Author

Aziz Matta

2007, مقالات, نشرة رعيتي

الأيقونة / الأحد 14 تشرين الأول 2007 / العدد 41

المجمع المسكوني السابع والأخير هو الذي حدد عقيدة إكرام الايقونات بعد ان شنّ أباطرة الروم حربا على الأيقونة خلال مئة وعشرين سنة تقريبا انتهت السنة الـ843 حيث رُفعت الأيقونة في الكنائس والأماكن العامة والمنازل. هذه كانت «حرب الأيقونات» التي هزّت الإمبراطورية البيزنطية وانتهت بانتصار الأرثوذكسية.

الحجة التي استند عليها أعداء الأيقونة أنّ الرب في الوصايا العشر حَرّم الصور والتماثيل. فلما شُنّت الحرب بقتل عشرات الألوف من الأرثوذكسيين ولاسيما الرهبان، تصدّى لها القديس يوحنا الدمشقي قائلا ان تحريم العهد القديم لتصوير الله سببُه أن الله غير منظور ولا يجوز تاليا تصويره. وأما في العهد الجديد فنزل ابنُ الله الى العالم وصار انسانا منظورا، فترسم انت هذا الذي بات منظورًا. اما الآب فلكونه لم يتّخذ جسدًا فلا يجوز تصويره. والروح القدس عند معمودية السيّد اتّخذ شكل حمامة فيصوّر هكذا. نحن تاليا لا نخالف روح العهد القديم.

ولمّا انعقد المجمع السابع تبنّى تقريبا حرفيا تعليم يوحنا الدمشقي وقال ان الذي نقوم به ليس عبادة للأيقونة ولكنه إكرام للمثال السماوي الذي يُرسَم عليها. لذلك ادّعاء خصومنا القدماء والحاليين (كشهود يهوه) أننا نعبد الايقونة غير صحيح. فعند انحنائنا امام الايقونة او تقبيلنا اياها فنحن فقط في وضع إكرام.

الأمر الثاني اننا نتبع قواعد في الرسم. فالسيّد او والدته والقديسون هم في السماء، لذلك نحاول أن نرسمهم كأناسٍ سماويين فنبتعد عن الطبيعة الأرضيّة التي كانوا عليها. هذا تصوير خاشع لا يوحي باللحم والدم. تصوير روحاني فنخفي الأذنين ونكبّر العينين والوجه لكي نوحي بتصوير ناس باتوا في الملكوت.

ثم نستخدم الأيقونة في عباداتنا فنبخّرها كما نبخّر الأشخاص الأحياء ونطوف بها في الأعياد ونشعر بسببها ان كنيسة السماء المؤلّفة من القديسين واحدة مع كنيسة الأرض، ونرمز الى هذه الوحدة بالإيقونسطاس والايقونات المعلّقة على الجدران. والايقونات في منازلنا أو مكاتبنا تنقل اليها حضرة الكنيسة. هذه هي الكنيسة المتحرّكة. ونحملها في السَفَر وتكون في غرفتنا في الفندق لكي نبقى على رؤية سماوية ونحمل الكنيسة معنا الى كل مكان.

الى هذا فالايقونات متساوية بالقوة الروحية وهي قادرة على صنع العجائب ليس لأن الله حاضر فيها كحضوره في القرابين ولكنه ينقل الينا نعمته بها إنْ صلّينا اليه بحرارة الايمان. من الناحية الروحية لا فرق بين ايقونة قديمة وايقونة حديثة. طبعا هناك تفاوت في الجمال وهذا شأن الرسّامين، فهناك الجيّدون وهناك من كان أضعف فنّا، ولكنّ الإكرام واحد عند المؤمنين.

انت حُرّ أن تحب هذه الأيقونة أكثر من غيرها بسبب التفاوت في البهاء الفني، وقد تؤْثر تلك التي ورثتها عن أهلك، ولكن الله يهمّه قلبك. هل جعلت نفسك صديقا للقديسين وأحببت أهلنا في السماء؟ هذا هو المهم.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان الأبيض / السبت ١٣ تشرين الاول ٢٠٠٧

انكفأت عن قادة لبنان الى لبنان عليّ اتعزى. انكفأت الى الأرز الذي نصبه الله كما يقول المزمور ١٠٣ في حين ان كل الأشجار الأخرى نصبها البشر. هكذا يعلينا الكتاب الإلهي ويمدح جمال نسائنا في نشيد الأناشيد ويكشفنا هدفا لمطامع اسرائيل. انت لا يسعك ان تناقش في ما اذا كنا موجودين او غير قائمين على هذه التلال والجبال بعد ان ذكرتنا التوراة حوالى سبعين مرة كائنا ما كان منظور هذا الذكر.

                      لست اعلم اذا كان المهاجر الذي قرر عدم العودة لصيقا بالوطن. لست أدين احدا فهناك اولاد يكبرون ويتزوجون ويلازمون الأرض التي ابتغوا الإقامة فيها. انه لشيء عظيم اذا مت ان تضجع مع آبائك. تكون تشرقت اي طلبت ان تُدفن تحت الشمس في بلدك. واذا كنت مسيحيا تذكر ان أشعياء يسمي المسيح الشرق. وقبل انشطار الكنيسة في القرن الحادي عشر كل الكنائس كانت الى الشرق ومنه لبنان. ان كنت تحبه تسافر هنيهة طلبا للعلم او الرزق ثم تعود الى النور اذا التمسته عيناك ورغب فيه قلبك وتنتظر ان يلتصق لحمك بترابه عندما يقرر الرب استردادك الى الملكوت ولكن قبل ولوجك السماء يحجب وجهك ترابنا. الصوت الإلهي يناديك من تحت ترابنا. من عندنا تنطلق الى كنيسة السماويين.

                      لست متعصبا لجمال الطبيعة عندنا ككل اللبنانيين ولكن لا شك عندي وانا المسافر الكبير اننا في طليعة البلدان الجميلة ولكن بيوتنا راسخة في التاريخ في الساحل ومصوغة في الجبل كالماس في الخاتم. يسحرك بهاء الكثير من قرانا حتى نعيد الأشجار التي احترقت ونقول بذا اننا محبو الخضراء والجنات التي تجري من تحتها الأنهار. ولكن يعذّبني ان السياسة عندنا ليست جنة واننا في حاجة الى زمن غير يسير حتى تصير حياتنا الوطنية على صورة القديسين. يؤلمني هذا البعد بين الطبيعة عندنا وهذه التشنّجات الجارحة التي تحزّ في كياننا البشري. لماذا بتنا هكذا على اللاوعي وعلى غير الاخلاص وهنا لا اتحدى احدا ليقيني ان فينا قوما طاهرين عندهم من كلمة ما تجعلهم مؤهّلين لخدمة البلد كما كان الفلاسفة يحكمون أثينا في ايام أفلاطون.

                      البلد لا يمشي من ذاته. لا يتحرّك الا بالمعرفة والمحبة اللتين لا تلازمان بالضرورة المقامات العلى. والعلم وحده بلا محبة يولد من أحشائه الخير كما يولد الشر. والكثير منا انفعالي بدءًا من قيادة السيارة الى رجل السياسة التي هي اصلا فن قائم على الصدق والتقوى والنزاهة الكاملة. ليس صحيحا ان السياسة تلطخ آليا صاحبها، انه اذا تعششت فيه المعصية تأتي أعماله سيئة ويقدر ان يفسد البلد.

#                  #

#

                      انا عشير لبنان من قبل الاستقلال وكدت أموت في مظاهرة طلابية في طرابلس صباح الحادي عشر من تشرين الثاني السنة الـ ١٩٤٣ تحت دبابة فرنسية قتلت احد عشر من رفاقي المتظاهرين عند اعتقال الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح ورفاقهما. وعرفت بسبب من عملي آنذاك قضاءً نزيهاً الى حد كبير وادارة معقولة في هذه الفترة وبعدها.

                      عند منظر الدم ولمسي لأعضاء رفقائي المتقطعة اهتديت الى لبنان رافضًا للإنتداب وآمنت اننا قادرون على الحرية ومستحقون لها. وعملنا لها لما كانت تتهدد وصرنا اليوم أكثر من اي يوم مضى مصرين عليها ليصبح كل منا بشرا سويا ونهدي مواطنينا وغير مواطنينا الى الحق.

