Author

Aziz Matta

2008, مقالات, نشرة رعيتي

الكرامة الصحيحة/ الأحد 24 آب 2008 /العدد 34

ليس للرسول كرامة بشرية. هذه من مجد العالم. اما مجد الله في الرسل -كما يرى بولس- أن الله نفسه أبرزهم كأنهم مجعولون للموت. وفي الواقع قد استُشهد أكثر من رسول ومنهم صاحب الرسالة. ولا يحيط المجد بخلفائهم الأساقفة. ثياب كهنوتية جميلة، دار للمطرانية عظيمة، اتصالات مع كبار القوم ورؤساء الدول، كل هذا لا يحسّ به الأتقياء من الأساقفة مجدًا حقيقيًا.

عندما يقول الرسول قد «صرنا مشهدًا للعالم»، وفي الأصل اليوناني مسرحًا، يشير الى عذابات الرسل. واذا قال لأهل كورنثوس: «نحن جُهّال من أجل المسيح. اما أنتم فحكماء»، هذا كلام ساخر. في الحقيقة ليس في هذا الكلام مرارة ولكنه تذكير للمؤمنين بأنهم لم يدركوا بعدُ مجدَ الألم الذي يذوقه الرسل. انه يتضمن توبيخًا لمن ظنّ انه أدرك المجد ولم يدركه بعد.

ثم يكمل تعداد الأوجاع: «نحن نجوع ونعطش ونعرى ونُلطم ولا قرار لنا» (ليس لابن الإنسان موضع يسند رأسه). نحن نقابل الشتم بالبركات. اذا اضطَهدَنا الأعداء نحتمل. الأعداء يعتبروننا كأقذار العالم.

ثم يلفت المؤمنين الى انه لا يكتب ليُخجلهم ولكن ليعظهم. في المناسبة أقول لإخوتي الوعاظ: لا ينبغي ان تكون عظاتكم مليئة بالتوبيخ واذا اضطررتم اليه فليكن برأفة ما أمكنت الرأفة وليكن بلطف إنجيليّ ما أمكن اللطف لأن الذين يسمعونكم أحباء.

ثم يعتبر بولس نفسه ليس فقط مرشدًا ولكن أبًا إذ يقول: «أنا وَلدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل». هذا دليل واضح على ان الكاهن او الأسقف الذي لايعرف الإنجيل جيدًا لا يستطيع أن يلد أحدًا روحيًا. المؤمنون مصطفّون، إذ ذاك، وراءه بلا معرفة حقيقية ليسوع وأبيه وروحه القدوس.

المعمودية ولادة جديدة اذا تبعها التعليم والا كانت حمّامًا كما يقول القديس سمعان اللاهوتي الجديد.

طقوس نجريها دون أن نشرحها تصل الى الأذن ولا تصل الى القلب. عندما نقول: نستمع الى كلمة الله، لا نريد اننا نسمع أصواتًا ولكن لا تبلغنا المعاني. الصوت ليس الفهم.

لذلك منذ القرن الرابع كان آباؤنا يفسّرون العبادات ووضعوا في ذلك كتبًا بقيت لنا.

وأخيرًا طلب الرسول من المؤمنين أن يقتدوا به لأنه حامل الإنجيل ومبلّغه. مَن منّا نحن المسؤولين قادر أن يقول: «اللهم اشهد اني بلّغت».

المسيحية تبليغ بالفَهم وتَبلّغ بالفَهم. المسيحية دنيا الفهم.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المسمّون معوقين / السبت 23 آب 2008

المعوّق هو الناقص جسديا او عقليًا، المبتورة ساقه او يده، المفلوج، الضرير، الجالس على كرسيّ أبدًا او المتوكئ على عكاز، الذي يسمّيه المجتمع معوّقًا لأن الناس معيارهم سلامة العقل او الجسد وهم وضعوا قاعدة السلامة قائلين: “العقل السليم في الجسم السليم”. من البداهة القول انّ من أصيب بعاهة يمكن ان يكون أستاذا جامعيا.

كلّنا في الحقيقة معوق بصورة او بأخرى. المرض المستعصي لون من ألوان التعب او الانهيار احيانا ويحسب نفسه مرشحا للموت قريبا وقد يخطئ الأطباء. ولكن الناس تعتبر علم الأطباء لا يخالطه سوء تقدير اذ لا بد ان تتّكل على من يكاشف في حالتك الصحيّة وتماشي الأطباء على الرجاء اذ تأمل أحيانا ان يكونوا مخطئين وان قوة عليا تنجيك. مرة سألت طبيبا كبيرا: “هل الطب علم ا هو فن؟” أجابني: “انه فن وأخلاق”.

وعلى رغم سلامة العقل عند هذه الفئة من البشر لا نزال نتحسّر على من نعتبره ناقصًا لكوننا نعتبر ان الكمال كمال الجسد. في الحقيقة ان ليس من إنسان غير مصاب قليلا او كثيرا. كل امرئ يحمل أذى في جسده وليس الذكاء نصيب كل مخلوق عاقل. أصحاب العقول الوضّاءة قلّة في الدنيا.

أبدأ بالأمراض العقليّة بما فيها الجنون المطبق كما كان يسمّى. غير أن الأخصائيين يقولون لي ليس من جنون مطبق. المجنون هو الذي اصطنع عالمًا غير الذي نعيشه، له قواعده ولكنه لا يلتئم مع قواعدنا نحن المدعوين أصحّاء. ثم قد يعود المختل الى عالمنا الحقيقي فيرصف بين العقلاء. ولكن بعد اكتشاف فرويد العقل الباطن صار كلّ منّا موضوع الأطباء النفسانيين. اي ليس في العقل الباطن او اللاواعي من إنسان سليم. ولكن قد يجهل معظم الناس هذا ولا يطلبون علاجا لئلا يتهموا بالخلل العقلي. الجنون عالم قائم بذاته، سرّ كبير مهما تصدّى له المعالِجون. والمجانين اخوة لنا كذلك المصابون بعصاب.ونحن نصبح وإياهم دنيا واحدة اذا حكمتها المحبّة.

مرّة فيما كنت أدرس اللغة الألمانية في ألمانيا وهذا قبل أربعين سنة ونيّف رأى أساتذتي لأتمرّن على اللغة أن أساكن عائلة قائمة في قرية كبيرة مخصّصة لمعالجة داء الصرع واطّلع على أحوال المرضى وأخاطب الذين لم يبلغوا في المرض مبلغا كبيرا. رأيت حالات مروّعة تتراوح بين الجنون الكامل والقدرة على الصناعات اليدويّة وكان الكلام مع هؤلاء ممكنًا. ما تاريخ هذه الضيعة؟ قس إنجيلي رأى فيما كان يتأمّل في هذا المرض ان المصابين به في حاجة الى ان يحبّهم واحد واعتقد ان لاشفاء الا بالمحبّة. ولما أدركت هذه القرية رأيت فيها عائلات تطوّعت لمرافقة المصروعين بمشاركة حياتهم فتأسست مدرسة ثانوية لصبيانهم ومدرسة للإناث وكلية للمرضات ووجدت كلية لاهوت لإعداد القسس للخدمة الروحية لهؤلاء المرضى. كان يجب ان يعتني احد بهم، ان يعنى بهم إنسانيا وليس فقط على صعيد الاستشفاء.

