Author

Aziz Matta

2008, مقالات, نشرة رعيتي

جوانب من الصلاة/ الأحد 20 تموز 2008 / العدد 29

اختير هذا الفصل من رسالة يعقوب لاحتوائها ذكر ايليا النبي الذي نعيّد له اليوم، وقد أراد يعقوب من كل سيرة النبي ان يذكر فقط قوة صلاته التي استُجيبت مع انه كان قابلا للآلام (أي للضعفات) مثلنا، وذكر صاحب الرسالة فقط ان ايليا حبس المطر «ثلاث سنين وستة أشهر» ثم جعله ينزل بقوّة.

في سياق هذه الرسالة يقول يعقوب: «هل فيكم مريض فليدعُ قسوس الكنيسة وليصلّوا عليه ويدهنوه بزيتٍ باسم الرب». هذا الكلام أساس لسرّ الزيت المقدّس الذي لم يبقَ له أثر إلا يوم الأربعاء العظيم ويتمم في الكنيسة، ولكن القصد من تأسيس السر ان يَعود الكاهنُ المريضَ (او عدة كهنة ان وُجِدوا) ويتمّموا السرّ، وله صيغة مختصرة ان كان المؤمن شديد المرض. ولم تقلْ كنيستنا ان إتمام هذا السر لم يبقَ له وجود ويعوّض عنه تناول القرابين المقدّسة. ونرجو ان تهتمّ القيادة الكنسيّة باستعادة الإجراء لهذا السرّ.

غير ان الكنيسة المقدّسة لم تحصر الصلاة من أجل المريض بإتمام سر الزيت، فقال يعقوب على صورة الإطلاق «ان صلاة الإيمان تخلّص المريض». فأنت العلماني مطلوب منك ان تصلّي للمريض الذي تعرفه. ويتوسّع يعقوب فيقول: «صلّوا بعضكم لأجل بعض لكي تبرأوا».

هنا أقول لك يا أخي ان ما يطلبه الرب منك ان تصلّي بالدرجة الأولى لمن تعرفه في حاجة إلى الصلاة: المريض، المحتاج، المتألّم، المتأزّم، وكل من عرفت لأنك تعرف أن الله وحده هو مخلّصهم جميعًا. نحن بيننا مشاركة صلاة تذهب منك وتعود إليك. المؤن يصلّي مع الإخوة ومن اجل الإخوة فيحسّ انه مع المتألّمين في كنيسة واحدة.

غير ان صاحب الرسالة لا يقتصر على ذكر الصلاة من اجل الآخرين، ولكنه يطلب إرشاده فيقول: «ان ضلّ احد بينكم عن الحق فردّه احد، فليعلم ان الذي ردّ خاطئا عن ضلال طريقه قد خلّص نفسًا من الموت وستر جمًّا من الخطايا». أنت ان كنت متّصلا بالرب تستغفره من اجل نفسك، وان رأيت أخًا يسقط فتحنّن عليه وأرشده وتابعه بالإرشاد ولا تصبر على استمراره في الخطأ لأنك مسؤول عنه، ولكن كلّمه بوداعة، فإذا أحسّ برقّتك يلمس رقّة الربّ وحنانه وحظه كبير ان يرجع عن الخطيئة.

حولك اثنان او ثلاثة او اكثر في عائلتك ومن بين أصدقائك تلحظ أحيانا انهم يخطئون. انت تحبّهم فيجب عليك اللوم بالأقلّ والتوبيخ احيانا لأنك لا تطيق موتهم الروحي وتريدهم ان يكونوا من أبناء الملكوت وان يهيمن المسيح عليهم. لا تريد أحدًا خارج المسيح اذ لا يحيا احد بلا مسيحنا. ومن تاب يحيا من جديد ويمكث الثالوث في قلبه.

عند المساء او عند الصباح اذكر الخاطئ والمريض والمحتاج باسمه، ومن ذكرت مع اسمه اسم يسوع لابد ان ينهض يوما. لا تذكر فقط حاجاتك. واذا طلبت لنفسك الملكوت كما علّمنا السيّد فاطلب ان يحلّ الملكوت في الآخرين لتصبح وايّاهم ابناء الملكوت. ادعهم الى معرفة الإنجيل فهو يطهّرهم ان ثابروا على مطالعتهم. ادعهم الى الخدمة الإلهيّة تشفهم بما فيها من كلام وأسرار إلهيّة. لتتسع نفسك لكل من احتاج الى محبة الله له. لا تستطيع ان تبقى وحدك حبيب الرب ان لم تبتغِ ان يصبح الجميع أحباءه.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الحكم والشعب / السبت 19 تموز 2008

لن أكتم هذه المرة حبي للبنان مع ان هذه الصفحة زاوية إلهيات. ذلك اني موجع وراجٍ معًا. ما انا بمداح وان كانت قلة من الوزراء من أصدقائي وعصبة أخرى أقدّرها وبعض منها على الامتياز. هل تكون الحكومة في نطاق رجائنا وعلى الفهم الشائع في أفراد منها ليصير هذا الفهم فاعلا في تقواها فتحمل حكم الله بين يديها فتفرض علينا إجلالها وتنمو أملا في «الباقيات الصالحات» في فكرها وإجرائها.

تعبت من اتهام الحكام لأن هذا يوقعنا في اليأس. والاتهام كما أسمعه أحايين قد يكون تعميما ظالما فكيف نستعمل نصحنا حتى نرشد مَن مال الى الاسترشاد. الا يسمع من له أذنان للسمع؟ الا يلتقط العطاء الإلهي مَن حرّك قلبه لتلقّي العطاء؟ مَن كان في حاجة الى التوبة فقد حان حينه. ونرجو للجميع جلاء النفس وصفاء النيّة وقوّة العزم لتبقى وديعة البلد سالمة في الأشهر القليلة القادمة.

وقد يعزّينا ما سمعناه من الرئيس في خطاب القسم وفي هذا التصريح او ذاك وراقنا شعور الرقي الذي صدر عنه ما يفرحنا في هذا الزمن الرديء. وأظن انه يصلح لي أن أقول للإخوة ان الإنسان فوق النصوص لا لأنه يتخطاها ولكن لأن النصوص لا تحييك الا اذا رجوت الى الله ان يُنعم على الذين يقرأونها بصدق ليعيش البلد. اظن ان الامام الغزالي هو القائل: «من الناس من يعرفون الحق بالرجال ومنهم من يعرفون الرجال بالحق». اسأل الله المبارك ان يعرفنا بما هو عليه الرجال بالحق الذي يحمله هو.

المبتغى الثاني الا ترجئ هذه الحكومة أي أمر الى غد. نحن نطلب منه فكرا وعملا وطهارة. وهذه كلّها ليست من المستحيلات اذا شاء من شاء. قيل: الحكم ملح الأرض بمعنى انه يحفظ البلد ويعطيه نكهته ويوطّد العزائم اذا خارت. ذلك انه اذا وجد جبابرة روحانيون يستغنون عن كل متاع الدنيا الا ان معظم البشر في حاجة الى من يخدمهم فيقويهم. الناس يتشددون بالناس فاذا فسد الحكم ييأس الكثيرون من إمكان الفضيلة. سمعت مرة اسقفًا يقول عن كاهن عنده: «ان الله لا يهمه» ثم أردف اذًا أخطأ العنوان، كان خيرا له ان يكون بقالا اذ عنده من معرفة البقالة الكثير. اتمنى أن يعرف وزراؤنا جوهر الحكم وأن يتقنوه على قدر ما نعاونهم ونعمل ما يطلبه التعايش المدني.

قلت غير مرة في «النهار» ان من البلدان ما يصنع الحكم اذ الحكم فيها يطلع من القاعدة ومن البلدان. ما يتكوّن فيها الحكم من المجتمع. أظنّ ان أهلنا في لبنان من يتطبّع بالحكم وأخلاق حامليه. الحاكم الرشيد فوق العامة. انه من الخاصة او من خاصة الخاصة كما يقول الغزالي ايضا. غير اننا بتنا من الوضع الذي نحن فيه ورجائي ان يلهم الله الوزير العادي ان ينتمي روحيا الى الخاصة او خاصة الخاصة ولا سيما ان الحكومة مجتمعة تقرر. قال بولس الرسول: «تنافسوا في الحُسنى» حتى تخرج من حزن عميق وانتظار طويل ونشدّ أزر بعضنا البعض لإنقاذ البلد.

