Author

Aziz Matta

2007, مقالات, نشرة رعيتي

الصليب / الأحد 9 أيلول 2007 / العدد 36

في هذا الأحد الذي نستعد فيه لاستقبال عيد ارتفاع الصليب، تأتي الرسالة الى اهل غلاطية وإنجيل يوحنا كلاهما عنه.

مع ان مجمع اورشليم الرسولي كان قد قرر ان الوثني الذي يعتنق المسيحية ليس عليه ان يختتن فإنه يتقبل الختانة الجديدة التي هي المعمودية، كان بعض المسيحيين الآتين من اورشليم الى كنيسة غلاطية يريدون ان يُلزِموا المهتدين بالاختتان. فرأى بولس ان هذا يعني انهم يرفضون الشهادة من اجل صليب المسيح فقط. والدعاة المتهوّدون يتّهمهم بولس انهم يفتخرون بالذين يقبلون الختان. اما هو فيقول: «حاشا لي ان أفتخر الا بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلبتُ للعالم». صُلب العالم إزائي اي أَبَدتُ انا عالم الخطيئة فيّ، او اذا كنتُ انا مصلوبا بات العالم خارجا عنّي.

لذلك لا فرق عندي بين ان يكون الإنسان مختونًا او لا يكون، اذ المهم ان يصبح خليقة جديدة متجددا بالايمان والمعمودية. ويختم بقوله: «لا يجلب عليّ أحد أتعابا فيما بعد لأني حامل في جسدي سمات الرب يسوع» بالأتعاب التي عانيتها من أجله والاضطهادات التي ذقتها من اليهود والرومانيين. فأنا مصلوب الآن وكفاني.

اما إنجيل يوحنا فيشير الى صعود المسيح الى السماء كنهاية الى كونه نزل من السماء بالتجسّد وذاق آلام الموت، ويؤكّد ان هذا الذي قبُر وقام كان دائما في السماء، وليس من قول عن ألوهيّة السيّد أصرح من هذا.

ويتنبّأ الإنجيل هنا عن ان يسوع سوف يُرفع (بالموت والقيامة) حتى لا يهلك أيُّ من آمن به وتكون له منذ الآن الحياة الأبدية، تلك التي سيقول عنها السيد في خطبة الوداع أن نعرف الآب الإله الحقيقي والذي أرسله يسوع المسيح. ويُطَمئن يوحنا الإنجيلي قرّاءه ان الله لم يرسِل ابنه الوحيد الى العالم ليدين العالم (هذا سيكون فيما بعد). ولكنه أرسله ليخلّص به العالم اذا عرف هذا العالم انه محبوب وعلامة محبوبيّته ان ابن الله انما جاء ليموت عن العالم ليعطيه الحياة التي فيه اي الحياة الإلهية بالنعمة.

فإذا تكلّمنا بعد أيام قليلة عن ارتفاع الصليب، لا نكون فقط معيّدين لرفع الصليب في أورشليم بعد ان استعاده الإمبراطور هرقل من الفرس الذين كانوا احتلّوا فلسطين وكانوا قد أخذوه الى بلادهم فاسترجعه الروم وأعادوه الى مكانه اي كنيسة القيامة، انما نكون متقبّلين الفكر الذي بدا في هذا المقطع من الرسالة الى أهل غلاطية والمقطع الذي من إنجيل يوحنا.

المسيح هو وحده المخلّص ولا يخلص الإنسان بالشرائع الطقسية كالختان التي وضعها موسى، فاليهودي المهتدي والوثني المهتدي واحد في المعمودية التي ينضم فيها الى سر موت السيد وقيامته وصعوده من بين الأموات.

ماذا ينال المؤمن بمعموديّته وتنفيذها في العمل الصالح؟ ينال الخلاص من الموت والخطيئة، وهذا ما يدعوه يوحنا الرسول الحياة الأبدية التي تقيم فينا ملكوت الله منذ الآن وتستمر معنا بعد الموت وبعد القيامة العامة وهي تعطينا الطمأنينة الى أن يسوع هو مخلّصنا اليوم والى الأبد.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لا تسرق / السبت ٨ أيلول ٢٠٠٧

لا يعطي الكتاب تحديدا للسرقة بسبب كونها معروفة فيقول في سفر الأمثال مثلا: «لا يُحتقر السارق اذا سرق ليشبع نفسه وهو جائع» (6: 30) الا انه لا يعفيه من واجب رد ما سرقه مع الربى. يلحّ على ضرورة رد المسروق. بعض علماء الأخلاق في العصر الحديث ولكنهم يعفون الجائع الحقيقي من المسؤولية باعتبار ان حياته أثمن من مال آخر. طبعا هذا أمر طارئ ان حصل كائنا ما كان موقف قانون الجزاء.

                     على رغم الاستثناء يسمّي ارميا النبي السرقة قباحة ويرى انها تتنافى والعبادة في بيت الله. وهناك غير سفر في العهدين يرصف السرقة مع الكذب والقتل والخبث والمكر والزنى وينهي عنها جميعا بالقوة نفسها.

                     ليس مبتغاي هنا ان اوضح وزن المسؤولية ولو كان من البديهي ان سرقتك للفقير اعظم رهبة من سرقتك لسواه لأن الأذى هنا كثير.

                     واذا شئنا شيئا من العمق لست أؤسس نهي الوصية: لا تسرق على قدسيّة الملكيّة الفرديّة. هذا من الشرع الروماني وتقول  به هذه الكنيسة او تلك ولكن آباءنا وعلى رأسهم باسيليوس الكبير لم يؤسسوا الملكية الفردية ولا سيما اذا وصلت اليك. من إرث حرام او من سعي اقتصادي لك حرام.

                     ما يجعل ملك الآخر ممنوعا عليك هو انه لا يسوغ اغتصابه وليس لك ان تحكم في حلاله وحرامه. هذا الملك يعطيك اياه صاحبه حبا وحنانا ورأفة في واجب مشاركة. الآباء الذين كانوا أشداء في دعوتهم الى العطاء لم يحللوا النهب ولكنهم بقوا على لغة الدعوة فقالوا انك مؤتمن على المال الذي تحوزه وهذا الإئتمان قالوا انه تفويض من الله اي انك مسؤول عن استعمال مالك لمصلحتك ومصلحة الكثيرين حولك ولهم فيه عليك حق. غير ان هذا الحق انت تستجيب له فتوزّع مالا لله الذي كلّفك هذا التوزيع لكونك غدوت في منعرجات حياتك وظروفها حافظا هذا الرزق.

                     آباؤنا لم يناقشوا مصادر المال الذي بين يديك ولم يناقشوا اذا أوتيته شرعا او بخلاف الشرع. هم كانوا ينطلقون من ملاحظة للموجود ويدعونك لإشراك المحتاجين به. ما عندك يصبح حلالا اذا قررت العطاء. اي ان الذي تبدده على المساكين يزكيك اذ جعلت نفسك دائما في استعداد للعطاء.

