Author

Aziz Matta

2007, جريدة النهار, مقالات

الرئيس القائم او المرتجى / السبت ٢٤ تشرين الثاني ٢٠٠٧

كتبت هذه السطور قبل أمس وأنا  في حالة ارتقاب لانتخاب رئيس الجمهورية والارتقاب مخيف وقد أسس قبلي الصديق الكبير غسان تويني على الفكر السياسي اليوناني القديم وعلى معلّمنا الفارابي. واذا انتخب لنا أمس رئيس لشعبنا أو أرجئ انتخابه أقدم له تأملاتي بتواضع وقد يكون على المواصفات التي ذكرها رأس الكنيسة المارونية البطريرك مار نصرالله صفير وإخوته المطارنة او يكون دونها او فوقها ورجائي ان يفوق كل توقّعاتنا. فلكوني لا أعرفه حتى لحظة تدبيجي هذا المقال فأنا أتكلم هنا على الذي أتى او الذي لم يأتِ بعد وقلوبنا اليه.

                      اكتب وأنا خائف عليه من أزماتنا وأحاول ان أتجاوز خوفي بالايمان بأن الله لن يترك هذا البلد. واذا صوّر من هو أكبر مني ملامح الرجل فنحن اليه اذا ما جاء أمس او كان سيجيء بالرضاء الإلهي مكافأة لنا. ومن وضع نصب عينيه البهاء الذي ينبغي ان يتمتع به الرجل فلا بد ان يدفعه المقام الى التمتع بالخصال التي نرجوها اليه.

                      كل مقام متعب ولهذا ندعو الرئيس الذي ظهر او سيظهر بكل الحسنات المعقولة عند البشر ولست أغالي اذا قلت ان لبنان سيجمَل بالرئيس اذا كان على الطهارة التي هي صفة كل قائد. ونقاوة الخلق مبتغاة في اي مسؤول اية كانت درجته في سلّم المسؤولية. وسوف يحيطه الأبرار اللبنانيون بأدعية لهم موصولة لأن الرب سوف يمده بنشأة من عنده حتى لا نقع في التفتت وحتى نؤمن بمصير بلدنا الذي يستحق الحياة.

                      ركزت على نقاوة قلبه ولسانه وعمله اذ منها يتحدر كل شيء وفي لغة الإدارة هي رديفة الحكمة. وهنا يحضرني حديث نسكي قديم دار في دير كان رهبانه يستعدون لانتخاب رئيس فقال شيخ بينهم: ان كان من تريدون رجل صلاة فليكمل صلاته في عمقها وبها ينفعنا  اما اذا كان عظيم الثقافة فيملأنا بها اما اذا كان حكيما فهذا ننتخب. والحكمة ليست بهلوانية معهودة في بعض الاوساط لأنها تقوم على الصدق ولئن قامت على اللين ايضا. المسؤول له احيانا بالكلمة الحلال ان يرضي احدا ولكن ليس عليه ان يكسر القصبة المرضوضة لأنك في الحب تشفي كل شيء.

                      غير ان الحكمة الطاهرة عند المسؤول ان يكون مثقفا اي ان يكون عقله قويا ومتجليا بآن. وهذا هو العمق الذي يميز الثقافة عن مجرد تكديس المعلومات فالدماغ ليس فقط خزانة ولكنه حركة بحيث يتداخل فكر الرئيس وأفكار الناس إن كانوا مخلصين والرئيس لا يرث المحيطين به ميراثا ولكنه يختارهم اختيارا ليكونوا على صورة طهارته وصورة حكمته.

#               #

#

                      كيف يتصرف الرجل في بلد متعدد الثقافات والأديان ومذاهبها؟ التعدد الذي يتغنى به اللبنانييون ليس كله حسنات اذ لا قيمة له الا بالتحرك نحو الوحدة والوحدة ليست في ان اكون مثيلك في كل شيء ولكن أن أصبو الى محبتك في النقاش الذي تقوم عليه الحياة السياسية بغية ارتقاء الجميع الى وجه لبنان الجديد.

                      في هذه الرؤية انت اخي ولست مثيلي. كيف نتلاقى على ما يجمعنا في الحق وليس في الخطايا التي تُباعد بيننا. في مقاربات الوجود واذا نأينا عن التباسات الوضع الحاضر وظروفه هناك بشر صالحون وبشر طالحون وهذا في كل طائفة. أليس أساسيا أن تنشأ «الأمة البارة» كما يقول الكتاب المقدس المؤلفة من كل فرد جميل في اية طائفة، وهذه الأمة البارة تخترق كل الطوائف لتكون قلبها المحيي؟

                      الطوائف تتلاقى بالناس الطيبين ولا تقوم الحياة المشتركة بمقابلة كتب مقدسة ولكن بتلاقي الحُسْن والحُسْن من كل شرائح الأمة. لم ألحظ ان شعبنا يتساجل بسبب من كتب ولكن بسبب من التحام القلوب. انت تستقي الخير انّى وجدته وتتعامل. انا لا أعرف حدثا جرى بسبب من مقابلة الأديان. المشاكسة تفرزها المنافع الخاصة او الجماعية ومن تسييس الفكر الديني، والطوائف عند المصلحة تنقلب احزابا. وقد تكون هذه راقية ولن يقنعني احد بأن الاختلاف ينقلب خلافا يصل بنا الى العداء او القتال. انه من نافل القول ان نذكر بأن هناك مَن تَقاتَل في الدين الواحد والمذهب الواحد. انت لا تعادي احدا ما لم تقتلك شهوة السلطة لأن هذه هي عشق الأنا الساعية الى إلغاء الأنا الأخرى حتى الإبادة.

                      وهنا أتوجّه الى المسيحيين الذين اقرأ على أقلامهم انهم في تهميش. ربما كان هذا صحيحا الى حد بعيد ولكنه خطاب سياسي. ان محبة المسيح عند هؤلاء الإخوة تصحح الوضع السياسي او تعطيه نفحات. واذا صارت الكتلة المسيحية عظيمة في حبها للإنسان اي لكل انسان في هذه الأمة فهذا يغير الوضع السياسي. المسيحي دائما ينطلق من المسيح لا من حساباته. تهمه نوعيته الخلقية التي تغيّر كل شيء. انا لا أنكر على الجماعة المسيحية في المقولات او الاوضاع السياسية ان تضرب التهميش وتحل العقد المرتبطة به. السياسة لها رتبتها في الحياة ولكن هناك حياة الحياة التي هي الخالق العظيم الذي نرتقي به في الصالحات وطيب الأماني لكل مخلوق.

#                   #

#

                      ليست مهمة الرئيس ان يرفع وضع المسيحيين وحدهم وهذا ما لم يفعله رئيس، ولكن عليه ان يرفع الغبن الذي يحل في كل شريحة، كما ليس عليه ان يحيد عن ابناء دينه ليتظاهر بالعدل. هو رجل العدل لكل قوم ولكل فرد.

                      ومع العدل له ان يتحسس وضع المسيحيين في الشرق العربي بحيث يرفع عنهم كل ظلم او تجاهل اذا حلّا وبحيث يبقون خميرة كما اوصاهم بذلك المعلّم. وكما أسهموا إسهاما كبيرا في بناء الحضارة العربية من بدئها حتى عصر النهضة وربما الى ايامنا، يريدهم الطاهرون في الاسلام اليوم ان يظلوا عاملين في تقدم الشعوب الإسلامية او في هذا التناضح الحقيقي في الهلال الخصيب.

                      ومن باب تدعيم المسيحيين رفع شأن الموارنة الذين يحملون في عروقهم وأعصابهم التعلق بلبنان. لا أريد مقارنة بعد ان تلبننت عائلاتنا الروحية كلها منذ عهد الرئيس فؤاد شهاب بخاصة. هذا لم يبقَ موضوع نقاش او شك. ليس لي انا ان أصف حسنات الموارنة. انا منتصب في الصلاة من أجلهم حتى يُبعد الله عنهم كل شقاق في المجال الوطني ويحميهم في التقوى التي أعرفهم عليها منذ طفولتي. وهذه يشددهم فيها مقدسون ليسوا قلائل. غير ان دعائي من أجلهم هو ان يتراصّوا في الحق والبعد عن الفرقة لنحلو جميعا بما يصيرون اليه من بهاء.

