في هذا الأحد الذي نستعد فيه لاستقبال عيد ارتفاع الصليب، تأتي الرسالة الى اهل غلاطية وإنجيل يوحنا كلاهما عنه.

مع ان مجمع اورشليم الرسولي كان قد قرر ان الوثني الذي يعتنق المسيحية ليس عليه ان يختتن فإنه يتقبل الختانة الجديدة التي هي المعمودية، كان بعض المسيحيين الآتين من اورشليم الى كنيسة غلاطية يريدون ان يُلزِموا المهتدين بالاختتان. فرأى بولس ان هذا يعني انهم يرفضون الشهادة من اجل صليب المسيح فقط. والدعاة المتهوّدون يتّهمهم بولس انهم يفتخرون بالذين يقبلون الختان. اما هو فيقول: «حاشا لي ان أفتخر الا بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلبتُ للعالم». صُلب العالم إزائي اي أَبَدتُ انا عالم الخطيئة فيّ، او اذا كنتُ انا مصلوبا بات العالم خارجا عنّي.

لذلك لا فرق عندي بين ان يكون الإنسان مختونًا او لا يكون، اذ المهم ان يصبح خليقة جديدة متجددا بالايمان والمعمودية. ويختم بقوله: «لا يجلب عليّ أحد أتعابا فيما بعد لأني حامل في جسدي سمات الرب يسوع» بالأتعاب التي عانيتها من أجله والاضطهادات التي ذقتها من اليهود والرومانيين. فأنا مصلوب الآن وكفاني.

اما إنجيل يوحنا فيشير الى صعود المسيح الى السماء كنهاية الى كونه نزل من السماء بالتجسّد وذاق آلام الموت، ويؤكّد ان هذا الذي قبُر وقام كان دائما في السماء، وليس من قول عن ألوهيّة السيّد أصرح من هذا.

ويتنبّأ الإنجيل هنا عن ان يسوع سوف يُرفع (بالموت والقيامة) حتى لا يهلك أيُّ من آمن به وتكون له منذ الآن الحياة الأبدية، تلك التي سيقول عنها السيد في خطبة الوداع أن نعرف الآب الإله الحقيقي والذي أرسله يسوع المسيح. ويُطَمئن يوحنا الإنجيلي قرّاءه ان الله لم يرسِل ابنه الوحيد الى العالم ليدين العالم (هذا سيكون فيما بعد). ولكنه أرسله ليخلّص به العالم اذا عرف هذا العالم انه محبوب وعلامة محبوبيّته ان ابن الله انما جاء ليموت عن العالم ليعطيه الحياة التي فيه اي الحياة الإلهية بالنعمة.

فإذا تكلّمنا بعد أيام قليلة عن ارتفاع الصليب، لا نكون فقط معيّدين لرفع الصليب في أورشليم بعد ان استعاده الإمبراطور هرقل من الفرس الذين كانوا احتلّوا فلسطين وكانوا قد أخذوه الى بلادهم فاسترجعه الروم وأعادوه الى مكانه اي كنيسة القيامة، انما نكون متقبّلين الفكر الذي بدا في هذا المقطع من الرسالة الى أهل غلاطية والمقطع الذي من إنجيل يوحنا.

المسيح هو وحده المخلّص ولا يخلص الإنسان بالشرائع الطقسية كالختان التي وضعها موسى، فاليهودي المهتدي والوثني المهتدي واحد في المعمودية التي ينضم فيها الى سر موت السيد وقيامته وصعوده من بين الأموات.

ماذا ينال المؤمن بمعموديّته وتنفيذها في العمل الصالح؟ ينال الخلاص من الموت والخطيئة، وهذا ما يدعوه يوحنا الرسول الحياة الأبدية التي تقيم فينا ملكوت الله منذ الآن وتستمر معنا بعد الموت وبعد القيامة العامة وهي تعطينا الطمأنينة الى أن يسوع هو مخلّصنا اليوم والى الأبد.