#                    #

#

                     من هو الذي السارق يسرقه؟ في كثرة الأحوال هو فرد او مؤسسة او الدولة. الذ يمتنع عن دفع ضرائبه قد يعلل النفس ـ وسمعت هذا الحديث عن بعض ـ اني لن أعطي دولة مقصرة في القيام بواجبها تجاه البلد او يسرقها بعض من موظّفيها. لا نستطيع ان ندخل في هذا المنطق فلعلّك باستقامتك معها تعلمها ان تحق الحق وان تتفانى بخدمتك. ليس مقبولا ان تقول انا اسرق السارق كما ليس مقبولا ان تخون المرأة زوجها نكاية بالخائن. انت في السلوك مرتبط بكلمة الله التي تعرف انك بالنهب والسلب تؤذي من سلبت وتؤذي نفسك ثانية اذ استسلمت لضعفك وربما علمك الاختلاس وما اليه الكسل والبطالة. والمال لا ينتقل من يد الى يد الا مقابل عمل او كان إحسانا.

                     منطق الذي يسرق مؤسسة يعمل فيها يأتي من قول هذا انها لمؤسسة غنية ولن تفتقر اذا انا احتفظت لنفسي بمبلغ يزاد على راتبي فإن راتبي قليل. والمؤسسة قائمة على عدة اشخاص يديرونها. واذا كان عدد من الموظّفين يقول قولك

ويسعى سعيك الباطل فأنت مؤذٍ لكثيرين لا تراهم ولكنهم في الوجود.

                     الأفراد ليسوا يقيمون ـ على مستوى الملك ـ توازنا بين المالك ومن يشتهي ملكه فتخول المحروم ان يغتصب. والحائزون على شيء من المال هم عند المحرومين حارمون. المسيحية ليست مقرونة بأحكام يطبقها المؤمنون قسرا. المسيحية قائمة على الطوعية وهذه طوعية مقرونة بأمر صارم من الله.

                     في الديموقراطيات الليبراليّة الراقية ضمانات مختلفة تقوم الدولة بخدمتها ولعل اهمها في ما يعنينا اليوم ضمانة الإنسان العاطل عن العمل بحيث يحصل على حد ادنى من مستوى معيشته. هذا هو التضامن من في البلد او الكفالة الاجتماعية. وهذه كما تمارس تشجّع مبدئيا على الأمانة. واذا كان الى هذا ضمان الشيخوخة لا يحتاج الإنسان الى ما هو أكثر من هذا ليحيا في شيخوخة كريمة.

#              #

#

                     في احوال كثيرة لا تأتي السرقة من حاجة ولكنها تأتي من طمع اذ قد يكون الميسور سارقا. والكتاب يقول ان الطمع عبادة وثن. لقد رأى يسوع الناصري الى المال على انه عبادة لرب آخر. واذا استثنيت الجائع على ما ورد في سفر الأمثال. تتوفّر في السرقات عوامل طمع يكون المال فيها طمأنينة وجود. السارق الممتهن ليس فوقه سقف. يرفعه الى اللانهاية لأنه جعل حياته قائمة على الارتياح المادي الذي لا حد له. وهذا كله مرتبط بالملذات التي نتوخّاها. واللذة تستدعي اللّذة.

                     وهذا كلّه إشارة الى اننا وقعنا في المادية العملية التي في طياتها طلب اللامحدود والاقتناع بأننا نوجد بما في أيدينا ولا نوجد بقلوبنا. ولذلك كان الشفاء من الطمع ان نتحوّل عما نحوزه الى اعتبار القيمة في وجودنا المحب المعطاء اي الى الذات العميقة التي يصنع الله عافيتها. فتكون وانت فقير فوق ما يملك جميع الناس لأن الملك لا يحددك والله يحددك بمعنى انه يغنيك بنعمه.

                     قد تبقى تواقا الى الحصول على شيء ان كنت معوزًا. اذ ذاك هذه شهوة مبرّرة ولكنك مع عوزك تبقى حرا من عوزك وراغبا في وجود لك قيم وصافٍ وحر.

                     هذا لا يمنعك ان تناضل في سبيل اترابك المحتاجين طلبا للعدل وشيء من الارتياح الاقتصادي الذي هو حق لجميع الناس. بعد كل الاختبارات الايديولوجيّة التي سقطت في القرن الماضي لم يبقَ احد يؤمن بالقول الكامل وان كان علينا ان نسعى اليه دوما لأن هذا العدل هو التحقيق الأسمى للمحبة.

                     هناك اذًا بعد اجتماعي لجهدنا في هذا المجال لا بد ان يرفع الضعفاء الذين يشتهون مال الآخرين. ليس يعني هذا ان الفضيلة ينالها الناس جميعا بسبب من التنظيم القانوني للمجتمع. غير اننا نقدر عند ذاك ان نقول مع بولس: «جاهدت الجهاد الحسن اكملت سعيي وحفظت الإيمان». الى هذا كانت التربية عنصرا هاما في حفظ الناس من الرذائل وكان الله دائما عونا للطامعين به، الجاعلين اياه ثروة قلوبهم.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

مثل الدعوة المرفوضة/ الأحد 2 أيلول 2007/ العدد 35

كان يسوع يعطي تعليمه أحيانا بصورة حكايات تسمّى أمثالا يؤلّفها هو ويفهمها الصالحون الطيّبون ويأبى الفريسيّون أن يفهموها.

عندنا اليوم حكاية «ملك صنع عرسا لابنه». واضح ان الملك يرمز الى الله وان الابن هو المسيح المرتبط بأحبائه بعرس روحي ثم على الصليب.

دعا الكثيرين. الله يدعو ولا يفرض شيئا فالمدعو يأتي او لا يأتي. الله أعدّ الغداء للعرس. لا شك ان الله دعا الأبرار الذين كانوا خاضعين للشريعة ولكنهم لم يريدوا الالتحاق بيسوع وما أحبوا إنجيل الملكوت. كان كل واحد منهمكًا بأعماله وربما كان يقوم بأعمال صالحة. ولكن هذا لا يكفي. غير ان اليهود لم يلتفتوا الى ان افتقاد الله لهم يتم بالتحاقهم بالمسيح. عند ذاك تحوّلت الدعوة الى من كانوا أكثر قابليّة لغاية الدعوة التي هي المسيح، وهؤلاء سيكون لهم نصيب بمائدة الملكوت في الدهر الآتي.

بكلام آخر دعا الله الأمم الوثنيّة. ويتّضح هذا من ان الزمن الذي كتب فيه متى إنجيله في أنطاكية حول السنة الـ80 كانت الشعوب الأخرى قد دخلت الكنيسة. وقد عاقب الله اليهود السنة الـ70 في ما يسمّى الحرب اليهوديّة التي شنّّها الرومان على أورشليم.

ثم يشير الإنجيلي الى انه لا بد من لباس العرس. وهذا معروف في كل الاحتفالات الرسميّة في كل المجتمعات. اما الخدام الذين يتكلّم عليهم المثل والذين أوثقوا هذا الرجل الذي لم يكن عليه لباس العرس قد يكونون الرسل والشهداء الذين قتلهم اليهود قبل ان يكتب متى انجيله مثل القديس استفانوس ويعقوب بن زبدى.

لباس العرس عبارة استعملتها الكنيسة في صلاة الخَتَن في الأسبوع العظيم: «انني أشاهد خِدْرَكَ مزيّنا يا مخلصي ولستُ أَمتلكُ لباسًا للدخول اليه».

هذا الرجل الذي لم يكن عليه لباس العرس، عندما سُئل عن السبب، سكت اي عرف انه بلا عذر ومصيره «الظلمة البرانيّة» اي عذاب الجحيم.