# #

#

اما على الصعيد الجسدي فأخذت الإنسانية المعاصرة تفكّر بأنه ليس من إنسان ساقط من الاجتماع البشري وان ليس ممن أصيب جسديا لا يصلح لشيء وفهمنا ان كل واحد من هؤلاء قادر أن يستعيد قواه بالعمل لأن العمل هو التأهيل اي الدعوة الى اندماج المريض بالصحيح اذ ليس من إنسان لا قدرة له على العطاء فالعطاءات تجمعنا وتؤلّف منا جماعة موحّدة متراصّة فلا نتيه في تقديس للجمال الجسدي.

ثم هل من جمال او قباحة الا في النفس؟ هناك أعضاء ناقصة او وظائف ناقصة لا فرق وتعوّض عن الناقص بفضائل عظيمة والانسانية تقوم بالإنسان الطاهر لا بالإنسان الجميل. وخارج الأنقياء القلوب ليس من وجود.

لي صديق كبير لبناني ضرير يعلّم في احدى الجامعات الأميركية له مؤلّفات في المادة التي بدرّسها. يذهلني بمعرفته للأديان التوحيديّة وغير التوحيديّة. كيف جمع علمه وكيف يعطيه بدقة علميّة كبيرة؟ صاحب نظرية التفجر الكوني Big Stephen Hawkins Bang مفلوج ولا يتكلّم ويعطي دروسه بإشارة الأصابع وأعطى للعلم الحديث ما لم يعطه الكثيرون. انه اذًا لموجود وفاعل مع ان إعاقته ذروة الإعاقات. المهم ان نقول لهؤلاء ايضًا انهم اخوة وانهم ذوو قدرات وأن المعطوب في كثير من الأحوال هو كالسليم لكونه مثله معطاء ولكون حياته قائمة على ما في داخله من بهاء.

مرة، يوم أحد، كنت اصلّي في طرابلس وعرفت ان صديقًا قديمًا لي فقد بصره وبترت له ساق بسبب من مرض السكري. فبعد القداس ذهبت اليه لعيادته وأخذت في الطريق أركّب الجمل التي عزمت قولها لتعزيته. فلما وصلت اليه أخذ هو يكلّمني عن الرب فلمست سلاما فيه وهدوءًا أغناني عن إرشاده وكان هو مرشدي.

# #
#

الإعاقة تحديدا هي ما يعطل الحركة في بعض من جوانبها وما لا خلاص منه. انها وضع تتأقلم معه بلا حسرة لأن الحسرة تقتل وتكون قد زدت على النقص نقصًا. المهم ان تقتنع انك كامل الإنسانية لأن الإنسانية ليست بالجسد ولا تبقى أسير محدوديّته وتبذل ما استطعت وبهذا تتحد بالإنسانية المسمّاة سليمة وقد لا تكون كذلك الا بالظاهر. نحن كلنا متآزرون في سلامة نفوسنا. فاذا بقي معوق نفسيا تحت وطأة إعاقته نعمل ما نستطيع لخدمته وتوجيه ما له من طاقات حتى لا يقع في الحزن وتاليا في إهمال واجبه نحو الجماعة البشرية مصابة كانت ام غير مصابة فيتم التلاقي بيننا بالرجاء وجمع قوانا لإنهاض الكل.

واذا كان لا بد من الاختيار لعمل معيّن بين المعوّق والسليم في انتاج القدرة نفسها فاختيارنا يذهب الى المعوق حتى لا يبقى هذا عاطلا عن عمل يقدر ان يقوم به ويتحرر من رواسب الأسف في نفسه او اليأس فنبرهن له واقع الحياة المشتركة. اننا نرحب به ترحيبا كاملا فلا يتحسّر عن النقص اذ هو في نفسه مؤهل بحبنا له.

# #
# كان لي صديق لبناني في احد البلدان الأوربية معطل الساقين دعاني الى زيارته وظننت اني سأستأجر سيارة للذهاب اليه واذ بي أرى انه يسوق سيارة مصنوعة خصيصًا لهذه الفئة من المعوقين. سمعت منه فيما كنا قاصدين منزله لهجة حسرة على وضعه. قلت له انك دكتور في الفلسفة وتكتب بثلاث لغات وتلقي دروسا في الجامعة. وكنت حليف المسيح في بلدنا وهنا ومستواك العلمي مثل مستواي او أعلى فممّ تشكو؟ وهذا الشاب يتلقّى من زوجته حبا عظيما وقد اقترنا وهي عالمة بوضعه اذ كان فائقًا على الصعيد الروحي وعلى رقة نادرة وراعيا لجاليتنا هناك ويعد كتبًا في الفكر العربي والإسلامي.
فاذا كان المعوّق مع الله فالله يعوض له بحضوره فيه ما يحسبه الناس نقصانًا. الرب مكمّل وجودنا منتقصًا كان الجسم ام كاملا وليس من كيان كامل من هذا المنظار ام ذاك فكل جسم مضروب بمقدار والنفس لها ان تكون كاملة او شبه كاملة حتى يردّنا الله الى سلامة الملكوت. في هذا الوجود الأرضي لنا أن نتلقّى الكلمة التي تنزلب علينا من فوق.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

عاملون مع الله/ الأحد 17 آب 2008/ العدد 33

الله لا يعمل وحده كل شيء. يريدنا أن نعمل معه، غير انه هو المبادر بسكب النعمة علينا. لذلك يقول بولس: «انتم حرْث الله وبناء الله». هو الحارث في أرضنا ونحن بناؤه. ولكن يذكّر بولس، بما انه رسول اي حامل تفويضًا من الله بالنعمة، أنه هو وضع الأساس في الكنيسة وآخر اي كل مؤمن يبني على هذا الأساس. اي أساس يضع بولس؟ يجيب: الأساس يسوع المسيح. كل شيء يوضع على هذا الأساس، ذهب او فضّة او حجارة ثمينة او خشب او حشيش أو تبن.

عمل كل واحد سيكون بيّنًا لأنّ الربّ سيُظهره في يوم الدين «لأنّه يعلن بالنار» اي بالتمحيص الإلهي. اذ عمل كل انسان يبيّنه الله. فمن بقي عمله بعد الفحص الإلهي سينال أجرة. ثم يقول الرسول: «من احترق عمله فسيخسر وسيَخْلُص هو، ولكن كمن يمر في النار». والمعنى انه لن يخلص لأنّ النار لا تبقي على أحد او على شيء.

ويدعم بولس موقفه هذا بقوله: «اما تعلمون أنكم هيكل الله وأن روح الله ساكن فيكم؟». يسكنكم الله بالمعمودية والميرون والقرابين المقدسة، فكيف تُفسدون بالخطيئة هيكل الله كأنكم لم تتعمّدوا ولم تقتبلوا مسحة الميرون ولم تتناولوا جسد الرب ودمه ولم تطهروا بالإنجيل وضميركم الحي.

ثم يُصعّد بولس لهجته بقوله: «من يُفسد هيكل الله (بالخطيئة) يُفسده الله لأنّ هيكل الله مقدّس وهو أنتم». انتم بصيغة الجمع تعني اننا كنيسة الله او هيكله.

من هنا ان ارتكاب الخطيئة استهتار بعطاء الله الذي ثمرته طهارتنا. «نباهة النفس» كما يقول قداس يوحنا هي التي تجعلنا واقفين أمام كل إغراء لأننا اذا أحببنا الله حتى النباهة نكون قد ورِثنا كمال ملكوت السموات كما يقول الذهبي الفم بعد الاستحالة. القربان هو ميراثنا الملكوت منذ الآن، والقربان هو الذي يحيينا أي يحيي العظام وهي رميم لأنّ الروح القدس حاضنها وهي في القبر وهو الذي يقيمها في اليوم الأخير.

