Author

Aziz Matta

2008, مقالات, نشرة رعيتي

الاختصاص في الكنيسة الأولى/ الأحد 11 أيار 2008/ العدد 19

الكنيسة في عهد الرسل كانت تهتمّ بفقرائها. مع ذلك حدث خلل في افتقاد المساكين. يقول الفصل المنشور هنا ان اليونانيين تذمّروا على العبرانيين بأن أراملهن كُنّ يُهملن في الخدمة اليوميّة اي في توزيع الإعاشة. كلمة العبرانيين تعني المسيحيين الفلسطينيين. وكلمة اليونانيين تعني المسيحيين الذين يتكلّمون اليونانيّة وقد جاؤوا من خارج البلد ولا سيما من الاسكندرية ليستوطنوا اورشليم ويشكّلون عنصرًا آخر مع أن كل الفئتين يهود اعتنقوا المسيحية. صار هناك شرخ في الكنيسة ذو طابع عنصري.

عند ذاك وعى الرسل انه لا بد من التمييز بين خدمة الكلمة وخدمة الإحسان، فدعوا ما أمكن من الجمهور المسيحي ان ينتخب سبعة رجال أقوياء في الحياة الروحية ليهتمّوا بالإعاشة.

ما يلفت في ذلك ان المُقامين على توزيع الطعام لا يمكن ان يكونوا فاترين لأن مشاركة الطعام في الكنيسة عمل روحي ايضًا والتقوى متوجبة على كل انسان عنده في الكنيسة وظيفة، ومن هنا تطلّب المجمع الأنطاكي المقدس عندما أطلق فكرة مجالس الرعية ان يأتي أعضاؤه ممارِسين للحياة الروحية.

قرر التلاميذ ان ينصرفوا فقط الى الرعاية وان يُوكلوا رجالاً آخرين لخدمة الجانب المادي. ثم سمّى سفر الأعمال السبعة، وأضاف عن أولهم استفانوس انه كان «رجلا ممتلئًا من الإيمان والروح القدس»، وسوف نقرأ في سفر الأعمال هنا الخطاب اللاهوتي العظيم الذي قاله استفانوس قبل رجمه من اليهود. التقوى العميقة شرط من شروط أبسط وظيفة في الكنائس.

السؤال المطروح هنا هل كان هؤلاء شمامسة؟ هذا وارد في حديث عن استفانوس في طقوسنا، وفي رأي أكثر علماء التفسير ولا سيّما ان النص يقول عن الرسل انهم وضعوا أيديهم على هؤلاء السبعة، والعبارة مصطلح يدل على رسامة وليس على بَرَكة عادية او مجرد قبول الرسل لما قاله العلمانيون الذين استدعاهم الرسل ليبدوا رأيهم في الخلاف الحاصل بين العبرانيين واليونانيين. بعد هذا يضيف لوقا كاتب سفر الأعمال ان كلمة الله كانت «تنمو بسبب نشاط الاثني عشر، وعدد التلاميذ كان يتكاثر في اورشليم جدا» اي ان الرسل كانوا لا يزالون في فلسطين ولم يذهبوا الى الخارج، وكان لهم هاجس تنصير أهل المدينة المقدسة عملاً بقول الرب: «ستكونون لي شهودًا في أورشليم» أولاً.

ثم يقول ان جمعًا كثيرًا من الكهنة أي من كهنة اليهود الذين كانوا في خدمة الهيكل انضمّوا الى الكنيسة، ويعبّر الكاتب عن هذا بأنهم كانوا يطيعون الإيمان المسيحي الذي كان ينحصر بأن الرب مات ثم قام. وعبّر عن هذا الاعتقاد دساتير الإيمان في المعمودية التي كانت مصدر دستور الإيمان النيقاوي الذي يُتلى في خدمة المعمودية وأُدخل فيما بعد الى القداس الإلهي ومستهلّه «اؤمن بإله واحد آب ضابط الكل».

الإيمان المسيحي عبّر عنه اولاً بولس الرسول برسائله ثم عبّر عنه الإنجيليون الأربعة كلٌّ حسب الوحي الإلهي وكلٌّ في عباراته والتصميم الذي وضعه كل من الإنجيليين، وأخيرا لخّصته المجامع المسكونية السبعة في الأساسيات: التجسد الإلهي من الروح القدس ووالدة الإله وموت المسيح وقيامته في ما نسميه العقائد أي العبارات المختصرة في ألوهية الروح القدس وفي الكنيسة والحياة الأبدية وقيامة الموتى. عبارات صِيغت ضد أصحاب البدع. وكانت الكنيسة، بسبب جحود الإيمان، مضطرة ان تردّ عن نفسها هجمات الهراطقة وتحدّد الإيمان بصورة واضحة. واستقامة الرأي نواتها هذا الدستور الأساسي بحيث أن من أنكره يكون خارجًا عن الكنيسة، وانتماؤك اليها شرطه ان تقبل بدستور الإيمان كله وإجماع آراء الآباء في تفسيره وشرح الطقوس له. فاذا سُئلتَ ما المسيحية فتلوت دستور الإيمان وقبلته تُعتبر مسيحيًا. هذا هو التراث الذي كُتب على ضوء الإنجيل. فإذا صدّقت ما ورد في كلّ تراثنا مختصَرًا في دستور الإيمان النيقاوي وفهْمِ آبائنا له لا تكون ملوّثًا بانحراف وتكون مباركًا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

النور وأنت / السبت ١٠ ايار ٢٠٠٨

لا أود أن أغوص كثيرا على السجالات اللاهوتية التي قسمت العالم الاسلامي والعالم المسيحي كلا في ذاته في موضوع الكلمة. في المسيحية السابقة تاريخيا المقولة الرئيسية: “في البدء كان الكلمة”. اي بدء هذا؟ ما من شك عند أكثر  المفسرين أن يوحنا الانجيلي لما افتتح كتابه بهذه العبارة انما أشار الى مطلع سفر التكوين القائل: “في البدء خلق الله السموات والأرض”. فاذا قال يوحنا في بدء الخليقة هذه كان الكلمة يكون الكلمة سابقا للخلق ويدعم هذا التفسير في آخر الآية الأولى قوله: “والها كان الكلمة”. واللفظة تدل على المسيح قبل نزوله الى العالم وبقيت تطلق عليه حتى جاء آريوس في القرن الرابع وقال ان الكلمة هو المخلوق الأول الوسيط بين الله والكون. وخلاف الكنيسة معه قوله بمخلوقية الكلمة او الابن. وكانت هذه ـ في فهمي لتاريخ البدع ـ  انها كانت البدعة الأساسية التي شقت الكنيسة عشرات من السنوات المتتالية وما عادت عند معرفتي للأمور بصورة قوية الا بظهور شهود يهوه بعبارات متشابهة او بمعنى شبيه.

           ليس في نيتي ولا في قدرتي أن أبرز السجال الذي دار في الاسلام حول خلق القرآن او عدم خلقه باعتباره كلام الله. وحتى تتبين أزلية القرآن كان لا بد من تقرير ان كلام الله قديم لكونه صادرا عن الكائن السرمدي وتاليا هو غير محدَث. وهذا الفريق الأعظم من المسلمين قال بضرورة ربط الكلمات الأزلية بالقالب القرآني اللفظي فأتوا بعلم أسباب النزول التي هي ظروف في حياة النبي ولكنها كانت في علم الله ولا هي تلغي أزلية الكلمة الالهية.

           أزلية القرآن وأزلية الكلمة (او الابن) عند المسيحيين مسألتان متشابهتان كان لا بد للعقل المؤمن أن يواجههما والذين قالوا بأزلية الكلمة عند المسيحيين وأزلية القرآن واجهوا مسألتين حقيقيتين هما مسألة في العقل المؤمن واحدة.

           غير أن المشكلة أعظم تعقيدا في الاسلام لأنها مشكلة العلاقة بين الكلمة والكلمات التي نزلت على النبي بصورة معبر عنها بصوته وكُتبت هذه الكلمات او حُفظت وسُمعت ودُوّنت. السؤال هو ما دور النبي في تجسيد هذه الكلمات لفظًا أو إلقاء. هل هو مجرد انسان يتلقى الكلمات وينقلها ام تنزل عليه المعاني ويجد لها لفظًا. كل هذا أثار تساؤلات عظيمة واختلفت المذاهب فيه.