ويُنهي السيّد الحكاية بقوله: «لأن المدعوين كثيرون والمختارين قليلون». نحن جميعا تدعونا نعمة الله، ولكن من الناس من يرفضها ويفضّل مصالحه الذاتيّة او ملذّاته على الكلمة الإلهيّة التي تدعونا. كل ما في الكنيسة (الإنجيل، العبادات، الوعظ الجيّد) تعابير للدعوة الإلهيّةز

باستمرار يكلّمنا الله بالقديسين، بالكنيسة. ولكن للأسف البعض يرفض الخلاص. لا يمكننا نحن المسيحيين ان نعتب على الله إن لم يكلّمنا. وقد وضع الله ميولا روحية في نفوسنا لكي نسمع الدعوة ونلبّي ونشارك في عرس حَمَل الله مع كنيسته العروس.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الألم / السبت ١ ايلول ٢٠٠٧

منذ بضع سنين أخذ الجسم البشري يسحرني بتركيبته العجيبة الخلابة. اجل كل جسم حيواني يجذبك بتركيب هو غاية في تعقيد يأخذك الى الدهشة ولاسيما ان الحياة- وهذا ثابت- لا تأتي بالتفاعلات الخيميائيّة في اي مختبر في العالم. آلة لا يحركها محرك منظور،  تبقى بقوّة التنفّس وتحوّل الأطعمة بالدم الى كل عضو من أعضاذنا فننمو زمنا لا يعرف احد في الدنيا سر نهايته ووقتها.

                     وفيما كنت أتأمّل في هذا مؤخّرا لاحظت ان كل نتاج الطبيعة الذي يؤكل انما هو مناسب لتركيبنا الخيميائي اذ يتحوّل الينا. أليس ان الذي صمّم جسمنا آلة هو اياه الذي صنع طعامنا وشرابنا؟ هل هذا هو كلّه نتيجة صدفة؟ ولكن اذا أخلّ في أبداننا عنصر خارجي كان الألم. وهذا الألم سبب تساؤل وجداني، كياني. لماذا الألم؟

                     اذا كان الألم مؤذيا للإنسان والى حقيقة مصيره هل أمكننا القول ان الله سبب أوجاعنا؟ هذا يعيدنا الى سؤال بسيط هل الله سبب الألم ومريده؟ الفكر العبري الظاهر في العهد القديم لا يرى الى الفرق بين ما يعود الى الطبيعة وما يعود الى ررادة الله، يضع السببيّة كلها في الله. فكر العهد الجديد ان ثمّة فرقا بين مشيئة الله ومعرفة الله. ان معرفته الأزليّة لا تحدث الأشياء. تقرأها. على سبيل المثال ليس الله يريد في الإنسان خطيئة. هذه من صنع الإنسان وفي مسؤوليّته والا كنا آلات يحرّكها الخالق ولا يبقى الإنسان حرا وقد ترك الله للطبيعة نواميسها وليس في الله تعسّف بحيث يوجع فلانا ولا يوجع ذاك. نحن لا نعرف حكمة الله من هذا القبيل. جل ما نعرفه ان الله يساعد الإنسان المتوجّع فيخفف عنه أوجاعه بالنعمة التي يغدقها عليه. انه الى جانب مخلوقه في الصحة وفي انحرافها. انه معه في موته وما بعد موته اذ ينشله من الموت بآمال القيامة ويجعله في محنه انسانا يتطلّع  الى الخلاص. يترك للطبيعة هوية تحركها.

                     الله سبب الحرية التي تأخذ مجراها في كل صوب. الطبيعة ولو سرت بإشراف الله عليها نبقى في سرها. والسؤال هو كيف نواجه حرية الطبيعة اذا آذتنا. في صميم هذا الأذى نتوجّه الى الله ليرفع عنا وطأة الأسباب الفاتكة فينا اي اننا نطلب الشفاء ونسلك على الرجاء ونسلم وضعنا الى الله ورأفاته عسى يتدخل ليعيد الينا العافية ولكنا لا نقول مثل العامة: لماذا فعل الله بي كذلك. انت بالإهمال احيانا  يتأذى جسمك  وتتأذى نفسك او ان هناك عوامل تحل بك وتحاول ان تسيطر عليها بما اوتيت من علم وما أوتيت من صبر  والصبر ليس إذعانا للمرض او استسلاما للقدر ولكنه مصالحة مع الله. ولا شيء في الكتاب يدل على ان الانسان المريض او العاجز اعترته الخطيئة اكثر من سواه. الأبرار يتألّمون ايضًا وهذا عطاء لهم من ربهم. لك انت ان تستخرج من أوجاعك رسالة الهية اليك وان تقرأ في ما حل بك تذكيرا لك من فوق حتى تدخل في عافية روحية تنمو فيك وتتجدّد وسط المحنة التي تذوق.

#            #

#

                     ما كان موقف السيّد من اوجاع الناس؟ هو الذي قال في مجمع الناصرة انه وجد في سفر أشعياء ما اعتبره قد قيل عنه هو: «روح الرب عليّ لأنه مسحنى لأبشّر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية» (لوقا 4: 16-18). يرى يسوع الناصري ان مهمّته مزدوجة: تبشير وشفاء. وهذا يؤكّده غير موضع في الكتاب مثلا قوله: «وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى 4: 23).

                     ولما ارسل اليه يوحنا المعمدان «اثنين من تلاميذه وقال له أنت الآتي ام ننتظر آخر فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون» (متى 11: 2-5). سؤال يوحنا يعني أانت المسيح المرتجى؟ وجواب السيّد لم يكن نعم انا هو ولكنه كان: هذه علامات مجيء المسيح فافهم. الملكوت اذا تحقق بعد المجيء الثاني ملكوت عافية.

                     بخلاف ذلك قبول الألم مشاركة في آلام المسيح. هذا لا وجود له في كلام الوحي. الفكرة الوحيدة المنتشرة بخاصة في تعليم بولس اننا بالمعمودية نصطبغ لنصير الى موته فندفن معه بالمعمودية للموت اي نسير الى موته حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن ايضًا في جدة الحياة (راجع رومية 6: 1-4). مشاركة آلام المسيح هي إماتة الشهوة ولا تعني إطلاقًا اوجاع الجسد او النفس. اما ان تتحمّل ما يعتريك ويعذبك فيبدأ من بعد الآلام بغلبة الرجاء والفرح. قد تؤتى عطفًا الهيا في ما تتعذّب ولكن هذا لا ينشئه العذاب. هذا ثمرة النعمة التي تمنحك تقديسا ان صبرت وربما وهبتك شفاء اذا رأى الله انه ينفعك روحيا. الألم بحد نفسه قوة سالبة وايمانك برفعه من هذه المرتبة الى رؤية المصلوب في طريقه الى القيامة.

                     المسيح المصلوب هو رب المجد كما قال الرسول. آلامه هو التي انسكبت حبا هي مجده كما يعلم إنجيل يوحنا وهي صارت سبب خلاص لنا لأنه هو الفادي اي الجاعل ألوهيّته في جسده. فإنه عند دخوله مملكة الموت يواجه الموت بحياته الإلهيّة وانت لا تفدي أحدا ولا تفدي نفسك. هو يخلّصك وسط التأوّه والتنهّد بحياته هو . قد يقرع بانحدارك الجسدي باب نفسك فإن فتحت له يدخل اليك ويتعشّى معك كما يقول سفر الرؤيا. فعند دخوله يحول النقصان الذي حل فيك الى كمال وما كان سلبيا الى إبداع في كيانك الروحي.