                      بعد تلك الأيام صرت أتردد على جريدة لسان الحال وصرت أكتب فيها كل سبت وكان جبران حايك يعرف اني واياه كنا نذكر معا انطاكية عاصمة ولاية سوريا الروماني ومركز كنيستها حتى اليوم. وكان ذكر انطاكية يعني لنا النهضة الروحية في كنيستنا. قال لي جبران مرة: ما هي انطاكية؟ لم أفهم سؤاله. اجاب هو عن سؤاله بقوله: انطاكية هي اليوم بيروت. فهمت انه يعني نهضة الفكر العربي التي كانت العاصمة اللبنانية تحتضنها وانها المدينة الاولى في نشر الكتاب العربي كما لاحظ ذلك طه حسين وما كان أدباء العرب من العراق الى القاهرة الى السودان الى الخليج يتهمون لبنان بأنه انعزالي. الروح اللبنانية كانت تعني آنذاك لبعض الابتعاد عن العرب وكنت اعرف ان العروبة بدأها موارنة باريس وان الموارنة ثم ارثوذكس جبل لبنان سبقوا غيرهم بسنوات في تحدي الصهيونية. هل كان انعزالية ان تجبه الفكر الصهيوني فورا بعد مؤتمر بازل السنة الـ ١٨٩٧؟

                      هذا الشعب حي قلبه وحي عقله بانتظار إحياء الدولة. متى ينتهي الطلاق بين الحكم والأمة؟ متى يصير الحكم على صورة الشرائح الطيبة من عائلاتنا الروحية جميعا؟ طبعا انا لست أؤمن ان اللبنانيين جميعا قديسون ولكنهم محبو السلام ويسعون الى تنشئة اولادهم ونموهم حتى يأتوا روحيا على جمال جبل لبنان، على مداعبة الشمس لجبالنا عند الغروب فوق ضريح جبران او فوق قبر ميخائيل نعيمة في الشخروب.

                      من يعرف كل هذا لا يستطيع الا ان يشتهي الراحة لأهل لبنان والازدهار، لأن في هذا خدمة للعرب جميعا. كنت أحاضر مرة عن المسيحية العربية في الخليج وكانت القاعة قاعة للدولة ويقدمني شخص رسمي وكان ذلك امام خمسمئة شخص كثرتهم الساحقة من الإمارتيين فلم يجد تعريفا لي الا اني من وطن جبران ونعيمة وأمين الريحاني. هذا لم يخطر بباله ان المسيحيين انعزاليون. كذلك في المغرب لمست مع كبار من أساتذة الجامعات ترحيبا بي كلبناني.

                      اما اليوم فكلنا خائف على البلد بعد اقتناعنا انه يقوم على دولة فيها مقومات حكم سليم. والحديث منذ تولي الرئيس الياس الهراوي كان عن دولة القوانين والمؤسسات اي في العلاقة الموضوعية العادلة بينها وبين المواطنين. وهذه العلاقة في خلل مبين ويحس اللبناني انه متروك الى قدره وعمل الدولة عينا في التغلّب على القدر وإحكام العقل. هذا الشعب يحتاج الى رعاية، الى حضن، الى ثقة بالمستقبل القريب، الى الا يتعرّض الى الجوع. هذا كله يحتاج الى التضحيات من قبل اهل السياسة والى نوع من تخفيف حدة الحزبية طلبا لشيء من الرحمة. هل انا حالم لو قلت اننا في حاجة الى اتخاذ اهل الحكم والنواب البلد الى صدورهم التائبة وان يلتقوا على هو ممكن وبنّاء بآن؟

                      والقضية قضية ايام اذا كنا مصرين على انتخاب رئيس لأن إرجاء الموعد اذا لم يحدث فراغا لا بد له ان يحدث قلقا كبيرا حتى درجة اليأس. والناس هم المهمون ولاسيما الفقراء منهم. الى هذا لن يرضى الموارنة وربما عائلات روحية اخرى مسيحية ام غير مسيحية ان توضع الرئاسة في مهب الريح. انا افهم ان يتمسّك الماروني بمقام الصلاحيات فيه قليلة ولكنه يرمز الى منطق تاريخي.

                      في اليومين الأخيرين جمع السيد البطريرك صفير المجروح من اجل البلد أقطاب طائفته وأرجو أن يكونوا قد اتفقوا على صالح لبنان (مقالي مكتوب قبل اجتماعهم). وبالتأكيد لا يرغبون او لم يبقوا في موقع من يملي خيارا. ولكني اوصي في المحبة ان يراعى جانبهم اذا هم اتفقوا حتى نصل الى فكر ديموقراطي علماني لا نأخذ بعين الاعتبار الطابع السياسي للطوائف.

                      واذا لم يتم هذا الاتفاق فلندع الله جميعا ان يتم تحت قبة المجلس. ان رغبة البطريرك في ان يكون النواب جميعا هناك هي رغبة حكيمة تتخطّى بعض الاعتبارات الاجرائية فينتخبوا رئيسا قويا طيّبا فهيما مثقفًا غير تافه ومن بعد هذا لا نكون عند نقطة الصفر ولكن تسير عجلة الإنقاذ. من الممكن ان تبنى الدولة من جديد مع رئيس جديد وتتعهد السلطات الثلاث التي تضع يدها على مؤسسات البلد فتساعد هذه الدولة على تكوين مجتمع صالح نسبيّا ولكنه في حاجة الى خمسين سنة او اكثر من التربية الأخلاقية ليتفاعل والدولة في شكل خلاق يبنيه ويبني الحكم معا.

                      أرجو ان ترفع قلوبنا ادعية بارة لبدء مسيرة الإنقاذ حتى نبلغ قيامة لبنان الأبيض.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

في الرسالة/ الأحد 7 تشرين الأول 2007 / العدد 40

مملكة الأنباط وعاصمتها البتراء (في الأردن اليوم) امتدّ نفوذها إلى دمشق. والحاكم فيها، بسببٍ من وثنيّته، قرر القبض على بولس الرسول الذي لجأ إليها بعد أن ظهر له المخلّص على الطريق إليها واتّصل فيها بالكنيسة واقتبل المعمودية.

عَرفَت الجماعة المسيحية في المدينة بسعي الحاكم إلى القبض على الرسول، فأرادت أن يهرب، فدُلّي من كوّة في زنبيل من السور، والمكان معروف حتى اليوم، فنجا بولس من الحاكم. وبعد ان قال هذا في هذه الرسالة، قال: «انه لا يوافقني أن أفتخر فآتي إلى رؤى الرب وإعلاناته». ثم اختار إعلانا واحدا ليتكلّم عليه، وقال عن نفسه ولكن بصورة الغائب: «أَعرفُ إنسانًا في المسيح منذ أربع عشرة سنة (في الجسد لستُ أَعلم أَم خارج الجسد لستُ أعلم، الله يعلم)- ويدلّ بذلك على نفسه-اختُطف إلى الفردوس (أي إلى الملكوت) وسمع كلمات سرية لا يَحلّ لإنسان أن ينطقَ بها».

قال: أفتخر بهذه الرؤية، بالنعمة «وأما من جهة نفسي فلا أفتخر إلا بأوهاني» أي أفتخر بشفاء الله لي من ضعفاتي. ويفسّر هذا بقوله: «ولئلا أستكبر بفرط الإعلانات أُعطيتُ شوكة في الجسد، ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أستكبر». طبعًا لا يشير الرسول إلى أخطاء ارتكبها، إذ العلماء مُجْمِعون على انه يتحدّث عن مرض يلازمه. ويختلف العلماء حول هذا المرض أو هذا العجز، وانا أميل إلى أولئك الذين يقولون انه يشير إلى ضعف البصر عنده. وما يقوّي هذه الحجّة اننا نعرف من رسائله انه كان يمليها على مجموعة من تلاميذه، وما كَتَبَ إلا فقرات قليلة بيده. والمرض كان يلازمه -حسب قوله- لئلا يقع بالكبرياء.

