الرب هو النور الوحيد في عتمات الدنيا. ما عدا ذلك لهو او شقاء. أنا أفهم ان يظن الانسان ان له بلهوه امتدادًا وبشقائه انقباضًا ذلك ان الانسان في سطحية وجوده يذهب أفقيا بسبب من بشرته التعبة وانحصاره في أفق رسمه لنفسه واكتفى لأنه جعل نفسه مركز وجوده.
هكذا يكون ابن الحادث او الحادثة، وليد مرضه وحزنه. ينشئه الزمان الذي يعيشه اذ يحسب ان لا شيء خارج الزمان ولا شيء خارج المدى. يقيم في حدود جسمه وحدود ذكرياته والآمال التي تغذي الجسم والتصوّرات او يبيت حصرا في آخر ويسر بعبودية تكفيه متاعب تجاوز نفسه وبيئته وقبيلته.
والأحداث قد تكون جساما كالحرب او خشية وقوعها. والعوز الدائم وأزمات بلد تشبه الحرب وما من شك ان الإنسان ضحيّة جهله او فقره او غناه ونزاعات في عائلته او مهنته او حزبه. بسبب من هذا او من بعضه يلمس هبوط نفسه وقد يشقى لعدم علمه بها. لهذا كله سمّى الكتاب هذه الأشياء وادي الدموع اذ لا حد للوجع، للإعاقة، لفقدان الأعزة او لغيابهم.
كل هذه الشجون جزء من حياتنا وهي تصيب البار كما تصيب الشرير ويخترع الإنسان الفاقد الرباط مع ربه تسليات يحس بعد تعاطيها انها لا تغنيه بشيء. فكما خيّبته اللذات التي استساغها تخيّبه اللّذات اللاحقة. يسعى المرء الى استلذاذ يظن انه يشفي عزلته او يخفف من مرارته. قد يبقى اذا فقد وعيه النير اسير ما استنبطه من تعاطي جسده او تعاطي فكر لا ينقذه من تخبطات هذا الفكر وليس له وهو في وسط الاحداث التي تعذّبه الا ان ينتظر زوالها واذا بأحداث لا تقل عن الأولى مضاضة تصيبه او هو يرى ان ما هو له يمزقه ويجعله مقيما في القنوط. معنى هذا انه يخلق جحيمه بنفسه وقلّما يعرف الكثيرون سبيلا الى الخروج من الجحيم. ولست أغالي في استعمال هذه المفردة لأني سمعت مئآت من المرات من اختارها اذ يقول لي المتأزمون في حياتهم العائلية: لقد باتت حياتي جحيما ولا أعرف الخروج منها.
# #
#
كل هؤلاء الناس وضعوا أنفسهم في المجال الأفقي ولم يسمعوا بالمجال العمودي اي بالقوة التي تربطهم بالله. اما الذين لهم إله فيعيشون في راحة وسكينة في الحرب او توقعات الحرب. هم في هدوء في الصحة والمرض، في اهتزاز حياتهم البيتيّة او في ثباتها ولا يرون بأسا اذا حلّت بهم مصيبة او انتابهم مرض جسديا كان ام نفسيا لأن الله مقيم فيهم او هم قائمون به.
اعرف أناسا يلوذون بالله ان عاشوا في فرح او عاشوا في ضيق لأنهم ايقنوا ان الله صحّتهم وصمودهم اي انهم تجاوزوا انفسهم وانتقلوا منذ الآن الى السموات. الفقير المؤمن غذاؤه الرب والغني المؤمن ثروته الرب ولا يولي ما له من مكانة في ذاتيّته. انت تطلب من الخالق المخلّص ان ينزل اليك وتستقبله على انه حياتك كلّها على قول بولس: «لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ».
انت لا تستطيع تفريغ نفسك من آلامها اذا استعرت ما يعوض عنها من دنياك لأن الدنيا لا تغذيك بالحقيقة. اللذة ليست بديلة عن لذّة ولا ترفيه أعظم من الترفيه الذي انت عليه. كل لذة بحد نفسها فارغة. هي تنسيك متاعبك بصورة موقّتة حتى تحل بك متاعب أخرى لأنك تستقي كل هذا من العالم الذي جعلت نفسك مركزه. اما اذا اخترت إلهك مركزا لوجودك لا تبقى مستعبدا لمرض او قمع او اضطهاد او أزمة في بيتك او في البلد.