                     لا تفتعل ألما كأنه شرط لافتقاد الرب اياك. هو يأتيك متى شاء وكيفما شاء.

                     لقد رتّبت الكنيسة بعد توصية يعقوب الرسول سر مسحة الزيت الذي يطلب شيئين العافية والتوبة فالأولى ثمرة الثانية كما ان الخبز المادي صورة عن الخبز السماوي فمن كان له الأكثر له الأقل.

                     لقد بنت الكنيسة مؤسسات استشفاء رحمة بالناس ما في ذلك شك ولكنها اعتبرت انها بذلك تبذل للمرضى اهتمامها بهم في العلاج حتى اذا تعافوا يشكرون الله.

                     المهم ونحن امام الإنسانيّة المجروحة ان نقف مع الجائعين والمسلوبي الحرية وإطعام الجائع وتحرير المظلوم، ان ننظر ليس فقط الى إنفسنا ولكن الى البشر جميعا القريبين والبعيدين ليتلقّوا التفقّد الإلهي ويتعافوا روحيا وحسيا ونتشارك واياهم بالتطلّع الى رحمة الله والمحبة الإنسانسة الواسعة. متى يأتي ذلك اليوم الذي نستطيع فيه ان نقول: «وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت» (رؤيا 21: 4).

                     الا وهبنا الله ان نتوق الى هذه الرؤية.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

أن نحب ربنا يسوع المسيح/ الأحد 26 آب 2007/ العدد 34

رسالة اليوم آخر مقطع في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس يحتوي على كلمات تشجيع وعلى تحيات وبركة.

الكلمة الاولى اسهروا انتظارًا للمجيء الثاني للمسيح. وريثما يجيء السيد يشجع الرسول المؤمنين على الثبات في الايمان الذي كان قد شرحه في مطالع الرسالة وفي هذا الثبات الأهمية للمحبة. وهي تتطلّب ان نكون أشدّاء فيها.

بعد هذا يذكر أعوانه: استفاناس وفرتوناتوس واخائكوس وهم مسؤولون في كنيسة كورنثوس بدليل انه يطلب الطاعة لهم.

اما بيت استفاناس او أهله فقد خصصوا أنفسهم لخدمة القديسين وهي تعني المسيحيين في أورشليم الذين كان بولس معتنيا بهم ويجمع لهم إعانات من الكنائس في الانتشار، وكان يرى الرسول ان المشاركة في الأموال علامة من علامات الوحدة.

من حيث يكتب يقول للكورنثيين ان هؤلاء المندوبين «قاموا مقامكم في غيابكم». هذا ما عناه في هذه الترجمة: «ان نقصانكم (اي غيابكم) هؤلاء قد جبروه».

«تسلّم عليكم كنائس آسيا» تدل على الإقليم الروماني في آسيا الصغرى (في تركيا الحالية).

«أكيلا وزوجته برسكلة يسلّمان عليكم» ولا سيما انهما أسهما في تأسيس كنيسة كورنثوس وسلّماها الى بولس. الكنيسة التي في بيتهما تشير الى المؤمنين الذين كانوا يجتمعون عندهما لإقامة القداس الإلهي.

«سلّموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة». القبلة المقدسة مذكورة في عدة مواضع من رسائله. القديس يوستينوس الفيلسوف الشهيد الذي كتب حوالى مئة سنة بعد هذه الرسالة يقول ان القبلة بين المؤمنين جزء من القداس الإلهي (للأسف ضاعت عندنا) ولم تبقَ الا القبلة بين الكهنة في الهيكل وتأخذ في غير كنائسنا شكلا خاصا (مصافحة بالأيادي او تسليما بانحناء الرأس).

«السلام بيدي انا بولس» تعني انه اخذ القلم من الكاتب الذي كان يملي عليه وأكمل الرسالة ليعرفوا خطه وانه هو حقًا صاحب الرسالة.

ماذا كتب؟ «حرا ان كان أحد لا يحب ربنا يسوع المسيح فليكن مفروزًا» اي مقطوعًا من شركة الكنيسة. هو لا يفترض ان في كنيسة كورنثوس من لا يحب الرب يسوع ولكنه يحذر. ثم يتمنى ان تنزل على جميعهم نعمة ربنا يسوع المسيح. ويزيد «محبتي مع جميعكم في المسيح يسوع». هنا ينسكب قلب الرسول، ولكنه يوضح ان هذه محبة في المسيح اي تنزل عليه من المسيح ويوزعها على كل المؤمنين في كنيسة كورنثوس. الذين هم في المسيح بسبب من إيمانهم ومحبتهم.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان اليوم وغدا / السبت ٢٥ آب ٢٠٠٧

ماذا يعني لك ان تعيش في بلد كثير المعطوبيّة؟ في المبدأ انت منه وهو اليك. واذا أردنا بأنك منه وهو اليك ان الجماعات أمست في هذه المحنة أقرب بعضها الى بعض فحقيقة ذلك نسبيّة لأنها ناتجة من حالات طارئة. هي كذلك بسبب الضديّة وما هي كذلك في العمق بسبب من القناعات المؤسسة على شعور وحدة قائمة او وحدة نبنيها. فالجماعات عندنا هي ما يبدو منها فقد قال الخبير الأب لوبره Lebret قديما: «لبنان ليس عالم الكيان، انه عالم الظهور».

                     وهاجس اللبناني غير الاستثنائي ان يبدو امام الآخر. لذلك يصطنع لنفسه الصورة التي يريد الآخر الذي يهمّه ان يراها: مجتمعنا تتشابك فيه الصور، الأقنعة ولا تتلاقى فيه الوجوه اذا اردنا بالوجه صورة النفس.

                     هل التجمّعات اللبنانية تعد نفسها دائما لتخطي ذاتها وتاريخها ومكاسبها وطموحاتها للقاء الجماعات الأخرى التي تقوم بعمليات مماثلة علنا ندرك شيئا من الوحدة بحركة الواحد الى الآخر فتلتقي في وحدة الحركة ان لم ناتقِ على ارض واحدة.

                     وهذا يعني ان كل شريحة دينيّة او سياسيّة راغبة في إعادة النظر في ما مارسته قبل تفحص ذاتها اليوم لتلقي مما تعتبره تراثها ما يجب استبعاده عن رؤيتها لنفسها. هل ترتضي كل شريحة ان الأخرى تسائلها سرا او جهرا اذ يعرف كل فريق منا على وجه الدقة ما يفكّر به الآخر ويعرف آلامه ويجب ان يعرف اذًا ان الآخر مجروح وانه هو قد يكون الجارح ولكنا نختبئ وراء المقولة السطحيّة التي أشيعت منذ القرن التاسع عشر: «الدين لله والوطن للجميع». اعرف ان النيّة عند كاتبها كانت طاهرة ولكن المقولة تتضمّن التباسات كثيرة وقد تعني اللامبالاة بالأديان التي لا يمكن ان ننساها ونعرف انها تترك في النفس صدمات نجهر بها او نسكت عنها ولا نحب ان نذكر ما يصدمنا في الدين الاخر ونشرح الصدمات في حلقات خاصة، الأمر الذي يستدعي، بالضرورة، الحوار ايضًا وايضا والدراسة المعمّقة ونزولا الى أعماق المحبة. هذا من اجل الحق الذي يحررنا وان نحيا في سلام في معيّة صادقة ولا نقع في تلك الدهرية التي تعني إقصاء الايمان عن الفكر والسلوك.