ثم يقول: «لهذا طلبتُ إلى الرب ثلاث مرات ان تفارقني» أي ان تنقلني بالموت إليك. «فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل». كان بولس، بسبب الشدائد الكثيرة التي تَعرّض لها (غرق، رجم، اضطهاد من الإخوة الكذبة) وهو تحدّث عنها في مكان آخر، يحتاج إلى نعمة الله فشعر فيها انه نجا من الشدائد جميعا بنعمة الله. كان يحس بالضعف الجسديّ ويحس بالوقت نفسه بتعزيات يسوع له ويدرك ان النعمة نجّته من كل هذه العذابات، ونجّته بخاصة من الحزن والكآبة، وتحرر منهما لمعرفته انه يجب ان يبشّر وان يتابع الرسالة في كل الأوضاع الصحية.

بولس كان يرى المسيح دائما أمام عينيه وهكذا قال: «فبكل سرور أفتخر بالحريّ بأوهاني لتستقرّ فيّ قوّة المسيح». بعبارة أوضح هو ما كان يفتخر بالأوهان الجسدية وما يرافقها من حزن إلا لكونها جعلته يلتجئ إلى قوة المسيح، وهذه القوّة كانت تستقرّ فيه وتجعله يتغلّب على الآلام في جسده وفي نفسه. الأوجاع، مع انه يعانيها، ما كانت تسيطر عليه لأن المسيح استولى عليه. ما قال الرسول ان السيد رفع عنه أوجاعه، ولكنه قال انه لا يعتبرها شيئا لأن المسيح كان كل شيء.

هذه يجب ان تكون جَمال المسيحيّ المتوجّع. لا يبقى مسمّرا على أوجاعه ولا يقع في الكآبة التي يأتي بها المرض ولكنه يقفز في المرض والعجز عنهما ليجعل بدعائه الدائم المسيح يحتل مكانه في قلبه. يشفي، واذا لم يشفِ فإنه يعزّي بحضوره وتعزيات روحه. هكذا اذا رافَقْنا المريض ولا سيما عند مرضه الأخير ننقله بكلمات الرب إلى معاينة ملكوته والانتقال إليه وهو على هذه الأرض.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الرئيس المرجو / السبت ٦ تشرين الاول ٢٠٠٧

سوف يدرس المجمع المقدس الأرثوذكسي الوضع اللبناني في دورته العادية المنعقدة بعد يومين في دير مار الياس شويا (ضهور الشوير). نرجو ان يلهم الرب السادة المطارنة إلهاما حسنا ليقولوا كلمتهم لكل اللبنانيين لأننا كنيسة تخاطب جميع الناس. قبل ذلك أبث تأمّلاتي الشخصية التي لا تقيد احدا سواي.

                     قبل ولوج موضوع الرئاسة منذ صدور الثوابت الإسلامية قبل الطائف أكّد المسلمون نهائيّة لبنان وأخذنا عنهم بكل فخر وصارت معتقدًا من هذه الدنيا. فوطننا نهائي ما دمنا له. ولن يجتزأ الا اذا تغاضى عنه بعض منا الى ما يقسم ويفتت الكيان لتقوم الأنا الطائفيّة او التحزّب الضيق المقيت. ولن يثبت احد على لبنانيّته ما لم يؤمن بأن لنا مقوّمات وجود ووحدة على تنوّعنا وفي تنوّعنا وان عرضنا التعدد البالغ الحجم الى معطوبية تبدو في هذا الجيل او ذاك.

                     قبل الاستحقاق الرئاسي الكثيرون قائمون على صلاتهم من اجل هذا الوطن الصغير القادر على الكبر والعطاء الرسالي وكأن هذا البلد لا تحييه الا النعمة الإلهية مسكوبة علينا جميعا وعلى مختلف شرائحنا لأن البشرة فينا ضعيفة والخوف يجتاحنا بين حين وحين. أذكر لقاءً دعا اليه المثلث الرحمات المطران ايليا الصليبي في دار مطرانية بيروت وكنت حاضرا فيه وذلك السنة الـ ١٩٧٥ جمع كبار الزعماء. قال فيه المرحوم الشيخ بيار الجميل مؤسس الكتائب للزملاء المسلمين: نحن المسيحيين نخاف فأجابه المرحوم تقي الدين الصلح ولكن الخوف ضعف فرد عليه الشيخ بيار: أزيلوا أسباب الخوف حتى لا نضعف.

                     اليوم الخلافات السياسية لا تقوم على أساس طائفي لأن الطوائف مندمجة في هذا التيار وذاك. اليوم سيسنا مخاوفنا اي دولناها بعض الشيء ودخلنا في الشك في الآخر وهذا سيبقى كثيرا او قليلا من بعد الاستحقاق الرئاسي. ولكن الثقة تستعاد بالأفعال وتتدرّج انت اليها في الحياة المشتركة او المشاركة الفعليّة التي تبدأ بايمانك بإخلاص الآخر. انا اريد ان اؤمن بأن اية ذرة من الإخلاص تقوية عند الطرف الاخر حتى نؤمن بعضنا ببعض. وهذا يعني ان نبدل ما في انفسنا رحمة وصدقا.

#                  #

#

                     وهذا له مدى طويل، اي يتطلّب توبة كل منا الى الآخر وتصديقه في ما يقول والا يفتري عليه كذبا. قد يكون للتصديق مراحل اي قد يكون فيه درجات يكتمل بعدها وقد يحدث ما يحل العقد فنخرج منها سالمين فيتوحّد البلد على سلامة القلوب. ولا اريد ذلك شعرا او خيالا او وهما اذ الأوطان تبنى من حب الى حب ويبدو ان بلدنا هكذا ينبني. وهذا لا يمنع التوق الى عقلانية التجزئة والتوتر المستبد.

                     وقد نمر بمرحلة خلاصية تستتبع مراحل أخرى ما يساعد على تفكيك العقد الواحدة بعد الاخرى اذ تنمو طهارة القلوب بالأفعال الناطقة الدالة على التغير او إرادة التغيير. هل تكون وقفتنا امام الاستحقاق الرئاسي اذا ما تم في الإخلاص ايذانا بتلاقيات اخرى تنشء جميعا الوحدة.

                     ان نقول قولا واحدا في كل شيء فهذا غير مطلوب في الديموقراطيات وغير ممكن في تعدد العقول وتاليا الرؤى. الديموقراطية تقوم على تنازع وبديلها طبائع الاستبداد كما يقول عبد الرحمن الكواكبي. تداول الحكم هو عينا الاختلاف البناء لأن احدا في السياسة لا يستطيع ان يجزم بما هو حق او موافق. ما تزعمه انت صوابا اقول عنه انه خطأ. والخصومة الديموقراطية تفترض ان احدا لا يحتكر الصواب فأنا اقبلك وإن كنت على خطأ. وليس في الديموقراطية توافق. ومن اراد ان يفرض عليك ما يراه صوابا انما هو مستبد تحديدا. فما من صواب الا في الوحي.

#                  #

#

                       غير اننا قد نعيش مرحلة يضطرنا فيه التأزم الى توحيد المواقف حتى تصل بنا مؤقتا الى التوافق وهذا قد يكون سهلا اذا دخل كل النواب المجلس في الوقت المحدد بسبب حبهم للوطن وقاموا بواجب الانتخاب لرئيس ينتخبونه من موارنة لبنان وتتوفّر فيه الشروط التي تحدث عنها العقلاء في هذا البلد ويقيني ان هذا الرجل لن يكون متصلبا في كل ما اتّخذه من مواقف مع من زاملهم. لن يكون متصلبا ولكنه يكون صلبا اي قويا على عدالة ويكون محبا للبنان حتى الشغف، متحيزا للبنان ولا يغازل غير اللبنانيين ولو أغروا. لست اظن ان احدا يدعو الى انسان غير استقلالي او غير سيادي فالأخلاقية المشترطة فيه لا تداعب توجه قلبه الى ما هو غير لبنان وشعوري ان الآلام قادتنا الى التمسك بسيادة لا تنفي تعاملا طيبا والإخوة العرب القريبين منهم والبعيدين اولئك الذين يحترمون كياننا صادقين.