#                #

           غير اني كما وعدت ليس همي هذا الهمّ في هذه العجالة فاني اليوم لست مساجلا أحدا غير اني عرضت الاشكالية لأصل الى مبتغى بشري بادئًا من أقوال الآباء المسيحيين القدامى ان الكلمة تجسّد (من الروح القدس ومريم) ليصبح الجسد (ويعنون الكيان البشري) كلمة. أهمل الآن اعتبار أزلية صورة الانسان في الطاقة بناء على قول القائلين ان كل مخلوق كلمة اخذت شكلها المخلوق في ما بعد. وهذا تحدّث عنه أهل الشرق والغرب. ولكن لصعوبة الموضوع لن أغوص عليه.

           ما همني ان تصير أنت كلمة إلهية بمعنى أبسط، غاية في البساطة. أريد بذلك أن تتشبه بكلمة الله. أن تصير نطقه او مرآة له في الفعل والكلام والنية وأن تكون خاليًا من كل كلمة بشرية صادرة بطريقة او بأخرى عن إلهامه. في الحقيقة ما جاء في الترجمة الأميركية للكتاب المقدس على أن الكتاب موحى به من الله هو في رأيي اعتماد اللفظة الاسلامية أوحى، يوحي ومشتقاتها ولكن اللفظة في اليونانية تعني ان كل الكتاب فيه نفحات الله والاشكالية تاليًا ليست خلافًا بين المسيحية والاسلام ولكل منهما عبارة تعني علاقة الله بالمكتوب. في المسيحية كلمة الله هي المسيح نفسه وليس مجموعة أسفار والروح أمد الانجيليين والأنبياء قبلهم بقوته ليكتبوا كلمات عن المسيح قبل تجسّده او بعد تجسّده.

           ما أريده هنا هو الحديث عن العلاقات البشرية على ضوء القوة الالهية في الانسان. فاذا كان سلوكك مطابقا بالكلية لما كانه الله ولما قاله تكون انت كلمته لأنك تكشفه للبشر فمن رآك رآه. بهذا المعنى انت ابنه وتسميه أبًا ليس لأنك انبعثت من جوهره وفي الجوهر ليس له شريك. ولكن انعكس فيك ضياؤه وليس من ضياءين في الوجود. يمدك الله بنوره. وبهذا المعنى انت وحدك في هذه الخليقة نور إلهي. المخلوقات غير العاقلة تلهمك عن وجوده كما قال آباؤنا ولكنها ليست الرؤية. والنور في الفيزياء القديمة هو في العين. وعندما تبصر الله ترى النور. هذه هي علاقة الله والانسان.

           اما اذا ادلهمّت نفسك وانطفأ نور عينيك فلا تعاين الرب. هو في الوجود مستقل عنك. واذا عصيته لا ترى شيئًا مطلقًا حسب ما ورد في عظة الجبل: “طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله”. والسماء كما نسمي هذا اللقاء بين الله والإنسان في المسيحية هو أن يتلاقى نور الرب بنوره أي في الأخير ان “يكون الله الكل في الكل” كما يقول بولس. ليس ان ذاته تختلط بذاتك ولكن قوته السرمدية تقاطع قوتك وتضها اليها. السماء اذا بحر من نور يسبح فيه العاشقون لله. وهذا يبدأ هنا من سكنى الله في قلبك. لذلك لا يختلف حقا الـ”هنا” والـ”هناك” وإن كانت الآخرة خيرًا لك من الأولى. اما في العمق الإلهي الذي الله يؤلفه فالله حاضر لاستقبالك ولن تبقى عليك وصمة ولا تذكر خطاياك ولا الله يذكرها. السماء هي ليست فقط امحاء المعاصي ولكن امحاء ذاكرة المعاصي عند الله وفيك.

وزوال المعاصي هنا هو التوبة. غير ان التوبة كدّ وكدح في كل يوم وكل لحظة حتى لا يبقى أثر للإثم. واذا ما زال الإثم عنك تصبح نفسك مرآة امام ناظري الله فيرى نفسه فيك. لذلك تزول عنك العبودية اي الهوة القائمة بين نورك ونور ربك. انا أعرف أن هناك هوّة بين الخالق والمخلوق على مستوى الجوهر او الكيان. وأعرف أن الطاعة مطلوبة ولكن في الملتقى  السماوي الذي هو قلبك. لا يستدعي الحبيب الا الحبيب ويصبح الرب لصيقًا بك.

           انت تختبر هذا ان كنت من العاشقين. انا لا أدعوك الى إهمال كلمة نازلة بتفسير او بآخر عن الله ولكني أدعوك الى حال الحب الذي لا كلام فيه وفي السماء ألسن الملائكة تبطل الكلمات التي انسكبت  علينا بسبب من التعليم. فالتذكير ابن العلم. الله لا يبطل في الملكوت العلوي  ولكن ذكره سيبطل لأنك لست في حاجة الى كلام بشريّ ولسان الملائكة الصمت.

           في هذه الدنيا وسائل عيش ووسائل تعلّم ولكن هذا كله يبقى على مستوى الوسيلة. اما الحب فليس بوسيلة لأنه معمودية الضياء الذي ليس بعده الا طبقاته. اذ ذاك، تحيا من وجه الله المبارك وتنمو الرؤية في عينيك الروحيتين ويزداد الله سطوعا لأنه ليس لوحة جامدة. والحي ليس له لوحة. في هذه الدنيا الحي خاضع للزمان الذي يجمده. والله ضياء كامل يتقلّب النور فيه ليحييك وأنت تسير ليس وراء هذا النور ولكن فيك حتى تحيا الى الأبد في صفاء لا يوصف.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

عمل الرسل وأتباعهم/ الأحد/ 4 أيار 2008/ العدد 18

الرسائل التي تتلى من الفصح وصاعدًا هي من كتاب أعمال الرسل لأنه هو الكتاب عن الروح القدس والكنيسة، ويسمّيهما سفر الرؤيا «الروح والعروس»، الروح هو الذي يمدّ الكنيسة بخصبه ورعايته ويقودها جيلا بعد جيل على رغم خطايا أبنائها وخطايا رعاتها الذين يهملون افتقادها.

ويُظهر الكتاب أن الرسل صنعوا آياتٍ وعجائب كثيرة في الشعب. وهذا يدلّنا على أن قوّة المسيح في الشفاء امتدّت بعده الى هؤلاء الذين اختارهم وأحلّ عليهم روحه القدوس في العنصرة.

لا يقول سفر الأعمال إن ناسًا كثيرين انضمّوا الى الكنيسة بسببٍ من العجائب. لا بد ان هذا حدث، ولكن الكثيرين انضمّوا بسبب تعليم الرسل ووعظهم. فبالتعليم والعجائب كانت لهم قوّة المسيح نفسها.

وفي المنطق نفسه قام بعض القديسين بالعجائب. على سبيل المثال تذكر معجزات والدة الإله والقديسين الذين نسمّيهم «صانعي العجائب». لتطويب قديس من قِبل كنيسة مستقلّة، لا نشترط حدوث أعجوبة ولكن نشترط قداسة السيرة والتعليم المستقيم الرأي عند من كان يعلّم.

وكما كان يؤتى الى السيّد بمرضى، أُتي الى الرسل بمرضى. اذًا ليس صحيحًا ما يقوله بعض الجهلة ان ليس من عجائب بعد المسيح. ذلك لأن الرب يسوع قائم في كنيسته بروحه القدوس. والكنيسة استمرار المسيح ولها قوّة المسيح لأنها عروسه.

ثم يشير المقطع الى شيعة الصدوقيّين الذين تحدّث عنهم الإنجيل. هؤلاء كانوا نافذين عند الرومان وكان نفوذهم يأتي من أموالهم. هؤلاء حبسوا الرسل في الحبس العام. «ففتح ملاك الرب أبواب السجن ليلاً» وأكمل الرسل خدمتهم في وعظهم في الهيكل، والمسيحيون في فلسطين لم يكونوا بعد قد انفصلوا عن الهيكل حتى تهدّم هذا في السنة السبعين على أيدي الرومان فعُرفوا كمذهب جديد مستقلّ عن اليهودية.

وكان الرسل يتكلّمون «بجميع كلمات» الحياة الأبدية التي أخذوها عن السيّد، والإنجيل لم يكن قد دوِّن بعد، ولكنهم حفظوا الكثير منه حفظًا، ولا بد أنهم كتبوا قطعًا من الكلام الذي تفوّه به السيّد حتى جاء بولس والإنجيليّون الأربعة وبعض من الرسل الذين نحافظ على رسائلهم.

