ان كانت الثرثرة تسرّك فانظر الى مساجلات التلفزيون والى أغانيه التافهة. فاذا تفهت كلمات الأغنية كما في أحايين كثيرة لا يبقى الا الجسد المتخلع الذي يقول أشياءه فقط لأنه غير مصحوب بالكلمة فينهيك ليس فقط عن الكلمات ولكن عن معانيك التي تسعى الى فهمها ولا تسمع الا ضجيجا.

                     الى هذا في المساجلات السياسية في كثرة من الأحيان يقول المناقش جملة ثم يكررها مرة او مرّتين ليؤكّدها. والجملة، مقولة مرة، تفيد المعنى ولا فائدة في تردادها ولكن في قوة معناها. وإحساسي ان الضعف هو الذي يدفعك الى التكرار. الأمر الآخر ان المتناقشين في كثرة الأحوال يصرخون ويقاطع أحدهم الاخر فلا تفهم شيئا وقد جلست امام الشاشة لتفهم. والكثير يلقون عليك أقوالا ولا تدرك حججهم وتذكر ان معظمهم في الحديث السياسي يطلق ما سجّله في دماغه فريقه فيأتي صدى للأذكياء من فريقه. وفي حسي ان المذيعين والمذيعات أوضح من الضيوف أحيانا اذ يطرحون سؤال العارفين ويكفوننا لو ألقوا هم الدعاوة التي يظنون في براءتهم انها ستخرج من أفواه المتكلّمين. وأنت تجلس متواضعا لتتلقّى دروسا في السياسة ولكنك تسمع ضجة الأعصاب.

                     ربما كان هذا في التلفاز او في الحياة اللبنانية العادية التي هي صورة عن الحضارة الألفاظية التي يتعاطاها العرب الذين يتقن شعراؤهم الهجاء او المديح الى جانب الغزل او الملاحم المزعومة. أظن ان العرب موالون لأنفسهم لأنهم لم يغيّروا الأنواع الأدبيّة التي سادت كلمتنا منذ الجاهلية.

                     نحن لسنا هنا لنخوض ونلعب. كونوا حريصين على عقول الناس وعلموهم تعليما وقصّوا عليهم أحسن القصص لئلا تقعوا أنتم واياهم في التفه. والا فالصمت أولى.

#                #

#

                     في البدء كان الصمت ونعني به صمت الآب ولم يخطئ يوحنا البشير لما استهلّ كتابه بقوله: «في البدء كان الكلمة» لأن الكلمة خرج من الصمت اي من المعنى المطلق الذي هو الآب وما قاله في هذه الدنيا لا تستطيع أن تحذف منه حرفا واحدا لأنه متدفق من المطلق. صمت الآب يجعل الابن يتكلّم ولا يقول شيئا بلسان متدحرج. يأخذ المعنى الكثيف من الله ويجعله كلمات غارقة في الأبد يتلفّظ بها هنا لسماع القلوب وتقدر القلوب ان تتصاعد بها اليه. يسوع لم تمسه حضارة الألفاظ ولم يضع كتابا. كان هو الكتاب وما دُوِّن في ما بعد إنجيلًا ولو كان تكليمًا باللفظ الا انه كان صورة عن المسيح.

                     هو الذي قال للأعمى والأصم والأعرج ومن اليهم: كن فكانوا. انى لله ان يقول لمسيحه: كن اذ، حسب يوحنا، في البدء كان ومن كان لا تقول له: كن. الكلمة كان قبل بدء الخليقة في حضن الآب الصامت وبدأ منه منذ الأزل في السماويات وفي كيانه البشري الذي كان عليه جاءت كلماته البشرية مما كانه في البدء وبسبب من تكليمه البشر استعار تعابيرهم ليوصلوه ويدخلوا المعنى الأبدي الذي اذا زادوا عليه شيئا يتحذلقون. ليس فيها عسر كما يظن البعض ولكنها تنزل بالرحمة الى الكلمة البشرية فتصبح هذه عند الأقدسين أيقونة لكلمات الله. وهذا ظاهر عند المتكلّمين بالإلهيات وهم عندنا ثلاثة: يوحنا الإنجيلي، غريغوريوس النزينزي، سمعان اللاهوتي الحديث الذين استنزلوا الى قلمهم المعنى الإلهي الكامل. باتوا اذًا في صمت الآب من حيث العمق ولو انتقلوا الى كلمات بدت بشريّة.

#             #

#

                     عندما قال بعض اليهود عن السيد: »لم يتكلّم انسان مثل هذا الإنسان« ما كانوا عالمين من أين أتى. هو كان يعلم ممن أخذ وماذا كان يعطي وأراد أن يصعد اليهود – حقا لا لفظًا – الى هذا الذي أرسله. وكانت الكلمات دليلا على هذا الإرسال. وما كان في استطاعتهم ان يفهموا ان وراء كلامه كان الصمت.

                     تشبيها بالله يجب على أصحاب الكلمة ان يتعرفوا على الصمت فاذا راعوه كثيرا ينفضون عن لسانهم او قلمهم كل كلمة بطالة. لقد صلّى القديس افرام السرياني ان يعتقه ربّه من الكلام البطّال وطلب ان يعرّفه ربّه عيوبه وذنوبه اذ من فضلة القلب يتكلّم اللسان. فاذا كان قلبه ناشئا على البذاءة تتدحرج هذه على لسانه وتأتي الشتيمة ويأتي الغضب وليس هو مستعد ليأخذ عن مخاصمه الفكر الحسن فيكون محاورا.

                     مرة قلت لأحد الناس: انت لم تسمعني قط لأني لو ربطت كل الجمل التي تفوهت انت بها أراها حديثا متصلًا فلم يكن همّك اذا ان تسمعني وتتأثر بما قلته لك فتصحّح رأيك. فالحوار يقتضي اذا تقبّلت كلامي ان تغير بعضا من كلامك. فاذا نطقت عليك بالحق واستمعته تنطق علي بالحق ولا تستكبر بإصرارك على كلام  بيّنت لك انه خطأ ولا تأتي بظن ان عرفت ان ما قلته لك هو حق لئلا يقول لك ربك في يوم الدين انك كنت ثرثارا فتشكر النعمة التي نزلت عليك بفمي فتترك الفضل لله وتصبح من العالمين.

                     لا إملاء في الحوار وليس من سياسة مطلقة الحق. اما اذا كانت قناعتك ان الآخر ليس فيه حق فلماذا تحاوره؟  واعرف ان تتخلّى عن رفقائك او على دقائق ما يقولون. ان استحببت الحق فلا بد ان تتجلّى والنور الذي يكون الله قذفه عليك يعلّمك كل شيء وتكون من أبناء النور.

                     ولكن انضبط اولا بالصمت واذا أملى عليك صمتك كلاما حلالا فقله اذ هو مشاركة واذ ذاك تصل مع الآخر الى كلمة سواء. وتصبح انت للآخر حاملا هدى ورحمة وقد تصير له غلى اختلافك حبيبا وهو لك حبيب. ايها القوم تعالوا الى عبرة الصمت ثم الى مبرات الكلام يرضَ الله عنكم وعنا ونكون معا من المفلحين.