رسالة اليوم (1تيموثاوس 4: 9-15) يتوجه بولس إلى تلميذه تيموثاوس وقد أقامه أسقفا أو رقيبا في آسية الصغرى. فبعد أن قال له إن الله مخلص الناس أجمعين، يطلب إليه أن يعلّم المؤمنين هذا. الوظيفة الأولى للكاهن أو الأسقف هو أن يعلّم. لا بد له إذًا أن يعرف العقيدة أي فحوى الكتاب المقدس وتفسيره وما قاله آباؤنا في الإنجيل مفسرين إياه، وقد استندوا في تفسيره إلى أقوال المجامع.

المطلوب إذًا أن يغوص الكاهن على تراثنا أقلّه في الأساسيات ولو لم يقدر أن يعرف كل شيء. وينضمّ، إلى هذه الأساسيات، تاريخ الكنيسة والخِدَم الإلهية ومعرفة أشهَر القديسين. فالذي لا يعرف شيئا أو يعرف القليل أنّى له أن يعلّم. لذلك لن أستجيب لطلب من يريدني أن أُدخل في الكهنوت إنسانا قليل المعرفة لمجرّد انه تقي. كلنا مدعوّ إلى التقوى.

غير أن العلم لا يكفي، فيؤكد الرسول أن الإكليريكي وجب أن يكون مثالا في الكلام أي في الكلام العفيف الذي لا غضب فيه ولا تشنج ولا تحامل ولا تحزب ولا نميمة. ثم يتابع: في التصرف، وهنا تأتي لائحة من الفضائل لا تنتهي، منها التعفف عن حب المال الذي يتعرض له الكاهن في قيامه بالأسرار الإلهية، وهنا يميز المؤمن بين اكليريكي يشتهي المال بصورة مَرَضيّة، واكليريكي يكتفي بما يُعطى ولا يعترض على أي مبلغ وإذا لم يعطَ شيئا لا يتأفف ولا يطلب. وإذا أحس الكاهن بالعوز، يشكو أمره للمطران فقط لئلا يكون لأحد عليه منّة.

بعد هذا، يُبرز القديس بولس الرسول ثلاث مزايا تبدو عنده الأهم: المحبة، الإيمان والعفاف. المحبة هي الذروة لأن «الله محبة» كما يقول يوحنا الإنجيلي في رسالته الأولى الجامعة. يحب أبناء رعيته جميعا. يحب الذين يحبونه والذين عندهم تحفظ عليه أو شكوى منه. هؤلاء يذهب إليهم ويكاشفهم ليفهم ما لهم عليه، فيقبل ملاحظاتهم ان كانت محقة ويصبر عليهم إذا ظلّوا على عداء أو جفاء ويقوي خدمته لهم ليربحهم للمسيح.

وأخيرا يذكر العفاف. هذه فضيلة تعني العفة في المال كما تعني السلوك الطاهر مع نساء الرعية بما فيه اجتناب المزاح مع الرجال والنساء وبعامة يجتنب الخفة.

بعد ذلك يطلب الرسول إلى تلميذه أن يواظب على القراءة. في زمان بولس هي قراءة العهد القديم، لأن العهد الجديد لم يكن قد كُتب بعد. وأما اليوم فوصية القراءة، تعني قراءة كل الكتاب المقدس والكتب الروحية المختلفة بما فيها طبعا ما تَيسَّر للكاهن والأسقف من كتب لاهوتية قديمة وحديثة في اللغات التي يعرفها. وله أيضا أن يقرأ ما تيسر له من الكتب الثقافية المختلفة، وعندي أنه ينبغي أن يقرأ الصحف ليقف على أحوال البلد والعالم ليعرف أوجاع الناس وما يهمّهم من هذه الدنيا.

ثم يحضّ بولس تلميذه على الوعظ والتعليم. أما الوعظ، فتفرضه القوانين المقدسة في كل خدمة ولا سيما في القداس الإلهي. أما في الوضع الذي لا يكون الكاهن فيه متقنا أساليب الخطابة، ولم يطّلع على تعاليمنا بما فيه الكفاية، ويسمع المؤمنين يتذمّرون من وعظه، إذا اقتنع بحججهم فالأفضل الا يعظ أو يقول فقط كلمات توجيهية بسيطة على الا يطيل لأن القداس عندنا لا مكان فيه لعظة طويلة.

وما يسميه بولس التعليم فهو شيء آخر عن الوعظ. هو التعليم النظامي للأطفال والبالغين ولا ينبغي أن نهمل البالغين. وهذا يكون في السهرات الإنجيلية أو في صف التعليم المسيحي، في المدارس أو في محاضرات. هذا ليس كل اكليريكي مؤهّلا له.