                      هل كانت هناك مارونية سياسية أصابت شرائح من أديان مختلفة ام لم تكن؟ ليس المجال للتحدث عن هذا، ولكني لم اسمع برئيس تحزب للموارنة. هو رئيس لبنان وكلنا حوله اذا جاء، وشخصيته إن كانت قوية لها ان تملأ الفراغ الذي أحيط به وليس عندي صيغة لإحقاق ذلك. الأقوياء لا يحتاجون الى صيغة.

                      ايها الرئيس المنتخب امس او الآتي احكم بهذا او بما تراه صحيحا فيما قلت بهذه السطور، ونحن وراءك لنشدّ أزرك ونجمّل أنفسنا بالخصال الحميدة التي نرجو ان تتسربل بها. تكلل بمجد لبنان حتى نفرح بك كما نفرح بلبنان. كن عاليا جدا جدا فيحاول اهلنا ان يقتدوا بك وينجوا من خطاياهم فيصبح بلدنا عروسا يختارها الجمال.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الأسير في الرب/ الأحد 18 تشرين الثاني 2007/ العدد 46

يستهل هذا الكلام بولس بتسمية نفسه «الأسير في الرب» اذ كتب من سجنه في رومية. قال «أسير في الرب» وكأنه يقول انا لست في السجن الا ظاهرا وفي الحقيقة انا في المسيح، ويبيّن للمؤمنين في أفسس السلوك المسيحي بتأكيده «التواضع والوداعة وطول الأناة». اذكروا ان السيد قال: «تعلّموا منّي اني وديع ومتواضع القلب». اما طول الأناة فألا يضيق صدرك بخصومك والضاغطين عليك والغليظة طبائعهم فإنهم كثر. ولكثرة الثقلاء والكذابين وما الى ذلك، طلب ان يتحمّلوا بعضهم بعضا بالمحبة. هناك صعوبة ان تحتمل الآخر على سوء طبعه وأخلاقه، فإذا تشنّجت بسببه تتركه او تطرده ولا تنحل مشكلة. ولهذا تحتاج الى الفضيلة الكبرى أعني المحبة وقد جعلها الاولى بين الخصائل الحميدة.

ثم يبيّن كيف تنكشف المحبة. انها تنكشف في «حفظ وحدة الروح برباط السلام». هو الروح القدس فيكم. هذا اذا حل يجعل في نفوسكم السلام، ومَن حَمَلَ السلام يرتبط بالسلام. ولكن هذا لا يحل مداراة للآخر لدوافع اجتماعية. هذا تدبير أمور الحياة الدنيا. ثم يؤكّد اساس السلام في الطائفة بقوله: «انكم جسد واحد وروح واحد». الجسد هو جسد المسيح الذي تكونونه. انتم كيان المسيح الظاهر، والروح الواحد تصيرون اليه لأن الروح القدس يسكن فيكم. ويصعد بولس في الإيضاح فيعلن ان الرب (يسوع) واحد. لا تنزل عليكم إلهامات ونفحات إلاّ به. يمكن ان تتنزّهوا في الفلسفات والأفكار، ولكن مرجعيّتكم الواحدة هي المسيح، وتقيسون كل شيء بالإنجيل. وكل ما جاءكم من مطالعاتكم والأحاديث التي تستمعون تحكّونه على محكّ الانجيل فإما يثبت او ينهار.

ويؤكّد الوحدة بأن المعمودية واحدة وتجعلنا معا جسد المسيح. ثم يعلو حتى يقول «إله واحد للجميع واحد هو فوق الجميع وبالجميع وفي جميعكم». الإله الذي يذكره هنا هو الآب. هو يوحّد الجميع بإيمانهم به ويبقى فوق الجميع بآن ولكنه يبقى بالجميع اي بواسطة المؤمنين المنضمّين بعضهم الى بعض وهم أدوات العمل الإلهي. هذا معنى عبارته بالجميع. اما في الجميع فلكونه يسكن في الجميع. غير ان الجماعة لا تنفي وجود الفرد وأصالة الفرد وعطاؤه. «لكل واحد أُعطيت النعمة». هذا عنده صبر وذاك رجاء او تواضع او حلم.

أُعطيت النعمة للجماعة وأُعطيت للفرد فلا يذوب أحدنا في الآخر ولا ينقسم عنه، ويجب ان نشكر الله على النعمة التي أعطاها لأخي وكنتُ انا ضعيفًا فيها. نعطى النعمة على مقدار موهبة المسيح. كل شيء يأتي منه ويوزع النعمة حسبما يتقبلها الانسان الفرد ولا يقاومها.

قبولنا النعمة يجعلنا اولاد الله. هو باستمرار يكوّننا بنعمة روحه القدوس ولا يمنعها عن أحد. ولكن الانسان المطيع بقدر ما يرث العطاء الإلهي يتقدس ويصير شريك الله بالقداسة. التواضع والوداعة وطول الأناة والمحبة التي ذكرها الرسول في بدء هذا الفصل هما جوانب مختلفة من مشاركتنا حياة الرب.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

خيبات / السبت ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٧

الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر ليتفجّر رأسه. هذا حساب تقديري او ترجيحي ما لا يجعلك تيأس من الأعجوبة. وما من خيبة في هذا الدنيا الا لكونك تحب ان تأخذ النقاوة بيتها في كل نفس. واذا لم تجدها كاملة في ذاتك تراها تطلع من الجانب الخير في نفسك وهي تحاول ان تضرب السيئات ولا تفلح.

                      والخيبة تبدأ بأهل بيتك. كنت تحس في طفولتك ان أباك قوي، مثال الرجال واذا أدركت شيئا من الوعي تعرف ان صورته في نفسك اجمل من واقعه ولكنك تبقى محبا لأن هذا في الحشا ولا تستطيع ضد أحشائك شيئا ولكن عقلك لم يقتنع بأبيك. وكذا تكشف ان امك ليست مثل مريم كما كنت تظن في مطلع شبابك وانها امرأة عادية. ومثل ذلك اخوتك وأخواتك ولكنك أسير الحشا. غير ان تحليلك يرتطم بالمشاهدة الصارخة فتحزن ثم تفرح للطهارة اذا بدت من الشخص عينه وتنتقل بآن من خيبة الى خيبة ومن غبطة الى غبطة على رجاء قيامة القلوب جميعا من سوئها اي على رجاء دفق الحياة الرلهية في كل النفوس لأن المعلم قال لنا: «ان ملكوت الله في داخلكم».

                      في المجال العلمي الخيبة كبيرة في لبنان. المحزن ان الشعر والأدب تتحكم فيهما الدعاوة الى حد فتهدى كتاب قيل عنه العظائم وتقرأه وتراه تافها. الكاتب لا يعرف العربية والركاكة تتموج من صفحة الى صفحة ثم تلحظ احيانا ان فلانا يكتب لك اهداء فيه إطراء كبير وتحس من طرف اللسان انه لا يرفض معونة مالية ليغطي ثمن الورق والطباعة وان ناقدا اذا نقد لا يصل الى الأعماق ولا يطلع عليك بجديد وينشر مراجع لم يقرأها وقد يأتيك بمرجع الماني لم يطالعه قطعا ولكنه كان مذكورا في كتاب فرنسي. قال لي مرة قسطنطين زريق: لا يحق لك ان تذكر مرجعا لم تقرأه كله ومباشرة. هكذا يكون الصدق في الكتابة. ومن ضعف الجدية ان شاعرا فتيا طلب اليّ ان اكتب له مقدمة لشعر واضح الإباحية فقلت له: يا صاح، كيف يمكنني وانا مسيحي ملتزم ان أقدّم لهذا الكتاب؟ لعلّ أعظم خيبة عندي تأتي من ان ثمة من يعرف موقعك وما تدين به من قناعات ومع ذلك يطلب اليك غير المعقول وكأنه لا يعرف انك انسان تحاول ان يكون ظاهرك مثل باطنك.