وهنا يجب ان نذكر قول القديس غريغوريوس بالاماس أنّ لنا قيامة أولى وهي المعمودية ويجب أن نذكر ايضًا كلام السيّد لمرتا أخت اليعازر: «أنا هو القيامة والحياة» اي ان هذه القيامة الأولى مستمرّة اذا أحببنا يسوع فتأتي القيامة الأخيرة ثمرة لهذا الحب الموصول الذي لنا ليسوع.

المبتغى اذًا الّا ننسى محبّتنا الأولى ولا نخون ولا نبدّل محبّتنا للسيّد بمحبّات باطلة لا توصلنا الى السماء. لنا في هذه الدنيا مودّات وارتباطات شرعيّة كما في الزواج، ولكن كل هذه إن لم تكن على طريق محبّتنا للرب تكون مدمّرة وباطلة. هي كلّها قائمة فقط إن كانت انعكاسًا لحبّنا للحبيب الوحيد. كلنا -أيّا كان وضعنا في الحياة- لا نثبت الا اذا استجبنا للمحبة التي يحبّنا بها المخلّص. لنا ان نرى لنا أحبة، ولكن تبقى عيوننا موجّهة الى عيني المسيح. إنّ نظره الينا هو الذي يجعلنا صامدين في محبّته الى ان نصبح جسده الكامل عند القيامة الأخيرة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الموت / السبت 16 آب 2008

لا مرد للموت منذ بدء الخليقة. تتجاوز كل حادث بالرجاء ما عدا هذا وان كنت تترجى «قيامة الموتى والحياة الأبدية». اذا وضعت رأسك على الوسادة لا تعلم ان كنت تفيق غدا او لا تفيق. اذ ذاك تدعو أن كنت من المؤنين. السؤال الذي يطرح نفسه هو ان «الله يميت ويحيي» كما جاء في الكتاب بمعنى ان الله سبب الفراق او سبب البقاء. لا نجد ان الآية هذه تتكرّر في العهد الجديد غير ان أفصح قولة فيه أن «أجرة الخطيئة هي موت» (رومية 6: 21). هنا يتكلّم الرسول على الموت بمعنى مزدوج: الموت الجسدي والموت الروحي. دليل ذلك انه بما تبقى من الآية وهو قوله: «وأمّا هبة الله فهي حياة أبدية».

في آيات عدة من القرآن جاء ان الرب يحيي ويميت. هل يعني هذا ان الله هو السبب المباشر لموت كل فرد ام ان سببية الله قول عام يتعلّق بالبشريّة جمعاء من حيث ان الموت ناموس. ولكن ما معنى ااية الـ 42 في سورة الزمر: «الله يتوفّى الأنفس حين موتها». في تفسير الإمام الرازي ان الله يتوفاها عند الموت اي يمسكها ولا يردّها الى البدن اي ان هذا المفسّر الكبير لا يقيم فرقا بين التوفّي والموت. هنا اتخذ المفسّر الواو بمعنى عطف الشيء على مرادفه ولكن جاءت الواو بمعنى التخيير كقولهم «نأت فاخترلها الصبر والبكاء» اي أحدهما. من هذه الزاوية لا شيء يمنع لغويا ان يكون التوفي عمل الله والموت حدثا بيولوجيا في الإنسان. ولكني أفهم ان الرازي لم يستطع ان يخرج من السببية الإلهيّة.

من الواضح ان الخطاب الإلهي لا يتعرض للمقابلة بين البيولوجي والإلهي. واذا تمسّكنا بالناموس الطبيعي لا يمنع ذلك قول المسيحيين: خُلق الإنسان للخلود وان الموت قصاص. كذلك ليس من شيء يلغي الحقيقة التي أعلنها الله على لسان بولس. «ان أجرة الخطيئة موت». لذلك يقول المسيحيون الأرثوذكسيون ان الناموس الطبيعي جاء من بعد الخطيئة وهذا نظام يرعاه الله. وتاليا لا شيء يمنع من الزاوية الإهية ان يموت الجسد بسبب من هذا الخلل الذي دخل هذا المختبر الخيميائي الذي هو الجسم.

اجل الله يمد بعمر هذا وذاك بسبب من مقاصد له ويحسّن وظائفه البيولوجيّة كما يشاء وانا موقن كل اليقين ان هذا التحسن فرصة لتوبة المسنين. وبهذا المعنى يرعى الله الجزئيات لأن الدعوة هي الى الحياة الأبدية. وأما ان نقول مع العامة ان عمر هذا الإنسان او ذاك مسجّل في الأبدية عند الله ويبعث بالأمراض حتى يحين الحين فهذا ما لا أراه. مؤكّدا في الكتاب الذي أدين به.

وضع بشري والتفاتة إلهيّة لكي يموت الإنسان على البركات وفي الرضاء والتأهّب للفراق هذا ما يبدو لي توفيقا معقولا بين ما هو في السماء وما هو على الأرض.

#   #   #

لا يصح عند عامة المسيحيين ان تقول ان الله صالحنا مع الموت اذ يقول بولس: «آخر عدو يبطل هو الموت» (1كورنثوس 15: 26). لقد صالحنا المسيح مع الله بموته هو لا بموتنا. وتتم المصالحة الأخيرة عند انبعاثنا من بين الأموات. ذلك ان موت المسيح حياة لنا. وهذه هي المفارقة انه كان لا بد من موت آدم الثاني لتفعل حياته فينا.

اما لماذا نهرب من الفناء الجسدي بالطعام والرياضة والدواء؟ ذلك لأن الحياة على هذه الأرض مسؤوليّة ورعاية لمن هم حولنا اذ «كل إنسان راعٍ» كما قال الإمام علي بن أبي طالب. والخدمة التي نقوم بها لنا وللآخرين هي تحقيق لهذه المسؤولية. ليس محرما ان تطلب الموت ولكن الحرام اليأس من صعوبات الوجود. فقد يريدك الله مريضا او عاجزًا ومكسورًا. فهذا ليس شأنك وعليك ان تعالج نفسك كأنك تعيش ابدا اذا توفرت لك وسائل العيش. اما ان تستسلم للفقر والمرض والكسل ان كان باستطاعتك تجاوزها فتلك هي مشيئة الله.

لقد وهبنا الله الحياة ودعانا الى ان نحفظها ونحافظ عليها وذلك بكل جدية فينا وإخلاص له وللأحبة الذين نوليهم انتباها خاصا.

نحن مدعوون الى مكافحة الموت ما استطعنا الى ذلك سبيلا حتى نشهد ان الله حي وبغيته ان نحيا حتى تحين ظروف انتقالنا اليه فنسلّم النفس بالرضاء لعلمنا انه مهيمن على الدنيا ويريد إنقاذنا من العذاب. والرضاء يستجيب له الخالق بالرحمة لأن الرحمة هي باب الملكوت الأوحد وهناك نلتقي من حررهم ربهم من وطأة هذه الدنيا وملأ قلوبهم من حنانه. وهذا هو الفرح الكامل.

#   #   #

واذا كان أمرنا مع الله كذلك لا محال للتفجّع لإن هذا إقرار مبطن بأننا نؤثر للميت بقاء في الأرض والحق اننا نأسف على الحب البشريّ والتعزية البشريّة اي نؤثر وجهًا مكشوفًا على وجه حجبته الرحمة عن أنظارنا.