وأخيرا يطلب بولس الا يهمل تيموثاوس الموهبة التي تلقاها في الرسامة بل، أن ينمّي طاقاته جميعا لأننا نتعلم كل يوم ونسعى إلى اكتساب الفضائل كل يوم ليظهر تقدمنا للمؤمنين فيمجدوا الله فينا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (1تيموثاوس 1: 15-17)/ الأحد 22 كانون الثاني 2006 / العدد 4

انها الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، وأُرسلت اليه رسالة ثانية. مع الرسالة إلى تيطس هما تُشكّلان الرسائل المعروفة بالرعائية وهي موجَّهة إلى أفرادٍ لا إلى كنائس.

يبدو تيموثاوس أُسقفًا أو مشرفًا على أساقفة في آسيا الصغرى، ثابت المكان، يختلف عن الرسول من حيث إن هذا متجوّل. إلهام بولس أن الرسول لا يكفي لحفظ الإيمان فلا بدّ مِن تعيين مسؤول في كل منطقة ليتحقّق القوةَ الروحية في الجماعة وأن يكون هذا المسؤول متحلّيًا ببعض الفضائل الأساسية حتى لا يُجَدَّف على اسم الله بسبب الإكليروس.

هذا حدّ أدنى من الميزات المطلوبة من خادم الهيكل حتى يقال له: «مُستَحق».

من هذه الرسالة أَخذت الكنيسة مقطعًا (1: 15-17) يبدأ بقول الرسول: «صادقة هي الكلمة» وبها يهيّء بولس تلميذه إلى قناعة مذهلة عنده: «أن المسيح يسوع إنّما جاء ليُخلّص الخطأة الذين أَوّلهم أنا». ليس المُراد فقط أن المسيح يسوع جاء، ولكن التأكيد أنه جاء ليُخلّص الخطأة الذين أَوّلهم أنا. ما أعظم هذا التواضع، والرسول يعرف الكثير من الفضائل التي يتحلّى بها. ولكنه لا ينسبها إلى نفسه ولكن ينسبها إلى النعمة. أليس هو القائل: «بالنعمة أنتم مخلََّصون»! كان من الطبيعي أن يرصف بولس نفسه بين الخطأة كأن يقول: ليُخلّص الخطأة الذين انا منهم، ولكن أنت لا تعرف قوة النعمة الا إذا أَحسستَ أنك آخر الناس.

يمكن أن تتجلّى، ولك أن تعرف طاقاتك حتى تُوظّفها. ولكن إنْ عرفتَ مواهبك لا تفتخر لأن «مَن افتخَرَ فليفتخِرْ بالرب» أي بالرب المعطي كل موهبة. ثم مع تأكيده خطاياه، يؤكد رحمة الله فيقول: «لأجل هذا رُحمتُ ليُظهر يسوعُ فيّ أنا أوّلاً كل أناةٍ». ما غاية إظهار السيد رحمته في بولس؟ لأنها تكون «مثالا للذين سيؤمنون به للحياة الأبدية»، وكأنه يقول: تقديسي أنا غايته تقديسُ الآخرين إذ نتشبّه بعضُنا ببعض ونرتقي روحيّا بسبب الفضائل التي نراها عند الآخرين، فإذا لمسنا صدقا حظّنا كبير أن نصير صادقين، وإن لمسنا تواضعا نتّجه إلى التواضع، وهكذا ننمو معًا ويبني أَحدُنا الآخر في جسد المسيح، وتصبح كل الجماعة المؤمنة بهيّة. لنا إذًا رؤيتان: رؤية خطايانا ورؤية وجه الله، فلا نيأس بسبب خطايا لأن نور الرب ينسكب علينا ويبدّدها فيرتسم علينا هذا النور لتَتحقَّق قولتان للسيد: «أنا نورا أَتيتُ إلى العالم» و«أنتم نور العالم». وإذا رآنا المؤمنون مشرقين، يفهمون أن ليس لنا نور من ذواتنا ولكنه النور الإلهيّ الذي اقتبسناه فأضأنا به الإخوة.

بعد رؤية النور في الجماعة يرتفع بولس إلى التسبيح فيقول: «فلِمَلك الدهور الذي لا يعروه فساد ولا يُرى وحده الكرامة والمجد إلى دهر الدهور». هذا اعتراف أن إيماننا ومحبتنا يصدران من رب المجد الذي لا يخالطه فساد وليس فيه ظلال لأنه ضياء كلّه، ونحن بالإيمان نعرف ذلك إذ يَسكنُ اللهُ نورا لا يُدنى منه ولكنا نعرف أننا نجيء منه. فنُعليه على كل الوجود ونعترف أن له وحده الكرامة والمجد. وإذا علمنا ذلك، نفهم قوله في الرسالة إلى العبرانيين عن الإنسان: «بالمجد والكرامة كلّلتَه»، ذلك لأن الله يُنزل علينا المجد والكرامة. وكما هما له إلى دهر الدهور يُبقينا على المجد إلى دهر الدهور لأن الملكوت الذي يرفعنا إليه نقيم فيه بالمجد والكرامة إذ الملكوت سطوع الله فينا من الآن وإلى الأبد.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

