Category

2000

2000, مقالات, نشرة رعيتي

ثياب «المنذورين»/ الأحد 28 أيار 2000 /العدد 22

منذ ان توليت خدمة هذه الأبرشية ألتقي أولادا لابسين ثوب مار انطونيوس أو ثوب مار الياس (وهو المأخوذ عن الرهبان الكبوشيين)، ورأيت مؤخرا (وبعد حلول الشهر المريمي) نساء يرتدين الأبيض والأزرق. وربما كن من أصل غير أرثوذكسي لأن هذا الثوب كما نراه منسوخ بوضوح عن تمثال سيدة لورد.

ويحصل أحيانا صدام بين الكهنة المتنوّرين وأمهات الأطفال لأن الأم تطلب تبريك هذه الثياب، ولا نمارس نحن عادة التقديس لأي ثوب. ماذا يدور في بال هذه النسوة؟ تقول كل واحدة: أنا نذرتُ ابني لمار الياس أو مار انطونيوس. ماذا يعني هذا؟ إذا كانت تلتمس قوة أو شفاء أو نعمة، فهذه تُطلب في الصلاة ولا علاقة لها في خرقة من الخرق. فليس من خرقة تسكنها قوة إلهية، وإذا ابتغيت صلاة فقلها مباشرة. أنْ نَحسب ان مادة من المواد تفرز بركة لمجرد حمل هذه المادة على الجسم فهذا من السِحْر. وإذا أخذتَ كتابات من المزامير أو الإنجيل ولففتها معا وعلقتها في صدرك، نحن لا نؤمن انها تفيدك. بالعكس نعتقد ان هذا نوع من السحر. فالسحر هو بالضبط ان تعتقد انك إذا قمت بحركةٍ ما تنتج مفعولا روحيا كالشفاء. أيّ شيء لا يكون دعاءً منك وتؤمن أنه يُستجاب بالنعمة وحدها هو سحر، وتاليًا مؤذٍ.

نحن عندنا تبريك واحد وهو تبريك الحُلَل الكهنوتية. نقول لله: «بارك هذه الثياب المعدّة لإكرام مجد اسمك القدوس ولجمال وزينة خدام هيكلك المقدس وأسرارك الطاهرة». وننضح هذه الثياب بالماء المقدس ونطلب من أجل الذين يلبسونها حتى يكونوا أهلاً لخدمة الأسرار المقدسة.

وحتى لا يظن الكاهن ان هذه الثياب صارت تحمل «قوة» تقديسية بحدّ نفسها، فإنه يباركها هو قطعةً قطعةَ قبل الخدمة الإلهية، وذلك لأن لها علاقة بشخصه المدعوّ إلى إقامة السر الإلهي.

الكلام الجاري في أوساطنا أن اتركوا الناس على إيمانهم. عندنا أن هذا ليس إيمانا. هو تصديق خرافات. والخرافة من واجبنا أن نحاربها.

ما جاء في العهد الجديد أنْ «آمِنْ بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك». والمعنى ان هذا الذي تؤمن به أي المخلّص هو الذي ينقذك من الخطيئة والمرض. الكلام الآخر: «آمِنْ بالحجر تبرأ» أيضا كلام مرفوض. فما رأينا حجرًا يبرئ. نحن لا تهمّنا حركة القلب نحو أي شيء. تهمنا حركة القلب نحو المسيح. أنْ تصدّق كل شيء يخرّب كيانك الداخلي ويبقيك في الأوهام والأشباح المميتة.