                     اجل ليس في البلد من يلم بكل شيء في كل مجالات الحكم لكونها من خصائص الوزراء كل في نطاقه. اما الرئيس فيرى كل الأشياء ولو على غير اختصاص وعنده نفحات تؤهّله ان يراه اللبنانيون حكما موجها وأبا لكل المواطنين فلا يفرق بينهم ولو كان ذا فكر سياسي واضح. لذلك لا يكفي ان تفصل  ثوب المواصفات  فنأتي بمن نضعه في الثوب. ليس هكذا تسير الأشياء. انت تتذوّق الرجل اولا فتأتي به اذا كان عظيم الأخلاق وذا ثقافة واسعة انسانية وسياسية معا. انت لا تعطي علامات لكل مواصفة ثم تجمعها ولكنك تؤمن بشخصه اي بطهارته وصلابته وعلمه وانه لا يعيش على الهوى.

                     ما هو الأعظم بين الموارنة والمناسب للظرف الذي نعيشه هذا هو السؤال. ما من شك في ان ثمة غير واحد. بمن نحن مقتنعون، من هو الأبهى والأعقل والأكثر اتزانًا والأطهر والأقرب الى قلب الله وذوق اللبنانيين ولو اختلفنا عنه بهذه الجزئية او تلك من فكره على ان يكون ملتزما بالحق وكلية لبنان. ما هي التزاماته التي نفترضها فيه يوم الانتخاب. اتمنى الا يأتي التوافق قائما على حسابات فئوية لئلا يدخل النواب منقسمين الى المجلس.

                     هل لنا ان نحلم بدخول ممثلي الأمة جميعا الى المجلس. يبقى موضوع النصاب الذي ليس عندي اهلية دستورية للتحدث عنه. ربما لم يفت الوقت للمذاكرة الفقهية في هذا الموضوع ولكنه موضوع تفسيري يبقى النظر فيه للمجلس اي يعني هذا تشريعا والجلسة ليست للتشريع. ألهم الله السادة النواب ليتفقوا منذ الآن على الرجل التماسا لفك العقد المتبقية. هذا يحتاج الى عملية حب كبيرة ينعم الله وحده بها.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة/ الأحد 30 أيلول 2007 / العدد 39

ماذا أفعل للناس؟ الجواب كل ما تريد ان يفعلوا بك. فإن كانوا حزانى افتقدهم اذ انت تريد ذلك إن كنت في وضعهم. تريد ان يُعطوك اذا افتقرت. إفعلْ مثل هذا إن افتقروا. الآخر يستحق كل ما انت تستحق لأن الآخر أخوك او مثل أبيك او ابنك. ولكون المسيح فيه انت معطي المسيح.

بعد ذلك ينتقل إنجيل اليوم الى ينبوع هذا التصرف وهو المحبة المعبّرة عن نفسها بالتعامل. المحبة بالكلام الحلال وبالسلوك، بتصرّف يصدر دائما عن القلب الحنون الطيّب، فكل الناس ضيوف على قلبك ويستحقون المكوث فيه.

وبعد ان يعطي السيد أمثلة عن التصرف يقول: «أحبوا أعداءكم»، فالذي يكرهك لا يعرف أنك ابن الله وانه هو كذلك، وعليك ان تكشف له الله، وهو لا يرى الخير آتيًا اليه من الله الّا عبرك. فالإنسان ترجمان الله.

انت اذا رَدَدْتَ الشر بالشر تؤذي نفسك بالدرجة الاولى لأنك تعزلها عن المحبة التي هي حياتها، اي تعزلها عن الله.

افهم ان هذا صعب لأن أعصابك التي توترت تملي عليك رد الشر بالشر، ولكن ينبغي ان تعلم ان الرب عيّنك طبيبًا لمن يبغضك لأنك أنت تعرف انه المبغض وأنه جريح البغض. وتاليا يبقى عليك ان تشفيه.

ماذا فعلت لو ثأرت لنفسك؟ شر عدوّك يصبح شرين. اما اذا غفرت له وسامحت فمن الأرجح ان يندم على شره. يزول شره بالتوبة ولا يدخل الشر اليك.

فإذا أبغضك أحد لا تنظر الى وجهه لئلا تضطرب. انظر الى وجه المسيح تأخذ منه نورًا وتلقيه بالبسمة واللطف على الآخر فيرتسم عليك وعليه نور المسيح. واذا أحسنت فلا تنتظر شكورا ولا أن يُحْسن اليك الذي أحسنت إليه عند حاجتك. انت تُقرض الله ولا تأمل من أحد أن يرد لك ما أَقرضته ولا تجرّه الى المحكمة فإنه أخوك. أعطِ مجانا ترث من الله عوض ذلك عزاء. وأخيرا ما يلخّص كل ذلك قول المخلّص: «كونوا رحماء كما أنّ أباكم هو رحيم». انت في سلوكك تشبّه بالله الذي يرى ان كل الناس اولاده ويعطيهم حنانه بلا قدر ولا يفرّق بين الصالح والشرير. يعطي هذا ويعطي ذاك. انظر الى عائلتك فأنت تحب ابنك الجيّد وتحب المشاكس بالحب الواحد ولا تُغيّر أسلوب التعامل او تُغيّر الكلام. فاذا جئنا نحن من قلب الله فقلبه لا يتقلّب لأنه قلب إلهيّ.

هذه هي مسيحيّة المسيح ولا تنقلب فيها الأمزجة. هذا ما يريده المخلّص منا كل يوم.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

جولة اوروبية / السبت ٢٩ ايلول ٢٠٠٧

منذ صباي أحلم بالحج الى هذا الدير البنديكتي في قرية   Chevetogne في بلجيكا المتخصص بدراسة الكنيسة الارثوذكسية وهو على تصميم واضح ان يحترم بقاء الارثوذكسيين في كنيستهم. درس من اجل المعرفة التي تقود الى المحبة والتزام المحبة التي تقود الى المعرفة. الدير معروف بمجلّته التي تتابع بخاصة قضايا الشرق المسيحي اللاهوتية وهي مفتوحة لعلماء الكنائس المختلفة وقد نأى هؤلاء من زمن طويل عن السجال وانت تبحث في شؤون كنيسة اخرى بكل موضوعيّة وحب.

                     كل الرهبان لاتين معظمهم أوربي ووجهتهم الشرق. لذلك رأوا ان ينقسموا الى مجموعة تتبع الطقوس اللاتينيّة ومجموعة اخرى تؤدي الطقس البيزنطي وذلك في كنيستين مختلفتين اذ لا بد من هذه الثنائية المعمارية لكي يأتي الفن المعماري مناسبا للعبادات.

                     كان من الطبيعي عندهم ان ألازم الخِدم الإلهية في الكنيسة البيزنطيّة وشهادتي وفرحي كانا في انهم يتقنونها من كل جانب كما تقام في موسكو بلا اي انحراف او ضعف في الأداء. لغة الصلاة هي السلافيانية التي هي اصل اللغات السلافية. يستخدمها كل الشعوب الأرثوذكسية التي اشتقّت لغاتها من هذا الأصل اللغوي القديم. تلاوات الكتاب المقدس بالفرنسية. اما الترتيل فاسلافياني وذلك بلا لكنة إطلاقا.

                     الكنيسة مزيّنة بالايقونات على اختلاف المدارس التي أنشأتها. وما يدهشك بخاصة الحركات الليتورجيّة المختلفة متناغمة واللباس والبخور والسجدات بحيث يستحيل عليك ان تعرف الهوية المذهبية لهذه الكنيسة ان كنت من العالمين.

                     يحضر الى هذا المكان مؤمنون كاثوليكيون من بلجيكا وهولندة في الأعياد وبعض الآحاد. ويدهشك ان يتحمّل الكاثوليكي الغربي صلوات طالت في عيد رفع الصليب (١٤ ايلول) اربع ساعات في الليل ما عدا القداس في اليوم التالي. ولا شك عندي انهم لا يفهمون اللغة السلافية ولكنهم يسعون الى الجو الروحي الذي يتجاوز الكلمات.