التجدد الروحي/ الأحد 15 كانون الثاني 2006/ العدد 3

توجد هرطقة المتجدّدين وهي لون من ألوان الحركة المعمدانية وهي تقول إن الإنسان يأتي الله إليه مرة في حياته ويخّلصه فهو مخلَّص نهائيا. في الرسالة التي نحن نقرأها اليوم (كولسي 3: 4-11) لا يصير المسيح كل شيء فينا إذا لم نترك الشهوات. فنحن بين صعود وهبوط حتى، إذا تبنا توبة صادقة وكنا مع السيد حين ظهوره في اليوم الأخير ولم نحالف الخطيئة، يبرّئنا السيد في الدينونة. في هذه الدنيا يقول لنا بولس: «تمِّموا خلاصكم بخوف ورعدة». نحن خالصون على الرجاء وليس الخلاص جواز سفر يُدخلنا آليا إلى السماء.

الرسول يطلب إماتة شهواتنا. هذا ما قصده بقوله: «أميتوا أعضاءكم التي على الأرض». يريد بكلمة أعضاء العناصر السيئة المكوِّنة لكيان الخطيئة الذي يشبّهه إلى جسم لأن الرذائل متماسكة تستدعي إحداها الأخرى.

عند بولس لائحة من الشهوات، الأولى تبدأ بالزنى وتنتهي بالطمع، والثانية تبدأ بالغضب وتنتهي بالكذب. قد لا تستغرق اللائحتان كل الخطايا، ولكن الواضح عند الرسول أنك لا تستطيع أن تصير إنسانا جديدا إذا كنت لا تزال غارقا في إحدى هذه المخبأة فيك، وعليك أن «تتجدّد للمعرفة على صورة خالقك»، والمعرفة هي معرفة للرب وكلامه وتصرفات مسيحه في هذا العالم التي تكشف لك انك حبيب الله. المعرفة هي معرفة ان الله يحبك. فقط إذا عرفت ذلك تكفّ عن ارتكاب الخطيئة وتصبح إنسانا جديدا.

وإذا أنت امتحنت قلبك وكنت صادقا في فحصه، ترى ربما أنه علق عليك شيء من هذه الخطيئة أو تلك. كافح بالصلاة الدائمة وقراءة الإنجيل والغفران للآخرين وأعمال البِرّ يطهّرك الرب.

إضِرب خطيئة واحدة من تلك التي ذكرها الرسول ترَ أن باقي الخطايا أخذ ينهار. وإذا ربحت الفضيلة المعاكسة تلاحظ بعد فترة أن الفضائل الأخرى أخذت تنزل عليك.

كشف لنا الآباء وسائل للتطهير إلى جانب الحرب الروحية العامة (صلاة، قراءة روحية، صوم، إحسان). كل خطيئةٍ التحرر منها له وسيلته. فإذا أخذنا الزنى، يقول بولس في موضع آخر «اهربوا من الزنى». هذه شهوة لا تكافَح الا بالهروب من شخص أو معاشرة أو ظرف، ولا يستعظِمْ أحدٌ قواه في هذه الحرب.

أمّا الطمع فلا يكافَح إلاّ بالعطاء لتتدرب على ألاّ تتعلق بمال تكسبه. يجب أن تنجو من عشق الأموال حسب القاعدة الكتابية: «بدَّد،َ أعطى المساكين فيدوم بِرُّه إلى الأبد».

الكذب نكافحه بمحاربة الخوف، بالتروض على الشجاعة والصمود أمام الجميع إلى جانب وسائل الحرب الروحية الأساسية أعني الصلاة والقراءة والإحسان الذي يشفي من كل الخطايا.

فإذا تحرّرت من هذه الميول والسقطات التي تنبع منها تلبس الإنسان الجديد أي المسيح، وفيه لا يبقى خلاف بين وثني ويهودي ولا بين عِرْق وعِرْق، وتذلّل كل الفروق الاجتماعية. غير أن هذه الوحدة التي دعانا إليها بولس غير ممكنة الا إذا تحررنا من الهوى والشهوة وأَسلَمْنا للمسيح.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الظهور الإلهي / الأحد 8 كانون الثاني 2006/ العدد 2

بعد ان اعتمد يسوع وبعد ذهابه إلى البرية ليُجرّب من إبليس، وبعد أن أُسلم يوحنا المعمدان إلى هيرودس انصرف المعلّم إلى الجليل، إلى الشمال. ولكنه لم يقصد وطنه الناصرة ربما لأنها كانت معادية لابنها، فسكن في كفرناحوم التي رأى فيها موقعا صالحا لانتشار البشارة، مدينة اختلطت فيها الشعوب، فيها حركة اقتصادية اذ كانت على طريق التجارة بين دمشق ومصر. وقال الإنجيلي إنها عند البحر، أي بحر الجليل الذي هو بحيرة طبرية، وأوضح متى أن المعلّم جال في تخوم زبولون ونفتاليم، وتذكَّر، عند ذاك، أن أرض زبولون ونفتاليم مذكورتان عند إشعياء.