هكذا إذا أُلقيَ قماش حول جسد طفلٍ أو بالغٍ لن يختلف عن أي قماش آخر. الوثنية يمكن ان تتسرب إلى الكنيسة عن طريق عقول السذّج، المتلهّفين للشفاء. ماذا يعني روحيا أن تنذر ابنك لهذا القديس أو ذاك؟ كل منا منذور بالمعمودية لله، وقلبه يتطهر بلا أية وسيلة مادية. ادخُلْ إلى مخدعك (أي إلى قلبك) وصلّ إلى أبيك في الخفية. قلبك منذور للرب. في هذا شفاؤك وفي هذا تعزيتك.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الحقد/21 أيار 2000 / العدد 21

في عظة الجبل ينقلنا السيد من الخطيئة المحسوسة إلى الأصل الذي تنبع منه، إلى ما نسمّيه الهوى أي الانفعال الداخلي، فيقول مثلا: «سمعتم انه قيل للأولين: لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء. أما أنا فأقول لكم: مَن غضبَ على أخيه استوجبَ حُكْمَ القضاء» (متى 5: 21 و22). يسوع يهمّه القلب، ان ينقيه من الأسباب التي تدنسه. ومما يدنس الإنسان الحقد وهو الاستمرار في الضغينة وتربص الظروف التي تحييها.

الحقد هو الانكماش دون الآخر والتقوقع في النفس الذي يلغي الآخر ذهنيا لكوننا لا نجرؤ ان نبيده جسديا. هو قتل معنوي للآخر الذي تحس انه يضايقك أو يمس بمصالحك وكبريائك. لا نطيقه مختلفا عنا أو مخاصما، وكأن وجوده إلغاء لوجودنا، فلا نعتبر ان له حرية في ان يكون كما يريد ان يكون.

الحقد هوى في النفس يقع فيه ناس من كل المستويات، ناس يحسبون انهم روحانيون وهم في واقعهم غير روحانيين. نوع من التحجر يصيب أعظم الناس. هذا التصلب يدمر كل من يقع فيه لأن الإنسان الذي يغلق نفسه دون إنسان آخر ويقصيه إنما يهدد قلبه ويجففه.

وأدرك خطر هذا الشعور الناسك الكبير القديس يوحنا السلَّمي الذي قال: «الحقد ثمرة الغضب ومرارة محبوبة». والإنسان المتمرمر لا يسعه ان يكون مبدعا، معطاء وخادما بلطفه. الغضوب الجامح يُفني نفسه ويُفني الآخر فلا يحسب لغيره حسابا ولا يقيم له مقاما. خطر الحقد انه يتشرش ويحتاج إلى نعمة من السماء تنزل على القلب كالندى ليطرى.

فإذا تكلم الكتاب عن الله يقول في المزامير انه «طويل الأناة وكثيرة الرحمة. ليس إلى الانقضاء يسخط ولا إلى الدهر يحقد». الرب يؤدب ولا يكره ابنا من أبنائه، أما الذي يغضب كثيرا ويحقد كثيرا فإنه كالمجنون ويحتاج إلى قوة سماوية كبيرة ليتعافى.

أجل في الناس غباوة وسوء نية تجاهنا، وعند بعضهم رفض لنا وقهر. وفي كثرة الأحيان لا يعرفون لماذا يبغضون. ولذلك يقول الكتاب: «بغضَ ظلمٍ أَبغَضوني». لا يروقهم وجهك أو كلامك أو مظهرك أو كلمة قلتها وأوّلوها تأويلا خاطئا وجرحتهم، ولا يعللون لماذا جرحتهم فحزنوا وحوّلوا حزنهم إلى بغض. وكلما صدرت عنك حركة مقتوك وأضافوها إلى ما قلته سابقا وبنوا عليها قصورا وعلالي، وقد تكون أنت طيب القلب ولا تقصد شرا يحل بهم ولا تبتغي ان تجرحهم فيميتوا أنفسهم وليس عليك في ذلك مسؤولية. هم يظلمونك وتتساءل إذا كان عليك ان تختفي من دربهم لئلا يسيئوا إلى أنفسهم في البغض، ولكن إلى أين تذهب إذا كانوا من أهل بيتك أو معارفك أو كانوا زملاء لك؟ هل تسكت كل الوقت لتريحهم، وانى لك، إذ ذاك، ان تؤدي شهادة الحق؟

وتتساءل لماذا لا يحق لكم ان تختلفوا وتبقوا أصدقاء؟ أليس جمال الدنيا بالتنوع؟ وماذا يضيرهم ان تكون موهوبا أكثر منهم، والمواهب الله معطيها وتعود إلى مجده. وليتمجد الله بمن شاء. فهذا له أكثر، وهذا له أقل. وقد تكون أنت قد جاهدت وتعبت كثيرا لتطهر نفسك وتعرف وتفهم، ويكونون قد ظلوا على كسلهم ويريدون ان تكون أنت على الفقر العقلي الذي هم عليه.

