Author

Aziz Matta

2008, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء يسوع لمريض/ الأحد 6 نيسان 2008 / العدد 14

الاعتقاد السائد في الزمن الذي كان فيه يسوع في البشرة أن بعض الأمراض العقلية او العصبيّة كان سببها روح شرير يسكن الجسد ولم يقل أحد يومًا انه يسكن القلب البشري. لذلك تستخدم الكنيسة صلوات تُسمّى استقسامات لطرد هذه الأرواح. غير أن هذه الظاهرة صارت نادرة بعد العهد الجديد باعتبار الأسرار المقدسة التي تسود فاعليتها الإنسان.

الولد الذي شفاه يسوع كان فيه «روح أبكم»، وفي الفصل ذاته سُمي ايضًا روحًا أصمّ.

والظاهرة عند هذا المريض كانت بوضوح ظاهرة داء الصرعِ épilepsie التي تُعالج اليوم عن طريق الطب. وينجح الدواء إلا في حالات مستعصية. وفي هذه الحالات يصل المريض إلى اختلال عقلي قد يكون الجنون او تشويهات أخرى.

الموضوع المهم أن الرب سأل والد الصبي إن كان يؤمن فأجاب بالنعم. عند ذاك شفى يسوع هذا الشاب، فسأله تلاميذه على انفراد: «لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه؟»، فقال لهم: «ان هذا الجنس لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة والصوم».

هنا الكلمتان مقرونتان. وهذا ما نفعله في هذا الصيام الكبير. نمسك عن الطعام وبعض أنواعه ونقيم كل الصلوات المعروفة (السَحَر، الساعات، الغروب) ونُضيف إليها صلاة النوم الكبرى ويسمّيها العامة أحيانا «يا رب القوات ارحمنا» لأنها جزء من هذه الخدمة ويحبها الشعب عندنا ونتخشع عند إقامتها.

كلام يسوع ان الصلاة فاعلة لطرد الخطيئة، والصوم كذلك، وهما وسيلتان لجعل النفس في ذِكر الله، وان أنت ذكرته تتقبّل في نفسك فاعليّة يسوع في نطاق الشر.

أمرَ يسوع تلاميذه ألا يقولوا لأحد عن هذه العجيبة. المسيح لم يكن يريد ان يظهر على أنه خارق الأعمال لأنه كان يبغي أن يؤمن الناس به بسبب الكلام الإلهي الذي يقول، وإن لم يستطيعوا ذلك فبسبب الأعمال.

وأخيرا قال لهم: «ان ابن البشر يُسلم الى أيدي الناس، وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم الثالث». هذا هو مركز بل مضمون الإيمان المسيحي كلّه. يسوع، غير مرّة، تنبّأ عن موته وقيامته. وهذان الأمران هما اللذان يخلّصانا من الخطيئة. هما الأعجوبتان الكبيرتان. انهما معا أعجوبة الحب الإلهي للبشر والواقع الذي من أجله تجسّد ابن الله. مات ليُميت خطايانا. وقام ليتغلّب على الموت الذي هو «آخر عدوّ لنا» كما يقول بولس. وعندما انبلج نور القيامة بتنا نفهم ان هذا هو النور الكامل لنفوسنا واننا ننتظر منه كل غلبة في حياتنا. الموت الذي كان شوكة لنا صار باب الفرج وطريقنا الى الانتصار على الموت وعلى الخوف.

بعد السجود للصليب الأحد الماضي، نذكر الصلب والقيامة ويقوى توقنا إلى الخلاص الذي نعلنه في الأيام الثلاثة الأخيرة للأسبوع العظيم ونعرف أنفسنا أحياء بالمسيح يسوع وانه هو مخلّصنا الوحيد.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المدينة / السبت ٥ نيسان ٢٠٠٨

في العصور الوسطى وما قبلها المدينة هي ذلك التجمّع المدني المحصّن. في لبنان وجواره المدينة أوسع من القرية وهو تصنيف يختلف بين بلد وبلد. في طفولتي كنا نقول مدن لبنان: بيروت، طرابلس، صيدا وزحلة. اليوم اتّسعت القرى كثيرًا والفرق بين المدينة والقرية تابع لرؤيتك المساحة. فاذا لازمنا الأفهوم القديم للمدينة فيحيط بها السور المحصن وبالسور تُغلق المدينة والسور ذو أبواب فتقول باب ادريس في بيروت مثلا وباب الرمل وباب التبانة في طرابلس والمدينة داخل هذه الأبواب. أما وقد اندثر كل هذا ولم يبقَ من حصن فلا تعريف حقيقيًا للمدينة الا الاتساع ووظائف الأسواق. وموضوع تنوع الأسواق استخرجه ماسينيون في كتابته عن المدينة الإسلامية.

          لماذا عندك سوق لمهنة واحدة (سوق الصاغة، سوق النحاسين، سوق النجارين) وما اليها؟ لأن السوق لا تقوم على التنافس ولكن على التعاون. رُوي لي انك اذا قصدت محلا في سوق معيّنة في زحلة قد يقول لك صاحب المحل: اذهب الى جاري الذي لم يبع اليوم وانا قد بعت ما فيه الكفاية. التجارة نفسها اذًا ليست للربح المفرط ولكن للعيش الكريم مع الزملاء. وقد يُبنى هذا التعاون كثيرا على النسابة. كنت ترى مثلا في طرابلس في الثلاثينات مجموعات أقرباء في سوق الصاغة ومن الطبيعي الا يكون بينهم تنافس الا على مستوى الجمال. وفرة المال لم تكن هي الغاية بل الحذق في المهنة.

          المدينة لم تكن فقط مجموعة مهنيين ولكن مجموعة محال وبيوت. فترى العائلة فوق الدكان او المخزن فيعمل الرجل في الطابق الأرضي وعائلته فوقه اي في رعايته. في طور آخر انفصل المسكن عن مكان العمل. ترى هذا ايضًا او كنت تراه في القرى اللبنانية.

          الأصل في الاجتماع تنوّع المهن في الأسواق وتكامل المهن من أجل حياة واحدة تؤمّنها المدينة. فلا تجد في المدينة كما في القرية دكان عطار يبيع ورقا وخيوطا ومسامير. المهنة الواحدة في مكان واحد هي ما يميّز المدينة عن القرية والمهن تُباعد بين الناس من حيث المعرفة والاختصاص وتقرّب بينهم بسبب من التكامل. فعندك اذًا تفرّد المهن وتوافق بسبب من التفرّد. التكامل والتعدد يضعفان الحزازات والروحية القبلية. ليس لأن المدينة خالية من روحية العشائر ولكن العشائرية فيها قائمة على الافتراق بسبب من تباين الثروات والتباعد بين العائلات الثرية.

#                      #

#

          المدينة هي اذًا التجمّع الأكمل والمتكامل. وليس خلاف ملحوظ بين العائلات اذ الناس يتعاطون حياة اقتصادية مختلفة وليس من تناقض في العيش بين الحداد والتاجر او بين المحامي والطبيب. والتصادم نشأ في العالم كله بين الجماعات الدينية وضعف كثيرا حيث التشريع ينص على فصل المؤسسات الدينية عن الدولة. وبنوع أخص منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم في أوربا نشأ صراع العقائديات السياسية التي اخترقت وحدة المدينة فلم يبقَ لها استقلال اذ باتت بسبب الأحزاب جزءًا من البلد. السياسة الإيديولوجية بعد الثورة الفرنسية وحيثما حلت فلسفتها خلقت اليمين واليسار والوسط وصرت أنت أقرب الى فئة من خارج مدينتك او واحدا معها وبات أهل المدينة تراكم أجساد ولم تبقَ جماعات تتلاقى في العيش الواحد الهنيء. ولما ضربت العقائديات السياسية وحدة المدينة ووحدة البلد وعى الناس ان هذا الاختلاف حاصل وحي وانه ينبغي خلق نظام يجعل القوم لا يتذابحون ولو اختلفوا وهذا ما سموه الديموقراطية.