عبْر الأردن، هي ما كنا نسمّيه شرقي الأردن حتى سُمّي الآن المملكة العربية الهاشمية. الجليل يعني الدائرة أو المنطقة. جليل الأمم أي جليل الوثنيين اذ كان منهم مَن يسكنها آنذاك. ثم يُكمل متى اقتباسه من اشعياء :«الشعب السالك في الظلمة». حتى يصل إلى «أَشرقَ عليهم نور».

أي نور هذا؟ في الآية 17 من متى التي تُنهي قراءة اليوم يقول: «من ذلك الزمان (أي من وصول السيد إلى الجليل) ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا قد اقترب ملكوت السموات». ماذا فهم السامعون من كلمة «توبوا»؟ في اللغة اليونانية معناها: غيّروا فكركم أي افهموا جيدا ما يريده الله منكم فيستقيم سلوككم. عند اليهود التوبة هي أن يحزن الإنسان لخطاياه. فكرة الندم مسيطرة عندهم. كذلك أن يقرر الإنسان عدم العودة إلى الخطيئة. طبعا لا تكون التوبة عميقة الا اذا عاوده الإغراء ثانية وثالثة وقاوم. اقترب ملكوت السموات أو ملكوت الله. معنى العبارتين واحد. الفكرة هي أن يكون الله سيدا عليكم بحيث يملك على قلوبكم ولا يملك شيء آخر. الذين يرفضون كلمة الله لا يملك الله عليهم. غير أن مُلْكَ الله يتحقق اذا أَسلم أحدنا قلبه له وأخذ على نفسه «نير الملكوت». رجاؤنا أن يملك الله على كل إنسان.

والدعوة إلى الملكوت تعليم أساسي عند يسوع. الملكوت عنده آت ومكتمل فيما بعد، ولكنه أيضا اقترب لأن المَلِك هنا بيننا. أجل يتهيأ الإنسان بأعماله للملكوت، ولكنه بالدرجة الأولى عطاء الله. ومع أن الملكوت لا يكتمل الا بعد القيامة حيث يكون الله «الكل في الكل»، الا أنه ابتدأ بأعمال يسوع.

في الصلاة الربيّة «ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك»، هذان أمران مرتبطان. البشر يدخلون الملكوت منذ الآن. الذين يحفظون التطويبات (طوبى للمساكين وغيرها) هم في الملكوت منذ الآن. إلى هذا مجموعة التلاميذ الإثني عشر دشّنوا الملكوت. إمتدادا لهذا، الملكوت حالّ في الكنيسة ولو كان فيها خطأة. الا أنّ المسيح الذي هو فيها بالأسرار المقدسة والغفران يُذيقنا الملكوت منذ الآن إلى أن يهبنا مِلأه في اليوم الأخير.

اليوم اذا ذهبنا إلى سر التوبة في الكنيسة أو تَقدَّمْنا من القرابين الكريمة ينبغي في الدرجة الأولى أن نطلب إلى الله أن يمنّ علينا بالتوبة، والا يكون عملنا سطحيا وغير جدي. واذا انطلقنا إلى النوم فطلب التوبة أساسي لنرقد بسلام الرب، خشية أن يخطفنا الموت ونحن غير مستعدين. وبصرف النظر عن الموت، المهم طلب التوبة محبة بيسوع.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

2006 / الأحد 1 كانون الثاني 2006/ العدد 1

السنة الكنسية عندنا تبدأ في أول أيلول، السنة المدنية في هذا اليوم. ولكن اصطلح الناس أن يرتّبوا شؤونهم حسب النظام المدني. نحن نذكر اليوم ختانة الرب في الجسد لكونها حدثا في حياة المخلّص ذكره الإنجيل، ويعني لنا خضوعه في جسده لشريعة موسى حتى يحرّرنا منها بدمه فندخل حياة جديدة بالمعمودية. ولكوننا انعتقنا من أيّة علامة في الجسد، صار الإيمان وحده الصلة بيننا وبين الله. فالذين صاروا فوق في ملكوت المسيح لا تنفعهم أيّة علامة محسوسة، ولهذا أبطلنا ختانة الصبيان المسيحيين. من أرادها لابنه من ناحية صحية فلا نعارضه مع أن الطب الحديث يقول إنّ الختانة لا نفع لها.

غير أنّ أحد المعلّمين الكبار في الإسكندريّة، أوريجانس، كتب صفحة جميلة عن الختانة إذ يقول إنّنا نختن كل حواسنا عن الخطيئة، نختن حاسة السمع فلا نصغي إلى ما يخالف العفة، ونختن حاسة البصر لئلاّ ننظر إلى ما يهين كياننا المسيحي إلخ… بتعبير آخر نباشر السنة الجديدة بالتعفّف ولا نقضي ليلة العيد بالقمار أو اللهو.