#            #

#

                     ان تجاوز الطائفيّة الى الوطنيّة لا يتمّ على مستوى الدعوات الكلاميّة التي نقرأها في الأدبيات اللبنانيّة منذ ما قبل الحرب العالميّة الاولى ولا نتوجّه الى الأسباب السيكولوجيّة او الايديولوجيّة التي تجعلنا ورثة العتيق العتيق. ليس صحيحا ان اوربا حرة من الطائفيّة الدينيّة ولو تحرّرت من ترجمتها السياسيّة بالعلمانيّة. ففي الحياة الوجدانيّة وحتى تاريخ قريب كان ثمة مجتمع كاثوليكي ومجتمع بروتستنتي وقد كان هذا واضحا في المانيا بعد ان وحّدها بسمارك واشتد هذا في فرنسا مع حركة شارل موراس الشوفينية ومع كل القوميات الملتصقة بمذهب مسيحي في البلقان. ولعلنا لم نكن على هذه الحدة في العلاقات الإسلامية المسيحية.

                     غير اننا نحن اللبنانيين نحب الاختباء ونخشى المصارحة في الحياة اليوميّة، في البيت وفي الاجتماع الوطني وكأن معظم القوم «خشب سندة» اي كأن الحديث لا يصل الناس بعضهم ببعض وكأن الحقيقة في ما لا نصرح ولهذا كثرت عندنا محاكمة النيات. يكون الأمر كذلك عندما يكون المقول هو غير المعني بحيث انك تحتاج الى تحليلات مفذلكة لتصل الى الباطن المكتوم الذي يقيم الآخر علاقته بك، كأنك لا ترى سوى الشجرات الأمامية (اي الحكي) التي تخفي أدغالا مظلمة.

                     لذلك كان العيب المنتشر بصورة مريعة التذاكي الذي هو الالتماع بالكلام بالكلام الذي يصبح، عند ذاك، قناعا.

#             #

#

                     لست أعلم اذا كانت هذه الطبائع التي عليها الكثيرون هي التي تلد اهل السياسة عندنا ام ان ثمّة تفاعلا بيننا وبينهم يذهب على الخطين. لست هنا ارجم أحدا بحجر ولكن لا مفر من السؤال: هل ان الدولة هشّة لأنها صورة شعبنا ام انها هي المثال الذي نحتذي به. ما من شك ان الانسان العادي والخائف بسبب فقره او عدم أمانه ينجذب الى القوي ليقلّده. وما من شك ان الناس على دين ملوكهم ويقولون عند تعبهم اذا كان أمراء السياسة هم هكذا فكيف نكون افضل منهم ولهم في الدنيا متع ونفوذ والبعض عندهم مال ويعطى النواب تعويضات يرثها اولادهم وأراملهم من بعدهم مع ان  الكثير منهم يجني اموالا من مكتبه او المصارف.

                     واذا رأيت العظيم في قومك يهدر ما يهدر حتى استعمل المصطلح الجاري فأنت مغرى بالتشبيه بالعظام، والمعتبرين كذلك. فاذا كان الجالسون على الأرائك لا يحاسَبون فتحاول انت ان تستشفعهم لئلا يحاسبك أحد. في القانون الكنسي الذي يعود الى القرن الرابع عندنا ما مفاده ان الاكليريكي الذي لا يعرف بمخالفته الأسقف يجب ان يكشف خطيئته للأسقف ويطالب محاكمته عنها. بسبب التغاضي الكبير في لبنان عن الارتكابات ينمو عدم التقيد بالقانون او المطالبة بتطبيقه ليأس الناس من المراجع الادارية او القضائيّة ولإيمانهم بأن التعامل  يكون على قاعدة التفريق بين الست والجارية.

                     هناك قناعة بأن اهل الحكم طبقة مميّزة وان الطبقيّة عندنا ليست بين الفقير والغني ولكنها بين الحاكم والمحكوم.

                     على رغم كل ذلك نحن شعب مسكين وفينا طيّبون كثيرون. انا شاهد على فترات زمنيّة تعود الى ما قبل الحرب العالميّة الثانية حيث كنت تجد الكثير من المستقيمين والطاهرين وحيث كنت تستدين مبالغ طائلة بالليرة العثمانية الذهبيّة بلا كتابة سند وكنت ترد الدين. انا شاهدت ذلك في الاوساط التي كنت أعيش فيها وكنت أرى الدقة والاستقامة في العمل الصناعي وقلة الرشوة في الدوائر وقناعة الناس بنزاهة القضاء. واتكلّم هنا ايضا كشاهد ما يعني ان الشعب اللبناني ليس فاسدا في جوهره وان خطايا دخلت اليه ويمكنه التخلّص منها ان ساعده اهل الحكم.

                     طبعا تتطلّب هذه الطهارة اليوم شجاعة كبيرة وتقشفًا كثيرا اذا تألفت حلقات من الطاهرين وضغطوا على الوضع السياسي وحضهم على التقوى العميقة المسؤولون الروحيون في كل الأديان.

                     الحث على نقاوة القلب والعيش امر لا يحتمل ارجاء ان لم نتوقّف حصرا على الأزمة السياسيّة الحالة فينا اليوم. فلكل زمان صعوباته وما يبدو مآزقه. ولكن الانسان ليس أسير المأزق. ماذا ينفع الإنسان لو حللنا كل المشاكل العابرة مهما قست وخسرنا نفسنا. انت تحيا بالله في الضيق والفرج، تحيا مصلوبا او قائما  من بين الأموات. ونرجو الرب ونحن في الجراح ان يرفع عنا النير الذي وضع على اعناقنا ليزداد تعلقنا بالكلام الذي نزل على من اصطفاهم ربهم فكان بهم  الينا وكنا اليه.

                     نحن جميعا ومعا خلاص لبنان اذا اردنا ذلك  فالله يريد ذلك. متى نتعلّم ان الباطل باطل وان الحق حق. مرة قالت لي امرأة عجوز: «ان كان الكذب ينجّي فالصدق ينجّي اكثر وأكثر». هلا سمعنا الى هذه الحكيمة المصطفاة!

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الإنجيل الذي بشّرتكم به/ الأحد 19 آب 2007/ العدد 33

الإنجيل الذي يذكره الرسول هو تعليمه وليس الأناجيل الأربعة التي لم تكن كُتبت بعد. رسائل بولس تاريخيّا هي أوّل ما عندنا من العهد الجديد. ثم يشدّد على ان اهل كورنثوس قائمون في إنجيله بمعنى انه هو الذي يحميهم. كم من مسيحيّ اليوم يحيا بالإنجيل او بالعهد الجديد؟ مَن منّا قرأه كاملا ويقرأه كل يوم؟ ويصرّ الرسول على اننا نخلص بهذا الإنجيل اي ننجو من خطايانا، وتَدخلنا حياةُ المسيح.