# #
#
هذا يقودنا الى تأمّل نظام البلد. انا مع السيّد البطريرك نصر الله صفير لما قال هذه البداهة: ان ثمّة أغلبية وثمّة أقليّة.وهو على ما أعرفه عنه وعن تقواه ان هذا هو الأصل وتلك هي الديموقراطية وانت لا تستطيع ان تنشئ ديموقراطية غير تلك التي تحدّث عنها افلاطون والفارابي ومونتسكيو. واما الديموقراطية à la libanaise  فأكذوبة الأكاذيب. واذا تكلّم عن التوافقيّة فهذا كان حلا لأزمة مستعصية وهذا ليس بالأصل وليس ما يحرّك عجلة الحكم.

عند تنوّع الأطياف والطوائف والساسة والأفراد الأصل الاختلاف. في الدول الراقية جدا الأصل الاختلاف. في الأديان نفسها على وحدة العقيدة الأصل الاختلاف في التفسير والاجتهاد والنزعات والمواهب. عندنا تقدم الحكومة مشاريع قوانين يقبلها المجلس او لا يقبلها. فاذا كانت الحكومة واحدة المشروع فالمجلس يناقشه واكثريّته تقرر. واذا احببنا ان نقرأ مشاعر دينيّة او طائفيّة من النوع التاريخي فكل الطوائف الصغيرة في لبنان لا قرار لها مجتمعة في الشأن السياسي. واذا أخذنا الطوائف الكبرى المتقاربة العدد وافترضنا وحدة القرار في كل طائفة ماذا يمنع ان تكون هذه الطائفة غالبة او مغلوبة ثم يأتي دورها بالتداول.

لماذا لا نتعلّم ان نختلف ونحب؟ لماذا الفكر يجب ان يشطب الفكر؟ افهم اننا في وضع متأزّم أصررنا ان ننتخب رئيس جمهورية توافقيا صلاحيّاته الدستورية قليلة ولكن أنّى يكون التوافق في مجموعات كثيرة كمجلس الوزراء ومجلس الأمّة؟ كيف يتمّ توافق بين طوائف ثلاث هي السنة والشيعة والمارونية وهي الأهم عددا وقدرة؟ انا لا أفهم التوافقيّة الا ترسيخا للمواجهة الطائفيّة؟ ماذا نعمل بالدستور الذي يتحدّث عن الغاء الطائفية الدستورية وما فائدة مجلس الشيوخ عند ذاك؟ ماذا يبقى له اذا توافق الجميع؟ أليست وظيفته إدخال عنصر التوازن؟

ولماذا هذا الادعاء اللبناني اننا دولة فريدة في العالم والديموقراطيات الوحيدة في العالم هي الديموقراطيات الغربية بعد سقوط الديموقراطيات الاشتراكية وانضمام ما تبقى منها الى النموذج الغربي حتى الالتحاق او شبه الالتحاق بالديموقراطية الأميركية؟

يبقى التدرّب على الذهنية الديموقراطية وقبول التنافس نموذجا حيا للتعامل بين الأغلبية والأقليّة.
# #
#
ماذا عن الشعب؟ هذا شعب يجب ان يأكل وان يتأمّن له الأمن ما يحتّم على الحكومة الحاضرة اذا ما نالت الثقة ان تنصرف اولا الى هذين الأمرين اللذين عند انتفائهما لا يبقى مبرّر لوجود أيّة حكومة. شعبنا أكثره فقير والأعاجيب فقط تحول دون جوعه.وكل الحديث عن هجرته مرتبط بهذه الواقعة وانعدام الأمن او هشاشته وقوّة التعصّب الديني الذي يسمّى تهذيبا تواترا طائفيًا.

الى هذا شعبنا يحتاج الى ثقافة روحية اولا والى مدنية ثانيا لتنبثق عنه ديموقراطية فاعلة في الحكم. ومسؤولية ذلك واقعة بالدرجة الأولى على وزارة التربية ورفع مستوى المدارس وعلى وزارة الثقافة المنوط بها تثقيف كل الأمة اللبنانية.

مواطنونا انتقلوا من دور القبائل الى شكل دولة لا الى عقل دولة. والدولة تعني جباية ضرائب وجيشا نظاميا كبيرا وكهرباء ومياه وطرقات ومدارس وطبابة وزراعة وصناعة. وهذا كله يشكّل نقصًا كبيرًا. من يقيمنا من هذا الجب؟ لا أشك في ان بعض المسوولين أطهار ويحبّون البلد واذا أظهروا ذلك فنحن متمسّكون بهم.

هناك تفاعل أساسي خلاق بين الحاكم والرعية.ولن تستقيم أخلاق الناس ما لم نشرع بهذا. هل تقوم حركات تطويعية لتثقيف الناس على القيم الكبرى وعلى محبة الوطن والسعي الجماعي. ليس من موآنسة ممكنة بين محبة الشخص لذاته ومحبته للمجموعة الوطنية. ما من مجتمع مستقيم بلا دولة قادرة ومستقيمة. وما من مجتمع سليم اذا لم تطوعه دولة قوية تستعمل الوسائل القسريّة لإحقاق الحق والقصاص بحق المجرمين وبلا ايماننا الكلي بأن القانون يربينا. الهروب من القانون هو الهروب الى المنفعة الشخصية اي الى كسر الدولة.

المواطن غير القادر ان يحب الوطن لا بد من ضبطه. أرقى شعوب الأرض لا حياة لها الا بالقصاص وهذا يعني استقلال القضاء الكامل عن السلطة التفيذية التي تستهويها السلطة أحيانا بما فيه الاستيزار وشهوة جمع الناخبين بالباطل احيانا.

نحن في حاجة الى ثورة بيضاء يقوم بها الناس وتقوم بها الدولة. واذا كان علينا ان نختار بين الحق والحاكم فلا مجال الا اختيار الحق. نحن قبل كل شيء ينبغي ان نتعلّم اللاعنف وان نسوّي أمورنا بالسلام ولكن هذا يقتضي احيانا الخشية من العقاب. لابد من حماية المواطنين من المجرمين بما فيهم من يسرق الدولة. ومن سرقها لا تحق له الضريبة. في أقصى الحدود يكون العصيان المدني هو الكي. ولكن وقانا الله من الكي لحل خلافاتنا بالسبل السلميّة التي هي غير ممكنة الا بالتعليم والإرشاد الدائم والندوات الفكرية ومساهمة الأديان بالإرشاد الى حكم صالح والى طاعة القانون الذي يحمينا من خطايا كثيرة. فاذا أخطأت الى القانون الحق فأنت مخطئ الى الله. الدين ليس فقط عقيدة وعبادات. هو قبل كل شيء طاعة لله ومحبة لمن تعايشهم اي لتنتظم بينك وبينهم علاقات سلميّة وسلامية.

قد يقتضي هذا عقودا من السنين ولكن لنبدأ على الرجاء في جدية كاملة والله موفقنا الى مشيئته ومن مشيئته الحفاظ على الدولة من قبل مستلميها والمواطنين. هكذا يتجلّى الله في وطننا الذي لن يكون جميلا الا بأهله.


Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

إلى أعضاء الكنيسة/ الأحد 13 تموز 2008 / العدد 28

«ليس من إنسان واحد لا يخطأ». وكلّ منّا يعرف خطيئته، وما أنا بديّان. غير اني أشارككم آلامي علّكم تخفّفونها عنّي وعنكم. لا أُخفيكم اني أعاني خيبات كثيرة لا يمحوها إلا رحمة الله. انتم تعلمون اني أحملكم جميعًا في دعائي لتقوموا بالأعمال الحسَنة كما يقول بولس الرسول في رسالة اليوم حتى تجتنبوا الخصومات، والرسول يدعونا إلى ذلك. والخطيئة بذاتها تقضي على الإنسان.

ما أودّ قوله ببساطة وتواضع انّي أتمنّى أن تقولوا في كل رعيّة قولاً واحدًا وان تفرحوا لفرح كلّ منكم وتشاركوا بعضكم بعضًا في التعزيات وتتحرّروا من العصبيّة العائليّة المنتشرة أحيانًا في القرى. ذلك أنّكم جسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا.

الانتماء إلى العائلة شيء ممدوح اذ يتعلّم كلّ منّا في بيته أشياء جميلة، ولكنه يتعلّم أيضا من عوائل أخرى. ومن تناول معك جسد المسيح يصبح معك جسدًا واحدا وروحًا واحدة.

