Author

Aziz Matta

2008, مقالات, نشرة رعيتي

الثرثرة/ الأحد 15 حزيران 2008 / العدد 24

يوم العنصرة «كان الرسل كلّهم معا في مكان واحد فامتلأوا كلّهم من الروح القدس» وأخذوا يتكلّمون بلغات مختلفة ولكن بكلمة الله وبعظائم الله. الوحدة بين المؤمنين تكون بكلمة الله. ومن لا يتكلّم بها يكون ثرثارًا.

والثرثرة هي التكلّم على أخطاء الغائبين وكشف عيوبهم فينشر السوء وينتهك صيت الناس بالنميمة وينشئ فتنة بين الناس وهي تثير الأحقاد التي قد تطول. وأبو الفتنة هو الشيطان الذي معناه المفرّق. عمل الشيطان أن يهدم المحبّة بهذه الطريقة في حين ان المؤمنين هم معا في المسيح يسوع.

طبعا قد ترى الإنسان الآخر حاملا خطايا كثيرة. كنْ شجاعًا وفاتحه بذلك. ولك ان تكشف السيئات الى من كان له الحق بمعرفتها مثلا ان تقول لصاحب عمل ان موظّفًا عنده قد سرق. ولكن مَن ليست وظيفته أن يعرف لا ينبغي أن يعرف. ولكن أن تجلس في محفل وتفضح هذا وذاك من البشر فنميمة إن كانت التهمة صحيحة ويكون افتراء إن كان الخبر كاذبًًا. وفي الحالتين هذا الكلام خطيئة.

الصمت أفضل موقف ويأتي بعده اللوم او التوبيخ على النميمة والافتراء. أنت لا تستأصل الشر عند أحد إن تكلّمت ضدّه. هذا يزرع فيه حزنًا شديدًا وتهتك صيتًا له حسنًا. وقد يدوم مفعول النميمة والافتراء طويلا ويبقى صيت الآخر قذرًا، وقد يلازمه الكلام السيء الذي قلته عنه الى آخر حياته.

نبش أسرار الناس ليس حقًا لأحد. لذلك لا يجوز ان تصدّق كل ما يُقال عن شخص آخر فهو لربّه الذي يدينه في اليوم الأخير. أنت استر عيوب الآخرين وأن تخشى كل فضيحة تفضح بها الآخرين ان قد تصيبك أنت فضيحة.

عيوب الناس مكشوفة لمعظم الناس، فماذا تنفعك الثرثرة وهي تنتشر وتُحدث فتنة بين الناس وقد لا تهدأ الفتنة. عوض ذلك اكشف حسنات الناس لأن ذلك يقرّب القلوب. أنا لست أقول قلْ عن الناس انهم قديسون، ولكن إن عرفتَ بحسنة فاكشفها لأن هذا ينقّي قلبك اولاً وقد ينقي الذين حولك. اقبل ان الدينونة حق الرب على الناس وليست حقًا لأحد وفق قول الرب: «لا تدينوا لئلا تُدانوا». واذا كان الله يستر كل أبنائه بستر جناحيه فامدد أنت جناحيك على الجميع لتستر عيوبهم فيسترك الله برحمته.

كثير من مجالسنا تقوم على الثرثرة اي على هتك الأعراض او على هتك السمعة الطيّبة. عفّة اللسان فضيلة كبرى. قال الرسول يعقوب: «إن كان أحد لا يعثر في الكلام فذاك رجل كامل» وقال أيضًا: «اللسان نار. عالم الإثم. هكذا جُعل في أعضائنا اللسان الذي يدنّس الجسم كلّه ويُضرِم دائرة الكون ويُضرَم من جهنّم». وقال أيضًا عن اللسان: «هو شرّ لا يُضبَط مملوء سُمًّا مميتًا. به نبارِك الله الآب وبه نلعن الناس الذين قد تَكوّنوا على شبه الله» (الإصحاح الثالث).

اذًا لا ثرثرة ولا فتنة إن كنتم محبّين للمسيح.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المطران بولس (بندلي) / السبت ١٤ حزيران ٢٠٠٨

انتقل الى حنان الله الأسبوع الماضي مطران عكار الأرثوذكسي بولس بن اسكندر بندلي وأحسسنا ان النور الإلهي كان مرتسمًا على وجهه. أعرف الرجل منذ يفاعه متربّيا على أم بارة وفهيمة ومجاهدة، أخا لثلاثة أطباء ولدكتور في الفلسفة وهو مجاز في الفيزياء وكان مدير المدرسة الأرثوذكسية في ميناء طرابلس وملتزما بشأن الرب ومخافته في حركة تجدد روحي هي حركة الشبيبة الأرثوذكسية. هذا كان إطاره في علمانيته ثم جُعل كاهنًا في بشمزين الكورة اثنتين وعشرين سنة ومبشّرًا جوالا في قرى الشمال الى انتخابه مطرانا على أبرشية عكار الأعظم امتدادا في الكرسي الإنطاكي الأرثوذكسي. أن تكون مطرانا ليس ان تكون بالدرجة الأولى إداريا ولكن أن تكون أبا روحيا لكثيرين. وهذا ما كانه على خير وجه. وعلى عمق روحانيّته بنى في الحجر ما استطاعه.

                     غير أن اللافت فيه هو أخلاقه التي عزّ مثيلها. فقد كان هادئًا، كامل الهدوء لم يُسمع له صراخ في مجالسته الكهنة وغيرهم من الناس. وكلمة الله تخرج من فمه حلوة، دسمة في مواعظه وكتاباته وتعليمه اللاهوتي في البلمند. وهذا الهدوء لم يحل دون صلابته وتمسّكه بما كان يعتقده رأيا سليمًا. سره في هذا انه كان يشتهي الا يجرح احدًا ولا يصدم أحدًا مجانا. كانت سلطته في هيبته، في السلطان الإلهي الذي لم يحد عنه يوما والناس يتوقعون من الأسقف كلمة الله لا كلمات شهواته.

                     حاد عن السياسة كليا ولو اضطر أبويا أن يحضر هذا المهرجان او ذاك. وأنا ما كنت أعرف ان له فكرًا سياسيا واضحًا ولم أكلّمه في هذا الأمر لأني كنت أسعى الى تلك الكلمات التي كانت تصدر عنه لتربينا جميعا. لم يكن توجيه أبناء أبرشيّته سهلا بين يديه لأن التوجيه يتطلّب حوارًا حقيقيا بين المعلّم والمتعلّم اذ تكون بينهما لغة واحدة. هو كان الإنجيل مرجعيّته اي تعود اليه اذا تكلّمت وتفترض أن مكلّمك يعود اليه والذين يستلهمون حكمة الله ليسوا دائما مسلّمين بحكمة هذا العالم. وهاتان حكمتان تتصادمان في معظم الأحوال. ابن هذا الدهر يعتزل ابن الدهر الآتي لأن ابن هذا الدهر لا يريد ان تداخله حكمة الله اذ هو مرتاح الى المنافع التي يجنيها في هذه الدنيا التي هي مجال سلطانه. كل التاريخ مجال صدام بين الخير الذي تحمله قلّة وبين الشر الذي يحمله الأكثرون وليس من لقاء الا بهذا الشيء النادر الذي يسميه الكتاب التوبة.

#                      #

#

                     بهذا كان المطران بولس انجيليًا خالصًا يغتذي من الكتاب ببساطة ليحيا. ثم يوزّع كلمات هذا الإنجيل على العارفين والبسطاء فيصل الى القلوب المتعطّشة الى الله. غير ان الكثيرين الذين لم يقرأوا شيئا قالوا لنا انهم يعيشون من سلوكه اذ كان يجود على الجميع باحترام كامل إكبارًا في القوم كانوا ام موظفين عنده. لهم جميعًا توقير واحد ووداعة واحدة يسكب المسيح فيها على القوم جميعا.