بعد هذا التأكيد يبدو ملخِّصا لهذا الإنجيل ويقول ان ما يسلّمهم اياه قد تَسَلّمه هو من آخرين اي من التقليد المعروف بالكنيسة وبخاصة من الرسل الذين التقاهم في اورشليم.

أوّل تأكيد له من مضمون هذا التعليم انّ «المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب». حسب الكتب اي تحقيقًا للنبوءات ولا تعني كتب العهد الجديد التي لم تظهر بعد عندما كتب الرسالة. هو لا يشير الى سِفْر معيّن.

ثم يذكر انه قُبر وقام «على ما في الكتب» بالمعنى نفسه. بعد هذا يقول ان الرب ظهر لصفا اي لبطرس.

يؤكّد هذا انجيل لوقا في قوله ان الرب «ظهر لسمعان» (24: 34). كذلك يتفرّد بولس أنّ الرب ظهر لخمسمئة أخٍ دفعة واحدة. غالبًا ما كان هذا في الجليل. ايضا بولس هو الشاهد الوحيد على ان المخلّص ظهر ليعقوب أخي الرب الذي صار أوّل أسقف على أورشليم. أخيرا يقول: «وآخر الكل تراءى لي انا ايضا كأنه للسقْط». يستعير هذه الكلمة التي تدلّ على الولد الناتج عن إجهاد ليوحي انه لا شيء لكونه اضطهد كنيسة الله. ومع انه اعتبر نفسه كلا شيء، فوّضه يسوع مسؤولية الرسالة. «لكي بنعمة الله انا ما أنا»، اي جعلني المسيح مجانًا رسولا. وعندما يقول «تعبتُ أكثر من جميعهم» يؤكّد انّ هذا ليس من فضله وبسبب من جهوده ولكنه فضل النعمة عليه. هذا هو أقصى التواضع عند الرسول.

ثم يعود الى ما أكّده قبل ان يتحدّث عن نفسه، يعود الى مضمون التعليم عن موت يسوع وقيامته ويقول: هذه هي الكرازة سواء حملتُها انا إليكم ام حَمَلها سواي من الرسل، فهكذا نكرز ونعلّم، وهكذا أنتم آمنتم.

هكذا يكون الإيمان المستقيم الرأي. الرسل علّموا وسلّموا التعليم الى من جاء بعدهم. واي تعليم خارج عن هذا الذي تسلّمناه يكون انحرافا او هرطقة. ويقيننا نحن ان كل ما قالته المجامع المسكونية السبعة وما قاله آباؤنا وما نؤدّيه من عبادات انّما جاء من هذا الإنجيل ينبوعًا. بعد هذا تفسّر او تحدّد العقيدة لينأى المؤمنون عن الأضاليل او تترجم التعليم الأوّل صلوات وتراتيل التي جوهرها جميعا في الإنجيل.

نحن ما زدنا شيئا عن الإنجيل ولكنّا أوضحناه لنكافح الفكر الضال الذي نشأ هنا وهناك. هذا هو عمل الروح القدس الذي ألهم الإنجيليين وألهم آباءنا ايضا ويلهم الكنيسة دوما حتى نبقى في حدود الكلمة الإلهيّة.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الكذب / السبت ١٨ آب ٢٠٠٧

قالت العرب: «أعذب الشعر أكذبه». هل المراد بهذا الكلام ان الشعر هو الهروب من العادي الذي يجسّده النثر الى إحساس ينشئ كلمات اخرى. الشعر ليس كذبا لأنه ليس تشويها. انه بناء آخر ولو كانت الحجارة واحدة. هو في الحقيقة محاولة نجاة من واقع يؤلمك ولا ترتضي السكنى اليه اذ تكون، اذ ذاك، قابعا في ما يشبه الموت.  تخرج من الألم او تحاول في الإبداع الذي يعطيه التماس الفرح. ما من إبداع في الكذب الأدبي. الزخرف هو الكذف. القلق الذي لا بعده سلام يجعلك مختبئا فيه. هذا في الأدب.

                     أما في الحياة فالكاذب كثيرا ما ينجح بالاختفاء ولكنه لا ينجح بالاستمرار. بهذا المعنى قال فولتير: «اكذب، اكذب يبق دائما شيء من هذا». قد يصدقونك الى حين ولكن لا يصدقك كل الناس. لذلك كان الكاذب في الأخير محكوما عليه بالوحدة فيعتزله القوم الذين يلتمسون الشفافية لكون الكذب يؤذيهم او يؤذي مصالحهم ويرون كيف تمزقت شبكة العنكبوت وكيف انهار صاحبها ليس لأنهم بالضرورة أصدق. الكذوب لا يحب ان يكذب عليه لأن فيه إرادة الحياة. ليس هناك جماعة كذابين. الكذب لا يربط كاذبا بآخر.

                     الكذب يغري للكسب، لتغذية النفوذ. ولذلك يعرّض له الإنسان اية كانت مهنته او موقعه في العائلة. ولكن لا ضرورة له في اية حرفة. الديبلوماسي نفسه يحمل رسالة من دولته ويفاوض ويدافع عن موقف بلده ولكن لا شيء يضطره الى مجافاة الحق ولاسيما اذا امتهن ديبلوماسيّة مكشوفة كما هي الحال احيانا في ايامنا. كذلك المحاماة يعيشها الكثيرون في صدق كامل. المحامي يدافع عن وجهة نظر وعن الجانب القوي في موقف موكله واذا جانب الحقيقة يفضحه الخصم او القاضي. لا تستطيع انت ان تنفي واقعا ثبت او يمكن إثباته. تستعين القانون او تشرح الظروف بحيث ينجلي الوضع.

                     المبالغة في وصف الحسن للبضاعة وأساليب أخرى في التجارة كتحريف سجلات المحاسبة كل هذا يقع تحت عنوان الكذب الى جانب السرقة. انهما متلازمان.

#                 #

#

                     في بلدنا لا بد من ان يطرح السؤال حول الصدق عند رجال السياسة. أجيب توًا اني اؤمن بأن منهم من كان صادقا وكذا في بقية انحاء العالم. طبعا هذه فضيلة صعبة المنال حيث السياسة شأن الزعيم او النافذ الذي يشتهي ان يجدد قعوده على مقعد بعد ان احتله فترة طويلة او قصيرة. هذه شهوة السلطة التي ترهبني اكثر من اية شهوة اخرى. تضعف الرغبة فيها في وجود الأحزاب التي تختار هي مندوبيها الى مجلس النواب. ولكن في القبلية التي تتخذ اسم الديموقراطية – والقبيلة فردية- حظنا في الصدق قليل.

                     هناك أنظمة سياسيّة او تركيبات مجتمعية تضعف حظ الصدق. المؤكّد ان من انتهك العفة في الانتخابات يكون قد ارتكب الرشوة التي هي استغلال حب الناس للمال وتاليا قبول إفسادهم. من ينقذنا من هذه الآفة.