وهذا يفرض علينا أن نتكلّم فقط من الباب الملوكي بكلمات الحياة لا بكلمات من خيالنا. أنت، كاهنًا او معلّمًا، تحمل فقط مضمون الإنجيل ولو تلوته بتعابيرك وأسلوبك، ولكن لا تعطي تعليمًا شخصيًّا منك. تتكلّم بالفصحى او بالعاميّة لا فرق، ولكن تبقى أمينًا للإنجيل ولكل الكتاب المقدّس، وإن كنت تعرف الآباء فتدعم المضمون الإنجيلي بأقوال الآباء والعبادات. لا علاقة لك بالشعراء والأدباء ولا تقدّم تفسيرًا خاصًا بك الّا اذا تأكّدت أنّ فيه ولاء للإنجيل.

طبعًا لك أن تدعّم وعظك بالمزامير والعهد القديم على أن تركّز كلّ فكرة على المخلّص لأنك تلميذه.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

السياسة اللبنانية ورجال الدين / السبت ٣ أيار ٢٠٠٨

يظن الإنسان اللبناني أنه يفهم السياسة لأنه يتكلّم عليها ويقرأ الصحف ويشاهد التلفاز. اجل يتحدّث بسياسة اميركا وأوربا والعرب والصين وزعماء لبنان وقراه. يحلل الأخبار بناء على ما قرأ وسمع. ولا يسعك ان تطلب من الإنسان العادي أكثر من ذلك. وفي كثرة الأحوال يردد ما سمعه من البيك لأن اللبناني ليس فردًا ولكنه عضو في قبيلة. انه انسان ملتصق بالجماعة اكثر منه شخصا مستقلا. اذ ذاك زعيمه مصدر فكره فيغضب اذا غضب ويهدأ اذا ذاك هدأ وتتحدّد علاقاته مثلما يُملى عليه.

                      لا تقوى هذه النزعة الحادة في الظاهر عند الحزبيين اذ المفروض ان عندهم ثقافة سياسية ولكن هل عندنا أحزاب حقا؟ لست مؤهّلا للجواب المسؤول عن السؤال ولكن انطباعي ان بعض الأحزاب لا تأتي قراراتها او توجيهاتها من مجلس شورى او لجنة مركزية عن طريق التصويت بعد مناقشة مستفيضة بمقدار ما تأتي من سلطان الرئيس الموهوب «الكاريزمي». ففي الحقيقة ان مجلس الشورى يبتلع الأعضاء وان رئيس الحزب او شخصا آخر قويا يبتلع مجلس الشورى وان الحزب في كثير من الأحوال مُشخصَن. وهذا ورد عند احزاب كثيرة قوية في اوربا فكان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي لينين حتى وفاته او مرضه الأخير ثم كان ستالين. والحزب النازي كان هتلر حصرا. ونكون، اذ ذاك، في ما يظهر حزبا وهو في الحقيقة قبيلة.

                      تحصل مناقشات بالتأكيد ولكن شعوري ان الأول يخشاه الآخرون ويؤثرون الانسجام بالأكثرية او يتركون الحزب. المناقشة هي للوصول الى الحقيقة لأن السياسة تحتمل وجوها كثيرة وليست الحقيقة في ما يقوله هذا او ذاك. ليس في معظم الأحزاب لين ولست داعيا الى الاسترخاء كما لست أدعو الى الاستبداد الذي كثيرا ما نجده في اللعبة السياسية.

                      البلدان الصغيرة دائما أشد فظاظة واختلافا في المجال السياسي. وحيثما تجد حزبين فقط كما في انكلترة والولايات المتحدة قلما تعثر على إنسان يكلمك بالسياسة. ربما هم يثقون بمندوبيهم الى البرلمان. هذا قليل في لبنان. فالصلة بين النائب عندنا «عائلية»، «صداقية»، انتظار وظيفة او اجراء معاملة ولكن ليست محاسبة او تواصلا او نقاشا بين النائب وكتلة من الذين انتدبوه. من هذا المنظار نجد اللبناني ولو فهم أشياء في السياستين الخارجية والداخلية لا يؤثر في قرارات نائبه.

                      على اللبناني ان يسلك في السياسة سلوكًا حضاريًا على غرار الدول الأولى في العالم. بكلام بسيط لا تسييس الا في الوعي الشخصي ولو كان لا بد من التكتل فيه.

#                  #

#

                      الأمر الآخر عندنا في التسيس يطرح مسألة تبني رجال الدين الذين ينطلقون بشرا من بشريتهم وانت تنتظر منهم روحية تأتي من معتقدهم. هنا لا بد لي ان أفرّق بين القادة الروحيين في الإسلام والمسيحية. فالإسلام له مع الفكر السياسي تماس من بعد نيلنا الاستقلال. ذلك ان الإسلام دين ودنيا اذا كنت فاهما له مع ان بعض العلماء يقولون منذ العشرينات في مصر ان الإسلام لا يتضمّن وجوده في دولة او مع دولة ولا سيما انه في عصره الذهبي كما في العهد العباسي كان العلماء شيئا والخليفة شيئا آخر. هذا ما أكّده دائما رضوان السيّد في أدبيّاته وما هو أساسي في الإسلام ان ليس فيه اكليروس ولا رجال دين ولكن فيه علماء. ولذلك لا يصح نظريا ان ننسب حديث العلماء الى بنية إسلامية ملزمة للمؤمنين. وليس للعلماء المسلمين قدسية تمنع المؤمنين من الاختلاف معهم.

                      اما في المسيحية فرجل الدين له قدسيته بسبب من وضعه الكنسي. مع ذلك هو لا يملي على رعيته خطابا سياسيا مرتبطا بمقامه. ولكنه رجل محب للبلد، يتألّم من أجله ويعتقد ان له الحق ان يوجّه المؤمنين بخاصة والمواطنين بعامة. أنا أرفض قول الإيديولوجيات التي تقول يجب ابعاد رجال الدين عن الخطاب السياسي. اولا هذا احتقار لرجل له كل صفات المواطنة. يلام ديموقراطيا اذا وقع في القدح والذم. ومن قال لك ان خلاص الوطن لا يأتي عن طريق هذا الإنسان. ان سويسرا وضع تنظيمها وروح ديموقراطيتها راهب أنقذها من الحروب الداخلية. ما أرفضه من داخل الكنيسة أن تتحوّل هذه الى حزب او تتحيّز في زمن الأزمات. المشكلة ليست في ان يتكلّم او لا يتكلّم. المبتغى ان يتكلّم صحيحا.

                      السؤال ليس في حضوره في العرين السياسي او غيابه عنه. السؤال هو في طهارته وصدقه ومن داخل الإيمان نقول ان الكاهن او من علاه مقامًا ليس له ان يقود نضالًا سياسيا لئلا ينسب الى الكنيسة ما يقوله وهو ملهِم فيها لأن الكاهن او الأسقف يتماهى في لبنان شاء أو أبى وطائفته وهذا يقتضي من قبله حذرا في التعبير وهدوءًا في المضمون واللهجة معا وهذا يتطلّب الاعتدال الذي هو طريق من طرق السلام. وبسبب من الدقة في التعامل بين الطوائف يحسن ان تتبلور المواقف في الشورى فلا يحسب على الجماعة ما يقوله فرد. وليس من الضروري ان يجمع الأحسنون في اية طائفة على موقف منها. غير ان التشاور أقوى في الإنقاذ والأبعد عن الخطأ الفردي لكون القداسة ليست متوفرة على درجة عالية ولا الحكمة متوفّرة كثيرا وليس من معصوم.

                      وفيما أعمق من كل هذا أن الكنيسة مكان للتطهّر وأسلوبها الأساسي التعليم والوعظ وتقديس النفوس وليس إصلاح الخطاب السياسي. هي شيء مختلف ليس فقط عن الدولة ولكن عن الوطن ايضًا. فالدولة حاكمة فقسرية والكنيسة لا تحكم ولكنها تراقب الوطن. وفي لبنان تراقبه مع المسلمين. ولو كنت أعتقد ان الإنجيل مصدر لكل تصرف في دنيانا الا انه بالدرجة الاولى دعوة. اجل، يحمل الإنجيل هواجس الوطن ولكن ليس في الكنيسة سلاح ولا يخرج منها أحزاب تعمل باسم المسيح. الوطن وحده يدعو الى حمل السلاح دفاعا عن الكل بواسطة الجيش والقوى الأمنية الأخرى.