                     والوداعة من أصعب الفضائل. تلتبس عند بعض مع الضعف حتى يروا فضيلة التواضع التي على خفرها تنكشف للجميع. والوداعة والتواضع اجتمعا في هذا الإنسان النادر. ولو طلب التواضع الإمّحاء الا انه يرفع الإنسان أمام وجه الله ووجوه الصالحين في هذا الوجود. والسر في المتواضع انه لا يعرف نفسه هكذا لأنه لا يزن نفسه بميزان ويدع الدينونة لله ويضع نفسه حتى في هذا العالم تحت الدينونة ولا يستطيع ان يرى نفسه شيئا اذ لا ينظر الى نفسه ولا يتمتّع الا بالنعمة اذا نزلت عليه ووعاها. وعندنا نحن الأرثوذكسيين انه يجب عليك ان تعي النعمة وان تشكر. المؤمن عيناه الى المقامات الإلهية التي منها يأتي عونه فهو أبدًا مخطوف وينزل الى الدنيا اذا أرسلته اليها النعمة. الأبرار عالم بحد نفسه له فهم خاص وقانون خاص ومن كان عن كل هذا غافلا لا يرى أعماق الأشياء لا في دينه ولا في دنياه.

#                    #

#

                     كان المطران بولس فقيرًا حتى العدم لأنه قرأ عند آبائنا ان مال الكنيسة ليس له ولكنه المؤتمن عليه فقط وانه حكما للمحتاجين ولم يكن له دخل شخصي ولا يتقاضى راتبًا ولا يأخذ هدية شخصية من المال وكل ما كان يُتبرع له كان يضعه في مؤسساته التربوية او الاستشفائية.

                     لا يكل ولا يتعب. يلبي كل حاجات المؤمنين على صعيد الأسرار المقدسة وهذا يتطلّب منه أحيانا كثيرة ان يعبر الحدود السورية اللبنانية غير مرة في اليوم ليقوم بالخدمات الروحية المطلوبة منه حتى لا يصدّ أحدًا ولا يُحزِن أحدًا. وكان يرحل من مطرانيّته أحيانًا كثيرة في تعزية يمكن إرجاؤها وذلك بسبب من الأبوة التي كان يحسّ بها لتبيان الود الذي ينفع دائما. من هنا وفي الموازنة بين طاقاته أقول انه كان بالدرجة الأولى رجل قلب والقلوب تأخذ بعضها من بعض والمشكلة أن عامة الناس يريدون ان يكون رئيس الكهنة قويا في الدولة، لصيقًا بالنافذين اي ان يكون في خدمة دنيوياته وغالبا ما لا ينتظرون منه الانسحاق لأن الانسحاق يناقضه الجبروت. ومن المعروف ان الجماعة الروحية القليلة العدد في البلد يعتم عليها وعلى أبنائها لأن الدولة دولة العدد. والأعزل او الفقير لا يفرض نفسه على ذوي المقامات ولو فرض نفسه على النفوس العطشى الى البرّ.

                     الكبار الكبار لا يخلفهم أحد لأنهم يقيمون في النفوس أجيالا تتوالى. لذلك لا ندفن الأسقف اليوم جالسا على كرسي كما في السابق. نمحوه في تابوت عادي. وعند اقترابنا من القبر ننزع عن رأسه التاج لأن الله بات وحده تاجه. ونضع على وجهه ستر القرابين بسبب تلك المحبة التي تجعلنا نشعر انه أمسى قربانا لله.

                     دُفن المطران بولس في كنيسة صغيرة إزاء دار المطرانية بعد أن قبّل الكثيرون يده وتبرّكوا هكذا بجثمانه الطاهر وهنا لا بد من أن أودع قارئي برواية حادثة سيارة كنا فيها معا. كنت تركت سيارتي في باحة المطرانية لنذهب معا الى صافيتا ونقيم قداسا وجنازا لأحد الأصدقاء. وعند عودتنا الى دارته أردت ان أعود بسيارتي الى بيتي في برمانا وأن اودّعه عند منزله. فأصرّ من اجل تهذيب فائق أن يرافقني الى طرابلس في سيّارته وعند اقترابنا من المنية في قضاء طرابلس عارضتنا شاحنة مخالفة الاتجاه وقد تضرّر هو من هذا الاصطدام كثيرا وأُجريت له غير عملية جراحية. لماذا كل هذا الود الذي كنت أعتقد انه لا فائدة من إظهاره؟ لماذا كل هذا اللطف او هذا الذوبان في اللطف الذي كنت أعرفه فيه. الروحانيون الكبار عندهم منطق خاص بهم.

                     وبعد أن ودّعناه قال الكثيرون هنا وفي الخارج ان لنا اليوم قديسا يشفع في هذه الكنيسة التي تبقى حاجتها الكبرى القداسة.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

قسوس الكنيسة/ الأحد 8 حزيران 2008 / العدد 23

يعود بولس للمرة الأخيرة من أوربا إلى فلسطين ووصل إلى ميليتس ولم يُكمل طريقه إلى أفسس في آسيا الصغرى خاشيًا ان يبطئ فيها لإصراره على أن يقضي العنصرة (اليهودية) في أورشليم.

وكان بولس يريد ان يلقي تعليمًا على كهنة أفسس المسمّين بهذه الترجمة قسوسًا ونبّههم على أن يسهروا على أنفسهم وجميع الرعية التي أقامهم الله عليها «أساقفة». أساقفة تعني رقباء، وكانت في الزمن الرسولي تدلّ على كل إكليريكي فوق درجة الشماس كاهنًا كان ام مطرانًا ثم انحصرت الكلمة للدلالة على رئيس الكهنة. ليس أنه لم يكن تمييز بين وظيفة الكاهن ووظيفة الأسقف، ولكن كلمة واحدة كانت تدل على رتبتين . اذًا هؤلاء كانوا مجرد كهنة.

وحذّرهم الرسول من الذئاب التي ستجيء من خارج الرعية او تظهر في الرعية نفسها ليقسموا الرعية ويجرّوا إليهم «زبائن». لذلك اسهروا وتذكّروا نصائحي. ثم استودعهم الله «وكلمة نعمته القادرة ان تبنيكم وتمنحكم ميراثا مع جميع القديسين» والمقصود بالقديسين جميع المؤمنين وبخاصة أهل أورشليم.

وأخيرا ذكّرهم بأنه لم يتقاضَ أجرًا او راتبًا من أيّة كنيسة وكان فقط يعمل بيديه خيامًا وليس فقط يعمل ولكنه يُحْسِن إلى الإخوة الفقراء بناء على قول الرب يسوع: «إن العطاء هو مغبوط أكثر من الأخذ». وهذا الكلام بولس نقله إلينا وهو غير وارد في الأناجيل.

«ولما قال هذا جثا على ركبتيه وصلّى» وبعد هذا أكمل طريقه إلى أورشليم لتبدأ محاكمته هناك ويُبعد الى روما ليحاكَم فيها ويموت في زمن الاضطهاد الأول او بعده بقليل.

اللافت عند بولس اهتمامه بجميع الكنائس، وكل كنيسة تختلف مشاكلها عن الثانية، وهو كان يستوعب في عقله وقلبه كل هذه الجزئيات. لذلك كان يكتب الى الكنائس أمورًا لاهوتية وتتعبه الشؤون الرعائية وهو فقير، فقير.

سيرة ولا ألمع، مليئة بمحبّته للمسيح وبترجمة هذه المحبة أفعالا وأتعابا من كل صنف حتى جاء وقت أدائه شهادة الدم.

مما يميّز هذا الفصل في الرسالة الى أهل أفسس اهتمام الرسول بتربية الكهنة انطلاقا من انهم رعاة لكنيسة الله التي اقتناها بدمه. كون الجماعة كنيسة الله، تتطلّب سهرًا دائمًا حتى لا يسقط أحد ولا يتهاون أحد لأن مَن أَحبّ كنيسة الرب وخِدْمتها لا ينام.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الشيخوخة / السبت 7 حزيران 2008

ليست الشيخوخة نهاية الا في الظاهر. قد تكون بدءًا جديدًا او بدءًا مجدّدًا هذا اذا اقتنعنا ان الجسم بعض من الإنسان وما هو كل الإنسان. الى ذلك فهناك نشاط ممكن تمهد له الرياضة البدنيّة والرياضة العقليّة قد تكون قويّة. للإنسان أن يفكّر أن رؤية الحقيقة ورؤية النور ممكنة في كل سن. لا ينبغي ان تصبح الشيخوخة انتظارًا للموت. فاستعدادنا له أمر إلهي في كل مرحلة من مراحل العمر.