تبقى الأحزان الطبيعيّة التي لا يرفضها الرب وقد دمع يسوع على صديقه لعازر. المهم الا نقطع علاقاتنا مع أحد ونكمل الخدمة ونقوم بالصدقات والتلاوات المقدسة حتى تنزل علينا السلامة. والسلامة هي رباطنا مع الذي أُخذ عنا الى مساكن القديسين ونحن كلّنا رجاء من أجل خلاصه وتحرّره النهائي من وطأة هذاالعالم. الوحدة بيننا وبين الذين توفاهم ربهم هي السلام.

الى هذا نرث فضائل الذين انتقلوا عنّا بمعنى اننا قد نراها اليوم وكانت محجوبة. بهذا المعنى نتقدّس بالأموات. هناك ذكرى الحسنات التي نقيمها في العبادات. ففي الذكرى العبادية يتم التواصل الى أن يجمعنا ربّنا في اليوم الأخير.

لا نعيش هذه الذكرى بالانفعال ولكن بالدعاء والتمثّل بأخلاق الذين واراهم ربّهم عن اأنظار. لا تعيش مع الراقدين بالرب الا بالسلامة الواحدة التي يغدقها عليهم وعلينا. بهذا المعنى لم ينفصلوا.

الى هذا الجانب الثقافي الذي يجعلك وريث الأدباء والمفكّرين والعلماء الذين يمدك تراثهم بما وصلوا اليه بالتنقيب والشعر والأدب ومختلف أنواع الفنون. من هذا المنظار لك ان تقول ان المتنبي وشكسبير ودوستويفسكي وبتهوفن وأمثالهم ما ماتوا. لهم تعبيرهم في الملكوت وامتداد تعبيرهم في الأرض.

مرة فيما كنت سائرا مع صديق كبير عارف بالموسيقى. سألني ماذا يبقى من السمفونية التاسعة؟ قلت يذهب الرنين ويبقى الجوهر.

هذه مظاهر مختلفة لتقبل الرب في الحياة الدنيا على رجاء لقائه في السموات. هنا يهون الموت ويقوى لصوقك بالرب العزيز. واذا كانت نفسك عروسًا لله فهي والروح يقولان لله تعال. اذ ذاك تزول فيك مملكة الموت.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

قول واحد/ الأحد 10 آب 2008/ العدد 32

طلب بولس الى أهل كورنثوس (في اليونان) باسم الرب يسوع ان يقولوا كلّهم قولا واحدًا، وهو يطلب ذلك باسم ربّنا لا باسمه الخاص، ولا يحق لمسؤول في الكنيسة أن يتكلّم باسمه الخاص لكونه وكيلا للمسيح ومؤتمنا على إنجيله.

كنيسة كورنثوس أسسها بولس بعد أن فشلت بشارته في أثينا. ويذكر كتاب أعمال الرسل (الإصحاح 18) مَن اهتدى في هذه المدينة. ثم سافر بعدها بولس في البحر الى سوريا.

أن تقولوا قولا واحدا وأن يكون عندكم فكر واحد ورأي واحد لأن المسيح واحد وعنده تعليم واحد. وانزعج بولس بإخباره من خدام امرأة تُدعى خلوي ان بينهم خصومات تظهر كأحزاب ضمن الكنيسة فيقول واحد «أنه لبولس وآخر لأبُلوس والثالث انه للمسيح». أبلوس اسكندري الجنس، فصيح مقتدر في الكتب (اي في العهد القديم)، والاسكندرية كان فيها يهود كثيرون، واهتدى عن يد أكيلا وزوجته برسكلا اللذين كانا تلميذين لبولس.

انقسام كهذا يحصل مرات في الكنيسة فيتحزّب بعض من المؤمنين لإكليركيّ وبعض لإكليركيّ آخر يعمل معه ويقارنون بين حسنات هذا وحسنات ذاك، ولكن يصل هذا الانقسام الى حدة تنشئ أحزابا دينيّة في الطائفة الواحدة.

امام هذا التوتر، قال الرسول لأهل كورنثوس: هذا لا ينبغي ان يكون، ويبعد نفسه عن الحزبيّة قائلا: «ألعلّ بولس صُلب لأجلكم او باسم بولس اعتمدتم». ويوضح انه لم يعمّد أحدًا «لئلا يقول احد انّي عمّدت باسمي». يقبل بولس ان يكون له تلاميذ، والمعمودية نتيجة التلمذة. غير انه يؤكّد ان المسيح لم يرسله ليعمّد بل ليبشّر، وترك المعمودية في كورنثوس وغيرها للأساقفة او القسس الذين عيّنهم، وحصر مهمته بالتبشير.

في تطوّر الكنيسة اجتمع التعميد وسائر الأسرار والتبشير بالكهنة ولكن باسم المسيح، ثم صارت العمادة باسم الثالوث الأقدس كما هي اليوم. ولما تكلّم عن بشارته قال انها ليست «بحكمة كلام لئلا يُبطل صليب المسيح»، وأراد في هذا الموضع وغيره انه لا يستعمل البلاغة ولكن يتكلّم ببساطة على سرّ الصلب والقيامة. وما أراد بولس ان ينجذب المؤمنون عن طريق الفلسفة ولا الفصاحة التي من الدنيا، ولكن عن طريق قبولهم لصلب السيّد وقيامته.

اما بعد ان اهتدينا فلا مانع ان يكون الواعظ في القداس بليغًا او فصيحًا. في اعتقادي أن هذا لا يؤثّر كثيرا، وما يؤثّر في المؤمنين حرارة الواعظ وتبيان إيمانه بما يقول. فالفصاحة قد تكون فارغة، واما الايمان فهو حضور يسوع في الواعظ او المعلّم. ولكن لا يستطيع الكاهن ان يهمل الوعظ. انه موهبة.

غير ان الموهبة تنمو بالتروّض. وقد فرضت المجامع على الكاهن أن يعظ في كل خدمة إلهيّة يقيمها ولا سيّما ان العظة كلام يصل من القلب الى القلب.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

لا تقتل / السبت 9 آب 2008

من الوصايا العشر لا تقتل (خروج 20: 13). لماذا؟ لأن الرب وحده سيّد الحياة والموت. فمن قتل اتّخذ سلطان الله على الحياة والموت. في بدء البشريّة «قام قايين على هابيل أخيه وقتله» (تكوين 4: 8). إزاء ذلك لم يسمح الله بقتل القاتل. وكانت إبادة الأخ لأخيه نتيجة الغضب. لذلك قال يسوع في موعظة الجبل: «قدسمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. واما انا فأقول لكم ان كلّ من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم» (متى 5: 21 و22). الغضب اذًا سبب لإزالة الحياة ممن تغضب انت عليه. مليء التاريخ من هذا ومليء الكتاب في عهديه من التحريم.

لماذا لا يحاور القاتل من يريد قتله؟ لماذا لا يحلّان معا الخلاف الذي يوءّي الى الموت؟ لماذا لا يتحرّر الإنسان من هذه الشهوة؟ من ليس الله وروحه فيه لا يرى ان الله وروحه هما في الآخر. الجريمة هي في النيّة كفر بأن الله خالق ويمدّ بالحياة من شاء. من تعدّى على الآخر لا يعترف بحق الله مهيمنا على الوجود ومالئا الوجود بنعمته. انها الأنا المتضخّمة الناكرة لكيان الآخر ولعبادة الله معًا. لذلك جاء في القرآن: «إن انت بسطت يدك لتقتلني ما أنا باسط يدي لأقتلك. انّي أخاف الله ربّ العالمين» (لمائدة، الآية 28). أن اؤكّد أناي وحدها هو إعلان سلطاني على كل الوجود. ان اعترف بك وبحقك في الوجود هو ان أقرّ ان هذا الوجود مشترك، ان الإنسانية واحدة وان الأرض تتّسع للجميع.