                      الى هذا هناك واقعية تكشف لنا ان الخطاب المسيحي قلما يؤثر في مجرى الأمور وسلامة المسيحيين من اجل استمرارهم في هذا البلد تقضي عليهم بألا يقعوا مجددا بغلطة التأسيس لميليشيات  فإن فعلوا ديسوا. واذا تمزّقوا في ما بينهم ينتهون جسديا او يضطرون الى هجرة قاسية. السلام هو الضرورة الوحيدة لأداء الشهادة الإنجيلية التي أكسبتهم وجودهم في كل بلد أقاموا فيه. لست أعتقد أن هناك خيارا مسيحيا في اي ظرف وزمان. كان يقال في الحرب الأهلية ليتوحد المسيحيون ثم يحاورون المسلمين. كنت دائما أقاوم هذه الفكرة لأنهم قد يُجمعون على خطر. هل بعد ذلك يعرضون الخطأ على الآخرين؟

                      وكان دائما يزين لي ان التشديد على «سياسة مسيحية» هو الأخذ بالطائفية المسيحية. المسيح لم يدخل في سياسة أبناء جنسه المقاوِمة للرومان. لم يرفض سلطة وما تبنى سلطة. قال للوالي «مملكتي ليست من هذا العالم».

                      لا يفهمنّ أحد من هذا الكلام أني أتمنّى الا يخطب اكليريكي في شؤون الوطن باسم المسيح. انا قلت قبل سطور: رجل الدين مواطن. فاذا أراد أن يتّخذ موقفًا سياسيا فله ان يتوقع ان لأهل السياسة الحق في أن يجادلوه او يساجلوه لأنه يكون قد جعل نفسه رجل سياسة. الى هذا كيف لا يمتزج في عقله الموضوع السياسي والموضوع الروحي؟ من يؤكّد لنا انه لا ينطق عن هوى؟ من يقول لنا انه مرجعية في مجال لم يدرسه وهو درس اللاهوت، والسياسة علم آخر وله تقنياته.

                      هو قد يؤمن بأنه يدافع عن الوطن ولا سيما في هبوطه ولكن ما الحدود بين الكلام السياسي والكلام الوطني؟ افهم اننا لسنا جميعا أخصائيين في هذه الأمور ولا سيّما ان المواطنية أرض يعيش عليها كل الناس وان الاكليريكي يمكن ان يتمتع بحصافة لا يملكها السياسيون الذين الأخلاق ليست اختصاصهم وان الأخلاق كثيرا ما ألهمت انسانا ذكيا من عامة الناس.

                      الى هذا ايضا وايضا ما يسميه المسيحيون الرعاية يؤخذ من رعاتهم كل وقتهم. وهم عن طريقها ينفذون الى الخطاب السياسي الوطني اذا اضطروا ان يخوضوه. ولكن ان ينتقد هذا المنحى او ذاك، هذه الوزارة او تلك حتى بلا انفعال فهذا يعني ان الذين يدخلون هذا الحقل محّصوا كل الملفات. وهذا لا يتوفّر لعدم الاختصاص او هذا سياسة مبتورة. بربكم ارعوا النفوس الموكلة اليكم رعاية دؤوبة والباقي شورى بينكم وبين المواطنين الفهماء. اوكلتم خلاص النفوس بالوسائل المعروفة في الكنيسة. قد تنزل عليكم رؤى او التماعات ذكاء. انا لست انكر ذلك. ولكن هذا هامشي في عملكم. واذا كان هذا كذلك يسودكم العدل ولا يسودكم التحير او التنقّل بين موقف وموقف. القضية قضية معرفة ما في ذلك ريب ولكنها ايضا قضية روحية. طوعوا كل شيء لكلمة الله التي هي دائما هادئة. ثم طوعوا كل شيء للصبر الذي يمكن ان يقترن بالشجاعة والحماسة. واذا هدأت النفس لكم ان تختاروا عباراتكم بالتأني والرأفة بجميع الناس، اذ ذاك، ينزل عليكم الهدى الإلهي.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

في البدء / الأحد 27 نيسان 2008 / العدد 17

القراءة الإنجيليّة المتعلّقة بالقيامة تُقرأ في سَحَر العيد الذي تسمّيه العامة «الهجمة» اذ يدخل الكاهن الكنيسة بعد أن تكون أقفلت أبوابها.

أما في القداس فنقرأ فاتحة إنجيل يوحنا، ونلازم قراءته حتى نهايته لكونه الإنجيل الأفصح عن ألوهية المسيح. الاستهلال هو «في البدء كان الكلمة» ولا ريب أن يوحنا يستهلّ كتابه بأول كتاب التكوين: «في البدء خَلق الله السماوات والأرض» وتاليا يريد يوحنا أن يقول ان الكلمة اي ابن الله كان موجودا قبل بدء الخلق. ثم يردف أن الكلمة كان عند الله ويريد به الآب، وأخيرا ضد الذين يقولون ان الابن مخلوق قال الإنجيلي: «وإلهًا كان الكلمة». يصفه بالإله لأنه مولود من أبيه حتى يوضح المجمع المسكوني الأول: «المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق».

وعندما يقول: «كلٌّ به (اي بالابن) كان»، ثم يقول «به كانت الحياة»، يزداد الوضوح على ان الابن خالق، ولا يكون المجمع قد «اخترع» ألوهية المسيح كما يقول بعض.

توًّا بعد هذا يتكلّم الإنجيلي عن رسالة يوحنا المعمدان. يجعله شاهدًا للنور الذي قال عنه انه المسيح. المسيح وحده هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتٍ الى العالم. ولكن البشير يقول في نوع من الحزن ان هذا العالم لم يعرفه.

ثم يقول في حزن أشدّ: «الى خاصته (اي الى اليهود) جاء، وخاصتُه لم تقبله» ولكنه يشهد أن أناسًا قبلوه (اي نحن المؤمنين به) «أعطاهم سلطانًا ان يكونوا أولادًا لله». هؤلاء لم يولدوا من لحم ودم -هذه ولادة طبيعيّة- ولكنّّهم من الله وُلِدوا اي جدّدهم الروح القدس بنعمة المعمودية وبكل نعمة لاحقة.

في المقطع الثاني من هذه التلاوة يقول: «والكلمة صار جسدًا» اي انسانًا وحلّ فينا (دائما بالنعمة) بعد أن حلّ في أحشاء مريم. بعد تجسّده من العذراء يتكوّن فينا المسيح، في كل مؤمن به وذلك دائما بالروح القدس.

أما قوله «وقد أبصَرْنا مجده» فيشير به الى كل العجائب التي أظهرت هذا المجد، وخاصة تجلّى لنا مجده على الصليب وقالها يسوع غير مرّة في إنجيل يوحنا ذاته. ثم يعيدنا الكاتب الى يوحنا المعمدان وأنه شهد للمسيح على أنه متقدم عليه، ثم يعود الى السيّد فيقول: «من ملئه نحن كلّنا أخذنا» وهذا ما يؤكّده بولس عن السيّد «فيه حلّ كل ملء الله جسديًا»، حتى ينهي هذا المقطع بتأكيده على أننا بتنا في عصر النعمة بعد ان جاء ناموس موسى (هو من الله بلا ريب) ولكنّا الآن في مجال النعمة والحق وهما نزلا علينا بموت السيّد وقيامته وإرساله روحه. ولا يقول «أُعطيا» ولكنه يقول «حصلا» لأن النعمة والحق إشارة الى الروح القدس والمسيح وهما قد حصلا فينا وصار كلّ معمّد مسكن الله وكلّ المعمّدين معا كنيسة الله.