الكنيسة تقدّس العائلة التي تتضمّن الأب والأم والأولاد، ويطلب الكتاب الإلهي ان نُحْسن إلى أقربائنا أولا. ولكنها لا تقدّس العشيرة او ما يسمّى «الجُبّ». الكنيسة ليس فيها تجمّعات. هي مؤلّفة من مؤمنين. وقد لا يكون أهل بيتك مؤمنين كبارا او ممارسين. أنت أقرب إلى المؤمنين المصلّين منك إلى الذين هم من لحمك ودمك.

وقد تكون ثمّة صراعات حزبيّة أو فئويّة. ليس لنا نحن رأي في السياسة. الإنسان حرّ أن يتحزّب على أن يبقى مؤمنًا. والله وحده يدين سرائر الناس، ولا نصدر أحكامًا في هذا او ذاك من أعضاء كنيستنا، وليس أحد منكم يمثّل آخر. ليس في الكنيسة تمثيل. كلّ يحمل مسؤوليّته، والكنيسة مسؤوليّة.

إلى هذا يستحيل على الكاهن او المطران ان يُرضي جميع الناس. وقد قال السيّد: «لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكمًا عادلا». إلى هذا نرجو ان تتحمّلونا في ضعفاتنا، وإذا رأيتم في اكليريكي ضعفا كبيرا فلا تثرثروا في المجالس حول أخطائه لئلا يتعثّر أحد ويبتعد بكشف الخطايا عن الكنيسة كلّها. وفي كل حال لا تكذبوا ولا تخترعوا قصصًا سمعتموها ولم تتأكّدوا منها، فهذا ليس تجريحًا بالإكليريكي ولكنه جرح روحيّ لنفوسكم.

ليس في الكنيسة زعامة لأحد. لا نزاع فيها بين غني وفقير، بين بيت وبيت. بيوتكم مقدّسة بالنعمة او يمكن أن تصير. «احملوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا تمّموا شريعة المسيح». فمن الثرثرة النميمة، والنميمة قد تؤذي انسانًا طوال حياته، فإذا صنّفتموه مع السيّئين آو الأشرار غالبا ما يبقى هكذا في أذهان الناس.

المقاربة السليمة للناس هي ان تثقوا بهم إلى أن يثبت العكس. احترموا الذين لهم في الكنيسة مسؤوليات، كهنة كانوا أم علمانيين، حتى تكتشفوا أنكم كنتم على خطأ. وافهموا أن خلاص كلّ واحدٍ بيده. لا يستطيع كاهن او مطران أن يذهب بك الى السماء او الجحيم ان كنت لا تريد. السماء لا تورّث، ولا الجحيم تورّث. تعاونوا والموجود إلى ان تتغيّر الأحوال. انتم علاقتكم بالإنجيل والقرابين المقدسة. الإنجيل بين أيديكم إذا شئتم ان تقرأوه. والقرابين يقدّسها الروح القدس مباشرة وتتناولونها من يد المسيح أيّة كانت اليد البشرية التي يستعيرها كأداة.

الكنيسة كنيسة السلام الذي ينزل عليكم من السيّد المبارك إنْ سعيتم إلى السلام.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الأم / السبت 12 تموز 2008

في اللغات التي أعرفها اوأطلّ عليها كلمة الأم تتضمّن ميما. نجد هذا في اليونانية القديمة وألسنة اوربا الغربية وتلك المشتقة من السلافي كالروسية ومثيلاتها. الكرجية تخرج عن هذه القاعدة. هذه الميمية الشائعة تبدو آتية من ان اول صوت يتلفّظ به الرضيع هو صوت الميم.

وحتى لا أوغل في التفلسف واضح من السلوك ان حبل السرّة ولو قُطع جراحيا الا انه يظلّ قائمًا نفسانيا بمعنى ان الوليد ولو كبر يبقى على علاقة عضوية بأمه وما لم تكن بالغة النضج تتصرف تجاهه على انه لا يزال في حاجة اليها. لا ألجأ هنا الى فرويد الذي يميّز بين علاقة الصبي وعلاقة الإبنة مع الوالدة على أساس الجنس. وقبل فرويد وبالاستقلال عنه نرى الفتاة معجبة بوالدها وبقوّته. ربما هيّأتها الطبيعة لإعجابها بعدالبلوغ بمن تحب.

البحث العميق الدقيق يتطلّب معارف لست أملكها. اني آتي أساسا من الاختبار ومن بنوتي. الواقع يقول اننا كنا أجنّة اي قائمين في بطن امرأة. تتغذّى مباشرة تسعة أشهر من امرأة وتتكيّف من الحشا بكثير من جوانبها البيولوجية وان كنا قائمين منذ البدء من لقاء رجل وامرأة ويستمر فينا اذًا عطاء الوالد. غير ان الجنين على رغم تكوّنه الأول ينمو بما يأخذ من والدته ويتطبّع بأحوالها المتقلّبة. الى هذا تنشئ الرضاعة علاقة مميّزة تؤثّر ليس فقط على الوليد ولكن في الأم ايضًا. يبدو ان الرضاعة ليست مجرد انسكاب لبن في جوف الطفل ولكن أحاسيس ذات طابع شعوري وتغيّرات تحدث في الأمّ وعلى رأسها الضم الى الصدر وما ينتجه من ارتباط بين الأم والوليد.

شيء من حميمية خاصة تجعل الأب عميق العاطفة اذا أخذ ولده كيثرا على صدره. شيء قريب من انضمام الولد الى أمه.

بعد الوالدية في طورها الأول اي قبل انتهاء الخامسة كل شيءممكن في هذه العلاقة. هناك تعلّق مرضي عند الولد بذويه وتعلّق مرضي بالذرية ما يخل بالعلاقة الى الأبد. بهذا المعنى ليست الأبوّة الصالحة او الأمومة الصالحة هي القاعدة التي تجرف الجميع. الخطأ يأتي أساسًا من التربية كما يأتي من رفض أبوة او أمومة ذميمة. أظن ان الشعراء الذين مجّدوا الأم كالشاعر القروي عندنا عمموا الحكم اذ جاؤوا هم من اهل طيّبين.

# #
#

في التكوين البيولوجي تطبيع او تطويع استهللنا به هذه الأسطر ولكنه قد يقود على طريق السهولة فتحسب الأم ان حنانها ينسال من نفسها الى المولود – وهذاواضح عند الحيوان- لأن الحيوان غير قابل للفساد «صلاحه» اذا صح التعبير منطبع فيه ولكن الحنو الكبير لا يأتي من الفطرة. هذا واجب صقله وواجبة تغذيته بما ليس من هذا الجسد وهذه الأعصاب. الإنسان نتاج عناصر متعدّدة المصادر لأنه حيوان اجتماعي كما يعرفه أرسطو. تنصبّ فيه روافد الأرض وروافد التاريخ. وبسبب من ذلك «حيوانية» ما في الأم في مرحلة الطفولة الأولى ليست سيئة الا اذا طغت طغيانا كثيرا.

هناك لا بد اذًا من ان تتثقّف المرأة كثيرا فتؤتي الولد العلم بمعناه الواضح. واذا كانت مرتبطة بالله تصلح ما اعوجّ في طبائعها وسلوكيّاتها لتنقل الألوهية التي حلّت فيها كما نقول في المصطلح المسيحي او اذا تخلّقت بأخلاق الله كما نقول في الإسلام. هذا ما يسمّيه انجيل يوحنا الولادة من الروح وطبعا يريد الروح الإلهي. كذلك يقول يوحنا اننا نولد ثانية من فوق. لهذا كان العلامة الاسكندري اوريجانس يكره تعييد الانسان لمولده. كان يعتبر ذلك أمرًا وثنيا لإيمانه ان الإنسان يولد من ماء المعمودية والروح القدس.

في الخلق الأول المستمر في الحبل والمولد تولد انت من لحم ودم. ولكن «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله». يبعثك في اليوم الأخير الروح القدس الذي يرعى الى النهاية العظام الرميم.

غير ان هذا السمو الروحي الذي أشرت اليه لا يحول دون القربى الجسدية التي تشير الى القربى الروحية التي يجب ان ترعاها انت حسب القاعدة الذهبيّة الثانية: «أحبب قريبك كنفسك». ومع ان الكتاب لا يتحدّث هنا عن النسابة الا ان ذويك يشيخون او يفتقرون او يمرضون ومن طاعة الله اذًا ان ترعاهم ولهم أوّلية في رعاية تعزيهم فيما العمر يطويهم. هنا تنشئ انت قربى جديدة تدل على طاعتك الله ويؤسفني ان ألاحظ ان الجمعيات الأهلية او الخيرية فقط في لبنان تهتمّ بالمسنين وان المجتمع الوطني ممثلا بالدولة لم يقم ازاء مسؤولية عن «الرياضة والشباب» مسؤولية مماثلة تجاه المسنين او ضمانا للشيخوخة وفي ذلك تكلّم كثيرا الرئيس اميل لحود غير ان شيئا لم تحققه الحكومات على هذا الصعيد.


