بعد ان اعتمد يسوع وبعد ذهابه إلى البرية ليُجرّب من إبليس، وبعد أن أُسلم يوحنا المعمدان إلى هيرودس انصرف المعلّم إلى الجليل، إلى الشمال. ولكنه لم يقصد وطنه الناصرة ربما لأنها كانت معادية لابنها، فسكن في كفرناحوم التي رأى فيها موقعا صالحا لانتشار البشارة، مدينة اختلطت فيها الشعوب، فيها حركة اقتصادية اذ كانت على طريق التجارة بين دمشق ومصر. وقال الإنجيلي إنها عند البحر، أي بحر الجليل الذي هو بحيرة طبرية، وأوضح متى أن المعلّم جال في تخوم زبولون ونفتاليم، وتذكَّر، عند ذاك، أن أرض زبولون ونفتاليم مذكورتان عند إشعياء.

عبْر الأردن، هي ما كنا نسمّيه شرقي الأردن حتى سُمّي الآن المملكة العربية الهاشمية. الجليل يعني الدائرة أو المنطقة. جليل الأمم أي جليل الوثنيين اذ كان منهم مَن يسكنها آنذاك. ثم يُكمل متى اقتباسه من اشعياء :«الشعب السالك في الظلمة». حتى يصل إلى «أَشرقَ عليهم نور».

أي نور هذا؟ في الآية 17 من متى التي تُنهي قراءة اليوم يقول: «من ذلك الزمان (أي من وصول السيد إلى الجليل) ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا قد اقترب ملكوت السموات». ماذا فهم السامعون من كلمة «توبوا»؟ في اللغة اليونانية معناها: غيّروا فكركم أي افهموا جيدا ما يريده الله منكم فيستقيم سلوككم. عند اليهود التوبة هي أن يحزن الإنسان لخطاياه. فكرة الندم مسيطرة عندهم. كذلك أن يقرر الإنسان عدم العودة إلى الخطيئة. طبعا لا تكون التوبة عميقة الا اذا عاوده الإغراء ثانية وثالثة وقاوم. اقترب ملكوت السموات أو ملكوت الله. معنى العبارتين واحد. الفكرة هي أن يكون الله سيدا عليكم بحيث يملك على قلوبكم ولا يملك شيء آخر. الذين يرفضون كلمة الله لا يملك الله عليهم. غير أن مُلْكَ الله يتحقق اذا أَسلم أحدنا قلبه له وأخذ على نفسه «نير الملكوت». رجاؤنا أن يملك الله على كل إنسان.

والدعوة إلى الملكوت تعليم أساسي عند يسوع. الملكوت عنده آت ومكتمل فيما بعد، ولكنه أيضا اقترب لأن المَلِك هنا بيننا. أجل يتهيأ الإنسان بأعماله للملكوت، ولكنه بالدرجة الأولى عطاء الله. ومع أن الملكوت لا يكتمل الا بعد القيامة حيث يكون الله «الكل في الكل»، الا أنه ابتدأ بأعمال يسوع.

في الصلاة الربيّة «ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك»، هذان أمران مرتبطان. البشر يدخلون الملكوت منذ الآن. الذين يحفظون التطويبات (طوبى للمساكين وغيرها) هم في الملكوت منذ الآن. إلى هذا مجموعة التلاميذ الإثني عشر دشّنوا الملكوت. إمتدادا لهذا، الملكوت حالّ في الكنيسة ولو كان فيها خطأة. الا أنّ المسيح الذي هو فيها بالأسرار المقدسة والغفران يُذيقنا الملكوت منذ الآن إلى أن يهبنا مِلأه في اليوم الأخير.

اليوم اذا ذهبنا إلى سر التوبة في الكنيسة أو تَقدَّمْنا من القرابين الكريمة ينبغي في الدرجة الأولى أن نطلب إلى الله أن يمنّ علينا بالتوبة، والا يكون عملنا سطحيا وغير جدي. واذا انطلقنا إلى النوم فطلب التوبة أساسي لنرقد بسلام الرب، خشية أن يخطفنا الموت ونحن غير مستعدين. وبصرف النظر عن الموت، المهم طلب التوبة محبة بيسوع.