وهكذا نتدرّج من هذه القراءة الى كل سطر من سطور الإنجيل الرابع التي تتجلى فيها أزليّة الابن الإلهي. ليس مثل إنجيل يوحنا يرفعنا الى السموات.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الفصح / السبت ٢٦ نيسان ٢٠٠٨

يلفتني في الفصح العظيم ان المسيح وحده قام من بين الأموات وانه تاليا كان يحمل الحياة في ذاته. يجيء فقط أزليا من الله بلا واسطة امرأة وتاريخيا من امرأة بلا وساطة أب. ونحن على هزالتنا نجيء بكثافة منه ان فهمنا سر الحفاظ على وصاياه اي نجيء من النور الذي كانه ويبدد عتماتنا ان استقبلناه بحب وما ذلك من الدنيا. المسيحيون معظمهم من الدنيا ان لم يفهموا ذلك كانوا في اورشليم ولا يكترثون لأورشليم. صاروا الى رومية وقتلتهم رومية. والخيار الذي تركهم لهم ربهم ان يشهدوا له. ان يموتوا وان يحيوا شيء لا يهمّهم. كيف يجعلون هذا هاجسهم الوحيد. والآلام قسطهم لأنها شرط قيامتهم في هذه الدنيا وفي الآخرة. لا يطلبون ان تظهر عظمتهم الدنيوية بل ان يشع نورهم الداخلي.

          ان كان غيرهم يطلب مجدًا فليعترفوا له بالمجد ان ظنه اساسا لوجوده. لن يسقط مجدهم هم لأنه من نوع آخر. قد يريد الآخر سلاما على طريقته. هم يريدون ايضا سلاما مع الحرية لهم وللآخرين. اي شكل سياسي تتخذ الحرية لست اعلم. فلنبدأ بالدعوة اليها وفق القوانين الدستورية بدءًا من افلاطون حتى الفارابي اي تكون الحكمة واحترام الآخرين كما هم على أساس العدالة. والعدالة ليس صعبًا تحديدها حاملها هو المواطن. والمسيحي مواطن بمعنى ان هذه صفته في المجتمع والآخر مواطن اذا أراد. وهكذا تقول الدول او معظمها صادقة ام غير صادقة. ولكن ان تقول ان الآخر مثلك وانك مثله يعني ان ليس لواحد منكما صفة اخرى في الوطن.

          والوطن لا يعني فقط ارضا اخترت حدودها ولكنه يعني اولا الناس الذين هم عليها وتعني انكم تديرون وحدكم شؤونها اذا استطعتم. ولكن هناك وراء الحدود القريب او البعيد الذي يطبع توجيهك وأفهم انك تؤثر الجارالقريب او الجار البعيد حسب تركيبتك السيكولوجية وتركيبات اخرى.

#                   #

#

          افهم ان الدول تحب التمدد حسب منافعها وليس عندها معيار الآخر. هذا لك ان تأخذه بعين الاعتبار بلا استسلام. والبلد الصغير مثل بلدنا معرّض منذ القديم الى تأثير أشور ومصر القديمة وكنا نحاول ان نتملّص من وطأة الغريب ما استطعنا ولكن كان لنا شوق ألا نقع في أحضان هذا وذاك وكل حضن يختلف عن الآخر دفء.

          والوطن الصغير جذاب بما فيه من خدمات يستغلها الغريب ومن متع تعاش فيه. يقضمه دائما هذا وذاك ولو حافظوا على ارضه لأن هذه لا تتزعزع وربما حافظوا على علمه ضمن مشروع القضم الذي يريدونه. هذه كلها وصايات تتفاوت حدتها وقد تجتمع الوصايات علينا في اتفاقات بينها يوم يظهر تقارب الوصايات بلد تتقاسمه الشهوات وتتآكله وعندنا من هو شغوف بها اذ ينتفخ بها او تكثر بها ثروته او يستكبر على اهل بلده وتنشأ داخليا مودات تختلف في صدقها وتتفاوت المودات  حتى النحر. وعندئذ  لا يبقى التذمّر وحده من الأجنبي استكبارا والاستكبار الداخلي فيه نحر مميت على شيء من الدوام وينفرط البلد داخليا والأجنبي اذا ساءت احواله تخف وطأته عليك فاللبناني اقرب اليك من الوافد لأنك تستطيع ان تتدبر أمره اذا حاول ان يرفع عن عاتقك النير الموضوع عليه ليأمن مواطنه فيسعى الى رؤية ان مكونات بلده ضرورية لبقائه.

          واذا منّ الله علينا ببركاته لنا ان نبلغ إرادة التواصل بيننا وان نحيي هذه الإرادة بالحب والحب ينشأ وتربيه بالبنية التي تراها نافعة لبلدك حتى اذا ما استقامت مؤسساته وأجمعت على زواج لا ينفعك بينك وبين إخوتك تندفع الى رفع السطوة من عنقك وتحاول الاستقلال ما أمكن لأنه محاولة دائمة والسياسة كلها فن المحاولة وكل بلد هشّ كما الدنيا هشة الى ان يرث الله الدنيا وما عليها. مع ذلك العزلة قتّالة ومستحيلة. ولكن إرادة الحرية بأهمية المشاركة الوطنية في كل شيء حتى تعيش كل مكونات البلد بلا سيطرة الواحدة على الأخرى لتتحقق المواطنة الصادقة.

          البلد الذي يغذّي شهوات المكونات ليس ببلد. هذا شريعة الغاب قوامه. لذلك لا بد من دستور يُراعى وقوانين تُطبّق والحكم للكل مجتمعين ومتحابين. قلت متحابين لأن القانون وحده بلا قلب جاف وتشتد فيه التدابير القسرية وتعود اذ ذاك فيه الاستفزازات ويعود الى انقساماته الداخلية فيتزعزع من الداخل. وهذا يعني تربية على التوحد الوطني الذي ينفي حارة النصارى بمعناها السياسي وحارة المسلمين بمعناها السياسي ويتنافى فيه التحزّب لهذا الأجنبي وذاك.

          وثمرة كل ذلك ان نكون وطنا واحدًا يدبّر شؤونه بالمعطيات التي بُني عليها تاريخيًا دون أن تتآكله المعطيات الداخلية، هذا إذا أدرك ان التطلّع هو تطلّع الى المستقبلات أكثر من التسمّر على الخصوصيات لهذا التكوين او ذاك. اما كيف يكون الجمع بين الماضي والآتي فهذا عمل الكبار في الأخلاق لأن لبنان أخلاق في السياسة كما هو أخلاق عند الأفراد.

          هذا هو فصح لبنان. هي تسمية رمزية لأقول ان الآلام الحاضرة قد تكون مرحلة على ما يرجو الجميع حتى نستيقظ من الموت الحال فينا اليوم لنصبح وطنًا ممكن العيش فيه ومرجو العيش فيه لأن الموت ليس للأوطان. واذا سمح لي استعارة لفظة الفصح لنا جميعا فاللبنانيون كلهم فصحيون لأنهم أبناء القيامة. الله نرجو ان يوصلنا الى هذا الفصح الجماعي حتى لا نفقد القيامة. والى حد كبير ستكون القيامة بنعمة إلهية عملنا المشترك بعد ان توافقنا على أن لبنان وطننا جميعا. واذا كانت مشيئة الله ان نبقى سوف تهدأ العواصف فينا ومن حولنا لكوننا نستحق الحياة. غير ان إرادة الحياة تأتي من المحبة والنسك الذي تقتنيه اي من طهارة الأفراد والجماعة. ليمسح الله كل دمعة من عيوننا ونحيا حياة واحدة لا ذل فيه ولا رق لإيماننا ان أحدا لا يستحبّ العبودية بعد ان أمسى بعد ظلمات رهيبة عاشقًا للفصح.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

فضائل يذكرها بولس/ الأحد 20 نيسان 2008 /العدد 16

اقتبست الكنيسة من رسالة فيليبي ما فيه فرح وما يتفرع عن الفرح يوم ندخل بالشعانين في انكشاف هو الخلاص. فإذا قال الرسول: «افرحوا في الرب كلّ حين»، ينفي وطأة كل حزن علينا اذا ذكرنا المخلّص. وهذا يقود الى القول ان ليس من محل للحزن مهما طرأ علينا من أهوال.

«وليَظهَر حِلْمُكم لجميع الناس» فالمطلوب هو الصبر عليهم والمغفرة وانفتاح القلب لكل واحد.

ثم يدعو الى أن نرفع طلباتنا الى الله بالصلاة، ولكن يزيد على الطلبات الشكر اذا لبّى الله طلباتنا. وعندئذ ينزل علينا سلام الله «الذي يفوق كل عقل». والسلام الذي يشير اليه بولس هو ثمرة المصالحة مع الرب وليس مجرد هدوء أعصاب. ويوضح ان طبيعته نعمة لأنه يُنشئ البصائر في يسوع المسيح الذي فيه نرى الصالحات وما نرثه من الرب في الملكوت الآتي وما نراه عند الأتقياء في هذا الدهر.