# #
#

لا بد في تكويننا التنافسي ان نتمرّد بطريقة ظاهرة او غير ظاهرة على الأهل والحياة تقضي الا تفهم دائما في فتوّتك ما أخذت عن ذويك. وأنّي أحمد الله على ان الاستنساخ المعنوي غير صحيح فهناك من كان اكثر استقلال او اقل استقلالا عن اهله. ولكن في طور من أطوار حياتك يختلف بين الناس تفهم انك تجيء من حسنات ومن سيئات ذويك ثم يغرقك الحب في جلاء رؤيتك لهم والأهم في هذه الرؤية ان تقرأ النعمة الإلهية التي حلّت عليهم فتستعيد بالذكرى وتاليا بشيء من السلوك ما ارتسم فيها من جمالات الله.

وفي هذا تنتصب مريم نموذجا لمن ولدنا بالروح. هي ليست مثال المرأة. انها مثال الجميع برعاية نقيّة للمسيح. المسيح مولود امرأة لا رجل لها. هل ان ما يربطنا بالسيّد ينشئ عندنا روحا مريميّة. وهل اننا نسقط طهارة مريم على أمّهاتنا ونرفض بالرغم من العقل الفاحص كل كلام ملوّث عن أمّهاتنا. وجد رجل واحد في التاريخ المسيحي هو القديس مكسيموس المعترف قال: ان من ولد المسيح في الآخرين (في البشارة او التعليم) هو مريم ثانية.

بطريقة او بأخرى تتراوح بين الوضوح والغموض نريد ان نجعل امنا على مثال مريم في عطاء الذات والنقاوة غير المنثلمة ربما في حضارات اخرى شيء يشبه ذلك. ولكني لست أعلم. غير ان ما اعرفه ان الأم هيّأتها الطبيعة اولا ثم تهيئها الرحمة الإلهية على إمكان ان تصير كائنا عظيمًا يسهم كثيرا واحيانا -وليس في كل حين بالضرورة- يُسهم في خلاصنا وتقديمنا الى الرب آيات مذهلة.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

إخوتي الكهنة/ الأحد 6 تموز 2008 / العدد 27

أكتب إليكم هذه السطور لنكون واحدًا. وتدلّون انتم على هذه الوحدة اذ تذكرون الأسقف في الذبيحة الإلهيّة، ومعنى ذلك أنكم تعترفون به على انه هو الذي يُقيم الذبيحة معكم في غيابه او حضوره. وهذا يعني أنّكم موحّدون مع الكنيسة كلّها به كما يذكر هو البطريرك ليدلّ انه معه ينتمي الى كنيسة المسيح كلها. وذكركم للمطران هو الذي يجعل القداس شرعيًّا.

بالإضافة الى هذا فالأسقف معلّم الإنجيل والعقيدة بامتياز بحيث اذا شذّ عنهما يُقيله المجمع المقدّس من وظيفته لأنه في حالة الشذوذ لا يبقى أسقفًا.

وهكذا يكون مضمون تعليمه هو السائر في الأبرشية مع حرية الكاهن المثقّف للإبداع. وحتى الآن كلكم قائمون على استقامة الرأي، وما كان لي أن أتشكّى من أحد على هذا الصعيد. ولكن وحدة الإيمان الأرثوذكسي عندكم تفترض أن تحبّوا بعضكم بعضًا صادقين. هذه الوحدة لا تمنع صداقة خاصة بين هذا الكاهن وذاك. قد يكون هذا آتيًا مِن تقاربٍ لاهوتيّ وقد يكون آتيًا مِن تقارب أمزجة. أنا أشجّع التقارب في كلّ مجموعة، ولكم أن أعدل بينكم. ولكن ليس لكم أن تعيّروني إن مِلْتُ إلى واحدٍ بنوع خاص. هذا ليس آتيًا من انفعال أو من هوى. كلّ إنسان في هذا الوجود حرّ بعواطفه، ولكن ليس له حق أن يظلم أحدًا أو يحتقر أحدًا. ولذلك لا محل لسوء الظن.

وإذا فكّر أحد منكم أنه مظلوم فليأتِ إليّ ويعرض عليّ ظلامته، وانتم تعرفون أنّي أصغي جيّدًا بما وهبني الله من لطف ورقّة. وإذا وجدتم خلافًا في الرعيّة وخطرًا على وحدتها فتعالوا وتكلّموا لأنّي مسؤول عن وحدة القلوب في كلّ رعيّة.

أيضًا تعلمون أنّ باب المطرانية مفتوح لكلّ مؤمن يدخل عليّ بلا استئذان إن لم أكن في اجتماع. فلا تتكلّموا عن الأخطاء التي في رعيّتكم، ولعلّكم تعلمون أني أحبّ التشاور وأحبّ المشاركة في الرأي مع بعض منكم ليعود هذا إلى خيرنا جميعًا. والغاية من كل هذا ان نحضر للمسيح كنيسة عروسًا لا غَضَن فيها ولا عيب.

وأودّ أن تعلموا أنّي بعد التشاور أعود إلى نفسي وأنا أقرّر. وإذا اتّخذت القرار يكون على الكاهن أن يطيع لأنه بذا يخلّص نفسه. لا تتّخذوا أحدًا وسيطًا بيني وبينكم. الربّ فوّضني أن أكون أبًا، والله الذي أشكره بكلّ قواي مكّنني حتى الآن – بعد المشاورة – أن أتّخذ قراري بنفسي. لستُ أريد أن أمدح نفسي وهذا ما حرّمه الله. وأنا لا أمنع أحدًا أن يحكم عليّ بكل ما يريد على ألاّ يكون ظالمًا ولا يستسلم إلى انفعال أو إلى القيل والقال.

يحزنني أن هذه الأبرشية في بعض الأماكن القليلة مصابة بداء القيل والقال. أرجو الله أن يشفينا من هذا الداء، ولتكن محبّتكم حاكمةً في كلّ شيء، ولا تصدّقوا قولاً لم تمتحنوا صدقه وحُسْن النيّة عند القائل. وإذا شككتم بأحد من زملائكم أو خشيتم تفسخًا بينكم أو بينكم وفريق من الرعيّة فتعالوا لتشكوا الوضع السيء. أكرّر لكم أن بيتي مفتوح فلا تضخّموا ما تسمعون ولا تصدّقوا إلاّ الإنسان البار «لأنّا إذا كنا صولحنا مع الله بموت ابنه ونحن أعداء، فبالأحرى كثيرًا نخلص بحياته ونحن مصالَحون». هذا ورد في رسالة اليوم. فلنتّبع جميعًا هذا الكلام لنجاة أنفسنا من الخطيئة ولظهور بهاء الكنيسة في المنطقة التي ولاّني الله معكم رعايتها.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الجسد / السبت 5 تموز 2008

الجسد للإنسان دون غيره من الأحياء. وهو في الفكر العبري جزء أساسي من الكيان البشري. وبهذا ليس مجرّد مادة. وهو يحتوي العقل والروح. لذلك يجب أن نرى الارتباط بين كل مكوّنات الإنسان حتى نتمكّن من التحدّث عنه. هذا يقودنا الى الصحة والرياضة البدنيّة او الظاهرة كذلك والى مسابقات الجمال.

الصحة وديعة إلهيّة ونحن مسؤولون على الحفاظ عليها وتنميتها: «ليس أحد يبغض جسده قط بل يربّيه ويقوّيه» (أفسس 5: 29). كل شيء من الله وكالة. فالجسد لله ونحن نرعاه من اجل الله صاحبه. نحن لسنا أصحابه لنفرط به. عهده الرب الينا لكي نحضره له سليما، معافى. لذلك لما رأى باسيليوس الكبير بعض الرهبان يهملونه كتب اليهم انهم مدعوون لاستخدام الأطباء قائلا ان إهماله بادّعاء ان الله يرعاه مباشرة يشبه من يزرع زهرة ولا يسقيها. اجل لا يتنازل الله عن رعايته ولكنك مسؤول عن تغذيته.