                     كان شعوري وشعور بعض الحجاج ان هذه العبادات كانت منتشَرا للملكوت او استهلالا للملكوت.  هل من فرق جوهري بين إطلالات الملكوت هنا واكتماله فوق؟ هنا في وسط الصلاة تحس بالقربى الكبيرة بين مسيحي شرقي ومسيحي غربي. بطريقة ما غير مدركة عقليا تلمس ان الذي ينزل الى أعماق الصلاة الأرثوذكسية يلتقط فيها عمقا لاهوتيا يؤنسه التقابل العقلي بين المذاهب. ليس كل شيء في معرفتها. انت تذوق بفضل هذه الممارسة ان هذا الراهب الكاثوليكي الاوربي دنا منك دنوا كبيرا وينبسط هذا في حديثه كما انبسط في عبادته.

                     الى هذا البناء العبادي الفريد في جماله عندك بناء آخر وهو البساطة اول جانب منها الإقرار بضرورة الاستزادة من العلم في مكتبة ضخمة بكتبها المرتبطة، بخاصة، بتذوّق الشرق الأرثوذكسي.

                     وكان الأقرب الى نفسي في فضيلة البساطة ان العلماء ومن كان دونهم علما يقومون جميعا بالعمل اليدوي من تقديم الطعام على الموائد واعمال التنظيف. الكل خادم والكل يسعى الى المعرفة ما استطاع والجميع يرتلون واهم من ذلك كله تساوي الأفراد في الفقر وإكرام الضيف والتسابق في الإكرام كما يقول الرسول.

                     هذه أشياء هي مداخلهم الى الله ونوعية عيشها عطاء من الله. عندما تعايش هؤلاء الإخوة بضعة ايام تلحظ ان الكنيسة تتروحن بهم وبأمثالهم. ليس انهم بالضرورة الأقدس. فالقداسة ليست حكرا على أحد. ولكن ما يؤثر فيك ان ثمّة من عاهد الله على ان يكون له فقط. انا لا أنزّه احدا في الدنيا كائنا ما كان مقامه عن الضعف البشري. نحن من تراب. ولكن يجذبني الشهيد الحي الذي قدّم نفسه وجسده او صمم ان يقدمهما في ذبيحة حية وان ينقطع او يصمم ان ينقطع عن الملذّات الشرعية في هذه الدنيا ليكون كامل الانصراف الى تحقيق الملكوت في كيانه ويرجو التحقيق الكامل للملكوت بعد القيامة.

                     احزن ان انكسرت الرهبانية في كبير او صغير فلا بد ان تلتصق الترابيّة بنا ولكن ان تسطع القداسة في بعض حتى اؤمن بواقعيّتها فهذا يساعدني على ان اتغلّب على ضعفاتيي وأبقى على الرجاء.

#               #

#

                     بعد هذا انتهينا الى دير  Bose   في شمالي ايطاليا، عند سفح جبال الألب فيه رجال ونساء يشتركون في الصلوات والخدمة، في الزراعة، في رسم الأيقونات البيزنطيّة على أكمل وجه، في الفرح. دير كبير بأجنحة مختلفة تحوطه البساتين ووسط الكل كنيسة أبدعت طقوسا يرتفع فيها الإنشاد باللغة الايطالية. المجموعة كاثوليكيّة تتقبّل اعضاء من كنائس أخرى لا ينفكّون عن مذاهبهم وتجمعهم حياة قائمة على المزامير وتلاوة الكتاب وأناشيد هم ألفوها وتستلهم الكتاب بحيث يحس كل المشتركين بعمق مسيحي واحد. الشركة كما يسمون انفسهم مرتبطة بالأسقف المحلي تستقبل مؤمنين يطلبون الخلوة في هذا المكان الفردوسي الذي يتعاطى فيه البعض اللاهوت والترجمة وكل هذه المعرفة تتغذى من ينابيع الروحانية المسيحية الشرقية مأخوذة من السريانية واليونانية والانتاج الارثوذكسي الحديث بحيث يتروض عندهم من شاء على التراث الأصيل الذي يعطى بعلم ومحبة.

                     وتقيم الجماعة مؤتمرات لدرس الكنيسة القديمة اليونانية اللغة والكنيسة الروسية وذلك منذ خمس عشرة سنة يحضرها علماء من الكنائس كلها، مؤتمرات تباركها القسطنطينية وموسكو. والغرب علم لا تحيز فيه الآن وليس من محاولة لاقتلاع احد عن عقيدته اذ المعرفة العليا لا تحزب فيها فتكون مكان لقاء للقلوب والعقول.

                     المؤتمر الأخير دار بين الـ١٦ والـ١٩ من ايلول على «المسيح المتجلي في التقليد الروحاني الأرثوذكسي» تناول المجتمعون حادثة التجلي، في مجالات التفسير الكتابي للحادثة الإنجيليّة، في الليتورجية والايقونوغرافيا البيزنطية والوعظ في بيزنطية وروسيا وتكلم الدكتور رامي ونوس اللبناني البلمندي عن التجلي عند القديس يوحنا الدمشقي وتحدث غير واحد عن التجلي في الغرب وعند سمعان اللاهوتي الحديث وعن رؤية النور الإلهي عند غريغوريوس بالاماس وجبل آثوس وعند الكتاب الروسيين وخصص اليوم الأخير للروحانيين الأرثوذكس المعاصرين وكان مسك الختام الحديث عن معنى التجلي في العالم الحاضر.

                     تعلم كل منا من الآخر وصلينا معا واهتدى كل منا الى ربه على ضوء هذا الكلام. وحدة عميقة ربطت في الدعاء والتأمّل الفكري بين أساقفة أرثوذكسيين ورهبان غربيين وعلمانيين من الكنيستين ولو دخل مراقب ليفحص الفكرين ما كان ليجد بيهما فرقا ولم يأتِ احد على ذكر الفروق.

                     جولة على هذين الديرين البلجيكي والايطالي كانت زادا سماويا لكل الحاضرين. صلاة بلا فكر لا تكفي وفكر بلا صلاة عقيم وتشددت الوحدة بشهادة الرهبان للرب في ضيافة القلوب للقلوب.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الصيد العجيب/ الأحد 23 أيلول 2007 / العدد 38

بحيرة جنيسارت هي إياها بحيرة طبريّة. كان السيد واقفًا عندها، وعند الشاطئ سفينتان انحدر منهما الصيادون يغسلون الشباك، فدخل يسوع احداهما وكانت لسمعان اي لبطرس، فسأله الرب ان يتباعد قليلا عن البَر، وجلس يعلّم الجموع من السفينة. وبعد ان انتهى يسوع من الوعظ قال لبطرس: «تَقدَّمْ الى العمق وألقوا شباككم للصيد». وبعد ان قال سمعان للمعلّم انهم تعبوا الليل كله ولم يكن لهم حظ في الصيد، قال مع ذلك: «بكلمتك أُلقي الشبكة»، وأصابوا سمكا كثيرا، وجاء اليهم أصدقاؤه من السفينة الأخرى فملأوا السفينتين.

اذ ذاك طلب بطرس الى المعلّم ان يتركه قائلا اني رجل خاطئ. عند لقائنا يسوع يقولها اي واحد منا: انا انسان خاطئ. في حضرة الله، هذا اهم ما نقوله ثم نسترحم. أصاب بطرس ذهول لكثرة الصيد الذي قاموا به بناء على كلمة يسوع. بعد استغفارنا او مع استغفارنا، نذهل لنعمة الرب اذا نزلت علينا. بعد يقيننا ان الرب رحمنا نكون في دهشة امام النعمة.

في السفينة الأخرى كان يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا الإنجيلي، وكانا رفيقين لسمعان بطرس الذي لا يذكر لوقا مِثْل متى ان أخاه اندراوس كان معه. عند ذاك قال السيّد لبطرس: «لا تخف فإنك من الآن تكون صائدا للناس» اي مبشّرًا بالإنجيل لتضمّ البشر الى الكنيسة. هذه وظيفتنا جميعا وعلى الأخصّ عمل المعلمين في الكنيسة والأساقفة والكهنة. لا يربح المسؤولون الغرباء عن الإيمان بمجرّد إقامة العبادات ولكن بالتبشير. ويربحون المؤمنين اثناء القداس الإلهي والخِدَم الإلهية المختلفة بالوعظ الذي قالت القوانين القديمة انه واجب في كل خدمة: في الغروب والصيام الكبير وإقامة الذبيحة الإلهيّة. الوعظ دعوة الى التوبة مهما كان الكلام.