كل عمر له بهاؤه فاذا كان الشباب زمن التوثب والرجاء الكبير فالرجاء ليس محصورًا في الفتوّة. واذا كانت الكهولة مرحلة النضج فالشيخوخة زمن الغفران وسعة الصدر وتخفف من كثير من الشهوات واعتبار الفانيات لأن الباقيات الصالحات تطل علينا بالمرحلة الأخيرة وهي تقبّل للنعمة وقدرة على المحبة والمحبة اسم الله بالذات كما يقول يوحنا الإنجيلي وتاليا هي ملامسة للسماء ودعاء لنيل بركاتها.

في البدء الشيخوخة تجمع خبرات وإفادة روحية منها اي تصفية لكل ما يعيق النعمة ان تسكن فينا. اجل هناك خطر الأحزان وخطر التحمّل للأعباء وان ينوء الإنسان تحت ثقلها ولكن للجسد ان ينهض اذ يستنهضه الله متى شاء ويجدده احيانا بالآمال كما يجدّد بها الشبيبة.

المراحل ليست منفصلة فالشيخ كثيرا ما يحمل التوثّب وانتظار سنوات غير معدودة فيها الحسنات التي كانت في الفتوة والكهولة بمعنى ان ليس مرحلة من العمر تنتهي فضائلها معها ولذلك كان الإنسان مدى في الزمان ويحيا على رجاء ولا ينقطع بالضرورة بالمرض والمرض له ان يكون مدة تطهير وسكينة وانطلاقة مجددة الى الله. والله يمدّنا بالعمر اذا حلا له ذلك ويستردّنا اليه لعلمه ان مساكن السماء مليئة بالفرح لأن «من مات قد تبرأ من الخطيئة» (رومية 6: 7).

يكسرنا الله أحيانا على مستوي البدن حتى يربينا بهذا الانكسار ويجعلنا بلوريين بسبب من الشفافية التي ينعم بها علينا واذا بالناس لا يرون هبوط البدن ولكنهم يرون البلور. والبلور في السماء يسمّى نورًا وهو يلامس النور الإلهي ويكاد يختلط به فيتكوّن النور الإلهي من مصدره اي الله وممن يشع عليهم فتكاد لا تميّز الرب عن الذين أحبوه.

#              #

#

الى هذا يحب الشيوخ ان نحبهم لكي تزداد حيويّتهم ويسعى الشباب الى حكمة الشيوخ وينكمشون بها فتخلط الأعمار بالمحبة المبدعة حتى نصبح إنسانية واحدة تقوم على وثبات تختلف أنواعها ولكن لا يختلف جنسها وهو المحبة.

اما اذا جاء الأجل وكان المسن صافيا فيستعد للقاء ربّه بالإيمان ان الأحسن ينتظره وانه ينتقل الى المجد. ليس هذا نهاية. هذه رياضة اخرى فيها النصر الأخير والمسن لا يحسّ بالانقطاع عن المكافأة التي تنتظره فهو عارف أن قلبه سيفعمه الحب الإلهي وان هذه العظام لا بد لها ان تقوم في اليوم الأخير. المؤمن انسان السفر ليس الى بعيد لأن السماء ليست بعيدة. انها قد حلّت في قلبه وأقامته في العزاء وهو في العمق ينتقل من نفسه الى نفسه التي سيحل فيها وجود أعظم يجدّدها.

لا شيء ينقطع فاذا كنت مسكن الله هنا سيكون هو مسكنك هناك اي اذا كنت واحدًا مع ربّك في دنياك ستظل واحدًا معه عنده وواحدا مع جماعة المخلَّصين. وتقيم هناك في الخيرات التي لا تُحصى ولا تُوصف. وهناك تكتمل اذا اقتربت هنا من الكمال اي اذا تقت اليه فامتلأت منه وعلّمت الناس ان يشتاقوا اليه.

الحياة هي الشوق الى الله وغالبا ما يقوى الشوق اذا اقتربنا من نهاية دنيانا. والشوق عيش ورغد. واذا حلّ فينا حقًا سيستجيب لنا الله ويعطف وينقلنا اليه بالرحمة قبل الموت ونعرف ان أحبتنا سيسترحمون فإن الذين هم فوق واحد مع الذين استبقوا في دنياهم لأن الوحدة ليست في المدى ولكنها  في القلوب المتعاطفة بسكنى الله فيها.

الشيخوخة نعمة على الكبار في الروح وربما كانت ايضًا نعمة على الذين يحافظون على عقولهم صافية، عادلة بعيدة عن الأحقاد بعد ان زال شبق الحقد ودخلنا الصفاء عظيمًا كبيرًا. لعل مشيئة الله الذي يحفظ المسنين ان يبعدهم عن النزوات التي كانوا يجرونها معهم فيكبرون لا في السن ولكن في الراحة الحقيقيّة والسلام وليس بعد السلام شيء. وتأتي نهاية هي بداءة للسكون الكامل الذي ينتظرنا في الفردوس. واذا حللنا فيه نصبح في ما يقرأه الله فينا على فتوة القلب التي فيها يمسح الله عن عيوننا كل دمعة.

#              #

#

علاقاتنا بالشيوخ من حيث إقامتهم، حسب كبار الخبراء في العالم، ان يبقوا في بيوتهم لا ان يُذهب بهم الى مأوى عجزة لأنهم فيه منعزلون وهم يريدون ان يقضوا بقيّة ايام حياتهم في تلقّي العاطفة من ذويهم. اعرف ان هذا قد يتطلّب عناية فائقة وسهرا على صحّتهم وقد لا يبقى أحد في البيت اذا ذهب الرجل والمرأة الى عملها. وقد يكون المأوى ـ أيا كان اسمه ـ الحل الأبسط للعناية. ولكن ما من شك ان العيش في المأوى يولّد الحزن والشعور بالعزلة. في الحقيقة اذا كانت العائلة ميسورة الأفضل ان يبقى احد الزوجين في البيت ليحيا المسن في سلام وفرح لا يجدهما في المأوى. اما اذا كان لا بد من المأوى زيارة أهل المسن له ينبغي ان تكون منتظمة لا يهمل وحده بلا الشعور العائلي الذي نحتاج اليه. هذا مستحيل  اذا كان المأوى بعيد عن البيت او في مدينة اخرى. المهم ان يجهد الأهل لكي يخففوا عن لمس الشعور بالعزلة.

المهم الا يحس الشيخ بالإهمال من قبل الإدارة.

الى هذا هناك في أوربا مؤسسات لمساعدة الشيوخ او المرضى الذين هم في حالة الخطر على اجتياز ما تبقّى لهم من عمر وذلك بتعزيتهم والحديث اليهم بلغة دينية او غير دينية. هذا ليس بمستشفى ولكنه بيت مريح أشبه بفندق حيث يرتاح المسن او المريض الى ذلك الإنسان المدرّب على تهيئة هذا المعوز لقبول انتهاء حياته بالسلام. لست أعرف ان كان عندنا مؤسسات كهذه في لبنان ولكنها أساسيّة حتى لا يقع المحتاج الى هذه العنايات بالحزن واليأس.

لا بد لإنسانيّتنا ان تضمّ المسنّ اليها بفرح. انه لم يغادر الحياة بعد وهو قابل لعيش كريم ليس فقط في مجال الصحة الجسديّة ولكن في مجال الصحة النفسيّة والعافية الروحيّة.

سوف يكثر الشيوخ في السنوات المقبلة والعبء اذ ذاك، عظيم. لذلك هذا همّ المجتمع كلّه. وقد نكون في حاجة الى استنباط وسائل حديثة لكي لا يفهم المسنّ انه مقلق للأصحاء او عالة على المجتمع.