#                #

#

                      الصدمة كثيرا ما أتت من انك ترث بعض البشر فهم حولك وقبلك وهم معك في تعاون ويعاملونك بما وصلوا اليه من وجدانيات مختلفة وتلحظ ليس فقط ان وجدانياتك سليمة على قدر البشر فلا تكتشف لغة بينك وبينهم. انت عندك مرجعيّة في نفسك وهم بلا مرجعيّة ولكن عليك ان تعايشهم وفي الحقيقة انكم لا تلتقون. المجتمع الذي حولك معظمه ناس يتراكمون ويعيشون باللفظ وانت عندك الكلمة تحمل معناها وهم لا تهمهم المعاني ويقولون ما يفيد منافعهم على الأرض. وليس همهم ان تلتقي فيهم السماء والأرض.

                      كثير من الناس أكتشف بعد فترة أنهم أتفه مما ظننتهم. وربما كان عندي بعض من الكبرياء ما يجعلني أتحمّل بصعوبة الأغبياء ولكن لا بد من التقائهم لأنهم بعض ممن انت عنهم مسؤول. فترى نفسك مضطرا ان تغيّر لغتك وتنزل الى مستواهم في الكلام والفهم. ولا تستطيع ان تقصيهم ان شعرت انه لا بدلك من هذه المخالفة وتبقى حيث انت مقيم وغالبا ما لا يصبون الى الحقيقة التي هي مالكتك واذا عظمت الثقافة عندهم تضطر ان تقضي كثيرا من وقتك معهم لتخلصهم وما جاؤوك هم للخلاص ويصلبونك على ما هم عليه وتحيا انت على رجاء انبعاثك منهم بعد ان حاولت النزول اليهم فلا انت تنزل في الحقيقة ولا هم يصعدون. ولكنك تسعى الى ان تحفظ نفسك من الشرير الى ان تكشف النعمة الحقيقية في اليوم الأخير.

                      لعل الخيبة الكبرى عند رجل يتعاطى الشأن الكنسي العام ان اناسا يصدمونك وهم لم يروك إطلاقا والعدوانية ظاهرة في كلامهم. ولست تفهم محبتهم ولا سبب غضبهم. طبعا تنقل اليهم صورتك وطبائعك وتكون عندهم حاجة يقضونها تتعلق دائما بمنافع لهم في الأرض. وعلى ذلك يجب ان تحفظ هدوءك وطول أناتك لئلا يستفحلوا في خطيئتهم وقد يتركونك او يعودون اليك وصورتك هي هي قبيحة عندهم او على شيء من القباحة ويبقى بينكم حديث أحيانا ولكن لا يدخل اليهم معنى ولا يصغر فيهم السوء ولكنهم من مجتمعك ومفروض عليك لقاؤهم  وكثيرا ما تحس اذا ما كثروا انك وحدك في بيئة مفروض فيك انك على اختلاط في العمق ومع ذلك ليس من اختلاط وكأن محبتك لهم لا يشعرون بها او كأن ضياء عينيك التقى بعتمات عيونهم الى ان يمسح الله عنا كل دمعة.

                      وعلى رغم توالي الخيبات يوما بعد يوم أعاشر كل يوم عددا قليلا من الأبرار. وكنت مع قوم منهم عشرات من السنين ولم يحدثوا فيّ خيبة واحدة. الى جانب العزاء الإلهي المباشر هؤلاء هم تعزيتي وملكوتي وما ذلك الا لأن البركات نزلت عليهم وهي تصدر عنهم ولا تنثني السيئات في طيات قلوبهم وينسونك الأشرار والأغبياء الى ان يعود هؤلاء اليك ويجرحوك واذا كان المسيح جريحا الى الأبد «فالعبد ليس افضل من سيّده» كما قال هو. وتدخل الصدمات في روزنامتك اليومية حتى ترقد الرقاد الأخير.

#                #

                      ويبقى لبنان وطن الخيبات والتعزيات معا. عندنا حب الغريب والجار والغيرة على طهارة الاولاد والسعي الى ارتقائهم العلمي وخصال حميدة كثيرة وجميلة نحن شعب طيّب ولو كنا خالين من هيكليّة حضارية. نتعايش على اختلافنا على الأغلب في مودة. والحب عندنا لا يخدشه التنوّع الديني ونرتفع ذوقيا بجمالات لبنان ولكن لا أعرف مما تتولد السياسة. لماذا فيها سقطات كثيرة جعلتني في السنة الأخيرة -بلا تعميم- اقول ان بين اهل السياسة من لا يحب لبنان.

                      اليوم (الاربعاء الماضي) قلت لمحدث عندي: النائب الطاهر هو من وقف في المجلس ليقول كلمته ويعرف انه بذلك يخسر نصف ناخبيه. انت تحمل ولايتك في صدق من اجل اعمار البلد ورقيّه وجعله يتنطح لأن يكون من العالم الاول وتتراجع عن موقف بدا لك الخطأ فيه من حيث لا تتحزّب لنفسك ولا لرفيقك في الكتلة النيابيّة. انا أفهم التحالفات الكتلوية التي تخدم البلد وافهم الانفصال عن زملائك اذا كان انفصالك هذا التصاقا بلبنان.

                      في الحد الأدنى تحرر من الكيد والحزبية الضيقة الهدامة لكيان البلد وافهم ان ولاية واحدة كافية لأن تجعلك انسانا عظيما بناء للتاريخ. واذكر كلمة معلّمنا الغزالي: «لا يعرف الحق بالرجال ولكن الرجال يعرفون بالحق». اذا كان وجه كل انسان هباء تذرّيه الريح عن وجه الأرض اذا لم تكن معالم الوجه الإله عليه فاترك وجهك الذي صنعته مصالحك الى الوجه الإلهي. اذا كنت صرت انت حامل الحقيقة فلا تخشَ احدا ويخشاك معظم الناس وقد تبقى فقيرا. كثير من الفنانين ماتوا فقراء وبقوا في التاريخ. الذين يتركون مؤسسات استغرقت معظم ثروتهم يظلون احياء في ذاكرة البشر والذين لم يتركوا للناس شيئا لا تُذكر عطاياهم.

                      امام كل هذه الجراح يبقى المشرقون الذين أشرق الله عليهم بنوره. صلِّ لكي يأتي اليك هؤلاء لتفرح وتقرع باب الملكوت منذ الآن فيتحول هو اليك. وقد لا تقل الخيبات ولا تصغر ولكن يعظم فيك الفرح.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الوثنيون واليهود/ الأحد 11 تشرين الثاني 2007 / العدد 45

عندما يقول بولس ان «المسيح سلامنا» في رسالة اليوم، يريد بذلك الوثنينن واليهود الذين آمنوا. هم جماعة واحدة في المسيح لأن كلا منا في الإيمان والمعمودية هو فيه. والعداوة التي كانت بين الأمتين تحوّلت الى محبة لأن المسيح هو سلام كل منا في نفسه وسلامه مع الآخر.

المسيح في جسده اي في جسده المصلوب نقض العداوة التي كانت قائمة بين الشعوب «وأبطل ناموس الوصايا في فرائضه» اي ناموس موسى الذي كان يأمر بالختان وقيام الهيكل ومحظورات طعاميّة كلحم الخنزير وبعض الحيوانات الأخرى. فلم يبقَ من ناموس عتيق على أحد. وبتنا «انسانا واحدا» بقبول سلام المسيح فينا.

هذا تمّت المصالحة فيه ومع الله أبيه، وهذه المصالحة جعلتنا كنيسة واحدة «في الصليب». فلما مات المخلّص من اجلنا انتفت العداوة لكوننا جميعا متحدين بدمه ودمه يجري فينا بالمناولة الإلهية. وهذا السلام الذي يتحقق فينا في الذبيحة نحمله حبا للكل ولم يبق بعيد (اي وثني متنصّر) او قريب (يهودي متنصّر) لأن فينا روحا هو الروح القدس الذي نتوصل به الى الآب.