ثم وضعت الكنيسة ذكرى أسقف مِن أعظم أساقفة التاريخ المسيحي، باسيليوس الكبير المنتقل السنة الـ 379 عن 49 سنة من العمر. استحق صفة الكبير إذ كان عظيما في النسك وتنظيم العبادات والرهبانية والعمل الاجتماعي ومقاومة السلطة السياسية التي كانت ضد الأرثوذكسيين، وساهم إسهاما كبيرا في اللاهوت. أول كانون الثاني، كنسيّا، يوم مليء. ندخله على الرجاء إذ نأمل من الله أن يمدّنا بأزمنة سلام أولاً، وأزمنة ازدهار اقتصادي ثانيًا. ونصلّي كثيرا من أجل بلدنا المعذّب بالجرائم الرهيبة التي ارتكبت ضد الآمنين والأبرياء. وتاليًا لا بد أن يركز كل منا في صلاته الفردية على الأمن ليطلبه لنا جميعا، حتى يعطينا الله السلام بيننا، بين كل شرائحنا، وألا يطعن بنا أحد من الخارج لنحاول تأمين سبل عيشنا وتربية أولادنا.

وإلى الصلاة جهد آخر وهو أن يتطوّع كل من شاء لصوم يوم أو أكثر فيأتي إمساكنا هذا، نوعا من الدعاء ليأخذ الرب لبنان في رحمته ورضاه. السنة 2006 ستكون جديدة إذا تجدّد القلب وتطهّر. فقط إذا بلغنا التوبة وقرّرنا البقاء عليها والإقامة فيها، نصبح معا جددا فلا نكره ولا نحقد ولا نشتم، لعلّ الله ينظر إلى هذا فلا يمتحننا أكثر من طاقتنا ويقطع يد أي من أراد أن يقتل قادة الحياة الوطنيّة عندنا والإعلاميين فنسير حيث نريد أن نسير ولا نخاف.

يحزنني أن أرى المؤمنين في هذا اليوم قلّة. خالِفوا هذه العادة السيّئة وتعالوا إلى مائدة الرب لتكون نفوسكم جميلة، حرة من الشر وترتفعوا معا إلى وجه المسيح. الزمان يعبر، وغدك من حيث الطعام والعمل والحياة العائليّة سيكون هو اليوم الذي أنت فيه. والحياة الاقتصادية في صعود وهبوط. وغالبا ما تكون أنت أضعف من المافيات السياسيّة التي تشوّش حياة البلد وتخلّ بنظامه.

ربما ما بقي لك أن تصير أنت إنسانا حسنا في سلوكك الفردي. اسعَ إلى تجميل نفسك روحيا وتحسين أهل بيتك. إذا عمل هذا كثيرون لا بد أن ينشأ مجتمع جميل ودولة راقية.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

بهاء الميلاد/ الأحد في 25 كانون الأول 2005/ العدد 52

لا شيء يُفهم في المسيحية الا انطلاقا من الفصح. فالفصح خلاصة الأعياد أو دسمها. عيد القيامة يجد نفسه كامنا في كل عيد. أعياد الشهداء أعياد قيامية لأنها انتصار على الموت.

              الميلاد ظهور إلهي، انكشاف ابن الله في تواضعه، والتواضع الأعظم هو الذي عاشه ابن الله معلقا على الخشبة. الميلاد محطة على طريق الآلام والقيامة. ولمّا كان الخلاص على الصليب أهم شيء في ايماننا، لم يهتم المسيحيون الأوّلون لتأريخ مولد يسوع. فنحن لا نعرف اليوم ولا الشهر ولا السنة التي ولد فيها المخلص على وجه الدقة. والإنجيل نفسه ذكر شيئا واحدا وهو أن الرب عند خروجه الى البشارة كان له نحو من ثلاثين سنة. بعد الإنجيل بقرون وُضع التقويم الميلادي، ووقع في هذا التقويم خطأ حسابي. ونرجح اليوم ترجيحا كبيرا أن السيد وُلد حوالى ست سنوات قبل التقويم الميلادي. ولكن هذا كله لا يهم لأننا نحن لا نعالج تاريخا ولكنا نتعامل مع عقيدة.

         روحية العيد تعبّر عنها الرسالة إذ تقول: “لما حان ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني”. عبارة “ملء الزمان” تعني أن ليس علينا أن ننتظر أزمنة تعطينا معرفة جديدة بالله لأننا نلنا كل معرفة بالمسيح. والأحداث كلها مهما كانت مؤلمة فهي لا تلغي الفرح الذي جاءنا من المسيح. لا يضاف شيء على المسيح ولا شيء ينقصه. فتعليمه كامل وشخصيّته كاملة. “لننال التبني”اذ لم نبقَ بسبب الخطيئة أبناء الله. ولكن بعد أن أحبنا الله بالمسيح جعلنا أبناء. لماذا لم يقل “لننال البنوة” ولكن قال: “لننال التبني”. الجواب أن المسيح وحده ابن الله جوهريا وأزليا، اما نحن فأبناء بالابن أو بفضل الابن. لذلك قال إن لنا التبني. والمتبنّى في الشرع كالابن من حيث المحبوبية. لذلك عاد بولس الرسول فسمّانا أبناء. بسبب هذا نستطيع أن نسمي الله أبانا، ولكن هذا يتم بانسكاب الروح القدس علينا بالمعمودية.