                     مرة سألت أحد أبنائي الروحيين ان كان يكذب. أجابني: نعم ولكني لا اؤذي احدا. قلت له: على الأقل تؤذي نفسك لأنها تقزّمها بخسارتك الشجاعة. المواجهة هي حق لمن تتعامل واياه. له حق في الصدق. ان تواجه هو ان تجعل وجهك اي داخلك امام وجهه اي داخله لأنك تقوي شخصيتك بالصدق وهو ينميها بمعرفة الحق الذي قال الناصري انه يحرر. بالصدق تتقبّله وهو يتقبّلك واذا اخطأ فله عليك حق عتابك ولعلك تشفيه من خطأ وقع فيه. اخرج دائما من نفسك لأن الآخر بات هو مركزك وانت توجد به وفيه ويحل النور عليك وعليه.

                     انه لمقلق جدا الا تكون متأكدا ان الآخر لا يصدقك. يختل التعامل اذًا ولا تعرف اين تقف واين يقف الآخر ويبدأ الشك بالنيات وتتهدد مصالحك وقد تصل الى اليأس من الآخر وربما تعمم شكك على جميع الناس وتعوزك اذ ذاك، قوة كثيرة ونعمة الهية فائقة لتستمر في الطهارة وتشعر ان الطهارة تؤذيك في حياتك الخاصة او العامة.

                     السؤال الذي يطرح نفسه احسب ان لنا جوابا عنه في ما قاله صاحب الرسالة الى العبرانيين حيث قال: «فاذ قد تشارك الاولاد (اي البشر) في اللحم والدم اشترك هو (اي المسيح) كذلك فيهما لكي يبيد بالموت الذي له سلطان الموت اي ابليس ويعتق اولئك الذي خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية» (2: 14 و15).

                     القصة كلها هي الخوف من الموت وهذا الخوف هو العبودية. فالسارق يسرق خوفا من جوعه وجوع اطفاله او في ظنه ان ما عنده لا يكفي وانه يعيش على مستوى الموت. كذلك الكذاب يكذب خوفا مما يشبه الموت. التلميذ مثلا يخالف الواقع الذي يسأله عنه المدرس خشية عقابه. الذي يخون زوجته هو دائما غارق في سرد حكايات لا أساس لها لكي تطمئن وترضى عنه. يخشى عقابها كائنة ما كانت صورته. قبولنا للموت هو اعلى مستوى روحي يمكننا بلوغه. اما اذا وصلنا فمعنى ذلك اننا احرار من الخطيئة.

                     انها اذًا لحرب دائمة نخوضها على الخوف بحيث لا نخشى تأديب احد في اية مؤسسة نحن فيها ونرضى بالطرد من اجل الحقيقة. وليس من نصف صدق وقد عبّر عن ضرورة كماله المسيح المبارك بقوله: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا وما زاد عن ذلك فهو من الشرير» (5: 37) فلا تسوية بين النعم واللا. وهذا المعنى يؤكّده بولس الرسول بقوله. «امين هو الله ان كلامنا لم يكن نعم ولا» (٢كورنثوس 1: 18).

                     اجل لك ان تتكتم والا تكشف الحقائق لفضوليين ليس لهم الحق بمعرفتها. اما حيث يقضي التواصل او المسؤولية في مؤسسة انت فيها فهناك المكاشفة وعند ذاك تبدي ما يجب ابداؤه. اي اخفاء يضر بصيت واحد من الناس او مصلحته فهو من الشرير. هناك حكمة تربوية احيانا في الإخفاء اتقاء صدمة عنيفة. هناك ارجاء حكيم لكشف امور. ولكن روح التصرف يبقى ان الحقيقة هي حياتك وحياة الآخرين ليكتمل كيان الجماعة الشاهدة الله.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الروحيات والجسديات في الكنيسة/ الأحد 12 آب 2007 /العدد 32

في هذا المقطع من الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس مناخ جدال حول شخص بولس في هذه الرعية. في بدء الرسالة إشارة الى أحزاب في الكنيسة اذ يقول أحدهم انا لبولس، وآخر انا لأبولّس، والثالث لصفا. في هذا الجو المحموم يقول بولس هنا للمؤمنين: «انتم خَتْم رسالتي». لفظة خَتْم مستعملة في سفر الرؤيا والرسالة الى اهل رومية. ثم استعملت بمعنى موهبة الروح القدس كما نستعملها اليوم عند إقامة سر الميرون.

بعد هذا يعبر الى القول: «ألعلّنا لا سلطان لنا أن نأكل ونشرب؟». مع ذلك كان بولس يرفض ان تسنده الكنيسة ماليا ويعمل عامل خيام ليأكل. هذا كان رده على اعتراض أول.

ثم يقول: «ألعلّنا لا سلطان لنا ان نجول بامرأةٍ أختٍ كسائر الرسل؟». المرأة الأخت طبعا هي الزوجة وتسمّى أختا لإيمانها. تؤكّد الرسائل انه أثناء تبشيره الكنائس لم يكن متزوّجا. هل تزوّج ثم ماتت امرأته فكان في رحلاته التبشيرية بلا امرأة؟ لا نعلم على وجه التأكيد.

ثم يبدو من الكلام على إعاشة بولس انه جرت مناقشة حولها. فجاء يؤكّد من العهد القديم والأعراف اليهوديّة وكلام السيّد نفسه انه يحق له ان يعتاش من الكنيسة ولكنه هو الذي رفض (لم نستعمل هذا السلطان بل نحتمل كل شيء لئلا نسبب تعويقا ما لبشارة المسيح).

ماذا نستنتج من هذا في حالتنا الحاضرة في حياة الكاهن؟

اولا- ان كانت له مهنة ما (تعليم، زراعة، الخ…) وكان الدخل منها كافيا، فله ألاّ يتقاضى شيئا من الكنيسة ويمكن ان يتقاضى مبلغا رمزيا؟

ثانيا- معظم الكهنة ليس لهم دخل من بيوت يؤجّرونها او مهنة يحترفونها. فلهم على الرعية حق. من هنا قول الرسول: «ان كنا قد زرعنا لكم الروحيات أفيكون عظيما ان نحصد منكم الجسديات (المال)؟»

هذه المسألة لم تُحَلّ حتى الآن في بعض الأماكن حَلاّ مرضيا لنقصان في محبة المسؤولين العلمانيين (مجلس الرعية) للكاهن. ولعلّ السبب أحيانا فقر الرعية لصغرها. ولكن في كل حال يجب ان يدير المطران الأمور بحيث لا يبقى الكاهن معوزا كما لا ينبغي ان يكون مترفا. هناك ترتيب لا بد منه رسمي وهذا جارٍ في معظم الرعايا.

غير ان الراتب لا يمنع العطاء الفردي للكاهن بمناسبة خدمة إلهيّة وهذا معروف. ولكن الأجمل من هذا أن يعطي المؤمنُ المسؤولَ الروحي هدية مالية من وقت الى آخر دون ان يكون قام له بخدمة ما (كالإكليل او العمادة). لا شيء يمنع أن نعبّر عن محبّتنا له بهذا الإهداء من وقت الى آخر. ولا يظننّ أحد ان المال يتدفّق على الأسقف او القس او الشماس تدفّقًا. فلا تُحرِج احد الإكليريكيين أن يلتمس منك المال التماسا. لا تجعل الاكليريكي متسوّلا. انت تعبّر عن محبّتك بالعطاء على قدر إمكانك وتعبّر عن شكرك للعطاء الروحي الذي يأتيك منه.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الحسد / السبت ١١ آب ٢٠٠٧

دائما في مطالعاتي للآباء النساك كنت أتساءل انى كان لهم ان يكتبوا عن رذائل لم يرتكبورها ويصنّفونها وبعد تحليلهم الداء كانوا يقدمون الدواء فتأخذ منهم ما تستطيع وتستشفي. غير ان الآباء عالجوا ناسا كثيرين جاؤوا اليهم مسترشدين. ولعل الفضيلة ترشدك الى معرفة الرذيلة بسبب من التناقض.