ثم يتوجّه الرسول الى من كانوا من الأمم بخاصة ويؤكّد لهم انهم ليسوا غرباء ونزلاء بل «مواطني القديسين الذين استلموا الإيمان اولاً في اورشليم» ويقول انهم اهل بيت الله. وهذا البيت اي الكنيسة مبنيّ على اساس الرسل والأنبياء. لذلك لنا العهد القديم والعهد الجديد معا. «وحجر الزاوية هو يسوع المسيح الذي به ينسق البنيان».

حجر الزاوية هو ما نسمّيه في البيت العقد «حجر الغلق» الذي تستند اليه وحده كل البناية اذ ليس بين الحجارة مادة تجمعها، وتُرفع الحجارة اولاً على قفص من خشب، وتتماسك الجدران بحجر واحد يؤتى به بعد ان وُضعت الحجارة احدها الى الآخر فتستند الى حجر الغلق وتبقى متماسكة.

كل حجر يبقى بسبب التماسك، والحجارة، مجموعة بعضها الى بعض، تبقى متراصة بسببٍ من حجر الغلق.

واذا ارتفع البناء كله على هذه الوحدة المعمارية، يكون هيكلا مقدسا في الرب. انت مستند في الكنيسة الى أخيك بالمحبة، وكل الحجارة مستندة على ما سُمّي في الرسالة «حجر الزاوية». اذًا في هذا الرب الواحد والموحد «تُبنون معا مسكنا لله في الروح» اي الروح القدس، واذا كان الروح فيكم يصوّر هو المسيح فيكم ويقودكم المسيح الى أبيه.

هذه هي احدى الصور عن الكنيسة عند بولس الرسول. الكنيسة فقط محبة نازلة إلينا من عند الثالوث وتجعلنا واحدا يسكن في قلب الثالوث المقدس، وما من أسرار وخِدم اليه ووعظ وبشارة الا لتوطد المحبة في قلب كل واحد. المحبون ليسوع هم الكنيسة، وهي المكان الذي نتروّض فيه على المحبة. وليس من مبرر للعداوة اذا اختلفنا مع احد الإخوة بسبب المزاج او اية مشكلة مهما استعصت لأنه واحد معنا في ما هو أعمق من المشاكل والمصالح الدنيوية. لذلك طلب بولس في موضع آخر ألا نسُوق أحد الإخوة الى المحاكم ولكن أن نستمع الى ما يقوله الروحانيون لو اختلفنا.

هكذا نعيش الوحدة كل يوم والى الأبد، وبها يتمجّد فينا الآب والابن والروح القدس.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

إبداع الله وإبداعنا / السبت ١٠ تشرين الثاني ٢٠٠٧

«في البدء خلق الله السموات والأرض». لم يكن هذا فيضا إلهيا بمعنى امتداد الذات الإلهية حتى لا نقع في الحلولية. ولكنه كان فعل محبة كما قال أوغسطين وأراد بذلك ان يصنع الله مخلوقات تكون حاملة حبه او دالة عليه. انها قوة خرجت منه. ألقى الرب وشاحه على العالم واحتضن العالم ولا يزال هذا يعيش من الدفء الإلهي. بهذا المعنى كان الخالق دوما في حالة تنازل ترتفع به البريئة الى بارئها. هناك لحمة ما بينهما لا ندرك طبيعتها وهي في قابليّتنا الكينونة وليست في تصوّرنا العقلي.

                      على هذه الصورة نحن مبدعون. والفرق بين إبداعنا والإبداع الإلهي هو انه لم يأخذ مادة ليصنع منها الكون. اما نحن فنأخذ من مواد الطبيعة والفكر والخيال ونرتبها ترتيبا جديدا لم يقم به آخر وعلى صورة التشبّه بالله نسمّى مبدعين. الحجارة القديمة موجودة وتبني بها قصرا جديدا.

                      بعد حب الله اياك بالخلق الاول يحبك باستمرار وينشئك نشأة جديدة وتصبح خليقة اقوى وأبهى وتنير بالنور الذي قذفه في قلبك فتنشئ الآخرين اذا وعوا محبوبيتهم. لا يوجد الإنسان الا اذا أَحبه آخر. ما عدا ذلك هو لحم وعظام وتشوش فكر وعواصف قلب. غير ان كل حب في الدنيا ناقص اذ تشوبه شوائب المحب وشوائب المحبوب. اما اذا شعر المحبوب بأن مَن أَحبه صافٍ، براق، يعطي نفسه ولا ينتظر مقابلا اي اذا احس بأن المحب مسكوب يفهم ان هذه العاطفة إنْ هي الا جسر للحب الإلهي وانه تاليا حبيب الله من خلال خلقه. واذا أفنى ذاته بالمحبوب يكون الله نفسه مسكوبا في مخلوق اختاره مخلوق آخر.

                      والانسان لا يحب عبده ولكنه يحب ابنه. هذا يبدأ من البدء. لذلك رفعنا الله من منزلة العبيد الى منزلة الأبناء. ان يكون الإنسان ذا لحم ودم وفي الوقت ذاته ابنا لله لا يغيّر شيئا في فعل الحب الإلهي. فعلاقة الألوهة بنا ليس فيها جنس لأن الرب ليس فيه جنس. الألوهة تعمل فينا على صعيد آخر.

                      الانسان ليس عبدا لله لأن صاحب العبيد مسيطر والمحب لا يسيطر. الله يشتاق ويشدّك بالشوق اليه فاذا قبلته ترد عليه باشتياقٍ ظاهره بشري ولكن قوّته نازلة عليك من فوق.

#                     #

#

                      واذا زرع الله تاريخيا في البشرية كلمات منه فما هي الا تعبير لإدارة الفهم البشري الى عمق الله. واذا سمعت من الله كلمات فهذه لا يسوغ النطق بها لأن اللسان ليس قعر العمق بل سطحه. الكلمة التي تنزل عليك تربية اي ارتقاء الى فوق. عند ذاك لا فرق بين الله القائل والكلمة المقول او لا فرق بين كلمات الكلمة والأذن التي تنتصت والقلب الذي يعي.

                      على هذا الأساس تبني الصداقة. هذه لا يمكن ان تكون تبادلا اذا كنت وصديقك في علاقة الرق لله. انت حر وهو حر. والحر فقط يعطي والحر الآخر يأخذ، وتعطي الآخر كل ما فيك، واذا اعطيته فقط قسما مما عندك فأنت عبد للقسم الآخر الذي لم تعطه.

#                     #

#

                      ما يصح في الصداقة يصح في الزوجين. كل منهما اذا أحب الآخر من منظار إلهيّ اي في العطاء المجاني ينشئ الآخر. وهذا ما عبّر عنه بولس أن تكونوا أزواجا «خاضعين بعضكم لبعض في خوف الله» (أفسس 5: 21). هذا هو التراحم بتعبير آخر. العلاقة هي دخول الشخص في الشخص، هو تقبّله وانسكابه فيه. هو عمل الانسكاب ليموت الواحد في الآخر. عندئذ لا تنطرح قضية من يأمر ومن يأتمر. وما من ريب ان هذا التلاحم بين روحين وجسدين هو التحام الله بذاته لأن الله اذا كان غائبا في العلاقة لا يكون هناك الا اتحاد بيولوجيّ وسكنيّ وماليّ. الوحدة ليست تراكما. هي موسيقى. في الحب كل يُمَوْسق الآخر ويبدو متجليا ليس في كل واحد منهما على حدة ولكن في الاثنين في وحدة الكيان التي تتغذى كل يوم بالعطاء.

#                     #

#

                      الصعيد الأخير الذي يفرض عليّ نفسه هو علاقة الدولة بالمواطنين. الدولة ليست فوق والمواطنية تحت. هذا نظام الرق. الدولة ليست الا المواطنين مرتبين او متناغمين حسب بناء معيّن فرضته الدساتير والقوانين. طبعا الرئيس والوزراء والنواب ليسوا في حالة عشق مع اهل البلد لأن في الدولة عنصرا قسريا ولو لم تكن فيه نكاية. غير ان الذهنية القانوية والإجراء القانوني لا ينفيان الرحمة ويتطلّبان سهر المسؤولين الدائم والسهر لا يأتي الا من الحب.