انت لا تنجو من وطأة أحوال دنياك أكانت من السياسة او من الاقتصاد. فهذه الدنيا على ما نرى مليئة بالحروب ولك ان تطلب السلام ولكنا نرى ان الحروب لا تنتهي وان المرض لا ينتهي وان كل خطيئة تليها خطيئة أخرى اذا انت قبلتها وكل معصية مرة اذ يبقى عندك ضمير في الطبيعة هو يوبّخك ولا يستطيع الا المسوخ ان يخنقوا ضمائرهم حتى النهاية.
واذا قررت ان تلازم بعدك الأفقي اي اذا قبلت السطحيّة فأنت متّ داخليا. ربما استطعت ان تؤمن بشيء من القيم وان تذكرها. غير ان القيم في عمقها تؤتاك من الإيمان وحسباني ان القيم مقولة فلسفيّة حاول بعضهم ان يقيمها مقام الله في حين ان ذاتك لا تستطيع ان تعيش الا من ذات الله فلماذا ابدال الوجود الإلهي بمفاهيم ثقافية. الايمان بالله ايمان فعال في القلب اي مغير لهذا القلب او شاف له. ولك مع ربّك مواجهة او تواصل او وصال بين ذاتك وذاته لأن فيه حياة تفعل في حياتك والمفاهيم الفلسفيّة ليست بديلة عنه. ذلك ان الله حي وما عداه أفكار يقبلها عقلك ولكنها لا تنعش نفسك.
# #
#
انا ما ركزّت على الآلام التي تعانيها من جراء ذنوبك او من المرض وأزمات البلد والعالم لست اوحي انها هي وحدها المطل الى الله. اجل في الكتاب آيات كثيرة تدعو المتوجّع ان يستعين الله لأن الكتاب الإلهي يريد شفاءنا. وبهذا قال داود: «من الأعماق صرخت اليك يا رب» والأعماق يعني بها الألم الذي رمينا أنفسنا فيه. ولكن الصالحين يصعدون الى الله من فرحهم ويعرفون انه هو مصدرها. لذلك يقيمون في النجوى ولا يقيمون فقط في الاستغاثة.
وعندما نتكلّم نحن المسيحيين عن الصليب المصلوب عليه كل شخص نطلب إزاحته عن أكتافنا من حيث هو وجع لكوننا نؤمن ان صليبنا الشخصي هو طريقنا إلى القيامة ولسنا نريد بها القيامة في اليوم الأخير ولكننا نريد بها ان الله هو حياتنا وقيامتنا وهذه ينبغي أن نحققها هنا. ان آلامنا الحاضرة اذا قبلناها بالرضاء والشكر والرجاء تحمل الينا طاقة التعزيات لعلمنا ان الرب يفتقدنا بها او يزورنا بها كما يقول القديسون ونعلم ان الله يساكن الألم ان كنا مؤمنين ويسكننا ونحن في الخطيئة ليرفعها عن كاهلنا حتى يتنقّى القلب.
الاوجاع محنة تأتي كما تأتي لأن العالم ساقط. هي كما هي ولسنا نعرف دائما اسبابها والله يعالج الانسان كما وصل الي وضعه. يحاوره ويلومه ويؤدّبه ويحبّه بآن حتى يرتفع عنه الغضب ويحل فيه السلام. وبهذا السلام الداخلي يعايش الحرب والجوع والضيقات والمتاعب النفسيّة. قد يأتي الشفاء الجسدي من رحمة الله وقد يلازمك طوال حياتك. السلام هو علاجك مع بقاء المرض. وانت تعيش اي وضع معقولا كان بلغة الناس او غير معقول. نحن في المسيحية لا ندعو الى البطولة ولكنا ندعو الى الصبر والصبر ليس استكانة ولا انهزاما امام الموجود ولكنه اتكال على الله الذي يداويك كما يشاء ويوحي اليك ان المصيبة الكبرى فيك هي الإثم الذي تواجهه انت بالتوبة اي بحضرة الله فيك.
الله لا يلغي التاريخ الذي تصنعه الشعوب ولا يلغي زمانك الشخصي ولا المدى الذي تعيش فيه ولكنه يرافقك في زمانك ومداك واذا صبرت هنا تنال هنا تعزيات منه. فتقيم السماء فيك قبل ان تقيم انت فيها في اليوم الأخير. اي ان الله لا يغنيك عن الأبعاد الأفقيّة التي تلازم جسدك ومشاعرك ولكنه يرحمك بالبعد العمودي ويسهر علي محافظتك عليه.
هذا الإله ليس فكرة مجرّدة كما ترى. انه حق ووجود ومتعة وفرح. هكذا تواجه نفسك وتاريخ امتك وتوجّعات العالم. غير ان هذا لا يتم فيك الا اذا آمنت ان الله هو المرتجى وانه عطاء لك لا ينقطع.