فإذا وجدتهم حاسدين، والحسد والحقد توأمان، فصلّ من اجلهم ليزيل الرب عنهم خطيئتهم هذه ويقوموا بالجهد الذي قمت أنت به. اذكر هؤلاء الضعاف في دعائك كل يوم حتى لا تتمرمر أنت، علهم يذوقون طعم المحبة، علهم يفرحون كما تعرف أنت ان تفرح.

لعل الأعجوبة تحدث وينزل عليهم الندى.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أمّا وقد انقضَت الأعياد/ 14 أيار 2000/ العدد 20

العيد تتركه كما تترك بستان ورد. تشتاق إلى رائحتها بعد ان انقطعت. وتحنّ إلى عودة المواسم بسببٍ من التجليات التي رأيت والجديد الذي ذقت. وما من شك ان الارثوذكسي المؤمن المصلّي يتوق إلى مجيء الصوم ويتحسّر لانقضاء أسبوع الآلام العظيم. اجل، لا تزول المواسم الكبرى، فتأتيك العنصرة في الربيع، ويتعيّن في الصيف غير عيد. ولكن ليس كالفصح وما يهيئ له، فالنفس في تلك الفترة لصيقة بالله، تائبة او تُدغدغها التوبة، ومع ذلك على شيء من الحسرة لأن بعضا منا لم يشارك. ونحزن لكون الكثيرين لم يَرَوا الجمالات التي رأينا ولم يريدوا نفوسهم ضيوفا على الله. يحزنوننا انهم لم يأكلوا من المائدة السرية ولم يدخلوا الخلوة مع العريس الإلهي او هكذا يبدون لأنهم ظلوا خارج الجماعة المجتمعة للكلمة والجسد.

          اما الذين ذاقوا طعم الملكوت وارتشفوا كأس الخلاص فالخوف عليهم بعد انقضاء الموسم أن يَفتُروا لأن الكنيسة لا تُلاحقهم بالزخم الذي لاحَقَتهم به في الصيام الكبير وما جاوره وتبعه. الا انها تُقدّم لهم الغذاء في الآحاد وبعض التذكارات. وحضَّتهم ليصيروا بالغين ويبقوا على إلفة يسوع التي كانوا عليها في المواسم العظيمة. تريدهم الكنيسة ان يتّكلوا على مُعاشَرتهم للإنجيل في بيوتهم وعلى صلاتهم الفردية وألاّ يدعوا التجربة تَطغى عليهم. فحبهم للسيد يُمكّنهم منه. هكذا يفعل المهاجر إلى بلد ليس فيه كنيسة من كنائسنا. يصطحب إنجيلا والسواعي الصغير او اي كتاب صلاة. ويصير الكتاب كنيسته، ويبقى على الأمانة كما يبقى على الأمانة من ودّع زوجته وسافر. ذِكْرُ وجهها يُبقيه على العهد. ووجه يسوع يتابعنا في كل مكان. الراهب القديم الذي كان يغادر ديره طوال مدة الصيام ويعود اليه في أحد الشعانين كان حافظا لبعض الصلوات ولكنه لم يكن يحمل كل الكتب الطقسية ويكتفي بما هو معروف بدعاء اسم يسوع: «ايها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني انا الخاطئ». هذا الدعاء كان يجعل في قلبه حضرة السيد المباركة.