ان الكاهن يجعل المؤمن في مواجهة مع المسيح لأنه هو صار للمسيح، ونصل الى المسيح بالكلام الذي يُتلى في الكنيسة. ولكن لو كان هذا يكفي لما أمرت القوانين القديمة بالوعظ في كل خدمة. والوعظ يتطلّب درسا لتعاليمنا ووسائل الخطابة ومعرفة الذين تُكلّمهم. هو إيقاظ التعاليم التي أنت أخذتها في الطفولة وما بعد الطفولة. من الناس من لا يفهمه لأن الكاهن لا يكون قد استعدّ قبل الوعظ ولأن كثيرا من المؤمنين لم يفهموا شيئا يُذكر قبل مجيئهم الى الكنيسة.

ومن لم يكن مهيًّأ فليتهيّأ اليوم حتى لا تفوت كلمة الله الجماعة المتعطّشة الى هذه الكلمة فيبقى الساقط ساقطًا والجاهل جاهلًا. انه غير صحيح ان طقوسنا تعلّم من ذاتها. لو كان الأمر كذلك، لما شرح آباؤنا الطقوس جيلا بعد جيل. انك تحتاج الى العبادات والى الكلام الذي يفسّر وينقل حيويّة الإنجيل.

بعد هذا يقول هذا الفصل ان التلاميذ لمّا بلغوا بالسفينتين إلى البَرّ تركوا كل شيء وتبعوه. هل انت تركت كل شيء، كل شهوة، كل تعلّق بأشيائك المؤذية لتتبع يسوع وتلازمه ثم تستعمل أشياء هذا العالم حرا منها، سيدا عليها، وسيدك انت يسوع؟

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الأنا والآخر / السبت ٢٢ أيلول ٢٠٠٧

انت في مواجهة مع الآخرين محبة او أنت تردهم اليك والى مركزيّتك والى اشتهائك واذا أفرطت في ذلك تنكرهم في الحقيقة وتلغيهم. الأنا المركزيّة سماها باسكال العظيم مقيتة وبلغته le moi est haïssable. انت كما أبدعك الله ذات حبيبة وهذا من ماهيّتك ولكن ذاتك تقوم في فرديّتك لأن الفرد يقابل الفرد بما يحمل من ذاتيّة ووجود.

                     انا القابضة على الغير لك في النسك ان تميتها ما أمكن ذلك اما الأنا المبذولة فتحييك وتحيي الآخرين بك. ولكن أناك وأنا الآخر لا تجتمعان الا اذا رأيت ان الآخر ضروري لك حتى التنفّس. قلت ضروري ولم أقل فقط نافعا اذ أيقنت انك لا توجد الا بالحب المعطاء الذي قد يبادل المحبوب بمثله او لا يبادل ولكن المحبة في معظم الأحوال تستدعي المحبة لكونها كائنة في كل نفس بالصورة الإلهية التي فيها.

                     انا لست موجودًا وحدي. انا موجود اذا أحبني آخر وكان محررا من الأنا القابضة او المنقبضة. وحتى لا تقبض الآخر او لا تنقبض لا بد لك من جامع لكما يحرركما معا وهذا هو الله. هناك دائما ثلاثة لتكون الوحدة وانا اتكلّم بشريا. والبشر مجتمعين هم على صورة المحبة الإلهية التي اذا تساقطت تبيد الأنا الصارمة، الهدامة لذاتها او للذات الأخرى وعند ذاك يغيب الله.

                     وهاجس الذات ان تنفع الآخر والنفع ان تشتهي له ما يريده الله منه وان تذكره بالحق وليس بما يراه هو نافعا له وقد يصدمه هذا ولا يحس بمحبتك اذا وضع نفسه في موضع منافعه ولذاته التي تبيده وانت تريد ان تجعله في الله. صورة هذا في العائلة اذ لا يلبي الوالد او الوالدة احيانا الولد اذا طلب فقد يطلب ما يؤذيه او يعظم شهوته الى الامتلاك ويرى الأهل ان الحرمان يفيده. كذلك الدولة الساهرة، الراعية لمصالح المواطنين الحقيقيّة تلبي مطالبهم المحقة ولا تلبّي مطالبهم غير المحقة. اذا كان الحكم سليما، صالحا يسعى الى قيام البلد كلا مع إيثار المناطق المحرومة على المناطق المترفة. هذه هي الخدمة المرحلية لكون الحكم خادم الجميع والرعاية هي للجميع. هكذا الراعي الذي يرعى مئة شاة اذا ضلّت واحدة في الجبال يترك الراعي التسع والتسعين ويذهب لاسترداد الشاة الضائعة. هذا هو الحب الشامل. كذا في الرعاية الروحية. المسؤول يهتم اولا بمن شردته اهواؤه اذ البقيّة لا تزال في الرشد.

#                    #

#

                     هكذا التعاطي في الفكر. انت في التقابل مع من عنده فكر لا لتملي عليه قناعاتك ولكن لتأخذ منه وتعطيه بآن. وهذا هو الحوار. انت تواجه المواقف إن حاورت لتصل الى الصواب الذي قد تكون عليه او الى ذاك الذي يكون عليه خصمك في الفكر لأنك طالب الحقيقة التي تحل عليك وتحل على من يحاورك.

                     ويحل عليك الحق او بعض منه ويحل على سواك الحق او بعض منه فتأخذ بلواء الحق أنّى ظهر لأنك لا تريد الغلبة لموقفك بالضرورة فتنقّح ما قلته وترمي ما لمسته سوءًا او خطأ عندك وتستغني بالصواب الذي عند خصمك فتجعله أخا لك. انت تتمسّك فقط بما بدا لك كلامًا إلهي الإلهام أجاء هذا الالهام اليك او جاء الى الآخر.

                     وفي المجال الديني لا تنكر على الاخر عقيدته ولا ينكر هو عليك عقيدتك والا وقعتما في السجال وقد بطل السجال في ذهنيّة المعاصرين ولكنك تستوضحه في ما يؤمن به وتوضح له ما انت مؤمن به وتترك لله حقّه في ان ينير  من يشاء وهذا لا يتحقق الا بالمقابلة السوية الهادئة وبحق كل بشر بإعلان ما يحسبه صحيحا. هذا شرط الحرية عندك وعنده والا تقع ويقع في نظام القمع ان لم نقل في التقاتل.

                     شرط هذا السلام ان الله يهدي مَن يشاء. أن تقبل هذا السر الإلهي شرط دخولك في المحاورة لأن الحرية شرطها السلام. اذا التزمت الحوار لا تسعى الى إدخال احد قسرًا الى ما انت مؤمن به ولكنك تلتمس النور الذي يقذفه الله في القلب كما يقول الإمام الغزالي. انت لا تحرر احدا بشريا ولكن الحق هو الذي يحررنا جميعا وقد جاء في سورة الكافرون: «لكم دينكم ولي ديني» (الآية الـ ٦) وأفهم هذا القول انه يعني حريتك وحريتي ما لا يمنع ان اباحثك في بعض النقاط او في التفاصيل ولا أطلب منك ان تتنازل عن شيء أصيل. كذلك أرجو ان أساعدك على معرفة الأصول عندك وعندي. وشرط هذا التواصل المحمود ان احبك وتحبّني لأن هذا هو السلام اذ المبتغى الا أحرجك والّا تحرجني وان نتلاقى في كل ما نعتبره تجلّيات إلهية فأحترم ما تقول وتحترم انت ما أقول حتى نتفاهم في هذه الدنيا ويكشف الله عن ذاته في اليوم الآخر.