          ومع الديموقراطية في اوربا ومع التكامل الاقتصادي بين المدن نشأت البلدان. ففي الماضي السحيق لم يكن بلد يسمى فينيقية بل كانت صور وصيداء وبيروت وجبيل والبترون وأرواد وأوغاريت كلها تتصارع وكل مدينة يحكمها ملك والمصريون يحكمون الكل والاحتلال جعل رؤية واحدة لهذة المجموعة ودلتنا حفريات تل العمارنة في مصر على التصادم بين هؤلاء الملوك الصغار وذلك في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. والبلدان الأخرى تجمّعت كذلك فخلق بسمارك المانيا السنة الـ ١٨٧٠ ونشأت فرنسا بامتداد سيد باريس وضواحيها وكان لا بد من خنق اللغات القومية وهي لم تكن لهجات من الفرنسية. ولكن في الأصل كانت المدينة. وخارجا عنها كانت الوحوش ولذلك كانت تُغلق البوابات في الليالي وكان البرابرة ولذلك كانت الحصون التي تحمي أهل المدينة.

          ويعرف أهل الداخل اذا كانوا متعددي الدين ان كل جماعة تستلهم إلهها او دينها لتبني المدينة بالعيش الواحد لأن العيش يقتضي إنتاج الخبز والأطعمة الأخرى والكساء والمسكن. وهذا لا بد له من تعاون. والله لازم لهذه الحياة الواحدة وما كان يخطر على بال أحد ان لا إله. تسمي إلهك كما شئت وتنعته بما شئت ولكن تستنزله على الأرض لتسالم الجماعة الأخرى والسلام كان هو القصد.

          ببركات هذا السلام اكتشف الإنسان فوق مدينته مدينة أخرى ينزل عليها نور الله. هكذا رأيت غير حاج مسلم يتوب ويجدّد علاقته بالله. كيف وصل الى العمق؟ انا الذي ما كان مأخوذا بالحج عند المسيحيين زرت القدس للمرة الأولى السنة الـ ١٩٤٧ اي في آخر سنة للانتداب البريطاني ولما رأيتها عن بعيد صلّبت وجهي وعندما أدركتها جثوت على الأرض وقبّلت ترابها. لا أذكر اذا كان ما اختلج في قلبي ان المسيح مشى على هذه الطرقات ولم يكن لي سبيل لتقبيل قدميه الا هذا السبيل. وكنت أعرف أن العهد الجديد تكلّم على أورشليم السماوية النازلة من عند الله في اليوم الأخير. ولم أفهم حتى اليوم لماذا لا يسمعنا أحد في الغرب عندما نقول مسيحيين ومسلمين معا، اننا نريد ان يسكن بعضنا قرب المسجد الأقصى وبعض الى كنيسة القيامة وان الله يسري بعبده ليلا -أنّى سكن- من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى. ولعل الله يقود روحيا بعضا منا الى كنيسة القيامة لنذوق آلام المخلص.

#                   #

#

           كل شيء في هذا السياق عمارة. الإنسان مدينة فيه من أبنية روحية اذا لم تدمّره خطيئة واذا اقتبل زرع الله فيه. وهو مدينة حسبما ينتسب لأن فيه حصنا يطرد الوحوش والبرابرة ويعرف -اذا تحضر- انه يحب الإخوة اذ يتكامل واياهم لإقامة انسان جديد يرتقي بالتواضع والتقوى الى وجه الله.

          وعليك -ان كنت من الفاهمين- ان تأخذ الحجارة المبعثرة التي فيك وتبنيها صرحًا جميلا واذا بكل الناس قصور. البهاء الروحي وحده يجعلنا جماعة اي مدينة تنتظر القيامة من بين الأموات ليس فقط في اليوم الأخير ولكن كل يوم اذا أحبّت. والغالبون الموت لا يطردون أحدا من المدينة لأن أحدا اذا أُخرج منها تموت المدينة بعدم الحب.

          هل يصير لبناننا مدينة الله اي هل يصير موطن العطاء الكبير؟ هذا سيتمّ إن نحن أردناه. ماذا يفعل الإنسان لو ربح وجاهة في الدنيا وخسر مدينته في قلبه؟ هل الذين منّ عليهم ربهم بهذه النزعة يتواثقون حتى لا يُقصى أحد من نعمة العطاء؟ هل تصبح المدينة او الوطن مسكنا لله في كل من توطن؟ تعالوا نبني مدينة الله اليوم وهنا. هذا شرط دخولنا الى السماء.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

أحد السجود للصليب/ الأحد 30 آذار 2008 / العدد 13

في هذا الأسبوع نصل الى منتصف الصيام، وقد يملّ بعض من الصائمين ويتعبون. لذلك وضعت الكنيسة ترتيب السجود للصليب كأننا في الجمعة العظيم.

يطوف الكاهن بالصليب محمولا على صينيّة فيها أزهار. فنركع او نقوم بسجدة أمامه بعد ان يكون وُضع على طاولة في منتصف الكنيسة او أقرب الى الايقونسطاس، ويعطينا الكاهن زهرة بعد أن نكون قبّلنا الصليب إشارة الى فرح القيامة.

في هذا السياق وضعنا القراءة الإنجيلية من مرقس ونستهلّها بقول السيّد: «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». المسيح يدعو ويتبعه من يتبعه، وحتى يكون اتّباعه جديا ينبغي على الإنسان ان يكفر بنفسه (ألا يعطي قيمة للمال، للنفوذ واية شهوة ضارّة) فلا تبقى شخصيته الخاطئة ولكن يكتسب شخصية المسيح.

شرط هذا أن يحمل الإنسان صليبه اي المتاعب التي أمامه في الحياة والأشخاص المزعجين له والعراقيل التي تواجهه ويتبع المسيح الذي قال: «تعالوا اليّ أيها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم».

أن يتبع المؤمن المسيح هو ان يتبعه الى الآخر اي الى الجلجلة. ليس نصف سير مع السيّد ولكن كل السير في احتمال كل شيء.

بعد هذا يقول: «من أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها». أهلَكَ نفسه اي تعب تعبًا شديدًا حتى لا يبقى له شيء، حتى لا تبقى له راحة الا بالمسيح. عندئذ ينوجد فلا وجود الا بالمسيح. وهنا يؤكّد الرب ان عطاء النفس مطلق لا جزئي، ولذلك يقول: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» فلك ان تربح كل المال وكل الجاه ونفسك تائهة في هذه الأشياء. أما نفسك المليئة بحضرة المسيح ففيها غناها الروحي وينزل عليها السلام من فوق. كل غنى العالم ومجده لا يساويان النفس.

وليدلّ الرب على ان كلامه قطعي،ّ يقول: «من يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الشرير يستحيي به ابن البشر متى أتى في مجد أبيه». انت فعليًا تستحيي بالمسيح إن لم تقبل شروط الخلاص: العطاء، الخدمة، المحبة.