وبعد هذا يشير بولس الى فضائل كثيرة تفيض من القلب التائب: «الحق» اولا الذي يحتوي كل شيء، و«العفاف» الذي نسعى اليه بجدّة في الأسبوع العظيم الذي نفتتح، ثم «العدل» بين الناس ولا سيّما المتخاصمين وألا نتحيّز الى أقربائنا أو أصدقائنا. والى العفاف يزيد «الطهارة» التي هي نقاوة القلب التي تؤهّلنا الى رؤية الرب كما قال السيّد في التطويبات.

«حُسْن الصيت» الذي يذكره ثمرة للسلوك الحَسَن. وكذلك يحضّ بولس على «مدح» الأتقياء في غيابهم لندعو الناس الى التشبّه بهم. «افتكروا في هذا» يقول، ولا تفتكروا في أي شيء سيّء لئلا تضيّعوا أيّة فرصة للفضيلة. انبذوا الكلام البطّال اي الثرثرة والنميمة التي تقتل النفس.

أخيرًا يختم بدعوته المؤمنين في فيليبي ان يتعلّموا منه وأن يتمسّكوا بما تسلّموه وسمعوه منه وما رأوه فيه، في تصرّفه. فالمسيحيّة تؤخذ ممن سبقك في الإيمان والجهاد والمحبة والعدل والطهارة وفي عمل الحق. المسيحيّة تنتقل من جيل الصالحين الذين كافحوا الشرّ قبلك ورأيت مجد الله عليهم. لا تقل فقط قولهم ولكن اعمل ما عمِلوا.

ليست المسيحيّة فقط كتبًا تُقرأ ولكنّها سلوكيّات تنتقل من واحد الى آخر. فويل لمن تأتي عن يده العثرات، وطوبى لمن عمِل الصالحات لأنه ليس يتبرّر وحده أمام الله ولكنه ينقل البِرّ للآخرين. فهناك تراث معرفتنا للإيمان والى جانبه تراث القداسة. فقد يعرف بعض الناس أشياء ولكنهم لا ينقلون النور.

ليست المعرفة كلّ شيء ولكن كل شيء أن تقترن بالطهارة فهذه تفعيل لمعرفة المسيح وما قاله. هكذا أنت تدخل الى أورشليم وتعيش معه الأحداث التي عاشها وتموت معه وتُدفَن معه وتقوم معه. وهذه عمليّة دائمة نسعى كل يوم الى تحقيقها كي لا يبقى في قلبك منزلة لغير المسيح.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

سبت لعازر / السبت ١٩ نيسان ٢٠٠٨

هذا هو اليوم الذي نحن فيه والحديث فيه عن بعث يسوع لصديق له اسمه لعازر اي الله عون او أزر وكان له أختان مرثا ومريم  ورد ذكرهما في غير موضع في الإنجيل. ويخيّل اليّ أن هؤلاء الثلاثة من حلقة الأتباع الواسعة المنتشرة في فلسطين الى جانب التلاميذ الاثني عشر. إصحاح (او فصل) كامل يخصّصه يوحنا الإنجيلي لهذه الحادثة ما يعني انها باتت جزءًا من لاهوته كبيرا.

         وفي هذا يتبع اسلوبه المألوف أن سردًا ما يكون صورة عن سرد سيأتي أكثر كثافة وأعمق معنى.

         جرت الحادثة في ضاحية من ضواحي أورشليم تسمّى بيت عنيا وهي معروفة اليوم باسم العازارية. أرسلت الأختان تقولان ليسوع وهو في طريقه الى اليهودية ليدخل اورشليم في اليوم التالي: «يا سيّد هو الذي تحبّه مريض». وهذه العائلة نعرف شغفها بالمعلّم وما كانت الأختان في حاجة ان تسميا أخاهما باسمه. غير ان المعلّم ما لبّى رغبتهما توًّا. وحاول التلاميذ ان يقنعوه بعدم الذهاب الى تلك المنطقة بسبب من عداء اليهود له. لعلّ يسوع استخف بعداوة اليهود اذ رآهم في الظلام فقال: «ان كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور العالم» كلمة نور واردة كثيرًا في الإنجيل الرابع ومنذ فاتحته تدل على شخصيّة المسيح. هنا قال يسوع: «لعازر حبيبنا قد نام». استخدم هذه العبارة ليدلّ على أن لعازر مات. وعبارة الراقد في المسيح واردة في كل الأدب الإنجيلي ولكن التلاميذ لم يفهموها حتى قال لهم المعلّم علانية «لعازر قد مات». بعد هذا مشوا الى بيت عنيا.

         «فلما سمعت مرثا ان يسوع آت لاقته فقالت له: «يا سيّد لو كنت ههنا لم يمت أخي»». عتاب لطيف مليء بمعرفتها لقدرة يسوع. «قال لها يسوع سيقوم أخوك» فظنّت أنه كان يتكلّم عن القيامة في اليوم الأخير فقال لها يسوع: «أنا هو القيامة والحياة. مَن آمن بي ولو مات فسيحيا وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت الى الأبد».

         قبل هذه الحادثة أوضح يسوع في إنجيل يوحنا نفسه أن البشر سيقومون في اليوم الأخير وسمّى ذلك قيامة حياة للأبرار وقيامة دينونة للأشرار. هنا يبدو أنه يدخل مفهومًا للقيامة جديدًا وهو انه هو القيامة للذين يؤمنون به. لم يلغِ الاعتقاد بقيامة الأموات ولكنه علّم هنا أنك إن كنت معه وله ففي حياتك على الأرض انت قائم من الموت الروحي وحياة الله بواسطة المسيح هي فيك. أظن أن القولة الركيزة في معجزة إقامة لعازر هي قولته لمرثا: «أنا القيامة والحياة». على هذا تأتي المسيحيّة كلّها تعلّقًا بالمسيح وليست هي كتابا الا بمقدار ما يقوّي هذا الكتاب عشقنا للمسيح. لا بد من كتب ولا بد من عبادات وطقوس وما نسمّيه أسرارا إلهيّة كالمعمودية وتناول القرابين. ولا بد من معابد وقانون ينظم حياة الجماعة. ولكن هذه كلها ما هي الا وسائل تقوّي الحب ليسوع ولقاءنا شخصه في كل حين عملا بقول بولس: «لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ».

         قد لا نكون كاملين في هذا لأن الخطيئة تحجب المسيح عن أبصارنا ولكن جهد التطهّر الذي نبذله هو أن نبيد فينا الغشاوة لتنظر عيوننا بنور المعلّم فنشاركه آلامه ونقوم معه فلا نموت الى الأبد واذا تبنا تتجدّد حياة السيّد فينا. ومَن أحبّ يسوع بلا تردّد ولا تساؤل أيّا كان مذهبه يكون معمّدًا بروحه لأنه يبثّ روحه عند القابلين اياه ويجعلهم أبوه جبلة جديدة.

         أجل الحب يقوى اذا قوّيته اي اذا شئت انت وشاء هو فيصبح هو فيك وتصبح انت منه اي أخًا له وجالسًا معه في السماويات فيما تعدو قدماك على الأض ويزول المدى بين السماء والأرض.

         وبعد ان قال يسوع لمرثا هذا القول سألها: «أتؤمنين بهذا؟» وكان لعازر لم يقم بعد. وما كان لها برهان حسّي على قدرته على نطاق الموت «قالت له نعم يا سيّد. لقد آمنت أنك انت المسيح ابن الله الآتي الى العالم». وبعد هذا مضت «المعلّم حضر وهو يدعوك». وهو لم يقل ادعي أختك ولكنها أرادت أن تشاركها الإيمان به كل هذا قبل بعث لعازر فقامت «مريم سريعا وجاءت اليه» ونعرف من الاصحاح الثاني عشر الذي يلي انها «أخذت منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها». حب كبير عند هذه التي كانت تريد دائما أن تسمع كلامه ولا ترتبك كمريم بأمور هذه الحياة. فلما رأته كان لا يزال خارج القرية قالت له مثل أختها «يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي». هنا أرادت أن تؤكّد قدرته على غلبة الموت او على منعه. فلما رآها يسوع تبكي «انزعج بالروح واضطرب». ربما أراد الإنجيلي ان يؤكّد بشريّة يسوع في مشاركته آلامنا. ولنا ان ترى في هذا إشارة الى آلامه التي ستكتمل بعد ايام قليلة.