                      كان دوستويفسكي يقول: الدولة يجب ان تصبح كنيسة. والمعنى عنده أن تقلّ القوة الإجبارية لحساب المحبة. انا طبعا أتوق الى ان يصبح اللبنانيون عائلة واحدة مع مراعاة الأنظمة حيث الموالاة والمعارضة وشرطيّ او عسكريّ ومدنيّ ما لا ينفي الانتماء الديني الذي هو بيئة حرارة. لا بد من أنسنة العلاقات بين طبقات الشعب والحكم بلا عشوائية ولا فوضى.

                      في المنطق نفسه، في الطوائف التي تقوم على انتداب مسؤولين روحيين كما في المسيحية او تلك المرتبطة بالعلماء كما في الإسلام، لا بد بين كل المؤمنين من علاقات محبة تشفي كل العلاقات الأخرى.

                      في بلدنا عبيد كثيرون في بعض المجالات، في المال، في السياسة، في  الحياة العائلية، في ارتباط بعض الزعماء والتابعين. هذا لا ينتهي الا اذا أحلّ الله نعمته على هذا الشعب وتستضيف القلوب طوعا ربها. شرف انسكاب الله في النفس ان يؤمن الانسان انه قائم بالرضاء الإلهي وانه مستقل عن كل انسان آخر. أخذْنا استقلال البلد ولم نأخذ بالقدر الكافي استقلال الأشخاص لأننا عبَدنا الأقوياء والقاهرين. من هذه المقهورية يجب ان نسير الى الخلق الثاني الذي يتم في روحنا المتجددة ابدا والمحبة ابدا. اذ ذاك ينتشر الإبداع الكوني ويضمّنا الملكوت الى عمقه.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

أحيانا مع المسيح/ الأحد 4 تشرين الثاني 2007 / العدد 44

هذه من الرسائل التي كتبها بولس من سجنه في رومية فيبدأ هذا المقطع بتركيزه على ان الله غنيّ بالرحمة, وكونه رحيمًا وكثير المحبة حين كنا أمواتا بالزلاّت أحيانا مع المسيح اي بموته وقد عبره الى القيامة.

وحتى لا نظن أنّ لنا أيّ فضل في حياتنا الجديدة عاد فأكّد: «انكم بالنعمة مخَلّصون». ليس من إنسان يصنع الخلاص لنفسه. هو يتقبّل النعمة التي تنزل عليه من فوق.

وحتى يقوّي تأكيده هذا قال: «وأقامنا معه وأجلسنا (اي الآب) معه في السماويات في المسيح يسوع». نحن كنا فيه لما قام من بين الأموات وكنا رفقاءه في صعوده الى السماء. وذلك ليس لأننا شيء هام ولكن بهاءنا الروحي الذي سنكسبه في قيامتنا انما هو نتيجة «غنى نعمته» الذي أظهره «باللطف بنا في المسيح يسوع». وخشية ان نحسب اننا من جهودنا صرنا الى ان نستحق الملكوت، عاد فأكّد اننا «بالنعمة مخلّصون بواسطة الإيمان». الإيمان عطية الله واذا كان عندنا انفتاح على الله نُعطى الإيمان نعمة.

ويستمر بولس في تأكيده النعمة ويقول ان الإيمان هو نعمة الله. واذا قال ان النعمة تنزل عليكم بمشيئة الله يؤكد ايضا انها ليست من الأعمال «لئلا يفتخر احد». انت تطيع الإيمان ولا تفتخر بأعمالك مهما عظُمت. القداسة فيك عمل الله.

نحن صنع الله، وعندما افتدانا ابنه يكون خلقنا خلقا جديدا في المسيح يسوع. نحن خلائق جديدة خرجنا من أحشاء المسيح أبناء لله لنقوم بالأعمال الصالحة. بولس لا ينكر أن توجهنا بعد المعمودية ان نقوم بأعمال البِر، ولكنه لا ينسب لنا قسطا في عمل البِر مستقلا عن النعمة. كان انسان هرطوقي في افريقيا الشمالية يدعى بيلاجيوس يعلّم اننا نخلص بالأعمال وتصدّت له الكنيسة. بولس ينهي هذا المقطع من رسالته الى أهل أفسس ان الله أعدّ لنا الأعمال الصالحة لنسلك فيها.

ليس اننا مسيّرون نعمل آليا أعمالاً صالحة. ولكنه هو الذي بمحبّته لنا يدفعنا الى الأعمال الصالحة التي لا تتم بإرادتنا المحضة. إرادتنا تتقبل النعمة التي تدفعنا الى العمل الصالح المهيَّأ لنا في السماوات والمقدّم لنا لنقوم به في حريّتنا التي هي بدورها تعبير عن محبة الله لنا منذ الخلق لنصير مشاركي حريته، وقد قال بعض آباء الكنيسة ان صورة الله فينا هي الحرية التي هي بالدرجة الأولى حرية من الشر. فقد قال السيد «من يعمل الخطيئة عبد للخطيئة» وإذا انصاع الإنسان الى الخطيئة يصير أسيرًا لها ويفقد حريّته شيئا فشيئا.

يحزنني اني لا أسمع كثيرا كلمة «نعمة» في المجالس الأرثوذكسية، وينسب أصحابها القيام بالعمل الصالح الى جهودهم ويستكبرون. أحيانا أسمعهم يقولون: نشكر الله على نعمته ويقصدون الخبز او المال او الصحة. النعمة هي اولا التقديس والباقي يزاد لنا. مَن يشكر لأنه تخلّص من خطيئة او عادة سيئة او عيب وارتفع بالقداسة؟ لنقرأ اذًا كثيرًا هذا الفصل من الرسالة الى أفسس لنرتفع عن حسن الظن بأنفسنا الى وجه الله الآب.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الى نواب الموالاة والمعارضة / السبت ٣ تشرين الثاني ٢٠٠٧

هذه الزاوية ليست سياسية بالمعنى التقني والدقيق. تطوف حول الوطني احيانا او تخترقه. ولكني فيما نقترب من المواعيد التي قد يحف بها الخطر أحببت ان أخاطبكم ببساطة وبما لي من محبة وتقدير لبعض منكم وقلت البعض لكوني لا أعرف الأكثرين.

                      انا الذي أحسّ بقوّة الله فيّ اعترف اني خائف بهذا الخوف الذي يعتري البلد جميعا المرمي على المجهول وانتم بعض من مسؤولياتكم ان تنقلوا شعبنا من الجهل الى المعرفة ومن الخلل الى الاستقامة. وهذا الاضطراب ضارب الجميع وعلى الرغم من تدنّي مستوى المعيشة الذي أخذ يفتك بغالبية الناس الا ان القوم يخشون اولا ان يتدهور لبنان كله بحيث يتساوى في المخافة الميسور والمحروم.

                      البلد اليوم محوره انتخاب الرئيس قبل ان تتوالى المواعد الأخرى وتنحل العقد المستعصية. هناك من يريد إرجاء الموعد ليتغير تركيب المواعيد حالما بنصر يؤمنه تقديم موعد على موعد وهناك من يريد التتابع المقرر في نصوصنا.

                      انكم لقد ابتدعتم الديموقراطية الوفاقية وهاتان كلمتان متنافرتان في علم الدستور. الديموقراطية قائمة على الخلاف والاختلاف والتنافس الذي ينتهي الى قرار يذعن له المجلس لأن المجلس يؤلفه القانون ولا تؤلّفه اللحمة المرادفة للتوافق. الوفاق نتيجة النقاش ولا يبدأ به. في القبائل شيخ القبيلة يلاحظ الوفاق ويعلنه. وعند انتقال القبائل البريطانية الى مفهوم الأمة اجتمع البريطانيون في مجلس تباينت فيه ااراء لاحظوا انك في هذه الدنيا لست على حق ناصع الهوية قائم على مواجهات فكر ابتغاء للوصول الى تشريع وموقف من الحكومة ليسا هما الحق المطلق والكلام البشري فيه خصومة لأن كل عقل له إقباله على هذا المشروع او ذاك ولا يدعي احد انه يحمل تفويضا من السماء.