ايّة مشكلة تحلّها الجريمة؟ هي تنشئ في المجرم حزنا ومرارة يعسر عليه التخلّص منهما عندما يفهم فظاعة إثمه وجسامته. ويبدو ان الكثر ممن أجرم تلاحقه خطيئته مدى الحياة ويستمر على إثمه ولا ينهض منه حتى يعتقد ان الله ليس بغفور. يميت نفسه روحيا طوال حياته ويموت في عزلته ان لم يعدمه القضاء. انه لقد وضع نفسه في عزلة لا تُطاق ويدرك انه كان بإمكانه الا يرتكب هذه الفعلة. كانت هناك مشكلة وحسب انه يحلّها واذا به يصبح مشكلة لنفسه وعقدة فيها ما لم يتب. ولو تاب يرافقه الحزن الى الأبد وهذا هو موت الروح. انه يقيم جهنّم في ذاته في هذه الدنيا لأنه لم يرَ ان وجه الآخر قائم للفرح. انه لقد أبطل المواجهة فزال وجهان واحتجب وجه الله عنه اذ لم يكن يرى هذا الوجه.

# #

#

من أسباب القتل عندنا وفي قلّة من أماكن أخرى في العالم الثأر وهذا ناتج من الذهنيّة القبليّة تعبيرا عن العدالة في قوم لا يؤمنون بالدولة. ولا فرق في هذا بين متعلّم وجاهل. واذا قالت التوراة: «العين بالعين والسن بالسن» ثم جاء هذا ايضا في القرآن فليس لتبرير الثأر ولكن لكي لا يأخذ به أهل المغدور حتى النهاية وفق تفسير الفيلسوف هنري برغسون لما قال: «هل تساوي العين كل عين والسن كل سن؟» ومن الطبيعي ان المرء لا يقدر ان يكون حكما وفريقا بآن ولذلك كان اللجوء الى القضاء المفروض انه لا يتحيّز لقبيلة. واذا مات واحد فيها فما الضرورة ان يموت آخر؟ انت تعف لأن العفو عند المقدرة كما يقول المسلمون ومعناه انك لا تستعمل قوّتك وانت قادر على الغفران.

في الحياة غير القبليّة كان أهل الغرب ينتقمون للشرف اذا مُسّ (بضمّ الميم) وزال هذا عندهم الآن. فإذا خان أحد الزوجين رفيقه يذهب به الى المحكمة او يغفر له ولهما الطلاق المدني ان لم يتمكّن أحدهما من الاستمرار مع الآخر.

في المسيحية الأولى كانت الحروب ممنوعة على المجنّدين لأن الكنيسة رددت قول كتابها: «من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ» (متى 26: 52). ليس المجال هنا لأبحث في شرعيّة الجيوش. غير ان المغبوط أغسطينس لم يبارك كل الجيوش وتكلّم على الحرب الشرعيّة. طبعا بعد تشكّل دول مسيحية كانت كالأمم الوثنيّة تحتاج الى الدفاع عن نفسها.

على صعيد آخر لا تزال الكنيسة الشرقية تمنع الإكليروس والرهبان من الدفاع عن النفس وأباحته فقط للعلمانيين. ولكن هذا المنع عن فئة من الدفاع عن النفس دلّ على اتجاهها الأساسي انها ضد سفك الدماء. ولا تزال الكنيسة في حقها القانوني تمنع من الاستمرار في الكهنوت كاهنا قتل بغير عمد كما في حالة التسبب بموت في قيادته للسيارة. هذه قدسيّة الحياة في المسيحيّة.

التمنّع عن إبادة آخر منصوص عنه ايضًا في الإسلام. «من قتل نفسًا بغير نفس او فساد في الأرض كأنّما قتل الناس جميعا» (المائدة، 32).

هذا يطرح السؤال عن تشريع السلاح الفردي. هذا يذكّرني بحادثة. مرة مرّ أمام مكتبي ما نسمّيه القوّاس اي حارس الأسقف او القنصل في بيروت حسب التشريع العثماني وبدا تحت سترته شيء نافر وكأنه يحمل مسدسا. قلت له: ما هذا؟ قال يا سيدنا هذا مسدس ولكنه مرخّص. قلت له لا أريد سلاحًا مرخّصًا او غير مرخّص فإذا اعتدى عليّ أحد يفعل ما يشاء. فحياتي ليست أثمن من حياته. انا رجل عازب فلا مانع من أن أموت. أمّا موته هو فمؤذٍ لعائلته. وجرّدت الحارس من السلاح.

# #

#

لبنان بلد مسلّح الكثير من أبنائه ولو بسلاح خفيف. هذا يقود الى القتل في حالة الفتنة. ولست مقتنعًا من قول ضعيف الإذاعات ان هذا معروف من زمان. المألوف لا يشرح ذهاب التحزّب الأهلي الى إبادة الآخرين. القلّة تضبط نفسها والآلة الحربيّة أداة للغضب. مرة قرأت ان معظم سواقي سياراتهم يغضبون واحيانا يشتمون من كان قريبًا من ان يحدث حادثة. الآلات غضباء. انها تثير الأعصاب ما لم يتروّض الإنسان روحيّا. قال لي مرّة أحد الأجانب: انتم اللبنانيين تطلقون الرصاص في الأعراس وتطلقونه في المآتم. ما معنى الرصاص عندكم. لم أجبه ولكني فكّرت ان كلّ القصّة ان نُظهر أنفسنا موجودين. ولا وجود لنا في أعيننا الا عن طريق الضجّة. مرّة لم أستطع أن أنام الا عند الفجر بسبب من موسيقى صاخبة في عرس. لماذا يجب ان أتعب بسبب من زواج. لماذا لا نجعل القلب مركزا للابتهاج ونحتاج الى تعكير الصفو عند الجيران؟

يبدو اننا نحن سكّان بلاد الشام ليس لنا وسيلة أخرى لتثبيت أنفسنا وذلك في أعين الآخر. ولكن ان تكون قائما فقط في حضرة الله فهذا لا يكفي الأكثرين. وأقصى تثبيت للذات محو الذات الأخرى. مرة قلت لواحد على شيء من الامتعاض: هل تعرف لماذا اللبنانيون عرب اقحاح؟ قلت انهم أعراب لأنهم بدّلوا الخيمة بفيلا والجمل بكاديلاك. هذه بداوتنا الأبدية حتى يحرّرنا الرب من الجاهليّة الأولى كما يسمّيها القرآن. هذا هو لون تبرجنا الأبدي حتى يقنعنا بأنه وحده سرورنا.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

إلى أهل رومية/ الأحد 3 آب 2008 / العدد 31

رسالة اليوم قطعة من القسم الأخلاقي في ما كتبه بولس الى أهل رومية. يستهلّها الرسول بتأكيده على أنّ الأقوياء يجب ان يحتملوا ضعف الضعفاء. وفي كلّ كنيسة أقوياء في الإيمان والمحبّة والممارسة وفيها ضعفاء.

ثم يريد ان يرضي كل واحد منّا قريبه اي الآخر في الجماعة وذلك ليس مداهنة ولكن من اجل بنيان الجماعة كلها، وذلك بتوجيهه الى خير الكل والى تقدّم الكل في معرفة المسيح. نرضي الإخوة على مثال المسيح الذي لم يرضِ نفسه لكونه تألّم. وهنا استشهد بولس بقولة من العهد القديم: «تعييرات معيّريك وَقعتْ عليّ».