طبعا هذا يطرح مسائل عديدة لم يتفق علماء أخلاق الحياة عليها. هل تهمل العناية الطبية الملحّة اذا كنت قريبًا من الموت؟ لا أحد يعرف ساعة الموت وأنا أميل الى ما يسمّى عند الفرنسيين acharnemet médical  الا في حالة اليأس الشديد من الشفاء. هذا لا ليس انتحارًا ولكن يجب التأكّد من ان الوضع البدني أدرك حالة اللارجوع الى الصحة هذا يقرّره الطبيب لا المريض اذ المريض لا يستطيع ان يشخّص حالة اللارجوع.

هذا يطرح ايضًا سؤال الموت الهنيء حيث نقرّر قتل النفس بسبب من الأوجاع الكثيرة التي يعسر علينا احتمالها. كل علماء الأخلاق متّفقون على نبذ الموت الهنيء الذي هو في حقيقته افتعال الموت اي الانتحار. ذلك ان الألم مهما اشتدّ يحتمل إمكان الشفاء من جهة ولأن النفس البشرية في هذه الأحوال الصعبة لها حياتها الخاصة، فيها فكر وتواصل وصلاة. والوقت الباقي للإنسان المتوجّع وقت يمكن قضاؤه لقول أقوال عظيمة وللتوبة. وهذا الوقت متروك لله يملأه بأجمل ما عنده من نِعَم. ليس البدن الغارق في الآلام يملي علينا إنهاء الوجود. لو كان البدن شيئا محضا لا علاقة له بكياننا الروحي او هو فقط ملتصق به آليا لأبحنا هذا النوع من الانتحار ولكن الإنسان وحدة متكاملة يتفاعل فيها الجسد والنفس وهي الذات الداخلية لقلنا اننا أسياد على إفنائه ولكن قد تؤذى به النفس العاقلة والمحبة ونكون قد اتخذنا قرارا عن الله في وديعته.

أن تدع نفسك في المرض دون استشفاء خطيئة لا ريب في ذلك. بسبب خطأ الإهمال هذا قد نعرض الذات للانهيار او الموت ولا نبقى أمناء للوديعة. المهم الا تعالج نفسك بنفسك والا تشخّص الداء فقد لا يكون الرشح مجرّد رشح ولكن إصابة رهيبة في الرئتين. لا تعالج قياسًا على داء شبيه حلّ بك ولا تصف لنفسك دواء ولا تشتر دواء بلا وصفة من طبيب. كل هذا إهمال وانتحال صفة. وبخاصة لا تداوِ نفسك بما يسمّى الطب العربي او على كلام متواتر من الأجيال السابقة. هذا كله فيه تهوّر.

الى هذا فالصحة تقتضي غير الأدوية. هناك حالات كالفالج او الفالج النصفي او عجز في العظام او ضعف في العضلات كبير تحتاج فيه الى علاج فيزياء ومنه التدليك واستعمال بعض الأشعة وكثيرا ما كانت منقذة.

من الصحة الرياضة البدنية وأهمّ ما فيها المشي والسباحة وهما كفيلان في أحيان كثيرة بدعم للعافية قوي بما لهما من تأثير مباشر على قوة العضل والدورة الدموية والنشاط وما الى ذلك. واذا كان لديك وقت فهناك ألعاب ككرة القدم وكرة السلة مفيدة جدا والا فالمشي والسباحة كافيان بتقديم صحة قوية لك جسديا ونفسيا.

عند الشيوخ التمارين البدنية نتخذها باعتدال اذ لا يجوز عند المسنين التحرك العنيف. وفي مجال الرياضة بعامة الإفراط مضرّ. الا ان ثمّة احترافًا للرياضة بمعنى ان الدولة او الأندية الرياضية تخصص شبابا براتب لا يتعاطى مهنة أخرى ويكثر من التروض كل يوم.

سواء كنت محترفًا أم لم تكن الخطيئة الا تجعل الرياضة شغفا يشبه التدين. فلا تعبد جسدك ولا جسد الأقوياء. التظاهر بالقوة والجمال الذي تعطيه وثنية ولو كانت مهنتك الرياضة لتمثيل بلدك.
# #
#

غير ان البدن ليس فقط بدنا محضا في حقل الجراحة التجميلية التي تُجرى للنساء بامتياز. عمليات الأنف كثيرة اذا كان ضخما. لماذا لا يكون ضخمًا. عمليات الشفاه وأعضاء أخرى معروفة لماذا لا تبقى كما جاءت من حشا الأم؟ وقد لا يناسب ان أتكلّم على مواضع في الجسد اخرى. التدخل الجراحي أراه فيها شيئًا تافهًا: ما القصد من كل ذلك سوى إذكاء الشهوة عندالرجل وكأن المرأة المتزوّجة قائمة لإشباع رغباته او كأنها تعترف بأن كيانها الروحي والفكري والثقافي غير كاف للاحتفاظ بالرجل. او كأنها تفتش عن عرض الجمال غواية.

قد تقول المرأة انها تقوم بذلك لإرضاء نفسها بالجمال لكونها لا تتقبل ان تبقى على شيء من القبح. السؤال هو لماذا لا تتصالح والقبح او بعض منه. لماذا القبح قبيحًا؟ الشخصية الرائعة روحيا او فكريا لا تحتاج الى غير البهاء الداخلي الذي هو قوة جاذبية تؤثر في الرجل السويّ تأثيرا أعظم. المرأة التي شذ أنفها او غير أنفها عن المألوف كائن كامل. والقبح والجمال في الرجل والمرأة واحد عند الله. قيل لي ان بعضًا من الرجال يُقبلون أيضا على عمليات تجميل. هؤلاء أشدّ من النساء سخافة. مَن لا رجولة في فكره وقلبه ليس عنده رجولة. ومهما يكن من أمر لا يقدر امرؤ ان يطهّر نفسه ليكون بل الله مظهره والجمال الحق أعني جمال الكيان الإنساني العميق ينزل عليك من فوق. غير هذا باطل وباطل الأباطيل.
# #
#
أخيرا أجيء الى مسابقات ملكات الجمال. هو تمييز بين اللواتي يتقدمن الى الامتحان. وهذا فوز واحدة على المتسابقات وليس على كل صبايا البلد. ولست اعلم في المستوى العالمي ان كان النفوذ او السياسة لهما دور في الاختيار. أعرف ان هناك مقاييس دخول، عرض، أناقة، فهم وما أشبه ذلك وما من شك عندي ان الجمال هو الغالب في الاختيار.

ما معنى ان تتباهى الملكة بتفوّقها؟ ما تأثير ذلك على تواضعها وتواريها؟ كل امرأة سليمة العقل، طاهرة، كاملة عند الرب. لماذا اذًا الانحصار في الجمال لتبيان الفضل؟ في الأخير ما فضل الجميلة على القبيحة في الحيّز القيمي وكل المسابقة تقوم على أمور رقمية في البدن. ما البدن وحده؟ هذا انزال الذات الى اللحم ويخدع المتفرجون بسؤال واحد في الذكاء قد يرجح منزلة احدى المتفوقات.

مسابقات الجمال طبعا صنع الرجال الساعين الى جسد المرأة ولو كانت لجنة الحكم مختلطة بين الرجال والنساء. كذلك خياطة الازياء العليا haute couture كما يسمونها صنع الرجال ما عدا استثناءات قليلة مستجدّة. «باطل الأباطيل، كل شيء باطل» وأوّل الباطل في هذا الحقل، الأزياء.

لست أريد أن أستفيض في موضوع الزي. لقد زالت الحشمة من بلادنا ومن غيرها. التعرّي او شبه التعري يطرح سؤالا على المرأة. اذا كان على الأرض جسدك لغة بينك وبين زوجك فلماذا تخاطبين به رجلا آخر. واذا كان موضع حب وارتقاء بشري في زوجيّة مقدّسة ألست تقيمين زوجية غير مقدّسة؟ واذا قلت ان هذا العري يحلو لك، أسألك بدوري لماذا يحلو ولا يحلو التستّر. انا وايّاك مختلفان اذًا على القيم وليس على البحث في الطول والقصر.

تقولين ما فكّرت في الإثارة. أخذت هذا عن مجلات الأزياء. وانكِ لم تفكّري بالسوء. مأخذي عليك انه كان يجب ان تفكّري. هل عقلت أن الجسد ليس قيمة مطلقة وان الإنسان بكماله قيمة مطلقة وان الفكر أعظم من البدن والروح المقدسة أعلى من الفكر.