          هناك اذًا الصلاة الفردية الواعية، وهناك الطاعة على ما قاله المخلّص: «مَن أَحبني يحفظ وصاياي». كنيسة الانسان فيه إن كان بعيدا. والعيد فينا اذا انقضى. ما نسمّيه بالعامية «الصلبة» مساء الخميس العظيم هي في القلب بعد ان انحجبت عن العين. فالمؤمن صالب شهواته ويرتقي إلى فوق حيث المسيح جالس في السماويات.

          ويرافق كل هذا المحبة. فهي التي تبقى بعد زوال كل شيء. والمحبة ألاّ تحسد اذا حسدوك، ولا تُقصي عن قلبك ذلك المخلوق الذي يبغضك لأن قلبه غير قادر ان يحتويك. ابذل نفسك دائما هو الفصح ولا تنتظر جزاء ولا شكورا. فهناك من لا تؤثّر فيه المحبة ولكنها تَجْمع جمرًا على رأسه. هذا شأنه اذا أراد أن يبقى قزما. لا تطلب لنفسك امتيازا او معاملة خاصة، وبخاصة لا تشتهِ مكانةً في قلب أحد. ارمِ قلبك في كل القلوب. ما جاء في الإنجيل انهم يرثونه. البهاء الروحي لا يبهر الا المعدّين له. قد يحجم الأقزام. قد تعطي نفسك لإنسان ولكنه هو يؤْثر ان يموت في خطاياه. كفاك ان تبكي عليه وتبكي عنه.

          سِرْ وكأنك دائما في العيد. لأن جمال العيد يهبط عليك ويجعلك دوما انسانا جديدا. مَن ساعَدَك على التوبة كان هو صديقك، ولكن لا يَهَبُكَ توبة إلا ربك. لا تَخفْ الا من القادر ان يرميك في نار جهنم، ولكن إن جعلت المسيح درعك فلا يصل اليك سهم من احد ولا من نفسك. توكل وعش على الرجاء. كن عليه ولو سقط الأكثرون حولك فأنت قادر ان تخلّص نفسك. اما نفس الآخر فجلّ ما تستطيع مِن أجْلها ان تُمهّد لها سبيل الخلاص. سرّها فيها ولا يعرفه الا الله. لا تدنْها لئلا تُدان! اذا مشيت مع الله وكنت في صحراء فإنه واحة لك ترافقك. هكذا يطل عليك دائما وجه يسوع.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

دوام الفصح/ 7 أيار 2000/ العدد 19

يعبّر الذائقون لجمال الصيام عن فرحهم به بقولهم: يا ليته لا ينقضي لأنهم يكونون فيه في إلفة يسوع. في الفصح تمّ اللقاء الكامل بيسوع من حيث اننا ورثنا الحياة الجديدة. ونبقى مُنتشين بهذا الفرح ولا نَقبل ان ينقطع. لذلك أَسّسنا «اسبوع التجديدات» هذا الذي قضيناه بين العيد وأحد توما. وكنا كل يوم نكرر خدمة العيد وكأننا لا نحب ان يحلَّ زمان آخر لا فصح فيه.

          العيد من حيث هو ذكرى لا بد ان ينقضي. نكون قد أخذنا منه تربية ومعاني. نكون قد اختُطفنا إلى الفردوس وعلينا ان نعود إلى هذا العالم في كل تعاريجه وكل صعابه.

          نظلّ اربعين يوما نرتل فيها «المسيح قام» وكأننا نأبى ان نغادر العيد. كيف يترك الإنسان الفردوس. هذا العالم، يقول لنا الأحد الذي نحن فيه اليوم، نحيا فيه بالإيمان بالسيد المنتصر. اجل انه منتصر ولكنه خفي، حي في نفوسنا بالروح القدس. ولذلك كانت انطلاقة المسيح إلى العالم بعد موته وانبعاثه هي العنصرة. هي تفعيل القيامة في المخلَّصين المتعاهدين كلمة يسوع في ما تتطلّبه الأمانة من دقة.