                      انا لست ناسكا ولكني سأحاول فيما احلل نفسي واوغل في رؤية الشر ان أفهم شيئا من رذيلة الحسد والتدقيق فيه لا يطرحك فيه ولكنه يساعدك على الخروج منه ولعل دوري ان اذيقك مرارته لتتقيأه ان لذعك بعض الشيء او لامسك كثيرا.

                      فيما كنت اسعى الى تحديد الحسد او مصدره في النفوس المصابة فيه لفتتني الآية القرآنية في سورة النساء: «ثم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله» (الآية ٥٤). هذا هو جوهر هذا الإثم، انت لا تطيق الخير في سواك فتتحرق لوجود مواهب فيه أجمالا كان ام ذكاء ام تقوى ام غنى ام وجاهة  في الدنيا. لا تتحمّل نفسك فقيرا الى هذا ولا تتحمّل الآخر موفور البهاء بأي فضل من العلي.

                      تعليل ذلك انك كاره للآخر ولا تريد له حسن الوجود وحسن الطلعة الروحية او الفكرية وكان عليك ان تسر بحسناته لأن الحق المنتشر او الجمال او الفطنة تنبئك بمجد الله فيه وبكرمه العميم والله حر في ان يوزع نعمه حيث يشاء ولعل له قصدا باختيار هذا او ذاك وان يخصه بعطاء منه واذا سطعت عليك  أنوار الموهوبين فخذها. قد لا تنزل عليك من فوق رحمة تستنزلها. ماذا يمنع  ان تؤتاها بالوسطاء الذين فوضهم ربهم توزيع المغانم الروحية؟

                      الا ان «لسان العرب» يتوسع بتبيان المضمون للحسد «الحسد ان تتمنى زوال نعمة الحسود اليك» ثم يوضح الناموس الحسد ان يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنّى ان تزول عنه وتكون له دونه؟ مجموعة مشاعر متقاربة فتارة ترى في الآخر حسنة وتغتاظ لسكناها اليه. وطورا تغتاظ لكونك عاجزا ان تحصل عليها. وفي كل حال انت رافض للبركات التي عند الآخر بسبب من كرهك له او بسبب من انغلاقك دونه او من انغلاقك دون كل الناس او معظمهم.

#              #

#

                      هنا ندخل في آلية الحسد. هو قرين الغضب او النميمة او كليهما اذ يجب ان تقتل الآخر في صيته او صورته عند الناس فتلفق ما ينفعك تلفيقه لتدمر المحسود اذ المهم الا تظهر حسناته لئلا تزول انت وينتج من ذلك انك تفتش عن اصغر ضعف فيه او بعض من نقص تافه لتركب عنه «صورة منحوتة» فتذيعها وتحاول إقناع الناس بها اذ القاعدة ان يجتمع الحساد في عصبة رهيبة. غايتها ان تقتل الموهوب. لا يجوز ان تقف انت امام العصابة.

                      لذلك كانت النميمة عنصرا في القتل المعنوي هاما. تذهب احيانا بصورتك الحقيقيّة الى الأبد ويثبت النمّام كلامه ويظن انه به يحيا غير ان غباءه اقنعه انه اكتشف الحقيقة اذ ابادك ولم يبدك واستطاع ان يجمع حوله بعض الأغبياء. الحسد دائما يفضح والمرتكب لا يريد ان يفتضح فيهاجم ويظن انه قوي لأنه أخذ يضربك بلسانه او التعامل.

                      لا يزول الحسد الا باهتدائنا الى اننا جميعا واحد وبأني لا أستطيع ان أقول انا الا اذا قلت لك انت. اي لا يزول الحسد الا بالـ «نحن». اجتماعي اليك هو حقيقتي، هو كياني بل الكيان هو كيان الجماعة المتحابة التي يعترف كل واحد فيها بحرية الله ان يهب ما شاء لمن شاء. والمواهب موزّعة بالمحبة الإلهية الحرة ابدا. وحتى تعترف بالآخر لا بد لك من ان توقن انه حبيب الله وانه يحيا كما تحيا انت بالاختيار الإلهي وما اعطي لك ان تعرف شيئا عن حركة الله الى خلائقه حتى يبين الأبرار فتقبل اليهم واذا رأيت الله فيهم تراه بعدئذ فيك. واذا اهتديت ترى الحسد منافيا للعلاقة الشركوية التي تربطك بالبشر وبالكون. وتفهم، عند ذاك، ان مجد الشمس شيء ومجد القمر شيء وكلاهما فيهما مجد.

                      الحس الشركوي الذي أشرت اليه ادركه بولس في رسالته الى اهل غلاطية لمّا دعاهم الا يغاضبوا بعضهم بعضا ولا يحسد بعضهم بعضا. قبل ذلك حذّر العهد القديم من الحسد الأفراد. العهد الجديد بلسان بولس يخشى على الكنيسة ان تتصدّع اذا تعاطينا الغضب والحسد وفي قراءة شاملة للعهد الجديد الكلمات المعطوفة بعضها على بعض هي الحسد وفي قراءة شاملة للعهد الجديد الكلمات المعطوفة بعضها على بعض هي الحسد والقتل او الحسد والخصام فتجتمع هذه المفردات بشكل عضوي في النفس. فاذا كان الغضب في النفس قرين البغض فما من شك ان الانسان الحاسد لا يعرف المحبة.

#           #

#

                      لذلك قال الرسول: «المحبة لا تحسد» (١كورنثوس 13: 4). يستتبع هذا القول ان الحسود يعشق نفسه عشقا آثما وانه يتعذّر عليه ان يتحرّر من وطأتها ليتقبّل عطاء نفس اخرى اليه فاذا سادته النفوس الطيّبة يحيا بها. وان لم يتقبّل القلب القلوب الأخرى بترحاب يقسو  حتى التحجّر.

                      طبعا قد لا يحسد احدنا باستمرار شخصا آخر اذا ادرك ان هذا الشعور يعطبه. وقد يعرف الشوق. هذا الصعود والنزول يجتمعان في قلب واحد ويذهب الإنسان مع كل ريح. ولكن هذا يعني ان المحبة الكبيرة الشاملة لم تسكن هذا القلب وانه لا يعبد الله عبادة خالصة.

                      فالله وحده يعصمك عن القنل المعنوي الذي قد يلازمك طوال حياتك. غير ان النعمة ممكن حصولها في كل حين. ان زوال الحسد مستحيل بلا عبادة لله كاملة فلا تملأ القلب بالأصنام. فإن لم يكن لك إله غيره يكون كل الناس محبوبين لديك. وقبل ان يكون هذا تكون مثل اليهود الذين أسلموا المسح حسدا. انت دائما تسلم من لا تحب. فاذا اخذك الله في حنانه وكشف لك ان بهاء الآخرين هو منه تعود من الله الكاشف الى حقيقة احتضانك الناس بلطف وفرح بما اغدق الله عليهم من عطايا.

Continue reading