في العصور الوسطى وما قبلها المدينة هي ذلك التجمّع المدني المحصّن. في لبنان وجواره المدينة أوسع من القرية وهو تصنيف يختلف بين بلد وبلد. في طفولتي كنا نقول مدن لبنان: بيروت، طرابلس، صيدا وزحلة. اليوم اتّسعت القرى كثيرًا والفرق بين المدينة والقرية تابع لرؤيتك المساحة. فاذا لازمنا الأفهوم القديم للمدينة فيحيط بها السور المحصن وبالسور تُغلق المدينة والسور ذو أبواب فتقول باب ادريس في بيروت مثلا وباب الرمل وباب التبانة في طرابلس والمدينة داخل هذه الأبواب. أما وقد اندثر كل هذا ولم يبقَ من حصن فلا تعريف حقيقيًا للمدينة الا الاتساع ووظائف الأسواق. وموضوع تنوع الأسواق استخرجه ماسينيون في كتابته عن المدينة الإسلامية.

          لماذا عندك سوق لمهنة واحدة (سوق الصاغة، سوق النحاسين، سوق النجارين) وما اليها؟ لأن السوق لا تقوم على التنافس ولكن على التعاون. رُوي لي انك اذا قصدت محلا في سوق معيّنة في زحلة قد يقول لك صاحب المحل: اذهب الى جاري الذي لم يبع اليوم وانا قد بعت ما فيه الكفاية. التجارة نفسها اذًا ليست للربح المفرط ولكن للعيش الكريم مع الزملاء. وقد يُبنى هذا التعاون كثيرا على النسابة. كنت ترى مثلا في طرابلس في الثلاثينات مجموعات أقرباء في سوق الصاغة ومن الطبيعي الا يكون بينهم تنافس الا على مستوى الجمال. وفرة المال لم تكن هي الغاية بل الحذق في المهنة.

          المدينة لم تكن فقط مجموعة مهنيين ولكن مجموعة محال وبيوت. فترى العائلة فوق الدكان او المخزن فيعمل الرجل في الطابق الأرضي وعائلته فوقه اي في رعايته. في طور آخر انفصل المسكن عن مكان العمل. ترى هذا ايضًا او كنت تراه في القرى اللبنانية.

          الأصل في الاجتماع تنوّع المهن في الأسواق وتكامل المهن من أجل حياة واحدة تؤمّنها المدينة. فلا تجد في المدينة كما في القرية دكان عطار يبيع ورقا وخيوطا ومسامير. المهنة الواحدة في مكان واحد هي ما يميّز المدينة عن القرية والمهن تُباعد بين الناس من حيث المعرفة والاختصاص وتقرّب بينهم بسبب من التكامل. فعندك اذًا تفرّد المهن وتوافق بسبب من التفرّد. التكامل والتعدد يضعفان الحزازات والروحية القبلية. ليس لأن المدينة خالية من روحية العشائر ولكن العشائرية فيها قائمة على الافتراق بسبب من تباين الثروات والتباعد بين العائلات الثرية.

#                      #

#

          المدينة هي اذًا التجمّع الأكمل والمتكامل. وليس خلاف ملحوظ بين العائلات اذ الناس يتعاطون حياة اقتصادية مختلفة وليس من تناقض في العيش بين الحداد والتاجر او بين المحامي والطبيب. والتصادم نشأ في العالم كله بين الجماعات الدينية وضعف كثيرا حيث التشريع ينص على فصل المؤسسات الدينية عن الدولة. وبنوع أخص منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم في أوربا نشأ صراع العقائديات السياسية التي اخترقت وحدة المدينة فلم يبقَ لها استقلال اذ باتت بسبب الأحزاب جزءًا من البلد. السياسة الإيديولوجية بعد الثورة الفرنسية وحيثما حلت فلسفتها خلقت اليمين واليسار والوسط وصرت أنت أقرب الى فئة من خارج مدينتك او واحدا معها وبات أهل المدينة تراكم أجساد ولم تبقَ جماعات تتلاقى في العيش الواحد الهنيء. ولما ضربت العقائديات السياسية وحدة المدينة ووحدة البلد وعى الناس ان هذا الاختلاف حاصل وحي وانه ينبغي خلق نظام يجعل القوم لا يتذابحون ولو اختلفوا وهذا ما سموه الديموقراطية.