                      والمتعاهَد عليه ان النواب مستقيمون ومحبون للبلد ونحن العاديين نفحص مزاعمهم ونقبلهم او نرفضهم بعد انتهاء ولايتهم بناءً على اقتراب ما نراه قريبا من الحق او القانون الوضعي اذ ليس في هذه الدنيا اذا اختلفت أديانها الا القانون الوضعي. على مستوى القانون الوضعي او الدستوري كل توافق كامل يعني ان أمورنا تجري في الدهاليز .

#           #

#

                      نحن أمام أطروحتين متعارضتين بصورة كاملة من الناحية النظرية او القانونية. هل ننتخب رئيسًا حسب الأصول الدستورية ثم هو يأتي بحكومة تضع مشروعا لقانون انتخاب المجلس ام «نشقلب» هذا الترتيب فنأتي بحكومة انتقالية تفترض ان الحكومة الحاضرة تستقيل وتشرف الحكومة الجديدة على انتخابات جديدة تأتي برئيس.

                      تعقيد الأطروحة الثانية ان عندنا حكومة صفها كما تشاء من حيث شرعيّتها وميثاقها ولكنها لا تذهب الا اذا ارادت ويصفها رئيس الجمهورية انها غير شرعية وغير دستورية وغير ميثاقية. هي اذًا غير موجودة بنظر القانون. فكيف يطرد فخامته هيئة غير موجودة، كيف يطرد العدم؟

#              #

#

                      أما وقد خرجنا على كل معقولية قانونية لا بد من ان يُدعى النواب الى المجلس في الموعد المعين. وبعد دخولهم يُغلق الباب من الداخل حسب قول الإنجيل: »اضطررهم على الدخول«. وجلوسهم على مقاعدهم شرف لهم ورجاء لنا حتى لا نموت في انفجار معنوي. لا يسوغ إطلاقًا، على الصعيد الأدبي، أن يتخلّف مسؤول عن محفله. في كنيستنا المطران الذي يغيب عن المجمع المقدس بلا عذر يُطلب الى المحاكمة. انت لا تستطيع الغياب لكونك تهرب من موقف قررته في تحزبك. انت تحمل حزبيّتك الى الندوة البرلمانية وتطرحها. هذا هو الفرق بين الحضر والبداوة حسب تقسيم الناس عند ابن خلدون.

                      سأماشيكم في ما يبدو فيكم بداوة. احيانا افهم انكم دخلتم التسويات واحيانا افهم انكم متشددون. البلد مهزوز منذ ان أوجده الانتداب. تسيرون حسب إيقاعه، لا مانع. في هذا السياق قرأت منذ أيام ان حزب الله أسلم أمره للبطريركية المارونية اذ نسب اليه انه يتبنى من يتفق عليه المسيحيون وفي اللسان اللبناني هذا يعني الموارنة. انا أرفض في داخل نفسي ان تتنحّى اية طائفة عن الإسهام الفعلي في اختيار الرئيس، اي من الرؤساء الثلاثة. كيف مَن جاهد في سبيل إلغاء الطائفية يتكلّم لغة طائفيّة؟ غير اني افهم ان المآزق تقودك الى تسوية هي الخيار الوحيد في ما سماه العرب حلف القبائل.

                      غير ان هذا الموقف الشيعي يفترض ان يقبله الموارنة. ولست أعلم من مراقبتي وسائل الإعلام المرئي لماذا يستصغر الموارنة أنفسهم ويقاربون اليأس في حديثهم عن أنفسهم. أفهم ان ثمة تغيرات ديموغرافية حصلت ولكني لا أفهم ان يتراجع الموارنة عن ديناميّتهم. لا مانع ان يقلدوا من ارتفع من الطوائف.

                      في هذه العاصفة واللاحضارة فلنحتكم الى البطريرك صفير اذا قبل الاحتكام اليه. ان نوعا من الانكفاء عن السياسة او الاستعفاف عند صاحب الغبطة مؤذ للبلد. واذا خشي نيافته ان يعيّن واحدا خوفا من «الفوضى الخلاقة» فليسمِّ اثنين او ثلاثة او اكثر بقليل حتى لا ينقسم الزعماء بعضهم على بعض وليعتبر هذا في العمل السياسي غير المنصوص عنه ترشيحا ويكون هذا تفويضًا من الأمة في هذا الذي نعيشه اي فيديرالية الطوائف الى ان يكتمل انتظامنا الديموقراطي.

                      هنا تنتهي السياسة ويلزمنا الرب بحيث يذكر غبطته الكبار الذين سمتهم الأخبار أنهم اولاده ويدعوهم بقوة محبته ورعايته ان يبقوا أخوة. متى يصير الموارنة أخوة؟ يقول لهم هذا ليس في البهو ولكن أمام المذبح ويتقبل وعدهم في حضرة الرب ان يكونوا متحابين ومتضامنين اذا وصلنا الى وضع «لتفصيل كلمة الحق باستقامة» (بولس الرسول).

                      ليس من صلب الديموقراطية ان يتفق الموارنة. لماذا يقولون عند بدء الصيام الكبير في احتفال كنسي انهم تراب والى التراب هم عائدون ولا يقبلون في السياسة انهم كذلك. الا يقدر البطريرك ان يقول لهم: انتم لستم بشيء بلا نعمة الله؟ يجب الا تضمحل الكنيسة المارونية بسبب من اختلاف زعمائها المدنيين. هي أهم من الكتلة المارونية السياسية فهذه زائلة. والمسيح الساكن كنيسته ومنها الجماعة المارونية باقٍ الى الأبد. ولكنه لن يبقى في لبنان اذا المسيحيون لم يريدوا ان يصيروا جسده. اذا تجلت عند الموارنة هذه الرؤية يكونون هم ايضا معنا وجه المسيح.

                      واذا تعذّر ذلك لرفض المرشحين الموارنة المثول امام مذبح الرب ويكون البطريق غسل يديه بالنقاوة كما تقول المزامير عند ذاك يجتمع كل النواب وهذا واجبهم الوجداني. ويمثل كل وجدان من وجداناتهم في حضرة الرب ولا حاجة عند ذاك الى نقاش حول النصاب. انهم في القاعة ويكون الرئيس بري قد آقفل الباب من الداخل. أريد أن اعتقد ان احدا من المجتمعين يحب لبنان في حريته ولأجل سلامته فيتزكى امام الله وامام التاريخ.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

من شؤون الكنيسة الأولى /الأحد 28 تشرين الأول 2007 / العدد 43

في العهد الرسولي كما ورد في أعمال الرسل (الإصحاح 25)، ظهرت مسألة بدت شائكة: هل الوثني الذي آمن بالمسيح يجب ان يقبل أولاً شريعة موسى بكل فرائضها، أم يقتبل مباشرة المسيحية؟ وكان أوضح موقف في هذا ما أشار اليه سفر الأعمال بالآتي: «قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا (بالمسيح) من مذهب الفريسيّين وقالوا انه ينبغي ان يُختتنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى». فعقد التلاميذ مجمعًا في أورشليم وقالوا للجمهور المجتمع: «أن تمتنعوا عما ذُبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى». ومعنى ذلك انهم لم يذكروا شيئا عن أمور الناموس بما فيها الختان.

مع ذلك لم يبدُ ان المشكلة انتهت اذ يذكر بولس، سنوات بعد المجمع الرسولي، أن أناسًا غالبًا جاؤوا من أورشليم الى غلاطية ونادوا بأن الوثني المهتدي يجب ان يختتن اي ان يمرّ باليهودية قبل اعتماده.