المسيح يريد منك كل شيء بحيث لا تتعلق بشيء وتتعلّق به وحده. تتجرّد من اشتهاء اي شيء في هذا العالم وتلبس المسيح حسب قول بولس: «يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيحَ لبستم» اي صرتم ملاصقين اياه كلصوق الجسد بالثوب. بعد هذا التجرّد تريد خبزًا ومسكنًا وزوجة واولادا تعطاها وتبقى مستقلا عنها، غير مستعبد لشيء او لأحد، مصلوبا مع المسيح ومتأهبًا للقيام معه من الموت. الحياة الجديدة تأتيك من فوق. وهكذا تكمل صيامك بفرح.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الحرية / السبت ٢٩ آذار ٢٠٠٨

                      أنت لا تحبني ما لم تترك لي حريّتي. لا أقول حريتي منك اذ بهذا أخفي المحبة ولكن حريتي من بعض أقوالك ومن كل نزواتك لأني ان قبلتها أكون عبدًا لك والمبتغى أن أكون حرا بك ومعك. وبهذا المعنى قال يسوع الناصري: «وتعرفون الحق والحق يحرّركم». أجل لكم ان تعرفوا السيئات وخبرتكم إياها فيكم وفي الآخرين وقد يقودكم هذا الى الحق وخبرته. دخوله اليكم يجعل نفسكم صافية غير خاضعة لمعاصيها وعيوبها.

                      ولن تصل الى الحق ما لم تقبل المصلوبية. استعرت هذا الرمز لأقول ان إبادة معاصيك فيك تجعلك متقبلا لنزول النور اليك وهذه هي القيامة على صورة المسيح الحر من الموت.

                      الأصل ان تحاول التحرر من نفسك الطاغية فالنزوات والهفوات تكبّلك تكبيلا فأنت فيك ما يسميه العهد الجديد الإنسان العتيق والإنسان الجديد المخلوق على صورة النقاوة الإلهية، وهذان يتصارعان في الداخل وليست الحرية في ان تختار بين الخير الذي تتوق اليه والشر الذي تلمسه فيك. انت لك فقط حرية الحق وهي تنزل عليك من فوق وتطلبها بصلاتك والدعاء لتنقي نفسك بالنعمة وهي مصدرك للتنقية. معنى ذلك ان تتقبّل كلمة الله وتجعلها كلمتك فتنقل بها الحق الى الآخرين.

                      الحق بلوري وعليك ان تحافظ على هذه البلورية ليعبر الى الآخرين ويصيروا حاملينه وتصبح الدنيا كلها بلورا حتى لا يختلط الأحرار بالعبيد. لقد رأى الإغريق القدامى ان المدينة مؤلّفة من أحرار فقط وخطيئتهم انهم حافظوا على نظام العبيد. وأخذت الحرية قرونًا عديدة لتظهر واقعا سياسيا ويسمّي الحر نفسه مواطنا اي معتقا من مملوكيته للملك وملازمًا الأرض التي هو عليها وسمّاها الوطن. غير ان العبودية على رغم زوالها من القانون بقيت تربط الضعيف بالقوي والفقير بالغني والمجتمع بالدولة القامعة، ذلك لأن القوة صعب ان تمارسها بلا شر فيك. تبدو الحياة اختلاطا بين الناس على أساس السوية، غير ان الواقع الحي هو ان ثمّّة من يطغى ليكسب مالا او نفوذا وهو يأتي بالمال. في الحقيقة الأقوياء واحد او قد يكونون كذلك اذا افادوا بعضهم من بعض والرقيق واحد لكنهم مقموعين معا. ويعيش الناس منقسمين أكان هذا منظورًا، محسوسًا او غير منظور. كيف نسعى الى حرية العبيد بلا كراهية منهم لأسيادهم؟ كيف نسعى الى تحرير الأحرار من طغيانهم حتى يزول القهر، تلك هي المسألة، حتى لا يسيء الحر الى الرقيق ولا يزيد الرقيق الحر استعبادا بكراهية لأصاغر القوم.

                      هل يعني هذا إنشاء مجتمع بلا طبقيّة؟ هل هذا ممكن ام ان القضيّة تقتصر على جهاد روحي لا يدخل فيه قهر أحد لأحد ونصبح فيه جميعًا إخوة على رغم تفاوت الثروة بين الناس. هل يمكن إقامة جماعة بشريّة لا كبرياء فيها مقوننة على أساس الثروة والطغيان؟ اذا كنا نؤمن بأن الناس سواسية وان قيمتهم في الله وليس في ما يملكون نقوم بهذا المسعى الخيّر ليتحرّر الأغنياء من شهوة مالهم والفقراء من حزنهم على الفقر ولو جاهدوا في سبيل العدل. لعل كلمة عدل هي الكلمة المفتاح للحريّة وليست تعني بالضرورة ان توزّع كل ما لك على المساكين ولكن تعطي الكثير منه لئلا تشتهي ما عندك او ما تعطيه ولكن عطاء ما يحرّرك من الشهوة ويقرّبك من الله. محبّتنا لله هي في الآخر طريقنا الى العدل.

#                  #

#

                      الحرية تُعاش في مجتمع سياسي يقوم على الزكاة في الإسلام وهي صورة عن الميزان فيزول -اذا طُبقت- الشرخ الكبير بين المؤمنين، وفي المجتمعات الأخرى صورة العدل هي الضريبة بمعناها القسري لكونها قانونا هذا اذا كان أهل السياسة مسلّحين بالطهارة السياسيّة واذا أقاموا الرقابة الحقيقيّة على المحاسبة وعلى قيام مجلس الأمة رقيبًا على الحكم واذا ذكّر اهل الفكر أهل السياسة على أنهم خادمون للأمة وليسوا عليها برؤساء خاضعين لنزواتهم. والدولة أصلا عادلة لأن وزارة المال ليس لها مال لذاتها ولكنها تستعمله في سبيل الجماعة. المجتمع يجب ان يكون غنيا بخدمة الدولة له فما الدولة الا آلية غايتها رفع المستوى الاقتصادي اتقاء لتخمة البعض وجوع البعض الآخر. والدولة رهبانية بطبيعتها تستخدم الأشياء في سبيل المواطنين وتحافظ على ثرواتهم لهم وليس لها. هي تقوم بتكليف واذا أمرت فلنفع من فُوِّضت حراستهم وتنقيتهم لتستغني الأمة ولا يبقى مجال للتذمّر، ويجب ان تعي الدولة انها آلة وانها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر لتبقى خادمة ويعيش الناس ويحيا الموظف فيها بقدر خدمته فلا استغلال ولا استعلاء ولا طبقة موظفين فالخادم ليس من طبقة ولكنه مأجور ليعلو ويقوى فهو حر اذا خدم وعبد اذا استثمر.

                      هنا الكفاءة العلمية لا تكفي. ولكن هل نفتح للمرشحين للوظائف مدرسة في التقوى حتى يتقن المواطن ان كل معاملة له يقوم بها ناس يتّقون الله ويصير فحص في التقوى كما يصير فحص في الكفاءة. التوظيف عمل نقاوة لا شهوة فيه والموظّفون ليسوا طغمة ولكنهم رهبان ساعون الى حرية قلوبهم وحرية المواطنين من إغراء الشهوة.

                      واذا وظفت فاختر الأنقياء خوفا على مال الدولة ومال المواطنين وحريتهم من عبودية المال. وهذه الحرية تقود الى كل حرية أخرى، الى الحرية من الخوف وتاليا الى الحرية من الموت. ومَن تحرّر من هذه يتحرّر من كل معصية ويجبه الأقوياء كما يجبه الضعفاء. لا مفر من التفاوت بين ما تملك وما يملك سواك اذا كنتما متساويين بالحب الذي هو حركة الله في نفسه وإسقاط هذه المحبة على البشر.