           الى هذا عندنا قطعة ترتيل في أواخر سَحَرية العيد تبدأ بقول الناظم: “لما حان أوان حضورك على الأرض” حتى تصل الى قوله فيما يخاطب المولود الإلهي: “إن مملكتك الأبدية تجددت أزليّتها”. مملكة المسيح أبدية بمعنى أن ليس لها بداءة ولا لها نهاية. فلما نظر اليها صاحب القطعة، رأى أن هذه المملكة الأبدية عند ظهور ابن الله في مذود بيت لحم “تجدّدت أزليّتها” بمعنى أنّ الله كشف حبّه بتجسّد الابن وأننا ننتقل بالروح الى أزليّة هذه المملكة حيث لم يكن زمن.

          نحن في الظاهر معك يا يسوع في بيت لحم، ولكن في الحقيقة نحن معك قبل أن يكون العالم، قبل البدايات، كأننا نحن بمحبتك إيانا ليس لنا بدء٠ لقد تجاوزتَ أنت بداءة الخليقة وجعلتنا قبل البداءة اي معك منذ الأزل.

           غير أن هذا حتى نكونه حقا ونستحقه لا بد لنا من أن نعبر مع يسوع المراحل التي قطعها في جسده اي أن نبدأ بالتواضع ونعيش لله كما عاش هو دائما له ومعه. ولا بد لنا أن ننمو بالنعمة والحكمة فيما ننمو بالقامة.

           إن سرورنا بيسوع بعد أن انسكبت علينا بركاته لا يكتمل الا اذا ذهبنا الى الفقراء ليذوقوا هم أيضا بهاء يسوع اذا كشفنا لهم بالحب أنّ كرامتهم كاملة وأنّ الرب يريدهم أن يعيشوا بلا عوز. فكما جاء يسوع ليشاركنا العظمة الإلهية يدعونا الى أن نشارك الفقراء وكل المحزونين ولا سيّما المرضى الخيرات الروحية والمادية التي نزلت علينا من الله. إذ ذاك يكون العيد عيدهم وفرحه فرحهم ويكتشفون أننا لهم إخوة.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

احد النسبة / الأحد في 18 كانون الأول 2005 / العدد 51

كان يهم متى في مطلع إنجيله ان يبين ان يسوع الناصري هو المسيح الذي تكلم عليه الأنبياء لأن متى اراد ان يدعو اليهود وهم ابناء جنسه الى المسيح، كما اراد ان يرسخ من اهتدى منهم في ايمانهم المسيحي الجديد. فكتب لهم إنجيله بلغتهم.

          وحتى يبدو لقراء متى ان يسوع هو المسيح المرتجى، كان لا بد له ان يبين انه متحدر من ابراهيم لان هذا هو الخط الإلهي فأورد الإنجيلي لائحة من ابناء ابراهيم معظمها مذكور في الكتاب المقدس. غير ان بعض الأسماء القريبة من يوسف لا بد ان متى استقاها من معلومات خاصة لأن العهد القديم قد انتهى آخر سفر فيه حوالى قرن ونصف قبل الميلاد.

          اجل النسب ينتهي بيوسف اذ لا يمكن في الشريعة ان ينسب الولد الى امه. ولكن في ذكر حادثة الميلاد يبين الإنجيلي ان يوسف لا علاقة له بالأمر كله. علاقة يسوع بابراهيم واولاد ابراهيم هي عن طريق مريم ابنة ابراهيم.

          الغاية من كل هذه القراءة تبيان وجه يسوع الذي يعني “الله مخلص او يخلص”. والخلاص هو من الخطيئة. ثم يؤكد الكتاب قول النبي وهو اشعياء الذي تنبأ ان العذراء تحبل وتلد. وهذا لم يوجد قبلا ولن يوجد. اما قوله: “فلم يعرفها حتى ولدت ابنها” يثبت انها قبل وضعها الطفل لم تكن على علاقة مع يوسف. هذا لا يستنتج منه انها اقامت علاقة بعد مولد الطفل. كان هاجس متى ان يثبت المولد البتولي. ما كان همه ان يكتب سيرة والدة الإله. اما كونها بقيت عذراء كل حياتها فهذا اوضحه المجمع المسكوني الخامس ورددت الكنيسة ان مريم كانت “قبل الولادة وفي الولادة وبعد الولادة عذراء”. هذا هو معتقدنا الذي جاءنا من التراث الكنسي.