المسنّون أحباء الله. وعلى هذه القاعدة نتعامل وإيّاهم.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة/ الأحد أوّل حزيران 2008 / العدد 22

يميل الإنسان أحيانا بعد الصوم أن يسترخي في صلاته ويتحسّر على انقضاء الصوم لكونه يتحسر على ضعف الكثافة الروحية. غير ان الكنيسة أنشأت مواسم لملء الفراغ كالصعود والعنصرة لأنها تركز على صلاة الجماعة ولا تكتفي بالصلاة الفردية.

فردية كانت أم كانت جماعية، الأهمية الكبرى للصلاة هي انها اولا تحمل الله فينا. هو ينادينا من داخلنا. هو المصلّي فينا. حسب قول الكتاب: «الروح يشفع فينا بأنّات لا توصف». بتعبير آخر الرب مبدئ الصلاة فينا ولا نقدر ان نصلّي ما لم تنزل علينا نعمة الروح القدس. لذلك نستهلّ كل خدمة إلهيّة باستدعائه: «أيها الملك السماوي المعزّي».

الخوف أن نترك الله بالكسل، ألا نعود نذكره، أن يدخل الينا الفتور فتموت حرارة الدعاء فينا. وقد يصل بنا الفتور الى إهمال ذكر الله كليًا ونُترك الى كلّ عمل الأهواء العاصفة في النفس.

الصلاة عند المؤمن العادي هي الإحساس بالفقر، بفقر النفس الى خالقها وفاديها. هي الشعور ان ليس عندنا شيء بلا حضور الله فينا، أن نشعر بأنه هو محرّك النفس. وكلّما توغّل الإنسان بالخطيئة يصبح أليفًا لها حتى درجة عشق الخطيئة. تصبح الخطيئة مسكنه. تناجيه الخطيئة، تدغدغه ويتبنّى منطقها، لذلك لا يحنّ الى الصلاة.

أما اذا عاد الإنسان اليها بنعمة الروح ولو عاد شيئًا فشيئًا يرحمه الرب ويسكب عليه نعمته، وعند ذاك مناجاته لله تحارب مناجاته للخطيئة، ويسكن الروح القدس قلبه من جديد، وبقوته يعرف ان الروح يشفع في داخله بأنّات لا توصف.

غير أننا لا نجهل قوّة التجربة وعودة عواصف الشرير الى القلب، لذلك لا بد من عدم الاستسلام الى التراخي. فاذا وجدنا مثلا أن صلاة النوم الصغرى طويلة فلا نحذفنّ جزءًا منها لأن هذا يقودنا الى ان نحذف كل شيء. انت تحافظ على كل الصلوات التي كنت تقيمها لئلا تقع في الكسل وإهمال ذكر الله.

غير انك إذا شئت ليس فقط ان تصلّي ولكن أن تحب الصلاة فلا بد لك من درس الكتاب المقدّس ولا سيّما الإنجيل حتى تمتلئ من معاني الكلمات الإلهية لتتشبع معها صلاتك وتزداد فهمًا لصلاتك. فالخدم الإلهية عندنا آتية من الكتاب فتذهب منه إليها ومنها إليه لتأتي الكلمات التي تتلفّظ بها من روح الرب.

أنت لا تتلو أيّة صلاة كالببغاء. يجب أن تفهم كل شيء وتسأل عن كلّ شيء وتصلّي بهدوء وبطء بحيث تستوعب كل ما تقول. نقِّ نيّاتك قبل ان تصلي وتُبْ الى الرب فيكون قلبك مفعمًا من روح الله وتأتي كلمات أدعيتك من المسيح الساكن فيك.

الصلاة جهاد طويل مستمر ولكنه حياتنا. الصلاة تشفيك من كل خطيئة وترفعك هنا الى أجواء الملكوت.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

فخامة الرئيس / السبت ٣١ أيار ٢٠٠٨

                      انتظرناك طويلا فجئت ففرحنا ورجونا أن يتّسع لنا جميعا قلبك الكبير. أدعو الله ان يضع لبنان بين يديك لأنك تحبّه حبًا كبيرًا وهذا الحب يوحي لك الحكمة والصبر وينشئ فيك الحذق السياسي. أخيرًا لنا بك رئيس يرمز الى وجودنا تحت الشمس الطالعة عند كل فجر من وراء جبالنا. ولك من الرؤية والقدرة على العطاء لتستلم لبنان عند صلاة الصباح من الرب وترفعه الى السلامة.

                      بلد تصيبه جراح زمنا بعد زمن واعتبر قرّاء التاريخ ان تركيبتنا المجتمعية مصدر الجراح او كنا لشهواتنا لا نستحقّ هذا البلد. وقد توالت في ذهني منذ اندلاع الحرب الأهلية تساؤلات تتعلق بوجود لبنان نفسه وقدرته على العيش المشترك الذي التمسناه في الدستور الأخير اي اننا تعاقدنا على ان نبقى معا ونرذل التفسّخ. غير ان هذ إيمان يحتاج الى تفعيل ولك يا سيّدي الرئيس دور في التفعيل الكبير بعد ان أجمع شعبنا على اقتبالك رئيسا وليس فقط نتيجة لآلية حكم أتت بك الى السدّة الأولى.

                      انت في وسط العاصفة. انا عرفت العاصفة في سفينة عبرت بنا المتوسّط منذ ستين سنة في طريقي من بيروت الى باريس وكانت تهتز جوانبها الأربع مدة أربع وعشرين ساعة وبعد هدوء العاصفة أخبرنا القبطان اننا اوشكنا حقًا على الغرق. كنت وحدي على السفينة غير خائف اذ كنت أصلي وأنشد على الألحان الثمانية التي عندنا. اجل الله مخلّص لبنان ولكن لعقولنا أن تستنير وقلوبنا أن تهدأ لتقبل العطف الإلهي.

                      يبدو ان لبنان لا تنقصه العقول ولكن فيه قلوبًا مريضة كثيرة تحتاج الى ان تُحِب وأن تُحَب. هي مثقلة بالذاكرة التاريخية وفي كل ذاكرة خطر لأنها تؤبّد التاريخ الدامي. تعرقلها بشريّتها المجروحة. وهذا يؤذي كثيرا لأنه إخلاص للدم المراق في الماضي والماضي طواه الله في رحمته ونحن توّاقون الى مستقبل سلام نرجو ان ينزل علينا من فوق ونبنيه ايضا بأيدينا.

                      وفي هذا المسار نحتاج الى من يذكّرنا بأننا واحد او يعيدنا الى وحدة تصدّعت وهذه مهمّة من مهامك سيّدي. قانون العلاقات الرسميّة بينك وبين الحكومة والمجلس لا يحلّ وحده المشاكل. الى هذا نحن في حاجة الى ان يكون الرئيس مرشدا روحيا للأمّة. لولا الخطيئة لما كانت الشريعة. انت اذًا لا تعيد المسؤولين الى القانون وحسب ولكنك تعيدهم الى البِرّ او ترجو لهم البِرّ ليطلع لبنان من قلوبهم المطهّرة.

#                           #

#

                      وطهرهم يذهب الى الفقراء وهم أحباء الله بامتياز فاذا كانت السياسة تصنع الاقتصاد فالاقتصاد بالمقابل يصنع السياسة. فاذا أكل شعبنا وشرب واقتبل الطبابة والدراسة يضمحلّ الخلاف حول أولية هذه الطائفة او تلك. فليحكم الفاهمون. واذا اردت الكمال في الحكم أقول فليحكم القديسون لأن عندهم قلوبًا تجعلهم لا يقبلون الجوع والجهالة.

                      أرادتك النصوص حَكَمًا لأن البلد في حاجة دائمة الى التوازن. ولكن هذا فيه هشاشة السياسة ولا بد من معطوبية السياسة. انت أعلى من أن تكون حَكَمًا. أنت أب لنا جميعًا وأولادك ليسوا على سوية أخلاقية واحدة. مع ذلك يعطف الأب على أولاده جميعا ولو تفاوتت أخلاقهم. ما أتحدّث عنه ليس نظام القبائل ولكنه نظام التقوى الساكنة فيك الى جانب الفلسفة السياسية التي تعلّمتها في الجامعة. المبتغى أن تتلاقى في نفسك حكمة بشريتك وحكمة الله المتعالية فيصير حكمك مميّزا. عند ذاك، تقضم الأنانيات الطائفيّة ومقولات العشائر وتبني من الأساس لبنانا جديدا.