                      عند ذاك يبقى لك لتعرف وتفهم وتتثقّف ويكون هذا همّك الأساسي ومجتمع العارفين هو مجتمع المتساوين والمتنافسين على اقتناء الحق وتاليا على تنقية ذواتهم بالمعرفة والمشاركة. والمشاركة ليست طلبا للأخذ. انها طلب للعطاء. وانت تطلب الشريك العارف والقادر ان يطهّرك. اجل يتفاوت الناس في الفضيلة. هذه هي المنافسة في الحسنى كما يقول الإنجيل وهذا كله لمجد الله لأن الصالحين لا يطلبون مجدهم بعضهم من بعض لئلا يفنى إيمانهم. اذ ذاك، يعلي أحدنا الآخر على نفسه لأن التواضع اقتناء الحق فلا يحسد احدنا الآخر اذا فاقه في الروعات الروحية ولكنه يغتبط للجمالات التي يوزّعها الله على الناس لأن الأصل في كل علاقاتنا تمجيد الله ومنه وبه ننال المجد الذي أعدّه للذين يحبونه وينالون الإكليل في هذه الدنيا قبل البهاء الذي سينالونه  في الآخرة. ينالون الرؤى التي هي تعابير عن رؤية الله.

                      كل قصة الحرية الداخلية في هذا العالم ان نجعل هذه الدنيا سماء والا كانت دنيا تعقيدات لا تنتهي وخصومات تدمّر الواحد الآخر اي حروبا معلَنة او مضمَرة. «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟» (متى 16: 26) . الحرية كلها ان تربح نفسك وخلاصك وقد يقتضي هذا ان ترمي الكثير مما بين يديك. ان تكون انت في المجد الإلهي هنا هو كل شيء وهذا هو فرحك وغبطتك في اليوم الأخير. ولا ينفعك شيء آخر.

#                 #

#

                      الى هذا ان يكون بلدك مستقلا عن  كل بلد آخر قد لا يكون شرطًا لحريتك الداخلية ولكن ينفعها لتعيش في محبة أهل بلدك وتعمل معهم لتزداد أواصركم متانة  وتحسوا بأنكم قادرون ان تعيشوا معا بحرية هي واحدة لكل واحد. طبعا البلدان متشابكة كثيرا ورغبة الطغيان لن تنتهي من هذا العالم ولك ان تقنع الغريب بأن حريتك نافعة له وان المشاركة في التبادل مفيدة للجميع عسى تصير الأمصار كلها مسرحا للحرية التي يريدها الله لكل قطر.

                      انا عارف بأننا لم نصل بعد في السياسة الى ملكوت الله ولكنه مسعى ينبغي ان نسعاه حتى نحب كل الشعوب ويحبونا وننتج معا بتبادل السلع والأفكار والثقافات. ان حرية كل بلد تنمو بحرية البلدان الأخرى وهكذا تزداد العلاقات مودة وفي هذا قربى لله.

                      الحرية الشخصية والحرية المجتمعيّة والحرية الدولية أشياء متماسة. هي حلم لنا جميعا حتى تزول العبودية من وجه الأرض ويكون الله الكل في الكل.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الصمت / السبت ٢٣ آذار ٢٠٠٨

ان كانت الثرثرة تسرّك فانظر الى مساجلات التلفزيون والى أغانيه التافهة. فاذا تفهت كلمات الأغنية كما في أحايين كثيرة لا يبقى الا الجسد المتخلع الذي يقول أشياءه فقط لأنه غير مصحوب بالكلمة فينهيك ليس فقط عن الكلمات ولكن عن معانيك التي تسعى الى فهمها ولا تسمع الا ضجيجا.

                     الى هذا في المساجلات السياسية في كثرة من الأحيان يقول المناقش جملة ثم يكررها مرة او مرّتين ليؤكّدها. والجملة، مقولة مرة، تفيد المعنى ولا فائدة في تردادها ولكن في قوة معناها. وإحساسي ان الضعف هو الذي يدفعك الى التكرار. الأمر الآخر ان المتناقشين في كثرة الأحوال يصرخون ويقاطع أحدهم الاخر فلا تفهم شيئا وقد جلست امام الشاشة لتفهم. والكثير يلقون عليك أقوالا ولا تدرك حججهم وتذكر ان معظمهم في الحديث السياسي يطلق ما سجّله في دماغه فريقه فيأتي صدى للأذكياء من فريقه. وفي حسي ان المذيعين والمذيعات أوضح من الضيوف أحيانا اذ يطرحون سؤال العارفين ويكفوننا لو ألقوا هم الدعاوة التي يظنون في براءتهم انها ستخرج من أفواه المتكلّمين. وأنت تجلس متواضعا لتتلقّى دروسا في السياسة ولكنك تسمع ضجة الأعصاب.

                     ربما كان هذا في التلفاز او في الحياة اللبنانية العادية التي هي صورة عن الحضارة الألفاظية التي يتعاطاها العرب الذين يتقن شعراؤهم الهجاء او المديح الى جانب الغزل او الملاحم المزعومة. أظن ان العرب موالون لأنفسهم لأنهم لم يغيّروا الأنواع الأدبيّة التي سادت كلمتنا منذ الجاهلية.

                     نحن لسنا هنا لنخوض ونلعب. كونوا حريصين على عقول الناس وعلموهم تعليما وقصّوا عليهم أحسن القصص لئلا تقعوا أنتم واياهم في التفه. والا فالصمت أولى.

#                #

#

                     في البدء كان الصمت ونعني به صمت الآب ولم يخطئ يوحنا البشير لما استهلّ كتابه بقوله: «في البدء كان الكلمة» لأن الكلمة خرج من الصمت اي من المعنى المطلق الذي هو الآب وما قاله في هذه الدنيا لا تستطيع أن تحذف منه حرفا واحدا لأنه متدفق من المطلق. صمت الآب يجعل الابن يتكلّم ولا يقول شيئا بلسان متدحرج. يأخذ المعنى الكثيف من الله ويجعله كلمات غارقة في الأبد يتلفّظ بها هنا لسماع القلوب وتقدر القلوب ان تتصاعد بها اليه. يسوع لم تمسه حضارة الألفاظ ولم يضع كتابا. كان هو الكتاب وما دُوِّن في ما بعد إنجيلًا ولو كان تكليمًا باللفظ الا انه كان صورة عن المسيح.

                     هو الذي قال للأعمى والأصم والأعرج ومن اليهم: كن فكانوا. انى لله ان يقول لمسيحه: كن اذ، حسب يوحنا، في البدء كان ومن كان لا تقول له: كن. الكلمة كان قبل بدء الخليقة في حضن الآب الصامت وبدأ منه منذ الأزل في السماويات وفي كيانه البشري الذي كان عليه جاءت كلماته البشرية مما كانه في البدء وبسبب من تكليمه البشر استعار تعابيرهم ليوصلوه ويدخلوا المعنى الأبدي الذي اذا زادوا عليه شيئا يتحذلقون. ليس فيها عسر كما يظن البعض ولكنها تنزل بالرحمة الى الكلمة البشرية فتصبح هذه عند الأقدسين أيقونة لكلمات الله. وهذا ظاهر عند المتكلّمين بالإلهيات وهم عندنا ثلاثة: يوحنا الإنجيلي، غريغوريوس النزينزي، سمعان اللاهوتي الحديث الذين استنزلوا الى قلمهم المعنى الإلهي الكامل. باتوا اذًا في صمت الآب من حيث العمق ولو انتقلوا الى كلمات بدت بشريّة.