          ومع الديموقراطية في اوربا ومع التكامل الاقتصادي بين المدن نشأت البلدان. ففي الماضي السحيق لم يكن بلد يسمى فينيقية بل كانت صور وصيداء وبيروت وجبيل والبترون وأرواد وأوغاريت كلها تتصارع وكل مدينة يحكمها ملك والمصريون يحكمون الكل والاحتلال جعل رؤية واحدة لهذة المجموعة ودلتنا حفريات تل العمارنة في مصر على التصادم بين هؤلاء الملوك الصغار وذلك في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. والبلدان الأخرى تجمّعت كذلك فخلق بسمارك المانيا السنة الـ ١٨٧٠ ونشأت فرنسا بامتداد سيد باريس وضواحيها وكان لا بد من خنق اللغات القومية وهي لم تكن لهجات من الفرنسية. ولكن في الأصل كانت المدينة. وخارجا عنها كانت الوحوش ولذلك كانت تُغلق البوابات في الليالي وكان البرابرة ولذلك كانت الحصون التي تحمي أهل المدينة.

          ويعرف أهل الداخل اذا كانوا متعددي الدين ان كل جماعة تستلهم إلهها او دينها لتبني المدينة بالعيش الواحد لأن العيش يقتضي إنتاج الخبز والأطعمة الأخرى والكساء والمسكن. وهذا لا بد له من تعاون. والله لازم لهذه الحياة الواحدة وما كان يخطر على بال أحد ان لا إله. تسمي إلهك كما شئت وتنعته بما شئت ولكن تستنزله على الأرض لتسالم الجماعة الأخرى والسلام كان هو القصد.

          ببركات هذا السلام اكتشف الإنسان فوق مدينته مدينة أخرى ينزل عليها نور الله. هكذا رأيت غير حاج مسلم يتوب ويجدّد علاقته بالله. كيف وصل الى العمق؟ انا الذي ما كان مأخوذا بالحج عند المسيحيين زرت القدس للمرة الأولى السنة الـ ١٩٤٧ اي في آخر سنة للانتداب البريطاني ولما رأيتها عن بعيد صلّبت وجهي وعندما أدركتها جثوت على الأرض وقبّلت ترابها. لا أذكر اذا كان ما اختلج في قلبي ان المسيح مشى على هذه الطرقات ولم يكن لي سبيل لتقبيل قدميه الا هذا السبيل. وكنت أعرف أن العهد الجديد تكلّم على أورشليم السماوية النازلة من عند الله في اليوم الأخير. ولم أفهم حتى اليوم لماذا لا يسمعنا أحد في الغرب عندما نقول مسيحيين ومسلمين معا، اننا نريد ان يسكن بعضنا قرب المسجد الأقصى وبعض الى كنيسة القيامة وان الله يسري بعبده ليلا -أنّى سكن- من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى. ولعل الله يقود روحيا بعضا منا الى كنيسة القيامة لنذوق آلام المخلص.

#                   #

#

           كل شيء في هذا السياق عمارة. الإنسان مدينة فيه من أبنية روحية اذا لم تدمّره خطيئة واذا اقتبل زرع الله فيه. وهو مدينة حسبما ينتسب لأن فيه حصنا يطرد الوحوش والبرابرة ويعرف -اذا تحضر- انه يحب الإخوة اذ يتكامل واياهم لإقامة انسان جديد يرتقي بالتواضع والتقوى الى وجه الله.

          وعليك -ان كنت من الفاهمين- ان تأخذ الحجارة المبعثرة التي فيك وتبنيها صرحًا جميلا واذا بكل الناس قصور. البهاء الروحي وحده يجعلنا جماعة اي مدينة تنتظر القيامة من بين الأموات ليس فقط في اليوم الأخير ولكن كل يوم اذا أحبّت. والغالبون الموت لا يطردون أحدا من المدينة لأن أحدا اذا أُخرج منها تموت المدينة بعدم الحب.

          هل يصير لبناننا مدينة الله اي هل يصير موطن العطاء الكبير؟ هذا سيتمّ إن نحن أردناه. ماذا يفعل الإنسان لو ربح وجاهة في الدنيا وخسر مدينته في قلبه؟ هل الذين منّ عليهم ربهم بهذه النزعة يتواثقون حتى لا يُقصى أحد من نعمة العطاء؟ هل تصبح المدينة او الوطن مسكنا لله في كل من توطن؟ تعالوا نبني مدينة الله اليوم وهنا. هذا شرط دخولنا الى السماء.