                      والانسان قادر على ان يتربّى. اذا اعترف بأنه في حاجة الى ذلك. ولن يقتصر جهدك على ترتيب المعادلات في الحكم وعلى تنقية الإدارة. فهناك من أحبّ الفساد او عشقه وهؤلاء يجب تأديبهم بالطرق المتاحة والممكنة ولكن لا يسعك ان تغض النظر عن سقطات الموظفين في الدولة وهذا من شأنه أن يربي الكثير من المواطنين لأن دول العالم التي تنمو  مؤهلة ان تهذّب المجتمع. مجتمعنا نحن يبدأ إصلاحه من رأس الهرم لأنه يخشى السلطة العادلة والقوية التي نرجو ان تتحقق على يديك اذا كشفت للبنانيين ان مصلحتهم هي في الاستقامة والعمل.

                      البلد الذي استلمناه وارتضته كل أطيافنا مرحلة بعد مرحلة جعلناه وعدا لأنفسنا ولكنا لم نحقق هذا الموعد كاملا. علينا الآن ان ننتقل من مرتبة الوعد وهي رجراجة الى مرحلة البناء تحقيقا للمشتهى. لذلك كانت مشكلتنا حضارية. نحن حسبنا أنفسنا قد بلغنا الحضارة العالمية وهذه أكذوبة كبرى اذ ليس من حضارة لا تقوم على الصدق فظننا ان المدنية تقوم على الشطارة. سيدي الرئيس، دأبك ان تقتلع الشطارة من العقول اللبنانية وان تدعونا الى الحق. يقال عن بلدنا انه جميل. جماله في بحره وسهوله والجبال معطى من الله. وهذا لا يكفي لأن الجمال كما يعرّفه أفلاطون سطوع الحقيقة. فقط اذا تعمّدنا بالحقيقة تزول عنّا قباحاتنا ويصبح الإنسان اللبناني بهيًا بما ورثه من الحق. أدعو الله الا تفتخر بما نحن عليه ولكن بما سنكون وبعض مما سنكون يأتي من حكمتك ونزاهتك وإخلاصك للصورة التي سيرسمها عقلك لوطن جديد.

#                        #

#

                      اعرف انك لست وحدك وان الدستور بعد الطائف قد قصّ أجنحتك. ولست هنا في معرض هذا النقاش. غير انني اعرف ان الإنسان القوي يفرض نفسه بالمحبة والحزم معا ولكن اللبنانيين وضعوا ثقتهم بك اي بما ينقذهم من ضيق النصوص وما ينجيهم بالاحتضان حتى ينادوا هم بما ينفعهم تعديله لتحقيق العيش المشترك بالصدق. فالتاريخ تبديل والحق المنجي الآن فالحرف يقتل والروح يحيي وما أكثر من علماء القانون في لبنان وهم الفهماء بالنصوص التي تحيي وتفرضها وحدتنا الوطنية. فالظرف ظرف إخلاص للوطن كله اليوم والقانون ليس تنزيلا إلهيّا ولكنه تدبير بشري في الزمان الذي ظهر فيه. وكلما تعمّقت الثقة بك نظرًا الى ما ستحقق تتحرك النصوص لخير البلد.

                      واذا ساغ لي ان أقول كلمة عن أولئك المحبطين من المسيحيين فرجائي ان يعرفوا انهم يجيئون من الإنجيل اي من محبة الآخر فاذا عاشوا بكلمة الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وانت منهم بالإنجيل ولكنك لا تحملهم وحدهم. انك تحمل اللبنانيين جميعا. واللبنانيون كلهم مقتنعون ان المسيحية سوف تستمر برائحتها الزكية في هذا البلد ولو انتقص من حق شعبها في هذا المجال او ذاك فلنفرح انها تقدّم نكهة المسيح. المهم ان يقتنع كل المسيحيين ان لبنان الكامل وطنهم مع كل الذين يعيشون على ترابه وان الكثر واحد بلحمة النور الإلهي على وجوههم.

                      يا فخامة الرئيس نحن وراءك ما دمت على الحق وسنرفع الصلاة من أجلك حتى لا تعثر قدماك. نعرف ببساطة ان لا عصمة في السياسة ولكن المهم ان تبقى على النقاوة التي يعاين أصحابها الله. انت رئيس على قدر خدمتك وسنحاول ان نكون معك خدّامًا للبنان وعيوننا الى الشمس التي تطلع من وراء جباله.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

هل نشارك الغربيين القدسات؟/ الأحد 25 أيار 2008 / العدد 21

كنيستنا لم تنكر على أن الكنائس ذات التأسيس الرسولي عندها الأسرار المقدسة. ولذلك اذا قبلنا في الأرثوذكسية كاهنا من كنيسة أخرى لا نعيد رسامته.

اما السؤال المتداوَل هو لماذا الأرثوذكسيون والكاثوليك (روم كاثوليك، موارنة وما الى ذلك) لا يتناول واحدهم أصلا الا في حالات استثنائية عند الآخر (مثلا في حالة الإشراف على الموت ان لم نجد كاهنا من كنيستنا). هذا لا يتضمّن إنكارًا لقدسية الأسرار عند الإخوة الآخرين. وهذا لا يعني بالضرورة انهم هراطقة ولا هم ينعتوننا بذلك. ولكن المقاطعة تعني ما نسمّيه «قَطْع الشركة» حسب أهم علماء القانون الكنسي عندنا اليوم.

«قطع الشركة» تعني اننا لم نبقَ كنيسة واحدة الآن. لقد تمّ الانفصال الرسمي بيننا السنة الـ 1054 وتجذّر بعد الحملة الصليبية الرابعة السنة الـ 1204 عند احتلال الإفرنج القسطنطينيّة فتباعدنا بعضنا عن بعض، ومنذ ذلك الحين لم نجتمع حول المائدة المقدسة الواحدة. لا نحن ذهبنا إليهم ولا هم جاؤوا الينا، غير اننا لا نزال نطلب الى الله ان يمنّ علينا بالوحدة.

لا يفتكرنّ أحد بسبب من هذا الوضع ان هذا هو موقف أرثوذكسي فقط. هذا موقف كاثوليكي أيضًا وهم قد كتبوا في أيام البابا الراحل انهم لا يقبلوننا في المناولة. والبابا الحالي في قدّاسه يشدّد على هذه المقاطعة. امّا لماذا يسترضي احيانا غيرنا بقبولنا عند المناولة التي يوزعها؟ هذا شأنه ولكن ليست هذه تعليمات البابا او الرؤساء له. بالعامية نقول هو «فاتح عَ حسابو». اما نحن فنحترم موقف كنيسته الرسمي وهو لا يحترمها.

انقطاع العلماني عن المناولة عند إخوتنا الكاثوليك ناتج من انه ينتمي الى كنيسته. العلاقة مقطوعة بين الكنيستين، ولا يعمل كل منا على هواه. يتصرف كإخوته الذين من كنيسته. ليس في الكنائس تصرف فردي. هناك فقط تصرف جماعي. فإذا اتّحدت الكنيستان ينتهي «قطع الشركة» التي رمزها الكأس الواحدة.

طبعا الكاهن يأتيه من يأتيه أمامه وهو لا يعرف الجميع ولكن المبدأ هو انه يجب أن يتعلّم الجميع ان المشاركة لم تبق قائمة. اما اذا وجدنا لأسباب عائلية راهبة او راهبا من غير كنيستنا فيجب ان نقول لهم باحترام او محبة اننا لا نستطيع أن نخالف قوانيننا ولا قوانينهم. فاحترامًا لقراراتهم هم لا نقرّبهم من الكأس المقدسة، اذ يكون قد قام في أذهانهم اختلاط بين الكنائس، وهذا الاختلاط لم يحصل.