للجسد قداسة ينبغي أن نكتشفها لئلا نصبح خلائق بلا فكر، بلا قلب، بلا روح.


Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

شخصيّة بولس/ الأحد 29 حزيران 2008/ العدد 26

في هذا المقطع من الرسالة الثانية الى أهل كورنثوس نقرأ اليوم هذا الفصل العظيم اذ نعيّد لهامتَي الرسل بطرس وبولس، كما نقرأ في الإنجيل اعتراف بطرس بالمسيح.

يتكلّم الرسول على معاناته في سبيل الإنجيل ويؤكّد انتماءه في البدء الى العبرانيين وابراهيم لأن بعضًا من المسيحيين قد شكّوا بطابعه الرسولي اذ لم يكن من الاثني عشر. ويؤكّد أنه أفضل من كل الذين يزعمون انهم خدام المسيح. هو طبعا لا يشير الى الرسل اذ ذكر انه عرض على مَن سمّاهم الأعمدة إنجيلَه اي مضمون تعليمه لمّا صعد الى اورشليم.

يذكر السجون التي دخلها والجَلْد الذي قاساه وضَرْبه بالعصي ورجمه وغرقه في البحر المتوسط ومواجهته لأخطار اللصوص ومن اليهود ومن الأمم الوثنيّة، كما ذكر الأخطار من الإخوة الكذبة الذين كانوا يريدون ان يفرضوا ناموس موسى والختان على الدخلاء من الوثنيين مع ان مجمع اورشليم عفاهم من هذه الشروط. ولم ينسَ ان يتحدّث عن اهتمامه بجميع الكنائس التي أسسها هنا وهناك والمذكورة في أعمال الرسل ورسائله.

غير أنه مع هذه الكثافة من الأوجاع قال: «اني أفتخر بضعفاتي» حتى أنهى هذا المقطع بحديثه عن اهتدائه بعد رؤيته الرب على طريق دمشق وذكر ان الملك الحارث وهو من الأنباط (مركزهم البتراء في الأردن اليوم) اضطهده عن طريق ممثله في دمشق (المحافِظ بلغة اليوم).

فورًا، بعد هذا الكلام ينتقل الى رؤى الرب التي رآها (لا يقول أين). يقول اني «أعرف انسانا في المسيح اختُطف الى السماء الثالثة». في الفكر العبري كانوا يعتقدون بسبع سماوات. طبعا هذا الرجل الذي يتحدث عنه هو اياه بولس: «يسمع كلمات سرية لا يسوغ النطق بها» لكونها تفوق العقل.

هنا يقول: انا بهذه الرؤى لا افتخر فإنها عطية الله، ولست اريد ان يعتبرني احد شيئا عظيما، ثم «لئلا أستكبر بفرط الإعلانات أُعطيتُ شوكةً في الجسد ملاكَ الشيطان ليلطمني».

وكل المفسرين مجمِعون على ان هذا كان مرضًا، قيل الملاريا وقيل شحّ بصره، وانا اميل الى المرض الأخير اذ عليه إشارات في الرسالة الى اهل غلاطية لمّا كتب اليهم «انظروا ما أعظم الأحرف التي كتبتُها اليكم بيدي». هنا أخذ الرسول القلم من أمين سرّه وكان يملي عليه لأنه لم يكن يميّز الأحرف الصغيرة ونظنّ انه أراد ان يؤكّد حبّه لأهل غلاطية بجملةٍ وضعها بيده.

هذه الأتعاب الشريرة التي قاساها دفعته الى ان يطلب الى الرب ان يستردّه اليه فقال له الرب: «تكفيك نعمتي. ان قوتي في الضعف تكمل».

السؤال الأخير هو لماذا نعيّد لبطرس وبولس معا. الكثيرون قالوا انهما استشهدا في اضطهاد نيرون السنة الـ65. بعض من المفسّرين قالوا ان بولس لم يكن في رومية آنذاك. غالبا سبب التعييد لهما في يوم واحد اننا وجدنا في الدياميس (التي تحت الأرض) باللغات اليونانيّة واللاتينيّة والآراميّة: «يا بطرس وبولس تشفّعا من اجلنا». ويبقى ان بولس استُشهد كما استُشهد بطرس فنذكرهما معا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الجمال / السبت 28 حزيران 2008

أنطلق من أفلاطون القائل: «الجمال هو سطوع الحقيقة». ذلك ان الإغريق سعوا أصلا الى الحقيقة. وما فرّقوا بينها وبين الخير ولست أذكر أنهم بنوا رأيهم في الجمال على أعمال النحت العظيمة او الهندسة المعمارية وما فاقهم بها أحد في العهود القديمة. كذلك لا نعثر على فلسفة الجماليات في الأيقونة عند البيزنطيين الذين كانوا يقولون انهم يكتبون الأيقونة وكانوا ينظرون الى استعمالها الطقوسي مع انهم كانوا يتقيّدون بالرسم وقواعد التلوين ولكنهم كانوا يسعون الى التأثير الروحي في المؤمنين. تحاور الفن والجقيقة عندهم ولم يختلطا وغدا همهم تمجيد الله بما أُحس انهم اعتبروه صناعة اي انهم رأوا الى أنفسهم على أنهم طقوسيون اولا كالمرنمين في العبادة.

كذلك الخط عند المسلمين كانت غايته تمجيد الخالق وملء الفراغات المسطحة بالآيات القرآنية او بالشعر. ما كانوا يسعون الى الجمال المحض ولكن الى وظيفته في المساجد والأضرحة. بكلام آخر البيزنطيون والمسلمون كانوا يسخرون الفنّ للدين لعلهم في هذا كانوا يطبّقون قول أفلاطون «ان الجمال سطوع الحقيقة».

وفي هذا لم يكونوا وحدهم. فالتمثال الغربي في القرون الوسطى هو ايضا كان خاضعا للرؤية الدينيّة ومعظم الرسم كان كذلك لأن الإنسانوية عندهم كانت مشتقة من الألوهية حتى عصر النهضة حيث استقلت البشرة عن الله لذلك اتخذت الطبيعة البشرية والجامدة واقعية أبعادها واكتشفت المنظور perspective  الذي تفرضه حركة الطبيعة. انت تمد اللوحة بالمنظور وتتابع عينك أبعد أفق. من هنا ان الجماليات في النهضة تبنّت فلسفة الوجود كما هو لا الوجود المرجو كما هي الحالة الدينيّة. في هذا السياق داخل الحقبات التاريخية من النهضة الى اليوم ان العري حقيقة.

اجل صعدت أصوات في الغرب احيانا لما رأى بعض الناس مبالغة في تصوير المعرى تصل أحيانا الى الإباحية. هذا لما كان الجسم البشري يظهر كما هو ولكن مع الفن التجريدي صار تحرر كبير من الوجه البشري وأجزاء أخرى من البدن بحيث لا تدرك أحيانا ان كنت أمام قامة بشرية او خطوط لا ضرورة في التقائها الى معقولية انسانية. المهم هو ما يجول في نفس الفنان ويحاول احيانا محاولة يائسة ليقدمها اليك فتسرك الخطوط والألوان وانسجامها. انه هذا الفن لا يمر بالفهم. من حدس الفنان ويحاول سكبه على احساساتك ولا يهمّه عقلك. أرادوا تأكيد بشريّتنا بدون إله وفي الحقيقة دون البشرية لإقامتك في الحواس على إطلاقها فرمونا في الدم.
# #
#
السؤال الذي يطرح نفسه من بعد قراءتنا لأفلاطون هو هل نصرّ على أن يحمل الفنّ قيمًا وهو ما سمّاه فيلسوفنا الحقيقة؟ بكلام آخر هل الفنّان مبشّرًا ولكن بطريقة أخرى؟ لقد ردّت الأوساط الدينية او الدعاة الى القيم على قول بعض الفنانين: «هناك الفنّ للفن» بحيث لا يلتزم قيمًا.

التبشير له أداته وقواعده وأمكنته بما هي كتب وإذاعات وله أمكنته ولكنه قد لا يستطيع ان يظهر كلامه بصورة جميلة. ولكن في أحيان كثيرة لا يستعمل المبشّر او الداعية تقنيّات الجمال أبالتعبير الكلامي كان هذا ام باللون والنغم لأنه لا يملك هذه التقنيّات وتأتي على عمق روحي كبير عارٍ من كل زخرف ويصل الى أعماق النفس. الكلمة الروحية ليست في حاجة الى غير حدتها او حرارتها. قد تقوم على مخاطبة القلب للقلب بكل بساطة. قد تكون على بساطة الأطفال. وعندي أن الموعظة الفاعلة هي التي تخاطب البالغين كما تخاطب الأولاد اذا كانوا على حدّ أدنى من فهم الكلمات.

