السيد كان قد اختار كفرناحوم ليسكنها بعد أن ترك الناصرة. وعرف الناس انه في بيت لا بدّ أن يكون لأحد أحبّائه، فتكاثر الناس في المنزل وخارج المنزل فأخذ يخاطبهم بالكلمة.

إلى هذا أتى ناس كانوا يعرفون ان يسوع صانع عجائب، فأتوا إليه بمخلّع لا يستطيع الحركة في ساقيه وربما في ذراعيه أيضًا. ولمّا كانوا غير قادرين أن يصلوا الى السيد «كشفوا السقف». هذا معروف حتى اليوم في جبالنا إذ السقف مؤلف من ألواح خشبية فوقها تراب. فكان سهلا عليهم أن يحفروا التراب وأن يزيحوا الخشبات بعضها عن بعض، ودلّوا المريض الى حيث كان يسوع.

يتبادر للعقل أولا ان مهمة السيد هي ان يشفي هذا المريض وهي الغاية التي من أجلها حمله رفاقه. ولكن المسيح يتبع منطقه لا منطق الناس فقال له: «يا بني، مغفورة لك خطاياك». فرأى اليهود ان هذا الكلام تجديف إذ بذلك يكون هذا الإنسان يسوع يعتبر نفسه إلهًا.

المعروف تاريخيا أن الربانيين (الرباني هو الحاخام) لم يحلوا الخطايا إطلاقًا. فعندما يقول يسوع للمريض: «مغفورة لك خطاياك» يكون متجاوزًا كل التقاليد اليهودية ومؤكدًا ان الله خوّله المغفرة على الأرض.

وما أتت العجيبة إلا تأكيدًا على انه قادر أن يغفر الخطايا وانه تاليًا أتى من الله وحامل تفويضًا من إلههم. كيف يكون هذا؟

إذا تجاوزنا الحادثة إلى حياة كلّ منّا، أهم من الصحة والتعافي، إن كنّا مرضى، أن نستغفر لأن شفاء النفس أهم من شفاء الجسد. لذلك عندما نصلّي للمريض ندعو الله دائمًا أن يغفر له خطاياه، وذكر الصحة يأتي بالدرجة الثانية. هكذا في سرّ مسحة الزيت المليء بالمواعظ المتعلقة بالغفران ثم بالشفاء. ما نفع عضلاتك النامية القوية وما نفع صحتك إن كانت نفسك مليئة بالخطايا؟

الكلمة الشعبيّة «صحتك بالدني» لا معنى لها في المسيحية. قل بالحري: مغبوط أنت للسلامة الروحية التي منحك الله. مرة كنت أعود صديقًا مصابًا بداء السكري إصابة شديدة أوجبت قطع ساقه وكفّته عن البصر. كنت ذاهبًا اليه مشيًا على الأقدام وأهيء كلمات التعزية. فلما وصلت اليه وصليت، أخذ هو يتكلّم عن يسوع بروح التواضع وكلمات الشكر فعزّاني ان يكون هذا الشاب قد بلغ مبلغًا عاليًا في السلامة الروحية وصفاء داخليًا وغلبة على الخوف والاضطراب.

عودًا إلى علاقة الذين شاهدوا الأعجوبة يقول الكتاب: «دهش الكل». الحقيقة ان هذه الدهشة بالمسيح ترافقنا إن عرفنا من الإنجيل عظمة السيد وبهاءه وقوة تعليمه. وبعد الدهشة يقول مرقس انهم مجّدوا الله قائلين: «ما رأينا مثل هذا قط». في موضع آخر: «لم يتكلّم انسان كما تكلّم هذا الإنسان».

أن يكون يسوع فريدًا وليس مثله أحد، أن نكون مخطوفين اليه، تلك هي الحركة الطبيعية نحو المسيح.

ألا أبقانا الرب مع ابنه في السراء والضراء وشدَّنا اليه بكلمات من عنده.