#                   #

#

                     وحتى أكون انا ما انا وانت ما انت لا أطمع بشيء من عندك ولا تطمع انت بشيء من عندي فاذا انا اشتهيت ما عندك لا أبقى انا ذاتي فإن الرب أمدّني بحاجاتي وأمدّك بحاجاتك فهذا كلّه متاع  الدنيا ونحن أحرار من هذه الدنيا وكل ما فيها لتطمع فقط بالنعمة الإلهيّة التي تنزل علينا فينمو كل منا بقدراته ونتمنّى القدرات الروحية التي عند الآخر لأن هذه هي هبات الله من اجل الجميع. انا أشتهي اذًا فضائلك ليتحسّن كياني الداخلي. فاذا كنت مألوها وعطفت علي أتأثّر بعطفك وأصير بدوري مألوهًا. هذه هي الشراكة العميقة التي تجعلني أتشبّه بك وتتشبّه بي لأننا كلينا نطلب المألوهية فنصبح واحدا بالشوق الإلهي الذي فينا. جاء في كتبنا الروحية أن انسانا قرع باب السماء فسمع من داخلها من يقول من القارع قال انا. ولم يُفتح له الباب. ثم قرع ثانية فسئل من القارع؟ قال انا فلم يُفتح له حتى قرع للمرة الثالثة. فسئل ايضا من القارع؟ قال انت. ففتح له باب الجنّة. المعنى انه عندما يوحّد المرء نفسه بالله يدخل الملكوت.

                     على هذا المثال توحّد أناك بأنا أخرى فتصبحان واحدا مع بقاء الذات او الفرادة مستقلّة، ثابتة الى الأبد ولكنها في تداخل والأنا الأخرى. نحن لا نذوب في الآخر لأن هذه حلوليّة ولكن الذات تبطل إن لم تلامس الذات الأخرى بالإرادة والقلب ولكن بلا اختلاط.

                     لا علاقة الا بالاثنينية ولكن بلا انفصال بحيث يراكما الله واحدا في المودة والمودة غير سليمة ما لم تكن إحساسا بالود الإلهي لكل انسان. لا يزيل الله التعدد ولكنه يزيل الفُرقة وتأتي وحدتكما سرا يقترب من الوحدة الإلهيّة. نحن ذوات مختلفة في التوق الى الوحدة. لذلك أحترم طبائعك وتحترم طبائعي ولو حاول كل منا ان يهدي الاخر على هذا الصعيد. فأنا عفوي مثلا وانت قليل العفويّة. انت عظيم الإحساس وأنا ضعيفه ولكنك بدءًا من تكوينك النفسي تحاول ان تتقبّلني وأحاول أن أتقبّلك ولا تتغيّر أصول الطبائع ولكن يجمّل الإنسان ويحلو بالتأثر الخلّاق الذي يقبله. وانت بما عندك تحاول الأسمى ولكن في إطار إنسانيّتك. وهذا لا يفرق بين الناس اذا أرشدوا اي اذا اتّسعت أذهانهم ونفوسهم لاحتضان الآخر.

                     لا يحيا الا الإنسان المحضون. وبذا تصير انت اما للجميع تلد الآخرين بحقيقة الله اذا ربيت نفسك على الا تعطي شيئا غير الله. تفسّر أذواقك ولا تفرضها. تنفتح ولا تبدد ذاتك باستنساخ الآخر. انك وحيد ولو غدوت معطاء. العطاء وحده لا يهدد انسانا ولا يميعه انت وحيد ولا يشبهك آخر ولكنك لست واحدا لأنك في لقاء.

                     تلك هي الأنا المسكوبة، المتطهّرة التي تسعى الى تنقية ذاتها والآخر فتنوجد وينوجد الآخر.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

ما بعد العيد/ الأحد 16 أيلول 2007 / العدد 37

الكنيسة تريد لنا ان نركّز على معاني الصليب، هذا الذي تأمّله بولس في رسالته اليوم. أقتطف منها كلمتين. اولاهما: «مع المسيح صُلبتُ فأحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا في». مع المسيح صُلبتُ تعني ان السيد لما كان مرفوعا على الخشبة اتّخذني اليه اذ كنتُ فيه مع جميع الذين آمنوا به. وكما المسيح قام من بين الأموات، امدّ بالحياة الجديدة المؤمنين به. تركوا سيرتهم القديمة وأخذوا يسيرون حسب المسيح.

الكلمة الثانية هي آخر الكلمات في هذه الرسالة: «ما لي من الحياة في الجسد (اي في كل كياني) انا أحياه في ايمان ابن الله (اي في ايماني بابن الله) الذي أَحبّني وأَسلَمَ نفسه عنّي». انا احيا لا بالطعام والشراب والتنفّس (هذه أشياء معروفة ولكنها على مستوى البيولوجيا). في العمق انا أحيا بإيماني بهذا الذي أحبّني.

ما قال الرسول «أحبنا» بل قال «أحبني» للدلالة على ان كل واحد منا يتكوّن من محبّة يسوع له. يجب ان يتحسس كل منا ان الرب مات من اجله. نحتاج الى كل هذه المشاعر اذا عانقنا ايقونة الصليب (بلا صورة المصلوب ليس من صليب. واذا قلنا بطريقة شعرية اننا نسجد للصليب، فالمعنى طبعا اننا نسجد للمصلوب نفسه).

ثم نجيء الى إنجيل مرقس الذي نستهلّه بقول السيد: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». الرب يدعو الناس دعوة بمعنى انك اذا قررت ان تتبع يسوع فتكفر بنفسك اي بسيرتك الماضية، بما كانت عليه من خطأ سلوكي وأفكار تتنافى مع الإنجيل، فلا تبقى انت مركزا لذاتك، ولكنك تجعل يسوع مركزا لشخصيّتك وكلامك وأفعالك. وهذا يتطلّب حمل صليبك، وهنا يشير الرب الى كل المشقات التي تعانيها في هذا الوجود. تقبلها بفرح القيامة وتتبع المسيح. ان المسيح وصل الى تلة الجلجلة، الى الموت. اي اذا تبعته تميت خطاياك فتكون مصلوبا او تصبح شهيدا.

يتوغّل السيد بعد هذا القول بالاستنتاجات العمليّة فيقول: «مَن أراد ان يخلّص نفسه يُهلكها، ومن أَهلكَ نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها». اي من أراد ان يخلّص نفسه بأمور الطعام والشراب واللباس والمأوى وما الى ذلك يكون قد ظنّ شيئا خطأ، لأن هذه الأمور تساعد جزئيا اذا ابتعدت عن الإفراط، ولكن الخلاص الكامل والحقيقي لا يأتي الا بي.

ثم يكشف هذا المعنى بصورة اوضح فيقول: «ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟». هنا يشدّد على ان المال ليس بشيء، والمجد والملذّات جميعا ليست بشيء. ان حزت على كل شيء وليس عندك المسيح، فأنت أفقر الفقراء او انت عديم الوجود. المسيح قاطع ولا يقبل ان تُشرك به شيئا آخر. ان يكون هو كيانك المركزي فيما تتعاطى شؤون الدنيا المطلوبة منك هو ان تقوم بها من خلال المسيح، فاذا استبعدته بأي شيء تتعاطاه يكون هذا الشيء تافها او مغلوطا.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

البعد الأفقي والبعد العمودي / السبت ١٥ ايلول ٢٠٠٧

الرب هو النور الوحيد في عتمات الدنيا. ما عدا ذلك لهو او شقاء. أنا أفهم ان يظن الانسان ان له بلهوه امتدادًا وبشقائه انقباضًا ذلك ان الانسان في سطحية وجوده يذهب أفقيا بسبب من بشرته التعبة وانحصاره في أفق رسمه لنفسه واكتفى لأنه جعل نفسه مركز وجوده.

                     هكذا يكون ابن الحادث او الحادثة، وليد مرضه وحزنه. ينشئه الزمان الذي يعيشه اذ يحسب ان لا شيء خارج الزمان ولا شيء خارج المدى. يقيم في حدود جسمه وحدود ذكرياته والآمال التي تغذي الجسم والتصوّرات او يبيت حصرا في آخر ويسر بعبودية تكفيه متاعب تجاوز نفسه وبيئته وقبيلته.