#             #

#

                     عندما قال بعض اليهود عن السيد: »لم يتكلّم انسان مثل هذا الإنسان« ما كانوا عالمين من أين أتى. هو كان يعلم ممن أخذ وماذا كان يعطي وأراد أن يصعد اليهود – حقا لا لفظًا – الى هذا الذي أرسله. وكانت الكلمات دليلا على هذا الإرسال. وما كان في استطاعتهم ان يفهموا ان وراء كلامه كان الصمت.

                     تشبيها بالله يجب على أصحاب الكلمة ان يتعرفوا على الصمت فاذا راعوه كثيرا ينفضون عن لسانهم او قلمهم كل كلمة بطالة. لقد صلّى القديس افرام السرياني ان يعتقه ربّه من الكلام البطّال وطلب ان يعرّفه ربّه عيوبه وذنوبه اذ من فضلة القلب يتكلّم اللسان. فاذا كان قلبه ناشئا على البذاءة تتدحرج هذه على لسانه وتأتي الشتيمة ويأتي الغضب وليس هو مستعد ليأخذ عن مخاصمه الفكر الحسن فيكون محاورا.

                     مرة قلت لأحد الناس: انت لم تسمعني قط لأني لو ربطت كل الجمل التي تفوهت انت بها أراها حديثا متصلًا فلم يكن همّك اذا ان تسمعني وتتأثر بما قلته لك فتصحّح رأيك. فالحوار يقتضي اذا تقبّلت كلامي ان تغير بعضا من كلامك. فاذا نطقت عليك بالحق واستمعته تنطق علي بالحق ولا تستكبر بإصرارك على كلام  بيّنت لك انه خطأ ولا تأتي بظن ان عرفت ان ما قلته لك هو حق لئلا يقول لك ربك في يوم الدين انك كنت ثرثارا فتشكر النعمة التي نزلت عليك بفمي فتترك الفضل لله وتصبح من العالمين.

                     لا إملاء في الحوار وليس من سياسة مطلقة الحق. اما اذا كانت قناعتك ان الآخر ليس فيه حق فلماذا تحاوره؟  واعرف ان تتخلّى عن رفقائك او على دقائق ما يقولون. ان استحببت الحق فلا بد ان تتجلّى والنور الذي يكون الله قذفه عليك يعلّمك كل شيء وتكون من أبناء النور.

                     ولكن انضبط اولا بالصمت واذا أملى عليك صمتك كلاما حلالا فقله اذ هو مشاركة واذ ذاك تصل مع الآخر الى كلمة سواء. وتصبح انت للآخر حاملا هدى ورحمة وقد تصير له غلى اختلافك حبيبا وهو لك حبيب. ايها القوم تعالوا الى عبرة الصمت ثم الى مبرات الكلام يرضَ الله عنكم وعنا ونكون معا من المفلحين.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

المخلّع/ الأحد 23 آذار 2008/ العدد 12

السيد كان قد اختار كفرناحوم ليسكنها بعد أن ترك الناصرة. وعرف الناس انه في بيت لا بدّ أن يكون لأحد أحبّائه، فتكاثر الناس في المنزل وخارج المنزل فأخذ يخاطبهم بالكلمة.

إلى هذا أتى ناس كانوا يعرفون ان يسوع صانع عجائب، فأتوا إليه بمخلّع لا يستطيع الحركة في ساقيه وربما في ذراعيه أيضًا. ولمّا كانوا غير قادرين أن يصلوا الى السيد «كشفوا السقف». هذا معروف حتى اليوم في جبالنا إذ السقف مؤلف من ألواح خشبية فوقها تراب. فكان سهلا عليهم أن يحفروا التراب وأن يزيحوا الخشبات بعضها عن بعض، ودلّوا المريض الى حيث كان يسوع.

يتبادر للعقل أولا ان مهمة السيد هي ان يشفي هذا المريض وهي الغاية التي من أجلها حمله رفاقه. ولكن المسيح يتبع منطقه لا منطق الناس فقال له: «يا بني، مغفورة لك خطاياك». فرأى اليهود ان هذا الكلام تجديف إذ بذلك يكون هذا الإنسان يسوع يعتبر نفسه إلهًا.

المعروف تاريخيا أن الربانيين (الرباني هو الحاخام) لم يحلوا الخطايا إطلاقًا. فعندما يقول يسوع للمريض: «مغفورة لك خطاياك» يكون متجاوزًا كل التقاليد اليهودية ومؤكدًا ان الله خوّله المغفرة على الأرض.

وما أتت العجيبة إلا تأكيدًا على انه قادر أن يغفر الخطايا وانه تاليًا أتى من الله وحامل تفويضًا من إلههم. كيف يكون هذا؟

إذا تجاوزنا الحادثة إلى حياة كلّ منّا، أهم من الصحة والتعافي، إن كنّا مرضى، أن نستغفر لأن شفاء النفس أهم من شفاء الجسد. لذلك عندما نصلّي للمريض ندعو الله دائمًا أن يغفر له خطاياه، وذكر الصحة يأتي بالدرجة الثانية. هكذا في سرّ مسحة الزيت المليء بالمواعظ المتعلقة بالغفران ثم بالشفاء. ما نفع عضلاتك النامية القوية وما نفع صحتك إن كانت نفسك مليئة بالخطايا؟

الكلمة الشعبيّة «صحتك بالدني» لا معنى لها في المسيحية. قل بالحري: مغبوط أنت للسلامة الروحية التي منحك الله. مرة كنت أعود صديقًا مصابًا بداء السكري إصابة شديدة أوجبت قطع ساقه وكفّته عن البصر. كنت ذاهبًا اليه مشيًا على الأقدام وأهيء كلمات التعزية. فلما وصلت اليه وصليت، أخذ هو يتكلّم عن يسوع بروح التواضع وكلمات الشكر فعزّاني ان يكون هذا الشاب قد بلغ مبلغًا عاليًا في السلامة الروحية وصفاء داخليًا وغلبة على الخوف والاضطراب.

عودًا إلى علاقة الذين شاهدوا الأعجوبة يقول الكتاب: «دهش الكل». الحقيقة ان هذه الدهشة بالمسيح ترافقنا إن عرفنا من الإنجيل عظمة السيد وبهاءه وقوة تعليمه. وبعد الدهشة يقول مرقس انهم مجّدوا الله قائلين: «ما رأينا مثل هذا قط». في موضع آخر: «لم يتكلّم انسان كما تكلّم هذا الإنسان».

أن يكون يسوع فريدًا وليس مثله أحد، أن نكون مخطوفين اليه، تلك هي الحركة الطبيعية نحو المسيح.

ألا أبقانا الرب مع ابنه في السراء والضراء وشدَّنا اليه بكلمات من عنده.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 16 آذار 2008/ العدد 11

بالحكي الدارج هذا أحد الأيقونات لأن الكنيسة في الأحد الأول من صيام سنة 843 رفعت الأيقونات نهائيًا في الكنيسة بعد أن شنّت الإمبراطورية البيزنطيّة الحرب على الأيقونة وقتلت ألوفًا مؤلّفة من الرهبان. ثم انعقد المجمع المسكوني السابع وهو الأخير سنة 787 الذي حدّد أن ما نقوم به تجاه الأيقونة هو تكريم وليس عبادة، وهذا مأخوذ بصورة شبه حرفية عن القديس يوحنا الدمشقي في دفاعه عن الأيقونة. غير ان المجمع السابع لم يضع حدًا للانقسام، فجاء احتفال السنة الـ843 الذي أنهى الخلاف.

أوضحت الكنيسة أوّلا بلسان يوحنا الدمشقي ان تحريم الصور والتماثيل في العهد القديم إنّما مردّه الى أنّ الله غير منظور وإقامة صورة الله تجعله صنمًا.