واذا بنينا أنفسنا على التعليم يكون لنا الرجاء «بالصبر وبتعزية الكتب». فالصبر من الله وبه نواجه الآلام. اما عبارة «تعزية الكتب» فيريد بها كتب العهد القديم لأن الأناجيل لم تكن موضوعة قبل ان يكتب بولس. واما بعد ان وُضعت فلنا تعزية ايضًا بالإنجيل.

ثم يدعو بولس الى الله ان يجعل المسيحيين «متفقي الآراء». وهذا عنده ليس انصهارا للآراء كيفما أتت بالمناقشة. ولكنها الآراء الموافقة ليسوع المسيح. الجماعة تناقش حسبما أعطاها المسيح. هذا يدل على ان فكر المسيح كان منتشرا في الكنيسة بلا كتب ولكن بالتقليد الشفوي المتواتر، وجاء الكثير منه عند الرسل الذين تركوا لنا رسائلهم.

كيف يكون لنا رأي واحد؟ يجيب ان هذا يتيسّر لنا اذا كنا «بنفس واحدة وفم واحد» اي بنفس مملوءة من تعليم المسيح، فيخرج من ذواتنا التعليم كأننا نتكلّم بفم واحد، وهكذا يتمجّد الله أبو ربّنا يسوع المسيح. من اجمل ما قيل عن الله انه ابو ربّنا يسوع المسيح.

ينتج من هذه الوحدة ان نتخذ بعضنا بعضا اي يتبنى كلّ منا الآخر بالمحبّة والرعاية والعناية فلا نهمل الفقراء والبسطاء والمرضى والغرباء بلا عطف. ما أسمعه أحيانا في هذه الرعية او تلك ان هذا غريب فيحس هذا ان الالتفات اليه قليل.

لا اريد ان أسمع ان هذه العائلة وافدة اي انها ليست من هذه الضيعة ولا يحق لها ان تشارك في أمور الرعية وقطعا ليس لها ان تُبدي رأيها في موضوع الأوقاف او شيء مثل ذلك. كل مَن عمّدته الكنيسة في حوض المعمودية وتناول جسد الرب هو أخونا في الكنيسة وله كل حقوق الانتماء اليها.

ويُنهي بولس قوله ان اتخاذكم بعضكم بعضًا قائم على أنّ المسيح اتخذكم جميعًا لمجد الله. الفقير له الحقوق التي يدّعيها الوجيه لنفسه. الوجهاء عندنا هم فقط الوجهاء عند المسيح اي مَن كانت وجوههم اليه ويأخذون وجاهتهم منه لا من أموالهم ولا من نفوذهم ولا من زعامتهم. انها وحدة كاملة بين الذين يتناولون من الكأس الواحدة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المسيحية ام وحدة المسيحيين؟ / السبت 2 آب 2008

يندب المسيحيون وعقلاء المسلمين انتقاص المسيحيين في بعض من بلدان الشرق. أضحوا 2 في المئة فقط في فلسطين ولا أحد قادر ان يتكهّن عن عودة المسيحيين الى العراق بعد ان هجرها الأكثرون. وأظنّ ان احدًا لا إحصاء عنده دقيقًا لمن غادر منهم لبنان. ولهم قدرة على التأقلم في الخارج على ما يبدو فيسكنون الى الأمم الثابتة او شبه الثابتة اقتصاديا في الغرب والعودة هي من افريقيا اكيدة بسبب من إرادة الأفارقة ان يحكموا هم بلدانهم. وهي أكيدة كليا من جزيرة العرب ونضج المحللين السياسيين في الخليج مسرّ ما يعني ان العرب في مستقبل قريب لن يحتاجوا الى ذوي الاختصاص من اللبنانيين. هناك عودة الى الوطن جزئية وقيل لي مؤخّرا ان الذين استقروا في الغرب يرجعون فترة من السنة ليعلّموا أولادهم عندنا.


غير ان هذه القضيّة تحتاج الى عناية من قبل الدولة كبيرة وعلميّة للوصول الى صيغة او مجموعة صيغ بحيث لا نخسر قسما من شعبنا كبيرا ونبقى مع ذلك مواجهين لموضوع ارتزاق المغتربين وحفظ كرامتهم من الفقر. اي ان القصّة لا يحلّها حب وطن بات غيراخضر وحكمه غير منظم وأخلاقه (رشوة وما الى ذلك) ضعيفة. انت في حاجة الى وطن قادر ان يستوعب بنيه بحضارة له حقيقيّة تترجم اولا في نظام الدولة وانتظام المجموعات الطائفيّة بعضها ببعض على اساس تسامح لا نفاق فيه وعلى اساس اكتمال الكل بالكل في المعرفة والقدرة وإلغاء الطائفية كاملة في الإدارة العليا فأنا الأسقف الأرثوذكسي أرفض مثلا ان يعيّن أرثوذكسي تافه جاهل في منصب يستحقه مسلم او مسيحي من انتماء آخر.


لست أعلم على وجه الدقّة ان من اغترب يخشى تصاعد الأصوليّة الإسلامية. لا شك ان هناك اصطفافا إسلاميا كبيرا في الحياة وفي الدوائر. لا شيءعندي ضده ان كان الناس مستحقين ولكن المسلمين لا يزكي اصطفافهم شيء. فالمسيحيون اذا بقوا لا يخيفون أحدًا وكذلك المسلمون من حيث انهم مواطنون أمر مبتغى وقد يتطلّب هذا اندراجهم (واندراج المسيحيين) في الحداثة. قد يتطلّب هذا فتح باب الاجتهاد وتطورا في التفسير وعلم الكلام والفقه وفي هذا لا يستطيع المسيحي ان يشاركهم فيه. ولكن هذا التطوّر هو خلفية الحضارة المتجدّدة المدعوّة ان تندمج في العالم وتواجهه بآن. لن يقيض نجاح للمواقف الاعتذارية التي يبرر الانسان بها جموده والمحافظة المتشددة في كل حقول الفكر. هل نكرر الى الأبد ما قاله الأسلاف الذين لم يواجهوا اكتشافاتنا الحديثة والفكر الكثير التنوّع في اوربا.


طرح عليّ هذا السؤال مذيع خليجي كسبب ممكن لهجرة المسيحيين قلت له لا يكفي ان يقول أبرار المسلمين نريد المسيحيين ان يبقوا. المشكلة هي هذه: الفكر الاسلامي لتروا فيه قبولا للمسيحيين عميقا، ما يجذبني كثيرا عند المحللين الخليجيين او بعضهم انك تشهد تحت الجلابية والكوفية والعقال منطقا اوكسفورديا ولا تلمس هذا دائما عند ضيوف على الإذاعات اللبنانية مرتدين الثياب الإفرنجيّة.


في المنحى نفسه السؤال الكبير هو ان المغترب المسيحي اذا عاد اية مسيحية يحمل. هل هذه هي المسيحية الخرافيّة، المتحجّرة، المبغضة (وهي موجودة) بعد محافظته على لهجة القرية في اوستراليا وعدائه للقبائل المسيحية الأخرى والكنائس الأخرى. هل نحن نريد عودة المسيحية الى لبنان لتلقحه بحرارة الوجد وسحر المحبة والرقي الحضاري وروح التقارب والود بين الكنائس. بأية مسيحية نملأ لبنان فيتم عند ذاك لقاء الإنجيل الصافي بالإسلام الصافي الذاهب الى عمق أعماقه. تراكم مسيحيين ومسلمين لا يعطي شيئا وهو قادر على تصفية حسابات قديمة. ثلاث حروب أهلية في القرن التاسع عشر وصدامات توالت منذ الـ 1975 ولم تنته. عندما أقول للأجانب: نحن شعب لطيف وبلد جميل ومتلاقون في الحياة اليومية يواجهونني بهذه الأحداث.