الفنان الكبير لا يتعب ليفتّش عن الفن. ينبع منه تلقائىا على شيء من الصناعة. الذي لا يفيض من القلب لا يصل الى القلوب. مع ذلك لا يصل بلا أداة يكون قد تعلّمها. الانسان المبدع جمالا يكمن فيه هذا الجمال وينقله بوسائل تعلّمها قليلا او كثيرا. اي ان هناك صناعة يستعملها الفيض الداخلي. بلا هذا الفيض ليس من جمال يطلع ولا من مجال يصل. لا مضمون بلا تعبير ولا تعبير بلا مضمون والا نكون قد وقعنا في الهزالة الكاملة.
# #
#
اين الشكل في كل هذا، شكل الوجه؟ بأي معنى هو متصل بالحقيقة. اذا نظرت الى وجه يصعقك في بهائه الى أية حقيقة تسعى؟ يقول الكثيرون ان الوجه مرآة النفس. وما من شك ان نفسك تجمّلك او تترك مسحة من البهاء الروحي عليك ويقرأ الناس على عينيك وداعة او يقرأون لؤمًا وخبثًا. ولكن الخطوط والألوان هي قائمة شئت او أبيت. أليس هذا جمالا نحته الله على محيّاك قبل أن يستمدّه هذا المحيا من الداخل؟ هذا يطرح مسألة موضوعية الجمال. غابة الصنوبر التي عند بيتي لا يناقش اثنان في جمالها. قد يلتهب أحدنا برؤيتها وآخر لا يلتهب ولكنهما مُجمِعان على ان الجمال فيها وليس فقط في عينيك. قد تستسيغ امرأة وآخر لا يستسيغها لأن الأذواق تختلف ولأن ثمّة عناصر سيكولوجية عند من تنظر اليها. وهناك الحديث والقعود والوقوف والتهذيب. انتما تختلفان بتقدير نسبة الجمال الوصفي ولكنه اذا وجد لا تسميه قبحا. ولا تستطيع.

وقد لا تكون انسانا سليما في رؤية البشر، قد تكون منحرفًا في المقاربة. هذا لا يُقاس عليه ولكن كان واضحًا عند آباء الكنيسة الشرقية ان الجمال عند النساء أقوى مما هو عند الرجال. هل غالى آباؤنا في الدعوة الى الحذر من الجنس الآخر؟ ليس هذا بحثنا ولكن ما أريده من طرح السؤال ان ثمّة جمالا موضوعيا يراه الذائقون مع اختلاف قليل او تقدير مختلف لأقول ان الله واضع الجمال في الانسان والطبيعة مما دعا بعض القديسين ان يقولوا ان رأيت الجمال فسيح الله. كانوا يعتقدون ان الطبيعة لا تُنشئ شيئا لا يطلب في تكوينه الإله او هي موجهة الى الله في هندسة الكون. يعود الى قدرة التقشف عندك ان تهرب من اللهو.

الى الجمال الشكلي جمال غير شكلي هو نور القديسين المرتسم على وجوههم. كنت أعرف أسقفًا روسيا عيناه غائرتان تحت عظم الحاجبين ويوصف حسب القواعد بأنه هو وجه قبيح ولكنه لما كان يقيم القداس الإلهي عندنا في معهد اللاهوت ويرفع رأسه الى الله حاملا الشموع كنت أراه يتجلّى. هذا اذًآ جمال آخر. هكذا قال أشعياء عن المسيح المصلوب: «لا صورة له ولا بهاء فتنظر اليه ولا منظر فتشتهيه» (51: 2). وفسّر هذا الكلام القديس غريغوريوس اللاهوتي بقوله: «الوجه الوحيد الكامل المحقق في جماله معطى لنا بملئه في المسيح المشوّه على الجلجلة والمتجلّي على الجبل فجرًا للنور الفصحي».

في الدنيا جمال الشكل الذي يدعو الى الله عند الروحانيين وقباحة الشكل التي يملأها الله من جماله. ليس المهم، اذ ذاك، الجمال او القبح. المهم ان تستطيع قراءة الله في خليقته.


Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

صبر القديسين/ الأحد 22 حزيران 2008 / العدد 25

كلمة قديس في العهد الجديد تعني كلّ معمّد، وتعني بنوع خاص عند بولس المؤمنين في أورشليم الذي كان معظمهم فقيرًا. وبعد هذا خضعت الكلمة للدلالة على الذين رأت الكنيسة انهم في الملكوت أو الفردوس والمدعوين بعد القيامة العامة ان يشاركوا الله في مجده السماوي.

الراقدون في المسيح ينتظرون الغبطة الكاملة، ولكنهم حيث هم على اتصال بالله بالصلاة ويشفعون لأجلنا لأننا وإياهم كنيسة واحدة. الفرق بيننا وبينهم اننا نحن لا نزال في الجهاد وهم أكملوا جهادهم ويرقدون في سلام الرب ويفيض الرب بأدعيتهم نعمته علينا.

ليس ان القديسين كانوا كاملين على الأرض. الرب قال: «كونوا كاملين كما إني أنا كامل»، والكمال ان نسعى إلى الكمال كما قال القديس غريغوريوس اللاهوتي، هو الا نرتضي ميولنا السيئة وان نكافحها باستمرار الصلاة وقراءة الكلمة وان نفحص قلوبنا دائما، أإلى الرب تتجه ام الى ملذات هذا العالم ومجده الباطل وكبرياء الحياة؟

المهم الا نصالح خطايا نعرفها ونعرف الدواء لها، وان نطيع كل ما قاله يسوع، وان نعتبر ان هذا يتطلّب جهدًا موصولا فلا يأتي يوم نجاهد فيه ويوم نتوانى، فإننا إن تكاسلنا نألف الكسل وندل على ان حبّنا للرب ليس أهمّ شيء في حياتنا.

انت مهندس او طبيب او فلاح او تاجر، هذه كلها مهن ليست صميم حياتنا. هي اهتمامات على طريق سعينا الوحيد الى الله. أانت متزوّج ووالد، فهذه لا تكون شيئا حسنا ان لم تكن خطوة الى الرب.

انت تأخذ اليه كل فكرك وكل نشاطك. واذا أصابتك مشقات فاعلم انها طريقك الى الرب اذا واجهتها بصبر اي بالاتكال على النعمة التي تجعلك تتحملها بصبر القديسين. ليس من واحد بيننا لا يحمل المشقات التي تأتيه من بيئته او احوال الكنيسة واحوال البلد او تأتيه من نفسه.

الحياة ليست جنينة ترتاح فيها. لا راحة في هذا العالم ان كنت مسؤولا عن زرع كلمة الله في بيتك ومع اصحابك والأعداء.

الحياة كلها طريق إلى الله نتربّى عليها ان نسير ليس فقط إلى مصالحنا ولكن إلى الرب الساكن في نفوسنا إن ربيناها على معرفته. واذكر ان السيد قال عن نفسه انه هو الطريق والحق والحياة. بمعنى ان ليس طريق آخر وحق يناقض المسيح او حياة أخرى تأتينا من اللهو.

واعلم ايضًا انك بالصبر والقدوة الصالحة تقود غيرك إلى القداسة. القداسة عمل مشترك بين المؤمنين الذين يتساندون في اتجاههم الواحد إلى المسيح. وهذه المشاركة بينهم نسمّيها الكنيسة. انها الجماعة التي يقدّسها المسيح. واذا لمستَ في نفسك إهمالا للمسيح فعُد اليه بالإنجيل الذي فيه كل الخلاص.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

فرج أو انفراج / السبت 21 حزيران 2008

ليس من شيء يُسمّى في الحقيقة انفراجًا لأن الكلمة تعني تغيرا سيكولوجيا حدث من ذاته او بسبب من ظرف خارجي قلب الوضع النفسي. ليس هناك آلة سيكولوجية او ضربة تحدث تغييرا في النفس لا يقع تحت تفسير العقل وكأن القوى النفسية تسيل فينا من ذاتها فتنصب فيما بينها لإحداث انقلاب داخلي.