قلت هناك استثناءات مثل وضع الإشراف على الموت. كذلك مثلا اذا سكن أحد الإخوة الغربيين في قرية او مدينة ليس فيها كنيسة كاثوليكية فنرحّب به لأنه عارف بأنه يبقى كاثوليكيا ولا يخلط الأوضاع. هكذا لمّا تهجّر اللبنانيون في الحرب الى اليونان او قبرص كنا نخدمهم ونحافظ على ولائهم لكنيستهم.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

رحلة يونانية / السبت ٢٤ أيار ٢٠٠٨

كان عليّ أن أحاضر في ألمانيا عن الإسلام غير أن إغلاق المطار حال دون ذلك، وفي يوم فتحه تمكّنت من الوصول الى اليونان لإلقاء محاضرة أخرى في المسيحية وذلك في مدينة فولس الى شمالي أثينا وذلك في إطار أكاديمية لاهوتية أنشأها أسقف تلك المدينة المطران إغناطيوس.

                        كانت المشكلة أني تكلّمت بالفرنسية وكان اليونانيون الذين اجتمعوا هناك يسمعون الترجمة بلغتهم. ما شدّني الى قبول الدعوة الى أالمانيا هو ان اللاهوتيين هناك يعرفون قليلا عن الإسلام وأرادوا أن يتعلّموا. معرفة الإسلام هي الانعطاف الحاضر في الفكر المسيحي الأوربي. والاضطرار الذي حكمني انه لم يكن ممكنا ان يسمعوا الآيات بالعربية ولكن الترجمة كانت أفضل وسيلة ممكنة والعارفون منهم كانوا يتكلّمون على الترجمة التي أخرجها الى الألمانية الأب تيوفيل عادل خوري كاملة أجزاء عديدة مع التفسير في الحواشي.

                        اما فولس فمدينة بحرية تقع بين أثينا وسالونيك وكان على رأسها رئيس أساقفة أثينا خريستوذولس المتوفّى أخيرا. أهم عنصر في هذه الرحلة كان الأسقف الحالي تأخذك طهارة وجهه ثم تتعرّف الى حكمته وفهمه وحسن ضيافته وبساطة محبته وشفافيّته.

                        الأكاديمية التي أسسها منشأة مستقلة تابعة للأبرشية بخلاف المدن الأخرى حيث كليات اللاهوت أجزاء من الجامعات التابعة للدولة. وعلى رأس الأكاديمية شاب تخرّج من اليونان ومن السوربون يتكلّم كل اللغات الحية وزارنا في معهد البلمند ويحب اهل المشرق وآخر سهرة قضيناها معه أسمعنا صوت فيروز يغني القدس فذكّرته أني شيخ وأن ذوقي الأوّل يذهب الى سيد درويش فأسمعنا منه ما تيسّر. والأكاديمية الى طاقمها التعليمي منفتحة على اللاهوتيين الأجانب من كل صوب وأظن اني اول عربي تكلّم فيها.

                        هذا اللقاء الذي كنّا اليه السبت الماضي تحدّث فيه عالم ايطالي في موضوع خلافيّ بين كنيستي الغرب والشرق، خلاف مرتكز على العبادات وهو دقيق جدا ويدور حول ما نسمّيه «استدعاء الروح القدس». هل استحالة القرابين الى جسد المسيح ودمه مؤسسة على هذا الاستدعاء وهو غير معروف في الكنيسة اللاتينيّة، ام ان فيها صلاة تسبق كلمات العشاء السري: «خذوا كلوا… واشربوا منه كلّكم»، وهل هذه الصلاة تعني معنى الاستحالة؟

                        المهم في كلام هذا الرجل انه وحّد بين «الموقف الأرثوذكسي والموقف الكاثوليكي» بما هو مقنع بعامة وإن كنّا اختلفنا معه في الجزئيات. ما جذبني فيه ليس فقط معرفته العظيمة باليونانية واللاتينيّة وهذا ليس متوفّرًا عند كل اللاهوتيين. ولكن ما جذبني اولا هو البساطة والتواضع. وتبيّن لي أننا نستطيع ان نذلّل هذه الصعوبة وصعوبات أخرى ما تصدّى لها الأخصائيّون بصورة كافية.

#                 #

#

                        قلت له: انتم في المجمع الفاتيكاني الأول الذي حدد السنة الـ ١٨٧٠ رئاسة البابا على الكنيسة جمعاء وعصمته هل أبسلتم (حرمتم) الأرثوذكس الذين يرفضون موقفكم ام انكم اكتفيتم بحرم الكاثوليك القدماء الذين رفضوا هذا التحديد. والأرثوذكس لم يصدروا موقفا قانونيا صريحا في ما انتم تقولون ولو كتبوا الكثير في هذا الموضوع رافضين. ثم أردفت مستشهدًا بلاهوتيّ أرثوذكسي كبير قال: «نحن مع كنيسة الغرب» في حالة قطع الشركة rupture de communion كما كانت مثلا كنيسة بلغاريا وكنيسة القسطنطينيّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكلتاهما على استقامة الرأي.

                        لم نوغل في المناقشة أكثر من هذا بعد ان اعترف لي انه ليس اخصائيا في هذا المجال.

                        ثم جاء دوري لأتكلّم على الأفخارستيا (سر الشكر او سر القرابين المقدسة وبالعامية المناولة)، وعلاقتها بالحرية.

                        في العبادة الأحدية عندنا التي هي سر الشكر، ركّزت على انها صلاة الجماعة وليست مجرد عمل تقويّ فردي بحيث ان الجماعة تتأسس او تنشأ من مناولة الخبز الواحد كما علّم بولس. غير أني ذكّرت السامعين ايضًا ان هذه المشاركة الأحدية تتضمّن ايضًا الإحسان الأخوي. انت اذا ارتكبت بعض المعاصي تخرج من الجماعة، وعند التوبة تعود اليها، ولكن لا تكتمل العبادة الا بتوزيع الطعام للمحتاجين. وهذا ليس شفقة أخوية ولكنه جزء من الانتماء الى الأمة المقدسة.

                        ثم بيّنت، بناءً على التراث، ان محبّتنا لغير المسيحيين تُنزل عليهم الروح الإلهي فيلتقون في المسيح علموا ام لم يعلموا ويصيرون جميعًا عروسه في اليوم الأخير. ثم اقتبست من يوحنا الذهبي الفم «ان المذبح الحجري ليس بشيء إزاء مذبح الفقير لأن الفقير هو جسد المسيح. هو اذًا أكثر وقارًا من الذي أنت واقف أمامه» (في الكنيسة). واستشهدت بإنجيل متى حيث يجعل السيد تماهيًا بينه وبين المحتاج والسجين والمريض.

                        كذلك تطرّقت قليلا الى الثورة بمعناها الدموي وشجبتها كما شجبت كل عصبيّة وعدوانية من حيث ان  كل هذا يتنافى وسر الشركة والمحبة الواجبة لكل الناس. وهذا قادني الى ان «النور الإلهي منتشر في كل إبداع عند غير المسيحيين وفي كل مجالات الفكر والفن اذا اقترنا بالعدل». وكان لا بد ان أذكر علاقة المسيحية بالثقافات فقلت ان الكنيسة في كل الثقافات ولكنها تبقى حرة منها. والكنيسة حرة من الشعوب التي تتألف منها. والحرية وحدها تجعل الكنيسة أمة مقدسة (لا بالمعنى السياسي) لأنها جزء من المجتمع السياسي.

                        وبعد تمييزي بين المسيحية والتراث الإغريقي ولو اقترب هذا التراث من باب الكنيسة، انتقلت الى المسيحيين العرب وقلت عنهم انهم في العروبة كثقافة اي في كل جوانبها الأدبية والفنيّة والعيش المجتمعي الواحد، وأضفت: »ان اللغة العربية حملت الإسلام كمصدر إلهام في مرتبة الإبداع البشري ولا يتملك الانسان هذه اللغة ما لم يكن «أليف القرآن». وأحببت أن أضيف أن مهندسًا معماريًا من كنيستي بنى عدة مساجد في المملكة العربية السعودية وهي من أجمل المساجد.

                        وبعد هذا عالجت قضايا داخلية للكنيسة الأرثوذكسية في العالم وركّزت على ضرورة التعاون بين الإكليرس والعلمانيين. أوضحت ان ثمّة أرثوذكسيين إسميين وآخرين روحانيين ورجوت ان يزول هذا الانقسام.