          من الواضح ان متى، مع تأكيده النسب الابراهيمي وانتماء بشرية يسوع الى الانسانية كلها ولاسيما الانسانية المؤمنة، لا يهمه من كل هذه اللائحة الا يسوع. فإبراهيم نظر الى مسيح الله، وهذا لم يكن داود ولا ابناء داود حتى جاء يسوع فكان هو المسيح.

          ونحن نتهيأ حتى يوم عيده وتهيأنا في الصوم الميلادي لاستقباله ليكون هو الحياة كلها. هذا النسب كان ليظهر ان كل قيمة هؤلاء الملوك وغير الملوك ان منهم انحدر المسيح وانهم هم خلصوا على الرجاء. وعندما جاء فقط كان هو رجاء الأمم فتحقق الخلاص به ونحن بنعمته مخلّصون ومن كل كلمة من فمه نجيء ونتكون.

          نتبعه منذ مولده وفي طفولته وعندما خرج الى البشارة وصنع العجائب ونؤمن بكل كلمة قالها وبموته وقيامته. كل كلمات الأنبياء كانت اليه قبله كنا امواتا بالخطيئة وبموته على الصليب صرنا نحيا به.

          هذا الميلاد وعدٌ بعطاياه الكثيرة ووعد بخلاصنا الدائم بدءا بالمعمـودية وانتهاء بملكوت السموات.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

قلب الكاهن/ الأحد 11 كانون الأول 2005 / العدد 50

جاءني شاب اعرفه من سنوات، كثير المعرفة باللاهوت، وسألني رأيي في طلبه للكهنوت، وترددت في الجواب القاطع اذ قلت له ان الدرس يستغرق منه وقتا كثيرا وان الكهنوت أيضا يتطلب وقتا كثيرا ويصعب عليك ان تضع مجلدات وان ترعى الرعية.

قد لا يهم الأكثرين ان أحدثكم عن أساتذة اللاهوت وانهم في حاجة إلى كل وقتهم. ولكن يهمكم ان تعرفوا اهتمام كاهنكم بكم وأفترض انه محب ليسوع وانه دخل هذا السلك بسبب من محبته. لقد ولى زمن الكاهن المرتزق، وجاء وقت التضحيات الكبرى أي تخصيص كل وقت الكاهن للرعية. وانتم تعرفون ان القداس يستغرق وقتا، وذلك ليس فقط في الآحاد، وان الخِدَم الأخرى المسائية في الصوم والغروب والأكاليل والمآتم والمعموديات تتطلب أيضا وقتا طويلا ولاسيما إذا كانت العائلات كثيرة. غير ان القضية الأساسية ليست قضية وقت. انها قضية القلب عند الراعي. هل قلبه مع المسيح؟ الكهنوت التزام كامل لقضية الإنجيل بحيث لا يجوز ان يبقى للكاهن فسحة لعمل آخر.

في الماضي السحيق كانوا يرون ان كاهن القرية يمكن ان يكون فلاحا، ثم سمحنا في المدن ان يكون له عمل إضافي بسبب من قلة موارده أو لصغر رعيته. ولكن عندما يكون الكاهن مسؤولا عن رعية كبيرة فليس عنده وقت ليتفرغ لعمل آخر ما لم يجتمع أكثر من كاهن في كنيسة واحدة. هذه يجب ان يكون فيها رئيس متفرغ.

ولكن بصرف النظر عن هذه التفاصيل، الكاهن مأخوذ قلبه بالله ويحتاج إلى ما لا يقل عن ساعتين في اليوم يدرس خلالهما الكتب المقدسة ويطالع المقالات اللاهوتية. إلى هذا الزيارات التي غايتها ليست فقط ان يفتقد المرضى والحزانى ولكن ان يطّلع على الحالة الروحية للبيت ولاسيما على الوفاق الزوجي وتقدم الجميع في معرفة الرب. طبعا هذا غير ممكن بالتدقيق في الرعايا الكبيرة، ولذلك نحن في حاجة إلى كهنة جدد ليقفوا على أحوال كل واحد ما أمكن: «اعرف رعيتي ورعيتي تعرفني. وأنادي خرافي بأسمائها». ولا نستطيع ان نبقي الرعايا كبيرة استرضاء للكاهن وحسن ارتزاقه. هذه أمور لا بد من تدبيرها بقوانين وأنظمة، ولكني لا استطيع ان أضحي بالحاجة الروحية في سبيل رخاء الوضع المالي للكاهن.

ثم الافتقاد: هناك افتقاد جماعي وافتقاد عائلي. جماعيا لا بد من الاجتماعات الإنجيلية في البيوت إذ لا مفر من تفسير الكلمة الإلهية وان نحيا منها وقد تردّ البعض إلى القداس الإلهي الذي يهملون. ولا بد من ان نوزع «رعيتي». هذا حد ادنى من القراءة وهذه صلة محبة بيننا.