أما بعد ان صار ابن الله منظورًا بسبب من التجسّد فبتنا نرسم المسيح المنظور. على هذه الطريقة أيقونة والدة الإله والقديسين.

حتى تجيء الأيقونات خشوعيّة، خالية من شهوة النظر، حافظنا فقط على الطول والعرض فيها، وألغينا العمق. تأتي دائما مسطّحة. ألغينا ما هو معروف بالمنظور perspective. ثم نحيط الوجه والثياب بأوراق من ذهب لأن الذهب رمزٌ للملكوت السماويّ. فمن قرأ هذه الرموز الفنيّة يفهم ان القديس يأتي إلينا من الفردوس. نُكبّر عينيه لنوحي انه هو الذي ينظر الينا من السماء ونجعل أذنيه صغيرتين اذ لا يسمع ضجيج العالم ولكن يصغي فقط الى صوت الله.

الأيقونات تُوضع في الكنائس اولاً لكون القديسين حاضرون معنا في العبادة ونبخّرهم كما نبخّر المؤمنين. هم والملائكة يشاركوننا الخدمة. ونضعها في المنازل لأن العائلة كنيسة صغيرة كما يقول الكتاب.

أمّا الإكرام فيوضح أنّ تقبيلنا للأيقونة وسجودنا لها انّما نرفعهما لا الى الخشب والألوان ولكن الى القديس الممجّد في السماويّات فنكون نحن هكذا سكّانًا للسموات. وننظر الى مَن صار سماويّا بالتطويب وهو ينظر الينا بشفاعته لنا.

الى جانب هذا، الأيقونات كتاب للأميين اذ الصورة تعلّم كالنص المكتوب وعند كل المؤمنين تشير الى مواضيع من الكتاب المقدّس والتراث. لذلك يُسمّى الرسّام عندنا كاتب الأيقونة بمعنى أنها تُخاطبنا.

مثال على ذلك: أيقونة الميلاد اذ يبدو الطفل في مغارة سوداء والأقمطة بيضاء ووالدة الإله مستلقية طويلة لأنّها مركزيّة، ومن جهات أخرى القابلة تغسل الصبي ثمّ الرعاة والمجوس. هنا كل شيء لتفهم الميلاد. واذا أخذت أيقونة القيامة فتبيّن المسيح نازلاً الى الجحيم منتشلاً آدم وحواء اي الجنس البشريّ يَضُمّهما الى القديسين الذين حوله. بالأيقونة نتعلّم ونتعالى وتحنو علينا السماء.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الصيام الأرثوذكسي / السبت ١٥ آذار ٢٠٠٨

لماذا هذا العنوان؟ لأن الصيام في كنيستي يتبع من حيث الإمساك القواعد التي وضعها المجمع الخامس-السادس في أواخر القرن السابع ونحن بها متمسكون لكونها مبنية على وحدة الجسد والنفس في الكيان البشري ولأنك لا تستطيع ان تملأ بطنك طعاما وتبقى نفسك حرة من الشهوة. ولكني لست اعرف صوامين جهلاء يمتنعون عن الزفر الا اذا ضموا نفوسهم الى هذه الشهادة.

                      المسيحية ترفض ثنائية الجسد والروح وتجعل الكيان البشري المتكامل تحت إشراف الروح القدس. الجسد كما النفس مشدودان إلى إيثار الله على كل شيء. هذه البنية البشرية كلها ينبغي ان تتحرك بالتقشف الى ان نصل الى رؤية الرب بالمحبة. بلا هذه المحبة ليس من صوم.

                      كل حديث عن تخلية الجسد من النسك في سبيل حصره بالنفس وهم سيكولوجي لا علاقة له بالحياة الروحية.

                      من الثابت طبعا ان ثمّة ظروفا شخصية وجماعية تدخل عندنا شيئا من التغيير في تفاصيل النظام. على الصعيد الشخصي القانون نفسه ينص على ان المريض لا يصوم وفي الجماعات أباحت كنيسة القسطنطينية في القرون الوسطى للشعب اليوناني ان يأكل من ثمار البحر لأن النبات كان قليلا في بلادهم واليوم تغض الكنيسة الروسية النظر عن أكل المؤمنين السمك لكون مناطقهم فقيرة جدا في النبات.

                      اللجنة المهيئة للمجمع الأرثوذكسي العالمي طرحت مسألة الصوم ولكن هذا المجمع لم ينعقد حتى اليوم.

                      الإنجيليون ليس عندهم صوم إلزامي في الزمن السابق للفصح وربما صام بعض منهم في مجرى حريتهم.

                      هذا ما أراه ولكن المشكلة غير واردة في الحوار الكاثوليكي- الأرثوذكسي لأن الطريقة التي نتبعها عاديا الا نناقش في مسألة الممارسات الطقوسية عند الأخ الآخر علما بأن الليتورجيا كثيرًا ما تحمل مضامين عقائدية (مثل استدعاء الروح القدس في القداس وقضايا أخرى تتعلّق بالأسرار المقدسة). على هذا الأساس اعتبر ان المناولة من الكأس شيء عقائدي بسبب من النص الإنجيلي.

                      نحن مع الصائمين من كل أمة لأن هنا قربى الى الله. عندنا ليس هذا أمرا منعزلا ولكنه انضباط كنسي على ما أوصى به السيّد: «ان هذا الجنس (الشيطان) لا يخرج الا بالصلاة والصوم» (متى 17: 21). ولكن عندنا ان الجماعة اذا أجمعت على شيء صالح مقدّس يكون الرب قد ألهمها. لذلك ليس عندنا فسحة بين ما قاله الله وما تقوله الكنيسة لأن الله عندنا لا يدخل في ترتيب يتعلّق بالطعام والشراب والإمساك عن بعضها. من هنا حريتنا في ان نعدل التنظيم اذا كان فيه خير للإنسان.

#                #

#

                      عندنا ان الصيام ليس مجرد حمية وليس هو كذلك في اي دين ففي لغتنا نقول انه اتحاد بالله عن طريق مراقبة شهوة الطعام والتأكيد على الفضائل لاكتسابها من خلال ما نسميه أعمال الرحمة وهي الاقتراب من الانسان ثمرة للاقتراب من الله. هو اذًا عملية شاملة يصعد فيها الكيان من فضيلة الى فضيلة وذلك بمكافحة الأنا المتقوقعة، المنغلقة.

                      أصوم ليس لأصبح «قديسا» عظيما. لأن ليس ملكوت الله أكلًا وشرابا بل بِرّ وسلام وفرح في الروح القدس (رومية 14: 17). أنت تضع الطعام المباح وغير المباح في مكانه وتتدرج فوق هذا الى وجه الرب بالصلاة التي هي قرينة الإمساك. مرة سألني أحد الناس: كيف تقدرون انتم ان تظلّوا ساعات بلا طعام؟ كان جوابي نحن نأكل صلاة. وهي عندنا الصلاة الجماعية لمن استطاعها ومعظم الناس قادرون على أدائها لأنها مسائية في البيعة. والتعليم مكثّف فيها اذ ان معظم فحواها من المزامير وبعض الأفاشين (اي الصلوات) التي ألّفها آباؤنا.

                      وقد تستطيع قلّة ان تؤدي الصلوات الأخرى من الكنيسة. هناك دائما بعض القوم حول الكاهن والمرتل يطلبون الانتعاش. نتسلق درجات لمعرفة الرب. كل شيء منظّم لكي تتقبّل ـ إن اشتركت ـ دعوة الله إليك.