                     والأحداث قد تكون جساما كالحرب او خشية وقوعها. والعوز الدائم وأزمات بلد تشبه الحرب وما من شك ان الإنسان ضحيّة جهله او فقره او غناه ونزاعات في عائلته او مهنته او حزبه. بسبب من هذا او من بعضه يلمس هبوط نفسه وقد يشقى لعدم علمه بها. لهذا كله سمّى الكتاب هذه الأشياء وادي الدموع اذ لا حد للوجع، للإعاقة، لفقدان الأعزة او لغيابهم.

                     كل هذه الشجون جزء من حياتنا وهي تصيب البار كما تصيب الشرير ويخترع الإنسان الفاقد الرباط مع ربه تسليات يحس بعد تعاطيها انها لا تغنيه بشيء. فكما خيّبته اللذات التي استساغها تخيّبه اللّذات اللاحقة. يسعى المرء الى استلذاذ يظن انه يشفي عزلته او يخفف من مرارته. قد يبقى اذا فقد وعيه النير اسير ما استنبطه من تعاطي جسده او تعاطي فكر لا ينقذه من تخبطات هذا الفكر وليس له وهو في وسط الاحداث التي تعذّبه الا ان ينتظر زوالها واذا بأحداث لا تقل عن الأولى مضاضة  تصيبه او هو يرى ان ما هو له يمزقه ويجعله مقيما في القنوط. معنى هذا انه يخلق جحيمه بنفسه وقلّما يعرف الكثيرون سبيلا الى الخروج من الجحيم. ولست أغالي في استعمال هذه المفردة لأني سمعت مئآت من المرات من اختارها اذ  يقول لي المتأزمون في حياتهم العائلية: لقد باتت حياتي جحيما ولا أعرف الخروج منها.

#              #

#

                     كل هؤلاء الناس وضعوا أنفسهم في المجال الأفقي ولم يسمعوا بالمجال العمودي اي بالقوة التي تربطهم بالله. اما الذين لهم إله فيعيشون في راحة وسكينة في الحرب او توقعات الحرب. هم في هدوء في الصحة والمرض، في اهتزاز حياتهم البيتيّة او في ثباتها ولا يرون بأسا اذا حلّت بهم مصيبة او انتابهم مرض جسديا كان ام نفسيا لأن الله مقيم فيهم او هم قائمون به.

                     اعرف أناسا يلوذون بالله ان عاشوا في فرح او عاشوا في ضيق لأنهم ايقنوا ان الله صحّتهم وصمودهم اي انهم تجاوزوا انفسهم وانتقلوا منذ الآن الى السموات. الفقير المؤمن غذاؤه الرب والغني المؤمن ثروته الرب ولا يولي ما له من مكانة في ذاتيّته. انت تطلب من الخالق المخلّص ان ينزل اليك وتستقبله على انه حياتك كلّها على قول بولس: «لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ».

                     انت لا تستطيع تفريغ نفسك من آلامها اذا استعرت ما يعوض عنها من دنياك لأن الدنيا لا تغذيك بالحقيقة. اللذة ليست بديلة عن لذّة ولا ترفيه أعظم من الترفيه الذي انت عليه. كل لذة بحد نفسها فارغة. هي تنسيك متاعبك بصورة موقّتة حتى تحل بك متاعب أخرى لأنك تستقي كل هذا من العالم الذي جعلت نفسك مركزه. اما اذا اخترت إلهك مركزا لوجودك لا تبقى مستعبدا لمرض او قمع او اضطهاد او أزمة في بيتك او في البلد.

                     انت لا تنجو من وطأة أحوال دنياك أكانت من السياسة او من الاقتصاد. فهذه الدنيا على ما نرى مليئة بالحروب ولك ان تطلب السلام ولكنا نرى ان الحروب لا تنتهي وان المرض لا ينتهي وان كل خطيئة تليها خطيئة أخرى اذا انت قبلتها وكل معصية مرة اذ يبقى عندك ضمير في الطبيعة هو يوبّخك ولا يستطيع الا المسوخ ان يخنقوا ضمائرهم حتى النهاية.

                     واذا قررت ان تلازم بعدك الأفقي اي اذا قبلت السطحيّة فأنت متّ داخليا. ربما استطعت ان تؤمن بشيء من القيم وان تذكرها. غير ان القيم في عمقها تؤتاك من الإيمان وحسباني ان القيم مقولة فلسفيّة حاول بعضهم ان يقيمها مقام الله في حين ان ذاتك لا تستطيع ان تعيش الا من ذات الله فلماذا ابدال الوجود الإلهي بمفاهيم ثقافية. الايمان بالله ايمان فعال في القلب اي مغير لهذا القلب او شاف له. ولك مع ربّك مواجهة او تواصل او وصال بين ذاتك وذاته لأن فيه حياة تفعل في حياتك والمفاهيم الفلسفيّة ليست بديلة عنه. ذلك ان الله حي وما عداه أفكار يقبلها عقلك ولكنها لا تنعش نفسك.

#            #

#

                     انا ما ركزّت على الآلام التي تعانيها من جراء ذنوبك او من المرض وأزمات البلد والعالم لست اوحي انها هي وحدها المطل الى الله. اجل في الكتاب آيات كثيرة تدعو المتوجّع ان يستعين الله لأن الكتاب الإلهي يريد شفاءنا. وبهذا قال داود: «من الأعماق صرخت اليك يا رب» والأعماق يعني بها الألم الذي رمينا أنفسنا فيه. ولكن الصالحين يصعدون الى الله من فرحهم ويعرفون انه هو مصدرها. لذلك يقيمون في النجوى ولا يقيمون فقط في الاستغاثة.

                     وعندما نتكلّم نحن المسيحيين عن الصليب المصلوب عليه كل شخص نطلب إزاحته عن أكتافنا من حيث هو وجع  لكوننا نؤمن ان صليبنا الشخصي هو طريقنا إلى القيامة ولسنا نريد بها القيامة في اليوم الأخير ولكننا نريد بها ان الله هو حياتنا وقيامتنا وهذه ينبغي أن نحققها هنا. ان آلامنا الحاضرة اذا قبلناها بالرضاء والشكر والرجاء تحمل الينا طاقة التعزيات لعلمنا ان الرب يفتقدنا بها او يزورنا بها كما يقول القديسون ونعلم ان الله يساكن الألم ان كنا مؤمنين ويسكننا ونحن في الخطيئة ليرفعها عن كاهلنا حتى يتنقّى القلب.

                     الاوجاع محنة تأتي كما تأتي لأن العالم ساقط. هي كما هي ولسنا نعرف دائما اسبابها والله يعالج الانسان كما وصل الي وضعه. يحاوره ويلومه ويؤدّبه ويحبّه بآن حتى يرتفع عنه الغضب ويحل فيه السلام. وبهذا السلام الداخلي يعايش الحرب والجوع والضيقات والمتاعب النفسيّة. قد يأتي الشفاء الجسدي من رحمة الله وقد يلازمك طوال حياتك. السلام هو علاجك مع بقاء المرض. وانت تعيش اي وضع معقولا كان بلغة الناس او غير معقول. نحن في المسيحية لا ندعو الى البطولة ولكنا ندعو الى الصبر والصبر ليس استكانة ولا انهزاما امام الموجود ولكنه اتكال على الله الذي يداويك كما يشاء ويوحي اليك ان المصيبة الكبرى فيك هي الإثم الذي تواجهه انت بالتوبة اي بحضرة الله فيك.

                     الله لا يلغي التاريخ الذي تصنعه الشعوب ولا يلغي زمانك الشخصي ولا المدى الذي تعيش فيه ولكنه يرافقك في زمانك ومداك واذا صبرت هنا تنال هنا تعزيات منه. فتقيم السماء فيك قبل ان تقيم انت فيها في اليوم الأخير. اي ان الله لا يغنيك عن الأبعاد الأفقيّة التي تلازم جسدك ومشاعرك ولكنه يرحمك  بالبعد العمودي ويسهر علي محافظتك عليه.

                     هذا الإله  ليس فكرة مجرّدة كما ترى. انه حق ووجود ومتعة وفرح. هكذا تواجه نفسك وتاريخ امتك وتوجّعات العالم. غير ان هذا لا يتم فيك الا اذا آمنت ان الله هو المرتجى وانه عطاء لك لا ينقطع.

Continue reading