                        لم يبقَ من مجال لأحدّثكم هنا عن موضوع غاية في الأهميّة وهو موضوع الملكيّة الفرديّة واستشهدت بمعلّمنا الكبير باسيلوس القائل: «ما هو لك لم تأخذه لتكون مالكا له طوال حياتك. من هو سارق الجماعة؟ أليس ذاك الذي يحفظ لنفسه ما هو ملك الكل. ان الخبز الذي تحفظه عندك أليس ملك الجائعين، والكساء الذي تضعه في الخزانة أليس ملك العراة؟».

                        هذا أوصلني الى ان أزعم ان النظرة الى الملك في الكنيسة القديمة هي انك مؤتمن عليه. «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد» (مزمور 112: 9).

                        أخيرا تحدّثت كثيرا عن السياسة وأخطار السلطة والدول التي تستخدم العنف، كما تحدّثت عن سوء العلاقة بين الدول الصغيرة والدول الكبيرة وعن ظلم الكبار والصغار، وأوضحت ان الكنيسة الأولى قبل القرن الخامس كانت ترفض الحرب إطلاقا ثم جاءت التسويات.

                        غير ان تتويج هذا اللقاء كان في القداس الإلهي الذي أقمته مع مطران المدينة أمام جمع كبير واستُعمل فيه اللسان العربي كثيرا الى جانب اليونانية. وربما لم يكن بسطاء القوم يعرفون ان ثمة مسيحيين عربا. وكانت جوقة المرتلين تستعمل ألحانًا من أجمل ما سمعت، وتناولت الجماعة كلها جسد الرب واستضافتنا بعد هذا الرعية ظهرًا ومساءً وأحاطتنا بحفاوة مذهلة وأغدقت علينا الأوسمة والهدايا عربونًا للأخوّة والرهافة المذهلتين.

                        وأهم مما علمت فهمت ان المطرانية تطعم ألف فقير كل يوم في مطاعم خاصة بهم، وهذا كلّه آتٍ من هذا الإمام الأرثوذكسي الطاهر الشفاف الى ان عدنا الاثنين الماضي الى لبنان الراجي خلاصه من الرب.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

امتدادات القيامة/ الاحد 18 أيار 2008 / العدد 20

نعرف أن القديس لوقا بعد أن كتب ما صنعه المسيح وقاله، وذلك في الإنجيل الثالث، رأى أن يكتب في كتاب أعمال الرسل أوائل تاريخ الكنيسة التي رأى فيها امتدادًا للمسيح بالروح القدس. وركّز في قسم من الكتاب على العجائب التي صنعها الرسل وهي امتداد عجائب السيّد، وكأن لوقا يقول: السيّد وتلاميذه روح واحد، فكلّمنا اليوم عن مخلّع نسمّيه اليوم مفلوجًا اسمه أينياس. ما قال له بطرس انا أشفيك، ولكن «يشفيك يسوع المسيح». كان هذا في لدّة.

بعد هذا أكمل طريقه الى يافا وهي ليست بعيدة عن لدّة فعلِم أن فتاة اسمها طابيتا اي ظبية ماتت. ولما قاده الجمع الى بيتها، قال لها: «يا طابيتا قومي». هذا بعد أن جثا وصلّى. نتيجة لذلك آمن كثيرون بالرب.

وضعت الكنيسة هذه القراءة قبل القراءة الإنجيلية المتعلّقة بشفاء السيّد لمفلوج وقد تمّت قرب بِرْكة تسمّى بيت حسدا بلغتهم. كانت في القرون الماضية مطمورة تحت التراب ونقّب عنها العلماء في القرن العشرين، وهي جميلة جدًا ورأيتها السنة الـ1947 في القدس في زيارتي الأولى لها، وهذا لم يبقَ ممكنًا بعد احتلال اليهود للقدس.

كان يبرأ الإنسان المريض اذا استطاع ان ينزل بالماء من بعد تحريك ملاك له.

غير أن المفلوج الذي شفاه يسوع لم يوجد إنسان يساعده لينزل في البركة. اذ ذاك قال له يسوع: احمل سريرك وامشِ. المعنى ان السيّد لم يكن يحتاج الى عمل ملاك ليرمي هذا الإنسان في البركة.

يريد يوحنا الإنجيلي أن يسوع له علاقة مع البشر مباشرة. ليس من وسيط بيننا وبين السيّد. هو الوسيط الوحيد بيننا وبين الآب. القديسون إخوتنا وأصدقاؤنا ونصلّي كلّنا معا لله. ليسوا هم سلّمًا نتدرج عليه لندرك الله. كلّنا بعضا مع بعض ندرك الله. قوّتهم تأتي من أنهم تحرّروا من الخطيئة ويخاطبون الرب كما يخاطب الصديق صديقه.

الكاهن أب روحيّ لنا يساعدنا لنرتفع الى الله وليس هو جسر بيننا وبين الله. لنا اتحاد مباشر مع يسوع ولكلّ قديس اتحاد مباشر مع يسوع وكلّنا دوائر مركزها السيّد. نحن معًا أمّة مقدّسة. وهذه الأمّة كلّها هي حول السيّد متماسكة، الكلّ يصلّي من أجل الكلّ ونرتفع معًا الى حضرة الله.

ولكون القديس يحملك تخاطبه ولا يقوم مقامك في الحديث الى الله ولكنه اذا خاطب الله يذكرك لأنه يعرفك واحدًا من الأمّة المقدّسة ويريد أن تبقى بعيدًا عن الخطيئة وأن تنضمّ في نهاية عمرك الى الأجداد القديسين والملائكة ولا تبقى مفلوجًا بالمعنى الروحي. القديسون يريدونك صحيحًا وأبوك الروحيّ كذلك، ولكن هذا لا يعني انه يحمل عنك جهدًا يجب انت ان تحمله.

المهم في احد المخلّع ان تعتبر نفسك مفلوجًا روحيًا اي غير كامل استقامة القامة الروحية وان جهودا تنتظرك لئلا تقع في الكسل وتتّكل على سواك ليعضدك. النعمة وحدها عضد لك. جاهدْ باستمرار لئلا تهملك السماء فتصير غارقًا في بحر الدنيا ثم ترمي المسؤولية على الله او قديسيه. أنت مسؤول عن خلاصك وكما يُشفى المفلوج احيانا بصورة كاملة لك ان تشفى برحمة الرب.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

بلدنا الأحب / السبت ١٧ ايار ٢٠٠٨

                      البلد لا يُمسّ لأنه في هذه الدنيا هو المطلق وخطأ أهل السياسة في العالم كلّه ظنّهم انهم منقذو البلد والبلد لا ينقذه الا أهله مجتمعين، متحابّين. كان لي أستاذ في باريس وضع كتابًا عن روسيا خلاصته ان الشعب الروسي لا يؤمن بالدولة وان ولاءه للقيصر فقط. أعكس فكره علينا لأقول ان لبنان لا يعيش حقا بالدولة ولكنه يعيش بالقلوب. ففي اعتقادي ان كل ما يُقال عندنا على الرجوع الى الدولة لأنها هي الكليّة ويفترض ان الخلاص بها قول مردود لأن الصراع الدائر عند من ورث الدولة الفرنسية وفلسفة ثورتها يقوم على أن الناس يريدون إنشاء الوطن بالدولة. والحق انه هو الذي ينشئها. عندي ان الخلاف حول الحقائب ومن يرثها وعن توزيعها على الطوائف كله لغو لأن الخلاص ليس في هذا ولكن ان تقبل الآخر شريكًا لك لا في إدارة شعبنا ولكن ان يكون قلبك الى قلبه. لا شيء يقنعني ان توظيف هذه الأرقام المعطاة المعروضة على المناصب هي الحل ولأن هذا كله عابر وتتغيّر الأرقام حسب الظروف المعروضة وهذا تمثيل مشاركة وليس مشاركة. الحكم ليس مكان اللقاء بين ما يسمّى بقلم أحد كبار المحللين شعوبا. الشعوب لا تترجم حقائب ما دامت رؤية كل شعب تحمل طيات استكبار فلا أحد فوق احد الا اذا جعل نفسه إلهًا ونحن كلنا يُجمع على ان «لا إله الا الله».