الانسان لا يتفرّج على داخل ذاته متوقّعا انفراجًا بعد محنة او حزن او ضيق أعمق يصل الى حد التفجّع. ميل الناس ان ينهوا أحزانهم باللهو بما فيه الرياضة البدنية او قراءة الصحف والكتب او الاستماع الى الموسيقى ولا سيّما الى غناء الطرب في بلادنا. هذا ارجاء لحل العقدة او تعتيم عليها لأننا لا نريد ان نفحص قلوبنا. الفحص متعب ويتطلّب جدية كبيرة وتخليا عن موقف او تبديلا لقناعة. لذلك نقف امام العقدة ونحجبها على عين النفس الفاحصة، خوفا من الحقيقة.

الحقيقة تعرّينا وهذا ما سيفعله الرب في اليوم الأخير. تلك هي الدينونة. ليس اننا لا نعرف خطايانا. ولكنا اذا وقفنا في حضرة الله يخيفنا الاعتراف وهو يصرّ على ان يجعلنا امام الحقيقة التي قضينا كل حياتنا نتجاهلها. الانسان يحب ذاته بصورة مرضيّة ويكره نقدها امام مرآة الحقيقة. يلهو الإنسان لينسى ولا يريد ان يقتنع بأنه لا يستطيع ان ينسى. فالحزن يحزّ في نفسه وهو لا يكرهه بالضرورة. لذلك يهرب منه باللهو الذي هو تغطية أنانية لما يوجعنا. يقنع نفسه بأنّه اذا حاد عن وجعه باللهو ينفرج ولا شيء فيه ينفرج لأن ذاته هي ذاته واللهو يأتي هو به من خارج النطاق المضيء في نفسه.

الحزن نتيجة الصدمة. موت عزيز صادم لأنك تكره الفراق اذ الطبيعة لا مكان فيها للفراغ. الطبيعة تلاحم، وحدة، قران داخلي مع من تحب. «ويكون الاثنان جسدًا واحدًا» اي كيانا واحد بالتعبير العصري. هذا قيل عن اتحاد الرجل والمرأة ولكن يصح في العلاقة بين صديق وصديق. وتحل فيك محنة كبيرة اذا افترق عنك الصديق او الحبيب ولا سيّما لسبب لا تعرفه ويرميك في العزلة والعزلة ليست من طبيعة البشر. ويشتدّ الحزن اذا كان الشوق شديدا. أصعب الأشياء أن يكون الآخر رماك بعزل لا تفهم سببه. واذا فهمت تغدو أقرب الى الغفران والى لحمة تجعلها في نفسه وإن رفض الآخر اللحمة تعيش وحدك صداقة مكسورة. وكل إنسان مكسور.

# #

#

والأصعب من كل ذلك تنقّل الآخر بين المودّة والانفصال ولا تفهم لماذا هذا فيه وانت لم تعطِ الا الحب وفي هذا تأويل كبير. العزلة الكبرى ان تبقى في اللافهم لرغبة الآخر في تحطيمك. وعليك، اذ ذاك، ان تقبل وتضرع الى الله حتى يرشد ذاك الذي أحزنك. وترجو سلامًا فيه ليعود الى نفسه وانت لا تطلب عشقًا ولكنك تطلب للآخر راحة تعود عليك براحة. وقد تموت او يموت الآخر وهو منفصل وليس لك الا الرأفة به بعد ان غادر هذا الوجود. وربما لقيته الرحمة فوق. وقد يفهم في الفردوس ما لم يستطع فهمه على هذه الأرض.

الحياة كلّها انقطاعات ودم غير منظور ويؤذيك ان الآخر لا يفهمك وقد تكون محبة كاملة ولكنه على كل المصادر الروحية التي قرأها الآخر لا تنزل الى أعماقه ولا تنزل الى حقيقة سلوكه لأنه لم يفهم او تحجّر حتى لا يفهم لكونه آثر موقفه المؤذي على إمكان انفتاحه ولا يضمّك اليه بلا شرط.

# #

#

هناك قوم يعيشون بلا حب يتدفقون به وإن كانوا يطلبون ان يكونوا هم موضوع الحب. الحب يؤخذ او يعطى بقرار وهكذا الكراهية. هناك نفوس تعيش على الكراهية لأنها ضعيفة، هشّة ويوسوس لها الشيطان بأن تتلحّف بكرهها ظنّا منها أنها به تتحصّن. من ابتغى هذا التحصّن المصطنع ليس عنده قدرة على الانفتاح اي على قبول الآخر على انه الحصن الحقيقي.

الراسي عليهم البغض يطلبون الانفراج اي انهم يتكلّمون على صدفة ترفع عنهم وطأة البغضاء. ولكن ليس في مسرى حياتنا صدفة. كل أشياء النفس لها قواعدها واللهو لا يريح. انه يرجئ حل العقد وهي لا تنحلّ من عامل خارجيّ. النفس هي المكان الوحيد الذي تحلّ فيه العُقَد. والعقدة لا تزول من ذاتها.

وهنا وددت أن أقول أن التحليل النفسي يكشف لك أسباب الانغلاق ولكنه ما ادّعى يوما انه يجعلك انسانا صالحا. هو يبيّن لك وضعك وعليك انت ان عرفته ان تتخلّى عن المحزنات التي تسبّبها لنفسك وللآخر وهذا قرار نسمّيه التوبة اي الرجوع الى وجه الله الذي فيك لأن الطب النفساني يحلل فقط ولكنه لا يعطيك الدواء. يبيّن لك فقط ان الدواء ممكن ويتركك لنفسك لتقبل شفاء ليس هو كامنا فيها ولكنه يأتي من آخر. لذلك قلت ان ليس من انفراج في ذات النفس ولكن هناك فرج ينزل عليك من فوق. فرج اذًا لا انفراج. الانفراج ثمرة لتدخّل الله فيك.

اللهو اذًا ليس بشيء. الفرج النازل عليك من نعمة الرب يجعلك وحده قابلا للخروج من حزنك لاقتبال الفرح الذي الله مصدره. الحزن يزول اذا قبلت ان تعطى فرحًا إلهيا يترجم نفسه فيك راحة وسلامًا. لك ان تلهو قليلا عن الضغوط النفسية ولكن الضغوط قد تتراكم. ذلك ان الرب وحده اذا تحنن عليك يعطيك شيئا من ذاته اذا كانت نفسك منحنية تحت الأحزان او اذا كرهت. ولا حرية من الكراهية الا اذا حلّت محلّها المحبّة التي ليس الإنسان أصلها. يجب ان ترى الله فهو يراك دائما وينعطف ولك ان تتقبّل هذا العطف لعلمك بضعفك من جهة ومن قوّة الله من جهة. لا، ليس من انفراج. هناك الفرج الذي يحدثه الخالق فيك وهو الذي يجعلك وحده خليقة جديدة في بساطة إحساسك بما يتدفّق عليم من السماء.

النفس اذا بقيت على حدودها وبشريّتها ليس فيها شيء. الله العليم بالوطأة التي عليك يرحمك ويجعل فيك منزلا له اذ هو يكشف لك انك حبيبه وحسبك. وقد تبقى مع الله وحده وحسبك هذا. وهو الذي يدفعك الى اقتبال من أغضبك اذ يعيّنك طبيبًا له. وهذا لا تؤتاه بالعتاب ولكنك تؤتاه بالمحبة المجّانية اي تلك التي لا تطلب شيئا لنفسها وتطلب كل شيء للآخرين ليكونوا في سلام.

مع ذلك قد تبقى وحيدًا وانت مع كل الناس لأنهم فيك بالمحبّة التي تحبهم بها والمحبة التي تغدقها على الآخر هي مبدئىا نار تضعها على رؤوسهم فيهتدوا ولكنهم قد لا يهتدون لأنهم أصرّوا على الانفصال وعليك ان تقبل هذا ولا يزيد حزنك وتسلّم الناس الى ربّهم وتسترحمه لأجلهم مهما فعلوا بك. لا تفحص ما يجري في قلوبهم لأن ثمّة ما يسمّيه بولس سرّ الإثم والإثم قد يقلق الخطأة الى الأبد ويظنّون أنهم يحيون به وهم قد ماتوا وقد لا تعطى انت ان تقيم نفوسهم من الموت. تسلّمهم الى الله والى حنانه الذي يدبرهم من فوق. وانت تقيمهم في دعاء لهم موصول حتى يروا ما أنت راءٍ فيقيمنا ربّك جميعًا من وطأة الموت.

Continue reading