جاء بولس وأكّد بطلان هذا وكأنه يقول ان قرارات المجمع الرسولي إلزامية. شرح السبب بقوله: «حاشى لي أن أفتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلِبتُ للعالم». المعنى ان فداء المسيح لنا يقوم مقام كل شيء عتيق، فإن الناموس كان الى وقت وهو ناقص، فاذا جاء الكامل يزول الناقص. لقد تم الخلاص بالمسيح فما حاجتنا الى هذا الأمر الرمزي الذي هو الختان وكان رمزًا للعهد القديم الذي قطعه الله لإبراهيم. فقد صرنا في العهد الجديد القائم على دم يسوع وقيامته. وأوضح معنى الصليب للمؤمن بأن هذا بدوره مصلوب، والختان من أركان هذا العالم الذي صُلب المؤمن إزاءه.

ويزيد الرسول الأمر وضوحا بقوله «ليس الختان بشيء ولا القلف (او الغرلة) بل الخليقة الجديدة». اما اليوم فاذا شاء الوالدان ان يختنا صبيا ولداه دون ان يعطيا لهذا معنى دينيا اي فقط لسبب يعتبرانه صحيا فلا مانع لذلك، ولكن نعلم منذ وقت يسير ان العلماء لا يعتبرون الختان اليوم ذا فائدة صحية.

ثم ينهي بولس المشكلة بقوله: «لا يجلب عليّ أحد أتعابا فيما بعد فإني حامل في جسدي سمات الرب يسوع» اي المشقات التي تحمّلها من صيامات ورجم وغرق في البحر وإهانات من الأمم. هذه علامات الصليب في جسدي فلماذا الختان؟

المصلوب والقائم من بين الأموات هو كل شيء ونحن نحيا له وهو يحيا فينا. لذلك كان المهم أن يصير كل واحد «خليقة جديدة» وهذا يبدأ بالمعمودية التي تستمر فينا بالعمل الصالح اذ كلما انقطعنا عن الخطيئة نموت مع المسيح ونحيا معه.

غير ان المعمودية يجب ان تكتمل فينا بالفهم والوعي اي ان ندرس مسائل الإيمان وان نشترك بالأسرار الإلهية ونحس بالنعمة التي تنزل علينا. فالموعوظيّة التي كانت عند البالغين في العهد الأول كانت شرطا للمعمودية. واما وقد قبلت الكنيسة معمودية الأطفال، فالموعوظية اي تعلّم الإيمان نقوم بها بعد المعمودية والا كانت هذه مجرد اغتسال بماء.

المعمودية هي التي تحقق فينا موت المسيح وقيامته وهي تتجدد فيك روحيا ان انت قرأت الكتاب الإلهي ودرست كل ما نؤمن به ونعمله. انت مسيحي بالفهم، بإدخال السيد الى فكرك والى سيرتك لئلا تكون قد تعمّدت باطلا. المؤمن كمسيحه قائم دائما من بين الأموات.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به احد. بالمسيح وحده صرت أحيا لله. «مع المسيح صُلبت وهو عاد حيا. فبقوّة فدائه وقيامته صرت انا حيا». غير ان الرسول يؤكّد «لا انا (أحيا)» اذ ليس في طبيعتي ما يحيي «بل المسيح يحيا في». في المعمودية صُلبت معه وقمت معه. ومفاعيل القيامة تلازمني كل حياتي اذا انا بقيت على الايمان اذ الإيمان هو استمرار المعمودية فيّ. المعمودية الدائمة هي ان يحييني المخلص بنعمته، بكلمته لأن كلامه هو الحياة.

ثم يتابع بولس: «ما لي من الحياة في الجسد (اي في كياني الروحي والنفسي والجسدي) انا أحياه في ايمان ابن الله (اي ايماني بابن الله)». الإيمان هو ثقتي بابن الله وتصديقي كلامه المحيي، فاذا انسكب روحه فيّ يكون السيد مصوّرا فيّ اذ اكون قد تركت كل ما يعاديه فيّ، كل ما يخالف كلمته ليبقى وحده فيّ. شخصيّتي النقيّة، الكاملة النقاوة هي ان اكون انا والمسيح واحدا. عندما يتحول فكري الى فكره وشعوري الى شعوره أصبح آتيا منه ومتكوّنا به ولا يبقى شيء لي وشيء له بل اصير كلي له.

ثم يأتي بولس بهذا الكلام الفريد الذي لا نجده الا في هذا الموضع من رسائله: «ابن الله الذي أحَبني وبذل نفسه عنّي».

في كل ما كتبه الرسول يتكلّم عن محبة الله لنا اي بصورة الجمع. هنا فقط يتكلّم بصورة المفرد فيقول «أحبّني أنا» اي يجعل بولس نفسه هدفا لمحبة المسيح، وتاليا يجعل كل مؤمن هدفا لمحبة المخلّص. وعندما يقول: «بذل نفسه عني (وليس عنا) يبيّن ان المخلّص يريد ان يشعر المسيحي انه هو المحبوب، وان هذه المحبة ظهرت عند صلب المسيح. انه لقد أحبني حتى الموت واشتراني بأثمن ما في الوجود اي دمه. ما أعظم المسيحية التي تقول ان كل انسان حبيب الله كليا وهذا الحب يبيّن بأن المخلّص وضع حياته من اجل كل واحد. أنا اذًا غاية الله كما أن الله غايتي.

وربما كان فكر الرسول هو هذا: اذا كنت انا وحدي في العالم لكان الابن نزل الى هذه الأرض ليفتديني ويكشف بذلك طبيعة الله وهي انه محبة. فأىًا كان وضعي الصحي ووضعي المالي او النفسي، فالمرض ليس بشيء وقد يكون تعبيرا عن افتقاد الله اياي، واشعر في المرض مهما كان خبيثًا ان محبة الرب لي تغلب كل تعب آتٍ من المرض. واذا خسرت مالا كثيرا او مات واحد من أعزائي، فالمسيح يلاصقني برأفاته وحنانه وأتجاوز كل ألم من خسارة مال او عزيزي. واذا انتابتني كآبة مضنية، فهو في وسط الكآبة وهو يرفعها عني وأتقبّل تعازيه في نفسي حتى لو طال زمن الكآبة.

المسيح فيّ وليس فقط في السماء. المسيح فيّ هو كل قوتي وكل معنى وجودي. وما عدا ذلك من الدنيا. واذا كان هو معي فأنا في سمائه ولو بقيت فيها زمنا طويلا او قصيرا.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الرئاسة المقبلة ولبنان / السبت ٢٠ تشرين الأول ٢٠٠٧

بكركي متمرّسة سياسيا منذ المثلّث الرحمات البطريرك اسطفان الدويهي، ورئيس طائفة غير اسلامية باللغة المألوفة عند اليونانيين في السلطنة العثمانية يدعى إثنارخوس اي رئيس الأمّة بالمعنى المصطلح عليه في تلك الفترة. كذا رئيس أساقفة قبرص عند الروم وهذا تغير مضمونه في مناخ الحداثة التي نحن فيها او اليها حيث نتجه الى التمييز بين الروحيات والزمنيات. وهذا موضوع واسع في الكثلكة الأوربية حتى ظهور العلمانية في مطلع القرن العشرين في فرنسا.

                      ولست في معرض إلقاء دروس في اللاهوت الذي أحمله من كنيستي وان أغبط هذا الرجل الدمث والحكيم الذي هو البطريرك صفير والذي حاول مثل أسلافه الكبار ان يمسك بزمام أبنائه من كل جانب  في زخم حبه للبلد كله. ولا تنظير لي لهذا التحرّك الشامل حيث أهل الأرض يستنجدون بالسماء كما قال غبطته مؤخرا بعد ان تعب من بذل جهود منهكة في هذا البلد المستحيل والتوّاق بآن الى وجود كريم.

                      امام هذا اللقاء بين السماويات والأرضيات سألت مرة الصديق الكبير المرحوم الأب يواكيم مبارك كيف يلتقي عندكم شأن السماء وشأن الأرض؟ قال لي ما كنت لا أفطن به في تنشئتي الأرثوذكسية، قال: «الرعاة يهتمون بآلام الرعية» ففهمت، عند ذاك، أن ثمّة لقاء شرعيا بين المستويين. هنا وقف حديثنا اللاهوتي حتى فهمت ان تاريخ الموارنة الحديث تنادي فيه السماء الأرض كما تنادي اللجة اللجة على قول داود النبي. كذلك أدركت أن التلازم التاريخي في هذه الجماعة بين الأمر الإلهي والأمن الزمني هو التلازم بينهم وبين لبنان ولذلك قولهم ان بكركي صرح وطني هو من تراثهم لأن قوة الموارنة مرتبطة بازدهار لبنان جميعا.