                      ماذا يعني هذا الكلام وانا لست أدين فئة لأني لست محللا سياسيا ولا أملك كل المعطيات.

                      نحن أمام خطر انقسام حقيقي او أمل مشاركة وليس بينهما تواصل. كل بذور الانقسام قائمة والمطلق الوحيد بوجه الانقسام ان الدم المسفوك معصية كبرى ونهاية لهذا البلد اي ظهور بلدين او ثلاثة او أكثر. ونحن على حجم صغير لا يحتمل ناحية العيش المادي فيه تقسيمًا. نحن أشرفنا على الجوع في الوطن كلّه فكيف اذا انقسم. ما موارده؟ الى هذا ماذا تفكر عند ذاك بالمذهب الذي وراء الحدود الداخلية وأهله. الجواب الوحيد اننا ندخل في مملكة الأحقاد وفي اختراع الخرافات ويكون هذا من حوافز الهجوم على الآخر عند الفرصة الأولى. ليس لنا خيار الا الوحدة التي هي فرصتنا الوجدانية للتلاقي والتفاهم الحضاري وترجمة التعدد الى تعاون وتبلور العلاقات على المثال الذي اشتهيناه منذ اول دستور اعتقادا منا اننا نحمل رسالة يقضي عليها التقسيم توا.

                      الوقت الحقيقي المتبقي لنا وقت الصبر ووقت الفهم واعتبار هذا فوق السياسات العابرة. انا لا احتقر السياسة وجديّتها وأهميّتها ولكني اؤمن بظرفيّتها وتغيّرها والديموقراطية تحديدا نظام التبديل واقتناع ان الآخر قد يكون أفضل منك في حين من الزمن او مرحلة من الفكر. هذا البلد لا يمكن بقاؤه الا اذا  آمنت بهشاشة السياسة اية كانت واذا ايقنت ان طرح هذا الطرف لا يستحق لا الاعتقاد به كأنه فكر إلهي ولا يستحق التغاضي عنه كليا كأنه العدم.

                      والسياسة ينفرط عقدها دائما في حالة استبدادها او حالة لينها. واذا أدركت الحكم فلا حزب يبقى على وحدته الا اذا كان خائفًا من الانشلال او الموت. فالحزب الشيوعي السوفياتي أخذ يضعف منذ تأليفه وقتل الكبار للكبار لأن الفساد يدخل ويفرق بين الذين ليسوا ملائكة. والأحزاب الأكثر ديموقراطية في اوربا الغربية تنشأ فيها الفئويات دائما ويتصارعون داخليا لأن اهل الحزب بشر وليست أصناما جامدة ولأن الإيديولوجيات تركيب بشري مفتوح على كل تفسير ولأن التفاسير تتحول مذاهب فترى نفسك قريبا ممن كان خصمًا اذا زالت الحدّة وتقاربت المصالح. وما بدا فضائل كما قال مفكّر فرنسي تشبه سواقي تتلاشى جميعًا في البحر.

#                 #

#

                      انا ما قلت ان ننأى عن السياسة ولكن ان ننأى عن اتخاذها كأنها عقيدة مُنزَلة وتاليا عوض الانقسام او التقسيم نحن مدعوون الى مشاركة هي نفسها محكوم عليها بالانفراط لئلا تصبح مناسبة لسفك الدماء. هي مشاركة ليست بالمعنى اللبناني الحسابي المتداول ولكن بمعنى الاستمرار باقتراف الأعجوبة اللبنانية اي التوق الى الوحدة بما نحن عليه من تعدد. وهذه جدلية بمعنى ان التعدد المفرط قتال والوحدة المصطنعة قتالة. وهناك نوع من الواقعية يجعلنا نقول اننا اذا ذبحنا بعضنا بعضا من أربعينات القرن التاسع عشر حتى انتهاء الحروب الداخلية التي استهللناها السنة الـ ١٩٧٥ يجب ان يكون فينا شيء غلط. وهذا الغلط لم يدرسه علماء الإناسة عندنا لنصلح أنفسنا فنتفاداه. كلنا يعرف بذور الحرب الطائفية او حروب الطوائف لخدمة الآخرين كما يقول غسان تويني. وما أعرفه أكثر أن ثمّة بغضا دينيا في لبنان والعالم والسؤال كيف نغلبه ليبقى كلّ منّا على الإلهيات التي يؤمن بها ونتشارك الأرضيات التي نحيا بها مع الجميع اذا صممنا على الا تنقضي منا عشرات من السنين متتالية فنعرف الخلاف ونقبل الاختلاف ونطلب الحرية الكاملة لنبقى على مطلق ما نعتبره ايمانًا وعلى هشاشة ما نعتبره سياسة.

                      هل ندرك ذلك الشرف والتهذيب والحب الذي يجعلنا نقيم بيننا ميثاقًا لا أطلب غيره وهو الّا نتذابح ولا ندمّر بعضنا منازل بعض ونحافظ على حرية الكلمة لمن شاءها على الصدق في معاملاتنا بحيث ان جماعة لا تلغي جماعة وتقبلها بقيادة البلد على اساس المعرفة فقط. يعني هذا اقترابا من حكم مدني اذا لم نستطع ان نتبيّنه فورا حتى تدنو التعددية من الوحدانية ذات النكهة الحضارية والحقيقة السلامية.

                      وفي ظل هذا تذوق انت بهاء المسيحية وجمال الإسلام ولو اختلف في هذا بعض العلماء وشيء من الشر يأتي من العلماء الا اني في الفترة الأخيرة بتّ أسمع في وسائل الإعلام كهنة ومشايخ يتكلّمون في ذوق وتهذيب كبير على الجماعات الأخرى ما لم أكن أعرفه منذ ربع قرن وقد تعثر على شعور رهيف في هذا الكلام المتبادَل ما لم تحلم به من قبل. جمعتني مؤخرًا مناسبة مناقشة مع عالِم مسلم، عميق الإسلام، طلّ على المسيحية بشفافية ما كنتُ أنتظر ما هو بقوّتها. وأخذنا نسمع بعضا من المسلمين يقولون عن قساوسة مسيحيين كيف اقترب هؤلاء من الإسلام بعمق لم يشاهَد من زمن قريب. الأغبياء لا يصنعون التاريخ ولكن العقلاء المحبين يستطيعون ان يقتربوا من العقلاء الآخرين بحيث يضعون معًا الأساس الروحي لهذا البلد.

                      مرة جمعتني ندوة مع عالم مسلم في بيروت وقبّل أحدنا الآخر فهلّل لنا الجمع وصفّق لإحساسه بصدق شعورنا.

                      حفاظ أحدنا على الآخر هذا هو السر والحل. هذا قائم أساسًا على الله ولكنه قائم في بشريّتنا. ولكوني أعرف منذ طفولتي عيوب شعبنا ظللت عشرات السنين من عمري لأكتشف أننا شعب طيب واننا قادرون على رغم هذا التعبير المحزن «الوضع الإقليمي والدولي» ان نتعايش بحب. انا لا أعرف مواطنا يعترض على دين هذا او ذاك من المسؤولين والموظّفين. انا مواطن بسيط قلت غير مرة في وسائل الإعلام ان هذا الأمر لا يهمّني. سيأتي يوم يمّحي فيه الخوف وتتشرف قيادتنا السياسيّة بالمسيحي والمسلم على اختلاف المذاهب. تلك هي في العمق المشاركة. وهذه تجد لها ترجمة في هذا الزمن الانتقالي.

                      ستضعف كل الجماعات لا لأني أدعو لأحد بالضعف ولكني لا أحلم بزمان نُسَرّ فيه بالضعف كما لا نُسَرّ بقوّة أحد مفصولًا عن أخيه اللبناني.

                      اللهمّ هَبنا الا تهراق قطرة دم واحدة لنحيا بالثقة بك وببعضنا البعض ونرتب بيتنا اللبناني بكل مداميكه ان يترتّب اي وفق هبة الله وذكائنا. وبعد هذا فقط لنا حظ الحياة.

Continue reading