                      جوهر ذلك أن الصيام ليس فقط إمساكًا ولكنه فرح بالرب وفرح بالإخوة المحتاجين. الذين أكلوا عند جوعهم تصير معهم كنيسة واحدة. لذلك كتب أحد المدافعين عن الايمان الى الامبراطور في القرن الثاني ما مفاده ان العائلات الميسورة تصوم لتوزع ثمن الأطعمة على المحتاجين فكتب في القرن الرابع القديس يوحنا الذهبي الفم ان ليس في رومية بين المسيحيين والوثنيين عائلة واحدة لا تأكل عند جوعها. يوحنا هذا نفسه قال: بعد ان تقيم الذبيحة الإلهية في الكنيسة تذهب الى «مذبح الأخ» الذي هو أفضل. انه لقد جعل المشاركة هنا اكثر كرامة من القرابين الإلهية لأن القربان موجود ليوزّع ويوزّع الخبز الذي مثله.

                      السياق الحقيقي للصوم المسيحي انه صيام فصحي. نقرأ المقاطع الإنجيلية التي تقودنا معانيها الى الأسبوع العظيم او أسبوع الألم ويرافق هذه التلاوات الصلوات والتراتيل المرتبطة بالمعنى الإنجيلي او ما جاء به بولس. وفي كل يوم من أيام الأسبوع رجوع الى التلاوة التي قرئت حتى يسيطر الروح القدس على الفكر والسلوك ويمتلئ كل إنسان من بهاء الله.

                      واذا انت رحمت قريبك وأحببته في واقع الحياة واستغفرته وأنحنيت أمامه عشية الدخول في الصيام تكون ذاهبا الى الفصح الذي ليس ورقة علي التقويم بل فعل إلهي فيك وتغيير.

                      أما بعد، فالدعوة الى الصيام دعوة الى القيّمين على الدولة ليصبحوا صائمين عن مال الدولة ويتنزهوا عن شهوة السلطة ولو مارسوها. واذا كانت وجوههم الى ربّهم فيتوب اليهم ويتوبون اليه كي لا يضيع البلد. كان الروائي العظيم دوستويفسكي يقول: «يا ليت الدولة تصير كنيسة». في هذا البلد ان رؤساء الأمّة مدعوّون ان يكونوا  أحباء الله وخدّامه ويسهموا في ضبط لبنان في صوم دائم بحيث نتنزّه جميعا  عن شهوات العالم ونتدرّج الى الملائكة.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الصوم غدًا/ الأحد 9 آذار 2008 / العدد 10

مخافة أن يظن المؤمنون أن الصوم تغيير أكل بأكل ومجرد إمساك بضع من ساعات، تقرأ علينا الكنيسة المقدسة مقطعًا عظيمًا من العظة على الجبل، وتبدأه بقول السيّد: «إنْ غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي ايضًا». لذلك سُمّي أحد اليوم أحد الغفران اذ يستغفر أحدنا الآخر عند الانتهاء من صلاة الغروب. وعند إخوتنا الروسيين يركع أمامه حتى الأرض ويقبّله كما سيقبّله في الفصح.

ولاعتبار السيد أن صومنا ليس مرتبطًا بالحزن كما كان عند الفريسيين صومهم، طلب أن تُرسم علامات الفرح على وجوهنا لكوننا فصحيين منذ الآن ولا سيّما انك تصوم لأبيك الذي في السموات ولست تصوم لإقامة شركة فرح وبكاء مع الآخرين.

ثم يتابع الرب يسوع هذا الحديث بقوله: «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض» بمعنى ان هذا الموسم موسم توزيع ما نستطيع توزيعه على المساكين.

فليست القضية ان تكون لنا حمية واحدة بالامتناع عن الزفر ولكن ان تكون لنا محبة واحدة لنؤلّف كنيسة حب وهو غاية التقشّف الذي نفرضه على أنفسنا بالرضاء.

ماذا ينفع الا تأكل ولك قدرة على ذلك ولا يستطيع الفقير ان يأكل في أيام الصيام وفي غير الصيام. الصوم اذًا فرصة لتقوى بالمحبة، والمحبة لا تعني شيئا اذا لم تتضمّن العطاء المادي المُعطى بفرح.

ويختتم هذا المقطع بكلمة للسيد ذهبيّة: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». الكنز هو الفائض. فإن أردت أن تكون كامل المحبة لأخيك المحتاج، لا يبقى لك فائض، فاذا تعلقت به ولم تنفقه فهناك يكون قلبك. اذًا انت تصوم بقلبك اولا ثم تتحكم بمالك حتى لا يُفسدك ولا يستعبدك.

المال الذي بين أيدينا او في المصرف ملك الله وانت لا تملك شيئا. إنْ ربك ائتمنك على أشياء هذه الدنيا ليس لأنه هو الذي أنعم عليك بها بالضرورة. هذا قد يكون وقد لا يكون. ولكنك مؤتَمَن على المال كيفما أتاك.

الله لا يباحثك في سلوك أبيك او جدّك. يقول لك: هذا الذي وصل اليك انّما اعتبرتُك حارسًا له لأنه مالي وانا أبو الفقراء، فعليك ان تتدبّر أمرهم من حيث هم إخوتك وتعطيهم بتواضع لتربح بالإحسان بركات التواضع.

سندخل اذًا غدا في نعمة الصيام المبارك وفي معاني صلواته التي سوف نتابعها في الكنيسة ما استطعنا لأنها هي التي تملأ الكيان والحمية لا تقلل شيئا من الكيان. قال لي مرة إنسان: كيف تستطيعون أنتم الأرثوذكسيين ان تحتملوا الطعام الصيامي وهذه الشدّة كلّها؟ أجبت: نحن نأكل الصلاة. تعالوا لنأكل الصلاة معا وننتظر الفصح.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

أنوارعلى العقل / السبت ٨ آذار ٢٠٠٨

السؤال الذي يطرحه بسطاء ومثقفون هو هذا: اذا كان العقل سيدا فينا كيف نصل الى كل ما يقوله الوحي؟ ليس المجال هنا لأعود الى ابن سينا والفارابي وابن رشد عند المسلمين او الى توما الإكويني الذين انشغلوا بعلاقة الكتب المقدسة والفلسفة اذ الأجوبة كانت مختلفة عند هؤلاء. لذلك لن أطرح مسألة العلاقة بين الوحي والعقل. وفي المسيحية ليس الجواب واحدا بين المذاهب. فالكنيسة الكاثوليكية حددت في مجمع الفاتيكان الأول (١٨٧٠) ان العقل وحده يصل الى الله. والسعي الى العقل مستقلا عن اية قوة فينا ليس أمرا واردا في الكنيسة الأرثوذكسية. استقلالية العقل عن كل قوة أخرى فينا ليست واردة في فهمي للإيمان.

                      المشكّكون ينطلقون من ان لكل انسان ان يشاهد الحقيقة. اذا كان هذا صحيحا فلماذا يختلف البشر في كل شيء، لماذا يغير المرء رأيه بين فترة وفترة؟ الحقيقة قائمة في ذاتها وهي تبلغك بأدوات موضوعة فيك ولكن هل هناك وسيط واحد بينك وبين الحقيقة وهو العقل ام هو القلب ام تلاحما معا بحيث ينزل العقل الى القلب ليتطهّر فيه ثم يصعد الى مرتبته منقًى ويستطيع، اذ ذاك، ان يعرف.