         بعد هذا قال المعلّم اين وضعتموه فأروه القبر. اذ ذاك يقول الإنجيل: «بكى يسوع». والواضح هنا ان يوحنا الرسول الذي ملأ كتابه من الحديث عن ألوهية السيّد أراد أن يؤكّد ناسوته ربما ليدلّ على أن يسوع سوف يموت بناسوته كما ترضى ألوهيّته ان يموت. وفهم اليهود بعد بكاء المخلّص انه كان يحب لعازر ثم قالوا: «ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا ايضًا لا يموت. فانزعج يسوع ايضًا في نفسه وجاء الى القبر وكان مغارة قد وضع عليها حجر». هكذا سيوضع الرب في مغارة يسدها حجر. لعلّ يوحنا لمح أن السيّد ايضًا سيوضع في قبر بابه من حجر. اذ ذاك قال يسوع: «ارفعوا الحجر» فقالت مرثا «يا سيّد قد أنتن لأن له أربعة أيام» كانت تعرف قوة يسوع ولكنها لم تفهم مع ذلك ان النتانة يمكن بإرادة الله الا تحصل. قال لها يسوع وهو في حالة الاضطراب والبكاء: «ألم أقل لك أن آمنت ترين مجد الله»، هذا المجد الحال عليّ والساطع بي وبعملي. «فرفعوا الحجر». عند قبر يسوع رفعت قوة الله ممثلة بملاك الحجر عن قبره.

         صلّى يسوع للآب وطلب اليه ان يوحي للجموع ان يؤمنوا بأنه هو الذي أرسله. وما قال هذا في معجزات أخرى مع انه كان يريد في غير معجزة أن يؤمنوا. «ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجًا«. فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع حلّوه ودعوه يذهب».

         بعد هذا لا نعلم الى اين ذهب. نقرأ فقط في الإصحاح الذي يلي ان العائلة صنعت عشاء للسيد وكان لعازر أحد المتكئين. ثم جاء في تراث الكنيسة انه عاش هنا او هناك وصار أسقفًا ومات لأن جسده بقي جسدا بشريا قابلا للموت بخلاف جسد يسوع الممجّد الذي لم يتسلّط عليه الموت بعد قيامته.

         وتكتمل الرواية في الحديث عن رؤساء الكهنة والفريسيين الذين عقدوا مجمعًا ليتشاوروا بالمصير الذي كانوا يعدّونه للمسيح خاشين ان يؤمن به الجميع وخافوا على انه اذا كان هذا هو المسيح الحق الذي سيحرّر فلسطين من الاستعمار الروماني ويأتي هكذا باستقلالهم عن الاستعمار، خافوا ان يصطدموا بالمستعمر فقال قيافا رئيس الكهنة في تلك السنة: انه خير لنا ان يموت انسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ويؤكّد يوحنا الإنجيلي ان كبير الأحبار هذا «تنبأ ان يسوع مزمع ان يموت عن الأمة كلها وليس عن الشعب فقط بل ليجمع ابناء الله المتفرقين (اي البشر كلهم) الى واحد فمن ذاك اليوم تشاوروا ليقتلوه». بعث لعازر كان في رؤية يوحنا البشير سببا من أسباب قتل المسيح الى جانب الأسباب الأخرى التي ذكرت في محاكمته.

         ان الإنجيل أراد أن يبيّن في إقامة حبيبه لعازر ان يسوع له سيادة على الحياة والموت. وقالت العبادة التي نقيمها في كنيستي اليوم: «ايها الموت ان المسيح قد سباك الآن بواسطة لعازر» وتابعت من اجل منفعة كل مؤمن: «أتوسّل اليك ايها المحب البشر ان تنهضني انا الميت بالأهواء».

         سيعبر المسيح الموت. وقد جعل بعث لعازر بموته صورة عن موته هو وعن قيامته. ولذلك كان لا بد له ان يدخل اورشليم في احد الشعانين الذي نقيم ذكراه غدًا.

         لقد ألّف المسيحيون العرب خارجا عن العبادات الطقوسيّة أناشيد شعبيّة عن إقامة لعازر يرتلونها في بيوتهم فجاءت نشائد فرح اذ المسيحيون لا يتفجّعون عند موت المخلّص نفسه بل يغيرون التحيّة العادية التي نحيي بها بعضنا بعضا كل صباح ومساء فنقول المسيح قام ويجيب من نحييه: حقا قام وينتظرون خلال الأسبوع العظيم فرح القيامة موقنين انهم لا يموتون الى الأبد.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

إخوة يسوع/ الأحد 13 نيسان 2008 / العدد 15

صاحب الرسالة إلى العبرانيين يسمّي المسيح المقدِّس (كسرة على الدال) ويسمّي المسيحيين مقدَّسين (فتحة على الدال) ويعتبر أننا إخوته بتجسّده. هو ابن لله الآب بالطبيعة، ونحن أولاد بالتبني. وقد أوضح الرسول أن الأخوّة باتت واضحة بيننا وبين الله لمّا اشترك هو في اللحم والدم. عمل هذا ليكون كالبشر ويموت مثلهم.

ثم زاد هذا إيضاحًا انه تجسّد «لكي يُبطل بموته مَن له سلطان الموت أي إبليس». جانب من جوانب موت السيد أنه يُبطل سلطان الموت، ونتيجةً لذلك «يُعتِق كل الذين كانوا مدة حياتهم خاضعين للعبودية مخافةً من الموت».

السؤال اذًا هو الآتي: لماذا كانت البشرية خاضعة لعبودية الخطيئة، ولم يقل ان الموت مكتوب عليها او كان في طبيعتها، بل قال: كانت تحت العبودية لأنها كانت تخشى الموت. فكل خطيئة خوف من الموت. مثال لذلك: السارق يسرق لظنّه ان الفقر الكبير يميته ويميت أولاده، او السارق لثروة كبيرة يسرق لظنّه ان ثروته لا تكفيه. الكاذب يكذب لكونه يخشى العقاب. ليس من خطيئة الا هي ناتجة من خوف. غاية موت المسيح حريّتنا من خوف الموت.

بعد الحديث عن موت السيّد يقول كاتب الرسالة ان السيّد «كان ينبغي ان يكون شبيهًا بإخوته في كل شيء ليكون رئيس كهنة» ليكون هو ذاته مقرّبا الذبيحة والذبيحة بآن. هذا هو كهنوت المسيح الذي ليس بعده كهنوت إلاّ بالمشاركة بحيث أنّ المسيح مستخدمًا الكاهن البشري هو الذي يقدّم الذبيحة.

ليس من كهنوت الى جانب كهنوت المسيح. كهنوت المخلّص وكهنوت البشر واحد. وذبيحة القداس واحدة مع ذبيحة الصليب. ليس من تكرار لذبيحة الصليب، وليس من ذبيحة ثانية. كل قداس هو امتداد او انعكاس لذبيحة الصليب.

وبعد هذا يقول الكاتب عن السيّد إنّه كان «رحيمًا أمينًا في ما لله حتى يكفّر خطايا الشعب» أي يزيل خطاياهم بغفرانه وقبولهم هذا الغفران بطاعتهم للوصايا.

ويستفيض الرسول بالشرح إذ يقول «إن الرب يسوع قد تألّم مجرَّبا (بفتح الراء) فهو قادر على ان يُغِيث المصابين بالتجارب» أي نحن جميعًا. لا تتحرر من الخطيئة إلا إذا اندمجت بآلام المسيح وعانيتها بالتوبة.

أن تتجرب قد تعني آلام الجسد اذا حلّت بك وآلام النفس وإغراء الخطيئة. كلّ هذه الآلام يحملها المسيح فيك ويحرّرك روحيًا من وطأتها ويحفظك من الخطيئة اذا اقتربت انت اليه وآمنت أنّه خلّصك ويخلّصك اليوم فتحيا بقيامته.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الوجع / السبت ١٢ نيسان ٢٠٠٨

ما من تساؤل موجع كالتساؤل عن الألم، عن أسبابه، عن غايته، عن مكانته في الكيان، عن طبيعته. صاحبه يقرأه او اشياء تمنعه من القراءة. الآخرون يتفرّجون او يشرحون وجلّ ما يعطونه الحنان. ولكن لا يمكنه ان يقيم في جسد يتألّم او نفس تعاني اذ لا يمكنه ان يحمل اوجاعه ولا سيّما اذا قال المصاب مع صاحب المزامير: «ووجعي مقابلي في كل حين».