مرة كنت استضفت الدكتور مانوكيان النائب السابق ورئيس مستشفى العصفورية اي الاختصاصي بالأمراض العقلية. قال لي: لبنان عنده أعظم نسبة مجانين في العالم. قلت لماذا. قال لي: البلدان الراقية فيها مستوصفات وعيادات للأمراض العقلية يتابع الأطباء فيها من كان مجنونا وظن القوم انه شفي مثلما عندنا نحن مستوصفات للأمراض غير العقليّة. من يدمّر عصفورية لبنان الشاملة؟ ما علاقة هذا بحروبنا. انا من وقت الى آخر آخذ حبوبا تتعلّق بالأعصاب ومع ذلك أكتب في «النهار» مقالات معقولة وتبدو جملها مترابطة.

هذا يقودني الى السؤال: أية مسيحية تهيء كنائس لبنان لأبنائها اذا عادوا؟ هل هي تفكّر بإعداد دروب القداسة والمعرفة ومحبتهم غيرالمشروطة للمسلمين بلا تخوّف من تعصّب او أصوليّة لأنّ المحبة الإنجيلية تذيب الأصولية. الشيء الثاني: هل للكنيسة قدرة أن تجنّد الأغنياء والموسرين تجندا كبيرا ليحبوا فقراء المسيحيين ويخدموهم في مشاريع منتجة؟ في القرن السادس عشر في القسم الأثوذكسي من بولونيا عندما كانت الأرثوذكسيّة مهدّدة بالانقراض بسبب من انقضاض إرساليات «مسيحية» عليها طلب كل أغنياء الروم الاجتماع الى المجمع المقدس وقالوا له: نحن قررنا ان نفتقر كليّا فجئنا بثرواتنا نضعها عند أقدامكم لمساندة الفقراء الذين كان الآخر يغزوهم.

هل للكنائس مجتمعة او منفردة سياسة لدعم المغتربين الفقراء في اي مجال من مجالات العيش وان تدخل في طور التنظيم العصري في سبيل الطعام والطبابة والتدريس؟ وقبل ان يغترب من له رغبة في ذلك هل للكنائس إرادة انشاء لجمهور مسيحي كريم لأنه يسد حاجاته او بعض حاجاته من كنيسة تحبّه بعد ان تكون تخلّت عن كل نشاط سياسي فلا يتشرذم أبناؤنا بسبب من جعل هذا المسؤول الديني مفكرا سياسيا فيتحزّب بالضرورة وتنقسم بسببه الرعية.


الرب لا يريد جبهة مسيحية ولا تراصا مسيحيًا وخصوصا لا يريد خوفا مسيحيا. مشكلة الاغتراب حلها بالتشرق اي بالعودة الى شرق راقٍ اعتنق الحضارة وقَبِل صادقًا التعدد الديني الذي كان عندنا وترتيب هذا التعدد بالفهم والعدالة اي بقبول للآخر حقيقي، بالدفاع عن الآخر من أجل حريته وحريتنا تمجيدا لله وتقوية للإنسان وإيلاد اللبناني السوي ومتابعة نقاوة له كرؤوس جبل لبنان الذي كانت تذهب منه عرائس يوم كتب نشيد الأناشيد.

هل يصبح لبنان نشيد الشرق؟

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

لا تمسّوا مسحائي/ الأحد 27 تموز 2008 / العدد 30

«لا تمسّوا مسحائي» (مزمور 105: 5). الى جانب الرب يسوع كلمة مسحاء الرب في العهد القديم كانت تُطلق على الملك والنبي وكل مَن مُسح بالنعمة الإلهيّة.

في العهد الجديد بصورة عامة يمكن إطلاقها على من مسحه الله بالميرون المقدّس، وبنوع خاص على الكهنة والأساقفة لأن الرسالة الكهنوتيّة مسحة من الروح القدس إذ النعمة هي التي تجعل رجلا شماسًا او قسًا او أسقفًا.

فاذا قال الكتاب: «لا تمسّوا مسحائي»، يريد ألاّ تعتدوا على إكليريكي بالقول او الفعل. واذا افترضنا ان الكاهن ارتكب خطيئة جسيمة منصوصًا عنها في القوانين القديمة، قد يصل قصاصه الى التجريد من الكهنوت. واذا كان المرتكب مطرانا، يجرّده المجمع المقدّس من الأسقفيّة، ولا يجوز له ان يمارس خدمة إلهيّة.

اما الباقي في الكهنوت فعليك احترامه وإجلاله لأنه -حسبما قال القديس إغناطيوس الأنطاكي- هو أيقونة المسيح. فكما تحترم الأيقونة وتسجد أمامها لكونها صورة المسيح، كذلك تكرّم من كان على صورته في الكهنوت، فاذا لم تُكرّم صورة المسيح فأنت لست صديقًا للمسيح.

كل بشر خاطئ، ولكن مَن أُعطي أن يعمّدك ويناولك ويقوم بكل أعمال التقديس فله طبائعه وحركاته بما فيها من صلاح وبما فيها من سوء. وانت لك ان تنصحه، كما له ان ينصحك، وتكرّر النصح اذا اقتضى الأمر، واذا لم يمتثل تشكوه لمن كان أعلى منه مقاما لأنك تحب ان يكتسب فضائل لا تراها فيه. الحياة الرعائيّة فيها حوار أخوي لنقترب جميعا من المسيح ونصير له رعيّة واحدة.

أيا كان الكاهن والمطران يحمل اليك النعمة التي الرب يسوع مصدرها. هو لا ينشئها فيك. ينقلها اليك واحيانا يصير لك قدوة، واذا صدمك بسوء سلوك تقتبل هذا وتهدأ وتنصحه من جديد بكل تواضع حتى يرتدع.

ولكن لا يجوز لك ان تهينه او تصرخ بوجهه او ان ترتكب بحقّه نميمة او ان تغيظه لأنك بذلك تعتدي على الله نفسه.

والكاهن او الأسقف ليس له سلطان في ذاته. انه مفوّض السلطان الإلهي اذا تكلّم باسم الله بتواضع وهدوء. متسلّحًا بالقوّة الإلهيّة، له ان يأمرك، وعليك أن تطيع الا اذا رأيت انه خالف السلطة الإلهية وتكلّم عن نزق وحقد. عند هدوئك، تذهب اليه لتعاتبه لأن الكلمة الإلهيّة وحدها قوّته، وانت لا تطيع بشرًا ولكنّك تطيع الكلمة.

ولا حق لأحد أن يرتجل نفسه كاهنا او أسقفًا لأنه غير مرسوم. ومهما كان تقيًّا او فهيمًا، لا يقوم مقام الكاهن او المطران اذ لا يحمل تفويضًا إلهيًا. ولا يحقّ لإكليريكي أن يجابه احدا الا بالكلمة الإلهيّة لأن أحدًا في بشريّته وحدها ليس بشيء.

ورأس كل هذا المحبة التي وحدها تشفي وتوحّدنا بالمسيح وبالإخوة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الوداعة والتواضع / السبت 26 تموز ٢٠٠٨

التحرّر من الشهوات يسمّى في التصوف الأرثوذكسي هدوءًا حيث الروح الإلهي فاعل وانت متقبّل اي ان آخر ينشئ الوداعة فيك. واذا كتب يوحنا صاحب سلّم الفضائل الناسك الكبير في صحراء سيناء عن الهدوء يقول انه اللاهوى ويحدّد هذا على انه الكمال المتشبّه بالله والسماء الأرضيّة وقيامة النفس قبل القيامة العامة. لا كلام بعد هذا الكلام لأنك ان بلغت هذا العلى لا تبقى في حاجةالى تعبير لساني.