                      هذا لا يعني ان همّ لبنان حتى التضحيات الكبرى ليس من احساس الطوائف الأخرى بسبب تربيتهم على لبنان منذ ١٩٢٠ ولكن يعني هذا وطأة الآلام على الموارنة تجعلهم يشعرون ان لبنانيّتهم تكليف يكاد يكون إلهيا.

                      لذلك ليس تجاوزا ان يحمل هذا البطريرك هذا العبء وأقولها في نفحة كنسية وليس فقط بسبب من نظام الملل الذي تركته لنا السلطنة ومارسه الانتداب بطريقة او بأخرى. ومع ان معاهدة فرساي قررت تجزئة الامبراطورية المقهورة انما لم تبعثر تراثها والسلطنة عرفت شعوبها وخصائصها ضمن مشاعر هذه الشعوب.

#               #

         #          

                      بين يوم وضعي هذه السطور وظهورها اليوم أجرؤ ان أقول بتواضع وخفر ايها السيد الجزيل الطوبى والاحترام انحُ منحاك ولا تترك طائفتك منقسمة على مستوى زعامتها الدنيوية. انا موقن ان أبناءك متعبون ويريدون العيش الكريم ولا تهمهم السياسة. لا احد من الفقراء تهمه اصلا الا في سعيه الى إطعام بنيه وتربيتهم وأمنهم. بنوك، سيدي، أهم من زعمائهم ولا يناصرون هذا او ذاك الا من اجل العيش الذي وعدوهم به. وغير اعضاء كنيستك وراءك في السعي الى حرية لبنان وتركيز حياته الوطنية اذ بلا هذا يبقى جبالا وسهولا وبحرا بعد ان يكون خرج من التاريخ. نحن لسنا فقط مدى. نحن زمان وحركة زمان.

                      اعرف دقّتك في عدم رغبتك ان تناضل نضالا سياسيا وتحافظ فقط على الوطن في اساسياته. حاشا لي أن أوحي اليك بمسلك محدد وأنت أكبر مني وأسنّ ولكن أتمنّى ان تُخرج لنا من المارونية ذلك الدسم القادر ان يقوّينا في الهزالة التي نحن فيها قائمون. هنا إمارات (إشارات) تدل على ان كبار القوم لن يواجهوك بصدّ وكأنهم لا يرفضون لك موقفا فصلا ليقينهم بأنك لست مارونيا سياسيا بل ماروني وطني. المهم ان يقبل الكبار من رعيّتك هذا التوصيف وان يقدّموا لك ما هو أعمق من التحيات والتماس الدعاء.

                      انا أفهم مخاوف بعض والمجروح ترحمه. ولكني أتمنّى ان يحيط بك الزعماء الزمنيون من طائفتك. وشعوري عندما احاول ان أقرأ بين سطور الأخبار ان المواطنين جميعا وعلى رأسهم المسلمون يقولون في سرهم لك: «يا سيد، تشدد فنحن غرقى والبلد على قاب قاسين او ادنى من الحريق»، واذا فكروا بأولادك المختلفين يقولون هم لك آية من كتابك: «اضطرهم (اي الموارنة) على الدخول» اليك والى عشقك لبنان ولا تدعهم يتفرقون، واذا فتشوا عن رئيس «معقول» فليذكروا ان الحضسن أفضل من الأحسن وان لبنان حاليا لا يستطيع ان يختار الا انسانا جيدا من الموجودين.

#                 #

#

                      المتفوقون من الموارنة كثر واذا صلحت النيات وتجلّى الإخلاص لا بد ان يتفقوا على اثنين او ثلاثة ببركة السيد البطريرك وان عف عن تسمية واحد لأنه يأبى ان يخلط السياسة بالدين. مع ذلك اي راغب في الرئاسة ان كان قديرا، صلبا، مثقفا، نشيطا حسب التوصيف البطريركي لا بد ان يجمع عليه زملاؤه ويسترضوا رئيس كنيستهم وهو غير متحيز.

                      المهم ان يريدوا جميعا بأن ينجو لبنان وان يأتي هذا الرجل عاشقا للبنان، عارفا بتاريخه وحاضره وممتدا الى مستقبل بنّاء وان يكون في القوة نفسها محبا للشعب السوري جارنا العربي الوحيد. ولم اسمع منذ أشهر بشخص لا يدعو الى ازدهار الشعب السوري وصداقته. وفي هذا لا يزايد فريق على فريق. وفي هذا كلنا لا يزال متمسّكا بميثاق ١٩٤٣ والطائف الذي يكمله. من لا يريد الاستقلال لهذا البلد ومن لا يبغي سيادته الكاملة. ووثيقة الوفاق الوطني لم تعطل الأساسي في ميثاقنا الاول ولبه الاستقلال عن الشرق والغرب. هذا يرتب علينا حقوقا ويلزمنا بواجبات. وقبل كل شك يلزمنا بنهضة البلد من كل جانب ولا سيما الجانب الاقتصادي الذي اذا نما يجعل الناس في الرجاء ويدفعهم الى البقاء في البلد حتى لا يقال عن بلدنا فقط انه جميل ولكن يقال انه فاعل وحيّ.

                      اذا اضعنا فرصة النجاة في الاستحقاق الرئاسي نكون رمينا أنفسنا في المجهول الكامل وصراع مخيف لا يعرف احد عقباه. لا بد بعد هذا من بقاء خلافات نتجاوزها بالحرية والديموقراطية ومحبة بعضنا بعضا وهي اللحمة الاساسية عندنا لأن القوانين والمؤسسات على أهميّتها جافة بلا محبة. وهذا شعب لا تجوز فيه القسوة ولا يسوغ التباعد. وقد أثبتنا في الخلاف القائم أنه لم يبقَ من صدام حقيقي بين الطوائف لأن البلد يريد ان يعيش.

                      اذا لم يتيسّر لنا الإتيان بالرجل الأمثل فليكن بالأقل صالحا على المستوى الخلقي وفهيما للسياسة وتعقيداتها ومثقفا بثقافة عالية. اذا آمنا ان احدًا لا يريد ان يبيع البلد ويقوى على تماسكه ورؤية مصالحه فمثل هذا موجود في الطائفة المارونية ولا بد ان يراه الناخبون فيما هم يخلصون للدستور.

                      وبعد انتخابه تسير عجلة السياسة القويمة بانتخاب حكومة وسن قانون عصري لانتخاب مجلس النواب وقيام مؤسساتنا على الطهارة والعلم معا على ان يقرر كل منا ان يصبح مواطنا أصلح مما كان لأن المجتمع المطهّر هو أساس الحكم والحكم دافع لهذا المجتمع الى ما فيه رقيّه في التحرر من كل آثار التخلّف والعصبيّات الطائفيّة والقبليّة.

                      وفي هذا للاسلام والمسيحية دور عظيم بحيث نرضي الله ليس فقط في العبادات ولكن في المسلك الاجتماعي والسياسي لأن هذا ايضا من الدين وليكن المعلمون الروحيون والمرشدون والوعّاظ دعاة للوحدة الإنسانية المتينة في ما بيننا ولنختلف في شؤون الأرض في هذا التفصيل او ذاك وبدل ان نبني حياتنا الوطنية على الطائفيّة الشخصيّة المتوترة فلتُبنَ على السلام الداخلي الشخصي وعلى السلام بين الجماعات ولنحقق الايمان في الحياة الوطنية الواحدة كما نحققه في داخل النفس وليسُد الوطن نفَس روحي واحد فيه احترام وتقدير للمواهب التي عند الآخر ولنقتبس من الآخر كل جمالاته التي هي انعكاس للجمال الإلهي.

Continue reading