                      هناك ناس أعرفم حملوا غير ضربة عشرات السنين بعضهم كل يوم وبعضهم في فترات. من الناس من يُساكن آلامه طول الحياة وهذا من النوع الذي يسميه الطب عجزا كأوجاع العظام ويقول له الأطباء للتهدئة أو الواقعية: هذا ستحمله الى القبر وفي هذا قال أشعياء: «امتلأت حقواي وجعًا وأخذني مخاض كمخاض الوالدة. تلويت حتى لا أسمع» (21: 3).

                      هذا كثيرا ما رافقه الحزن والحزن يصل بك احيانا الى الأنين الداخلي والى حدود اليأس.

                      الى هذا الهمّ والقلق والاضطراب والتشنج. هذه الآلام المعنوية الى جانب الجسدية يكشف لنا ان في شعور الناس هذه التغيّرات في الإنسان التي تعني له ان القاعدة هي السلامة. هذا اذا نظرت الى غاية الخلق والى وضع الإنسان قبل ان يخطئ. ولكن المرئي الحاضر والذي يصل اليك باللمس والجس والسمع هي ان كل مخلوق عاقل في مرحلة من مراحل حياته او جلها او كلها مضروب الجسد او النفس او كليهما. انت لا تختبر قاعدة الخلق ولكن خلله ولا تعطى السلامة الا في اليوم الأخير.

                      انت على هذه الأرض ترجو ويتدبر المحبون جرح نفسك وأهل الاختصاص جرح جسدك. قبل ذلك كل بدنك وقلبك ونفسك ساقط قليلًا او كثيرًا ولكن لا تنشأ او لا تنمو على السلامة. هذا في الطبيعة غير معروف. ولكن في اللاهوت الأرثوذكسي نعرف ان الغاية من الجهاد الروحي ان تصل الى الهدوء اي التحرّر الكامل من الشهوات وتاليا التحرّر من وطأة الألم معنويًا عليك ولو أحسست أن في جسدك خللًا. والقوم الذين بلغوا هذه الحرية نسميهم هدوئيين. فاذا بت مستقلا عما فيك من وطأة الآلام مع انك مصلوب عليها تعود الى القاعدة الأولى التي خُلقت عليها وكأنك في الفردوس قبل سقوط آدم او في الملكوت الآتي، او كأنك مشاهد المسيح. هناك قوم حل الخلاص عليهم منذ هذا العالم. هذا لا يعني انهم لا يعرفون التجارب بعد هذا التجلي ولكن اذا عادوا الى التجليات يصبحون ملكوتيين من جديد.

                      ندرك الهدوء من بعد الموت اذ لا مجال، اذ ذاك، للسقوط وتلفتنا الرحمة الإلهية في حناياها. اما هنا فيبقى الهادئ ويبقى المضطرب الى ان ينسكب عليه الحب الإلهي مدرارا. اجل هناك نعمة الصبر والتدرّب عليه فيما نتابع المعالجة وتهذيب النفس حتى لا نؤذي أحدًا بالتذمّر. لا شكوى الا للمقربين اليك لأنهم قادرون على مشاركتك الحس ولو كان الله وحده هو الشافي.

#                   #

#

                      ليس من محتوم بمعنى أن نهاية الحياة ليست في يدك. اجل، كلنا يخشى الموت والكثيرون يعرفون انه قريب ولكن لا جزم للموعد عند أحد بصورة عامة. ذلك أن الموت سر لا يخترقه أحد. هناك حالة قريبة مني حيث قرر الأطباء ان مصابًا بالسرطان يعالجونه قرروا ان له من الحياة ثلاثة او أربعة ايام. ومرّ على هذا التقرير الطبي حتى اليوم خمسة عشر عاما والرجل لا يزال حيًا. هل أخطأ الأطباء؟ هل حدثت أعجوبة؟ هل يحرر الله الإنسان من نواميس الطبيعة؟

                      ما معنى ناموس الطبيعة؟ في كنيستي نعتقد ان ما يسمى كذلك هو الترتيب الذي وضعه الله بعد السقطة الأولى للبشرية ويسوس به طبيعتنا الساقطة ولكنه يحرر هذا وذاك من هذا القانون اذا شاء اي ينقله بحنانه الى الوضع البشري السابق للسقوط وكأنه أمسى انسانًا فردوسيًا. هذه البشرية حقل مزروع حنطة وزؤانا معًا والله يفرق بينهما في اليوم الأخير. القلب البشري يقوم على هذا الاختلاط الا عندما تاب صحيحًا.

                      السؤال الذي يتدحرج على ألسنة المصابين هو لماذا انا مضروب؟ ماذا فعلت لله؟ اذ يعيشون الألم كعقاب وهو ليس بعقاب واذا كان الله لا يعرف الكره والغضب والعداء فلا يقيمك في جحيم الألم. في القرآن ما عثرت على عبارة «عذاب أليم» او «عتاب أليم» لا فيما يفيد عذاب النار. وتاليا لا يعرف الله التشفي.

                      لا مانع ان تقول مع العهد القديم ان الله يؤدّب بالألم. ولكن هذا رسالة الى المتوجّع ولا يسوغ لك ان تقرأ أوجاع الآخرين تأديبيًا. هذا يكون منك تشفيًا او كراهية. ولا يجوز لك ان تقول ان خطيئة هذا انتقلت الى ابنه تأديبيًا. وهنا يقول حزقيال: «ما لكم ان تضربوا هذا المثل على أرض اسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأولاد ضرست… النفس التي تخطئ هي تموت». (18: 2 و4).

                      هل يعني هذا ان الموت دخل الى الطبيعة البشرية نتيجة للخطيئة؟ هنا يذكر بولس «ان أجرة الخطيئة هي الموت» (رومية 6: 23). ذلك ان الكتاب يقول ان كل انسان خاطئ وتاليا هو تائب. طبعا نحن لا نعرف الإنسان الا بعد سقوط الإنسانية الأولى. لا نستطيع أن نؤمن ان الله عند الخلق أعد الإنسان للموت. ربّ معترض يقول ان المسألة مسألة بوتاسيوم وملح وأمراض كثيرة او قليلة. ولكن غير المرضى والمرضى يموت دماغهم ثم يموت قلبهم ويبقى الموت سرًا على الجميع. في الحقيقة ان سياق كلام بولس «لأن أجرة الخطيئة هي موت» جاءت في سياق عن القداسة اذ يقول: «اذ أُعتقتم من الخطيئة وصرتم عبيدًا لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة ابدية لأن أجرة الخطيئة هي موت. واما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا» (رومية 6: 21-23). فلم يكن هاجس الرسول ان يتحدى الحركة البيولوجية فينا بربطها بالخطيئة ولكن همّه كان أن يتحدّى الخطيئة بالحياة الجديدة في المسيح.

#                   #

#

                      في مسألة الشر ليس عند المسيحيين فلسفة له. نحن لا نعرّفه الا نقصًا في الخير. لا نفسره ولا نفلسفه. جلّ ما نقول ان الشر هنا ونقطة مسيرته الأخيرة هي الموت. لذلك نزل المسيح الى منطقة الموت وبات فيها ثلاثة أيام ووطئ الموت بالموت. ولما دخلت الحياة الإلهية التي في المسيح نطاق الموت وضع في هذا النطاق تلك الحياة الأبدية. موقفتا -اذا شئتم- ليس فلسفيا ولكنه جهادي بمعنى انك إن كنت صديق المسيح بالتوبة يُنزل قدرته الإلهية عليك ويُقيمك من الموت ويكون قد عفا عن خطيئتك. نحن فقط نؤكّد ان «الموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع» (رؤيا 21: 4).

                      مشكلة الوجع عندنا محلولة عند الرؤية الأخيرة وكما ابتلع المسيح الموت بالغلبة هكذا يبتلع موتك اليوم وفي الحنان الأخير في القيامة. لذلك كان عليك في آلام الجسد والنفس هنا ان تكون عيناك الى الذي غلب الموت نهائيًا ويغلبه فيك لتصبح جسدًا ممجّدًا كما غدا هو جسدًا ممجّدًا فتدخل في المسيح.

Continue reading