يلفتني في الفصح العظيم ان المسيح وحده قام من بين الأموات وانه تاليا كان يحمل الحياة في ذاته. يجيء فقط أزليا من الله بلا واسطة امرأة وتاريخيا من امرأة بلا وساطة أب. ونحن على هزالتنا نجيء بكثافة منه ان فهمنا سر الحفاظ على وصاياه اي نجيء من النور الذي كانه ويبدد عتماتنا ان استقبلناه بحب وما ذلك من الدنيا. المسيحيون معظمهم من الدنيا ان لم يفهموا ذلك كانوا في اورشليم ولا يكترثون لأورشليم. صاروا الى رومية وقتلتهم رومية. والخيار الذي تركهم لهم ربهم ان يشهدوا له. ان يموتوا وان يحيوا شيء لا يهمّهم. كيف يجعلون هذا هاجسهم الوحيد. والآلام قسطهم لأنها شرط قيامتهم في هذه الدنيا وفي الآخرة. لا يطلبون ان تظهر عظمتهم الدنيوية بل ان يشع نورهم الداخلي.
ان كان غيرهم يطلب مجدًا فليعترفوا له بالمجد ان ظنه اساسا لوجوده. لن يسقط مجدهم هم لأنه من نوع آخر. قد يريد الآخر سلاما على طريقته. هم يريدون ايضا سلاما مع الحرية لهم وللآخرين. اي شكل سياسي تتخذ الحرية لست اعلم. فلنبدأ بالدعوة اليها وفق القوانين الدستورية بدءًا من افلاطون حتى الفارابي اي تكون الحكمة واحترام الآخرين كما هم على أساس العدالة. والعدالة ليس صعبًا تحديدها حاملها هو المواطن. والمسيحي مواطن بمعنى ان هذه صفته في المجتمع والآخر مواطن اذا أراد. وهكذا تقول الدول او معظمها صادقة ام غير صادقة. ولكن ان تقول ان الآخر مثلك وانك مثله يعني ان ليس لواحد منكما صفة اخرى في الوطن.
والوطن لا يعني فقط ارضا اخترت حدودها ولكنه يعني اولا الناس الذين هم عليها وتعني انكم تديرون وحدكم شؤونها اذا استطعتم. ولكن هناك وراء الحدود القريب او البعيد الذي يطبع توجيهك وأفهم انك تؤثر الجارالقريب او الجار البعيد حسب تركيبتك السيكولوجية وتركيبات اخرى.
# #
#
افهم ان الدول تحب التمدد حسب منافعها وليس عندها معيار الآخر. هذا لك ان تأخذه بعين الاعتبار بلا استسلام. والبلد الصغير مثل بلدنا معرّض منذ القديم الى تأثير أشور ومصر القديمة وكنا نحاول ان نتملّص من وطأة الغريب ما استطعنا ولكن كان لنا شوق ألا نقع في أحضان هذا وذاك وكل حضن يختلف عن الآخر دفء.
والوطن الصغير جذاب بما فيه من خدمات يستغلها الغريب ومن متع تعاش فيه. يقضمه دائما هذا وذاك ولو حافظوا على ارضه لأن هذه لا تتزعزع وربما حافظوا على علمه ضمن مشروع القضم الذي يريدونه. هذه كلها وصايات تتفاوت حدتها وقد تجتمع الوصايات علينا في اتفاقات بينها يوم يظهر تقارب الوصايات بلد تتقاسمه الشهوات وتتآكله وعندنا من هو شغوف بها اذ ينتفخ بها او تكثر بها ثروته او يستكبر على اهل بلده وتنشأ داخليا مودات تختلف في صدقها وتتفاوت المودات حتى النحر. وعندئذ لا يبقى التذمّر وحده من الأجنبي استكبارا والاستكبار الداخلي فيه نحر مميت على شيء من الدوام وينفرط البلد داخليا والأجنبي اذا ساءت احواله تخف وطأته عليك فاللبناني اقرب اليك من الوافد لأنك تستطيع ان تتدبر أمره اذا حاول ان يرفع عن عاتقك النير الموضوع عليه ليأمن مواطنه فيسعى الى رؤية ان مكونات بلده ضرورية لبقائه.
واذا منّ الله علينا ببركاته لنا ان نبلغ إرادة التواصل بيننا وان نحيي هذه الإرادة بالحب والحب ينشأ وتربيه بالبنية التي تراها نافعة لبلدك حتى اذا ما استقامت مؤسساته وأجمعت على زواج لا ينفعك بينك وبين إخوتك تندفع الى رفع السطوة من عنقك وتحاول الاستقلال ما أمكن لأنه محاولة دائمة والسياسة كلها فن المحاولة وكل بلد هشّ كما الدنيا هشة الى ان يرث الله الدنيا وما عليها. مع ذلك العزلة قتّالة ومستحيلة. ولكن إرادة الحرية بأهمية المشاركة الوطنية في كل شيء حتى تعيش كل مكونات البلد بلا سيطرة الواحدة على الأخرى لتتحقق المواطنة الصادقة.
البلد الذي يغذّي شهوات المكونات ليس ببلد. هذا شريعة الغاب قوامه. لذلك لا بد من دستور يُراعى وقوانين تُطبّق والحكم للكل مجتمعين ومتحابين. قلت متحابين لأن القانون وحده بلا قلب جاف وتشتد فيه التدابير القسرية وتعود اذ ذاك فيه الاستفزازات ويعود الى انقساماته الداخلية فيتزعزع من الداخل. وهذا يعني تربية على التوحد الوطني الذي ينفي حارة النصارى بمعناها السياسي وحارة المسلمين بمعناها السياسي ويتنافى فيه التحزّب لهذا الأجنبي وذاك.
وثمرة كل ذلك ان نكون وطنا واحدًا يدبّر شؤونه بالمعطيات التي بُني عليها تاريخيًا دون أن تتآكله المعطيات الداخلية، هذا إذا أدرك ان التطلّع هو تطلّع الى المستقبلات أكثر من التسمّر على الخصوصيات لهذا التكوين او ذاك. اما كيف يكون الجمع بين الماضي والآتي فهذا عمل الكبار في الأخلاق لأن لبنان أخلاق في السياسة كما هو أخلاق عند الأفراد.
هذا هو فصح لبنان. هي تسمية رمزية لأقول ان الآلام الحاضرة قد تكون مرحلة على ما يرجو الجميع حتى نستيقظ من الموت الحال فينا اليوم لنصبح وطنًا ممكن العيش فيه ومرجو العيش فيه لأن الموت ليس للأوطان. واذا سمح لي استعارة لفظة الفصح لنا جميعا فاللبنانيون كلهم فصحيون لأنهم أبناء القيامة. الله نرجو ان يوصلنا الى هذا الفصح الجماعي حتى لا نفقد القيامة. والى حد كبير ستكون القيامة بنعمة إلهية عملنا المشترك بعد ان توافقنا على أن لبنان وطننا جميعا. واذا كانت مشيئة الله ان نبقى سوف تهدأ العواصف فينا ومن حولنا لكوننا نستحق الحياة. غير ان إرادة الحياة تأتي من المحبة والنسك الذي تقتنيه اي من طهارة الأفراد والجماعة. ليمسح الله كل دمعة من عيوننا ونحيا حياة واحدة لا ذل فيه ولا رق لإيماننا ان أحدا لا يستحبّ العبودية بعد ان أمسى بعد ظلمات رهيبة عاشقًا للفصح.