          ويوضح القديس يوحنا هذا في المقالة الثامنة ان الوداعة هي بسكون النفس وتقبّلها للإهانات والكرامات بحال واحد على السواءا. ويتوسّع في الكلام على الرذيلة المناقضة وهي عنده الغضب وكما عرف الوداعة بالهدوء يعرّف الغضب بالاضطراب. عند الشتيمة تسكت. هذه درجة اولى من الخير. اما الدرجة الثانية فتحزن من اجل شاتمك والدرجة العليا ان تتصور الضرر الذي احدثه الشتم في الشاتم  وان تبكي على خطيئته بكاءً حارًا.

          لعل أهم ما في فضائلنا الاعتراف بالآخر. الوداعة فضيلة ثالوثية بامتياز لأنك انت لا تلقى الآخر على انه آخر الا لاعترافك  بأن الله يوجدك لأنه يوجده. ان يوجده الله هو ان يوجد شخصيّته. وانت بدورك تحافظ عليها لأن الرب أرادها كذلك. انت تقيم في الرقة اي في ذلك التخلي عن الصدام الذي لا تندم عليه الا لانتفاضك.

          الغضب ومشتقاته هي ثنائيّة التقابل في الظاهر وفي الحقيقة هي وحدانية الإبادة. اما الرقّة فهي إلغاؤك انت لأناك ليقوم الآخر ليس في أناه ولكن امام الله الذي يوجده بنعمته من جهة وبالرقّة التي سكبتها عليه النعمة.

#                           #

#

          ليست الرقة فقط اعترافا بالآخر. انها قابليّة على تكوينه لأن الفظاظة قتله. عندما تصبح الرقة وداعة انجيليّة تنفي العنف في النفس. غير انها ليس لها وعد بخلاص الآخر حتمي اذ الودعاء يُقتلون (بضم الياء). هم مرشّحون للموت بصورة او بأخرى لأنهم مسحاء الله وفي كل حال هم نسيٌ منسيٌ لأن القداسة لا تكتب التاريخ. انها تكتب الملكوت. الأشرار يكتبون الأزمنة الى أن يحل الله في الأخير مملكة الوداعة.

          في حياتنا اليومية ليس مثل الرقة يوحد الأجيال. انت تتذمّر من ولدك لكونه يضج عليك. دعه يضج لتفرح بنموه. مرة شكت لي أم وليدها لأنه يكسر الصحون. قلت لها: هكذا يكبر ولدك. فقولي لزوجك ان يضع في ميزانيته مبلغا من المال لشراء التي يحطمها ابنه. وليس مثل الوداعة يوحد الأزواج الذين كثيرا ما يصرخون فاذا أحسست بالاضطهاد بسبب الصراخ فمن العسير عليك ان تعود الى الوحدة او هي وحدة هشّة.

          الغضوب مجنون بحيث انه يختلق عالما غير العالم الحلو الذي هو مناخ معايشتنا الطبيعيّة. وهذا الجنون تحديدا ان تعيش في دنيا تصطنعها ومتى تحصل على الهدوء لا بدّ لك ان تبتهل من اجل ذاك الذي يثير فيك الاضطراب «ابتهالا خالصًا» كما يقول السلّمي وانت في حال الهدوء. وهكذا تتروّض على الصبر وعلى تنقية النفس والغفران. فلينصب دعاؤك على الذين يغيظونك علّهم يعقلون وفي هذا قال أشعياء: «الى من أنظر الا الى الوديع الهادئ»؟

          اذا ذهبت الى انسان وديع تعرف قبل المقابلة انه لن يفترسك وانك مقبول بدءًا وان حظك في الاقناع ممكن او قوي لأن الآخر سيصغي اليك.واذا كان كل الناس ودعاء فالبشريّة انسان واحد اذ لا يكسر وحدة الناس الا الغضب. الدعوة الى الوحدة هي وحدة في الطهارة والثقة لأن المحبة تثق. ولكون الدول لا تثق بعضها ببعض تكتب معاهدات. وبسبب الخطيئة يكتب المدين للدائن سندا «يستوفيه بالمحكمة» اي بخوف القوة لضياع الرقة يحتاج المجتمع الى التدابير القسريّة.هذا التأمّل يقودنا الى تأمّل آخر يمليه علينا قول المسيح: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب» (متى 12: 29) لماذا هذا التلازم؟ يزيّن لي ان ما يجمع بين الكلمتين هو ان الرقة والتواضع كلاهما موت عن الأنا ويدعم قول بولس: «من ظنّ انه شيء فهو ليس بشيء» (غلاطية 6: 3). التواضع ان تنزل الى قاع الوجود بل تعتبر نفسك انك غير موجود وان كل ما تعمله من صلاح انما الله عامله فيك وبك. الله يمربك لوصولك الى الآخر ولا تصل اليه الا اذا محوت الأنا فيك. وفي هذا قال بولس: «اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء. واختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود» (١كورنثوس 1: 27 و28) ومعنى العبارة الأخيرة كما أفهمها ان الله اختار من ظنّ نفسه غير موجود ليبطل من ظنّ نفسه موجودًا.

          انت لا وجود لك الا بمحو نفسك امام الله وامام الآخرين وبهذا جاء في انجيل في انجيل لوقا: «أنزل (الله) الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتواضعين )لوقا 1: 52) والمعنى ان الأعزاء هم من اعتبروا أنفسهم كذلك. هؤلاء يلغيهم ربهم من أمام عينيه ويرى فقط الذين لا يحسبون انفسهم كبارًا فينوجدوا في عينيه. في هذا المنحى كتب احد أمراء مولدافيا في القرن الرابع عشر لولي عهده: لا تشته ان تكون رئيس دير ولا اسقفا ولا اميرا (وهو المزمع بحكم الإرث ان يصيره) لأن كل هذا من مجد العالم». ذلك ان مجد الله فيك ـ اي الفضائل ـ مجد الله وحده المجد. وانت لا تعيه ولكن ربك يظهره. ما كان مجدًا باطلا يلغيه الله في مسيرتنا الى الملكوت. هذا ناتج من ان الظلمة (اي المجد الباطل) والنور (اي مجد الله) لا يلتقيان في الإنسان المعاصر.

          اجل يجب ان تعي النعمة التي نزلت عليك كما يأمرنا بذلك القديس سمعان الاهوتي الحديث ولكن تنسب في وعيك هذه النعمة الى الله وتدرك انها تمر بك ولكن لست انت منشئها. انت مجرد ممر لك لتوزّعها على الآخرين. القديس لا يعرف نفسه كذلك وجهله لهذا يرفعه الى مرتبة القداسة. وهذا حاصل لمن عرف نفسه خادما مؤتمنا على النعمة وليس بمالكها لأن الله وحده مالك الوجود والنعمة هي إشعاعه وحده.

          رقة اولا وتواضع ثانيا يتم بينهما التلاقي ليصير بهما ملتقيين الإنسان سويا. وهذا ممكن للفقراء والأغنياء والشابعين والجياع، للمواطن العادي ومن يمثّله في الحكم. ليس من وضع بشري تستحيل فيه الرقة ويستحيل معه التواضع والعلى مكتوب فقط لمن نزلت عليهم الوداعة والتواضع لأنّ هؤلاء وحدهم اهل الله.

Continue reading