ولكن هذه الاجتماعات لا تعوض عن اللقاء الشخصي الذي يقوم به الكاهن مع الذي يطلب منه الإرشاد أو هو يتدخل لبث روح يسوع في كل مؤمن. هذا لا يعني ان العلماني لا يهتم بالعلماني ولا يرشده ويدله على كتب دينية. ولذلك لا بد من تنظيم حلقات روحية يلتقي فيها الناس وتلتهب أرواحهم حبا بالمخلّص حتى نعبد الله في كل مكان وننشر كلمته.

تذهلني رؤيتي للأهل يُعنون بأطفالهم. يذهلني السهر الطويل الدائم حتى يكبر الأولاد ويتغذوا ويلعبوا ويتكلموا ويفهموا. هذا الذي يجري على صعيد الجسد والتربية نحتاج إلى مثله على مستوى الفهم الروحي والتعليم المسيحي والرعاية الدائمة والاهتمام بكل نفس.

وهذا كله ينحدر من قلب الكاهن المتأجج حبا ليسوع. الله قادر ان يصنع له قلبا جديدا.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

يوحنا الدمشقي/ الأحد 4 كانون الأول 2005 / العدد 49

اليوم نعيّد ليس فقط للشهيدة بربارة ولكن للبارّ يوحنا الدمشقي المتوفى السنة الـ 749. يوحنا هو الاسم الذي اتخذه في دير مار سابا في فلسطين لما تَنسَّكَ فيه. هو منصور بن سرجون. جده منصور كان حاكم دمشق في زمن البيزنطيين. فاوض العرب على تسليمهم دمشق خشية دخولهم المدينة عنوة واستعمال العنف. والده سرجون ولاّه معاوية بيت المال.

لا نعرف اذا كانت العائلة متحدرة من أصل عربي او من أصل سرياني من حيث اللغة. المعروف ان يوحنا كتب فقط باللغة اليونانية التي كانت آنذاك لغة اهل المدن.

اخذ بكل علوم عصره، وليس ثابتا انه كان يتقن العربية. لم يكتب بها لأنها لم تصبح في بدء الفتح العربي لغة المواطنين. الا انه كان صديقا للخليفة يزيد بن معاوية، ولا بد انهما تخاطبا بالعربية. وبقي على علاقة وثقى بالقصر حتى خلافة عمر الثاني الذي منع توظيف المسيحيين، ولعل يوحنا احس ان هذا علامة قمع فزهد قديسنا بدمشق وبالدنيا والتحق بالحياة الرهبانية.

في تلك الفترة شنت الامبراطورية البيزنطية حربا على الايقونات، فدافع القديس عن الايقونات وكتب فيها ثلاث رسائل صارت هي الأساس الذي اعتمده المجمع المسكوني السابع ليُظهر ايماننا بالايقونة ويدعمه.

رسمه بطريرك اورشليم كاهنا فصار واعظ المدينة المقدسة ويتمم خدمته في كنيسة القيامة. بقي لنا من مواعظه تسع اكثرها عن والدة الإله. غير ان اهم كتاب له هو «ينبوع المعرفة» يشتمل على ثلاثة ابواب، اولها فصول فلسفية كناية عن تمهيد للبحث اللاهوتي. يلي ذلك باب الهرطقات، واخيرا الجزء الأعظم «في الإيمان الارثوذكسي» الذي يقع في مئة مقالة.

إلى هذا كتب في الهرطقات التي خرجت عن الكنيسة. وعنده جدل مع المسلمين نُقل إلى اللغة العربية.

إلى جانب الكتابة العقائدية أرسى أسس كتاب المعزّي، وتُنسب اليه قطع طقسية مثل الفصحيات وبعض القطع الأخرى.

لا نعرف بوضوح كامل دوره في علم الموسيقى الكنسية، ولكن لا شك انه اسهم في تلحين قوانين وطروباريات وفي وضع نظام العلامات الموسيقية.

كتابه في «الايمان الارثوذكسي» اهميته الكبرى انه اول كتاب يجمع كل العقائد المسيحية بشكل منتظم، منسّق، مبوّب. قبله كانت توضع رسائل متفرقة: مثلا في التجسد الإلهي لأثناسيوس الكبير، او رسائل في الثالوث المقدس لغريغوريوس اللاهوتي. اما يوحنا الدمشقي فشرح كل العقائد المسيحية مرتكزا على الآباء، وبناء على عمله صارت الكتب المتعلقة باللاهوت العقائدي تُكتب هكذا.

ما لا بد لنا من تذكره من تعاليمه عن الايقونة قوله إن تحريم تصوير الله في العهد القديم أنه كان غير منظور. ولكن بعد التجسد صار الله ذا شكل بشري، فنحن نُصوِّر المسيح لا الآب ووالدة الإله والقديسين. إلى هذا فالايقونات كتب للأميين.

اهمية الرجل جمعه صفات كثيرة في شخص واحد: قداسة السيرة، اللاهوت، الاطلاع على علوم العصر، الجرأة في مواجهة البدع والانحرافات، الموسيقى والتأليف الطقوسي، الحوار مع غير المسيحيين. نفعنا الله بشفاعته.

Continue reading