                      محاولة جواب عن هذا البحث ان الله لما «نفخ في أنف الانسان نسمة حياة صار ادم نفسًا حية» (تكوين 2: 7). والنفس هي كل الكيان البشري الداخلي بما فيه الشعور والعقل والإرادة. واذا اتخذنا نظرية داروين عن نشوء الأجناس نرى ان ثمّة هوّة بين الحيوان والإنسان بحيث ان الروح البشرية في كل طاقاتها ليس ما يماثلها عند الحيوان. فالإنسان ناطق ليس بمعنى انه يقوم بالنطق او الكلام ولكن بمعنى ان كلامه موحد ويقدر على التواصل مع انسان آخر ويُعمل عقله وتتلاحم كل هذه القوى فيه لتعبر عن الإنسان تعبيرا واحدا. فليس هناك تعبير منطقي بحت او تعبير نفسي بحت ولكن كل هذه القوى تتفاعل وتتلقى العقل بمشاهدة النور وتنقل هذه المشاهدة كلامًا وسلوكًا ومواقف.

                      ورد عند بولس قوله: «صار آدم الإنسان الأول نفسا حية وآدم الأخير (اي المسيح) روحًا محييا. لكن ليس الروحاني اولا بل الحيوانيّ» (الترجمة الأميركية، البشري في الترجمة اليسوعية) وكلاهما خطأ. فاللفظ اليوناني Psychicos تعني النفسي او النفساني. آدم وُلد نفسيّا او نفسانيّا بمعنى الإنسان الطبيعي وروحانيّة الروح الإلهي تنزل عليه في ما بعد بالمسيح. لم يقل عاقلًا ولا ناطقًا بمعنى استعمال كلمات ملفوظة. تأكيد العهد الجديد اذًا هو ان القوّة الداخليّة التي تقابل الجسد ليست العقل ولكن النفس الحاوية العقل وأشياء أخرى معه (شعور، إرادة).

#               #

#

                      قال الإغريق قديمًا ان العقل البشري تشوهّه الشهوات. ليس هو اذًا ميزان لا يختل. الإنسان لا ينطق فقط عن عقل بلوري محض. ينطق عن هوى او عن غرض. في اللاهوت المسيحي الأرثوذكسي العقل ككل ملكاتنا الداخلية ضربته الخطيئة الجديّة (الجد الأول) فهو مصاب ككل طاقة أخرى في النفس. الإنسان ليس عقلا ولكنه ذو عقل ولكن أمكننا أن نقول انه نفس لأنه يسع كل طاقاتها.

                      مرة ألحّ صديق لي في محادثة لنا دينيّة الى العقل. أجبته هناك ألوف من الأشياء نعملها بلا عقل جامد مغلق دون طاقاتنا الأخرى ثم أردفت: هل كان زواجك نتيجة عملية عقليّة؟

                      اذا كان الحق (هنا اؤثره على كلمة حقيقة) هو النورالذي قذفه الله في القلب، يتحرر القلب من نزواته اي يقولب الله نفسك لتتمكّن من المشاهدة اذ لا بد ان تدنو نفسك من الداخل الإلهي لترى. فاذا قلت للمؤمن هاتِ برهانك العقلي، يمكن ان تحاول بعض الأشياء وهنا يسند عقلك الرؤية ولكن في كثرة الأحوال لا تستطيع ان تفسّر ما يجري فيك تفسيرًا كاملا.

                      في البدء كان تسليم القلب لله واذا آمنت تعقل ليس انك تعقل اولا ثم تؤمن. قال لي الناس غير مرة: اثبت لنا وجود الله. قلت لا أستطيع لأني أبدأ منه. هو دليلي. ولست أصل إليه بأدلة قاطعة. لا يحتاج الرب الى أدلّة ليكشف ذاته لك ولا تحتاج انت الى أدلة لتعانقه. هناك فهم داخلي تقول عنه المسيحية انه نعمة من لدن الخالق. والكتاب يقول: «الله يريد أن جميع الناس يخلصوا والى معرفة الحق يُقبلوا» (١كورنثوس 2: 4). هذا تأكيد كتابي على أن الله يُنزل نعمته على كل البشر وان ثمّة من يتقبّلها لأن نفسه في حالة التقبل للنور ونفس أخرى ليست في حالة التقبّل ولا أحد يختزن سرّ ذاته ولا سر الآخرين ولنا نحن المؤمنين ان نشهد فتصل الشهادة او لا تصل. انت رأيت وسمعت وتقبّلت فارتضيت وأطعت فعشت الحياة الجديدة فكأنك انتقلت منذ الآن الى وجه الله. وهناك من لا يزال في حاجة الى ان يلمس المخلّص عينيه لتنفتحا ويُبصر.

#              #

#

                      انت تسلم لله من شيء تحرك في نفسك وربك منشئه فيك. يقول القديس مكسيموس المعترف الذي عاش في فلسطين وغالبا ما كان عربيا انك تقرأ الله في الكون الذي كون كل شيء فيه بالكلمة الذي كان من البدء. فإن الكون كلمات. ويقول يوستينوس الفيلسوف الشهيد النابلسي (القرن الثاني) ان الله قبل العهد الجديد زرع كلماته في الخلق وفي الفلسفة اليونانية. كانت نوعا من التجسّدات الإلهية قبل ان يُتمّم الله تجسّد ابنه في الخلق. ويستنتج مكسيموس ان الروح القدس في كل مكان واذا حاولت إيضاح فكره يكون قد قال ان الروح الإلهي مبثوث في كل مكان. عليك اذًا ان تفتّش عليه في هذا او ذاك من البشر المسيحيين منهم وغير المسيحيين، ان تفتش عنه في الأفراد كائنين من كانوا. ومكسيموس شجب اليهودية من حيث هي نظام ديني ولكنه لم ينكر وجود الروح القدس في الأفراد اليهود.

                      لك ان تشاهد انت هذا الروح في كل البشر الذين حولك ان كانوا أتقياء وتراهم يتصاعدون الى الحق. لا يعني هذا ان يسوع الناصري يتجلّى لهم بإنجيله اذ هناك أساليب لله يتكشف بها لمن أحبّهم. وبهذا المعنى ليست الكنيسة محصورة بالمعمّدين ولكنها تمتدّ الى كل من اصطفاهم ربّهم برحمته ويمكن أن يكونوا من الموحّدين او من الهندوس والبوذيين ويوضح الله في اليوم الأخير من هم له وله كل من لمسهم بروحه ووضع فيهم كلمته حسب اختياره.

                      يبقى ان ثمة تبشيرا او دعوة اذا اعتقدت ان ما انت مؤمن به هو الطريق المستقيم على أساس ان الناس أحرار وانهم قد يرون ما أنت راءٍ على الّا تدين أحدا ولا تصدر أحكامك على الطرق الأخرى ولا على إنسان لا يدين بما انت تدين. لذلك لا تحكم انت على أحد في الطريقة التي يسلكها وتعايشه بالمحبة والسلام والمحبة هي ذروة الكشف والسلام يلازم الحرية.

                      هذا يشرط تعايش أهل الأديان. فلا تقتل أحدا ولا تقمع أحدا ولا تفرض عليه عيش او احكاما من عندك ولن يقول الله رأيه في دين أحد منا في اليوم الآخر ولكنه يدين الشخص من حيث هو شخص. ولا تحكم على أحد بالنار لأن الخالق لم يخوّلك بأن تصدر هذا الحكم وهو الذي يتراءى لكل مخلوق في اليوم الآخر وينتشله من العذاب ان لم يكن من المحكوم عليهم بالعذاب.

                      «لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاءاذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم» (رومية 2: 14). انت يحكمك ضميرك فإن كنت خالص المودّة لله يراك له ويقول لك هذا في اليوم الذي يدين الله سرائر كل إنسان. ومن بعدها يأتي هذا المجد.

Continue reading