          ماذا يعني ان نكون جددا في دنيا كلها عتيقة؟ الخطيئة عتيقة والمسَمَّون مسيحيين الكثيرون منهم عاشقون هذه الدنيا وزخرفها، ولا يبدو ان شيئا يميّزهم عمن لا يؤمنون بقيامة المسيح. في الرسالة إلى اهل افسس تكلم بولس الرسول على فجور الوثنيين وانغماسهم في كل فاحشة حتى قال: «اما انتم فما هكذا تعلّمتم المسيح»، ورجا ان يُقلعوا عن سيرتهم الاولى ويخلعوا الإنسان القديم ويلبسوا «الانسان الجديد الذي خُلق على صورة الله في البِرّ وقداسة الحق».

          ليس كلام الرسول فقط تمنّيا أو تحريضا على البر، ولكنه في كثير من كلامه يتكلم على المسيحيين على انهم احياء بالبر. «دُفِنّا معه في موته». وفي وضوحها قوله: «من مات بُرِّر من الخطيئة» اي من مات مع المسيح او من التصق بالمسيح المصلوب تحرر من الخطيئة.

          واذا قال رسول الأمم في الرسالة هذه إلى اهل رومية: «احسَبوا أنكم اموات عن الخطيئة (اي مميتين الخطيئة في انفسكم)، أحياء لله في يسوع المسيح». في فكر بولس ان المسيحيين نوع جديد من البشر. ولذلك كان بعض المسيحيين مثل باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم يرجئون معموديتهم إلى ما بعد سن العشرين لقناعتهم الكاملة ان المسيحي لا يجوز ان يخطئ بعد المعمودية. كاتب الرسالة إلى العبرانيين ويوحنا الحبيب تَصوَّر كلاهما ان المؤمن يستطيع ألاّ يخطئ عمدا أو ألاّ يخطئ بما يقوده إلى الموت الروحي.

          هل هذا حلم؟ اضعف الإيمان ان يكون هذا طموحا، طموح ان نخرج من الخطيئة كلما اقترفناها، ألاّ نتعاقد مع وضع خاطئ، ألاّ نَبِيْت في معصية ونرتاح اليها. مَن صادَقَ الخطيئة ليس انسانا فصحيا. وصلاته كاذبة إنْ صلّى. وأعياده باطلة.

          هل عبَرْنا العيد ونحن مصمِّمون على ان نبقى على خطايانا؟ كيف نعمل معا حتى لا يكون مشهد المسيحيين في كنيستنا مشهدا وثنيا اي مشهد ناس ما ذاقوا جمال يسوع؟ بالتأكيد الوثنيون في العهد المسيحي الاول يلحظون ان المسيحيين نوعية جديدة من البشر وقالوها. وكتب المسيحيون عن امور يرتكبها الوثنيون وهم لا يرتكبونها.

          هل هذا صحيح اليوم في العالم، في أنطاكية، في هذه الأبرشية؟

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق نبوءة زكريا القديمة: «ابتهجي جدا يا بنتَ صهيون، واهتفي يا بنتَ اورشليم. هوذا مَلكُكِ يأتيكِ صديقا مخلِّصا وديعا راكبا على أتانٍ وجحشٍ ابن أتان». بوداعته يعلّم يسوع العالم الوداعة. هذه صورته إلى الأبد، وبها يَحكُم القلوب. الترتيلة بدل ان تقول «ابتهجي يا بنتَ صهيون» تقول: «ابتهجي يا بيعةَ الله»، ويأخذ الترتيل من الإنجيل (يوحنا 12: 1-18) هتاف «اوصانا» («هوشعنا» في لفظها الأصلي، وتعني خلّصنا يا الله). نحن في بداءة الخلاص الذي سيكتمل يوم الجمعة العظيم ويُعلَن عند فجر القيامة.

          ركوب يسوع الحيوان جَعلَتْ منه الكنيسةُ دعوة الينا حتى نترك البهيمية التي كُنّا عليها لأن ترك رذائلنا وعيوبنا شرط لرؤيتنا الفصح. امام الأيام الآتية نقرأ في قداس العيد: «افرحوا في الرب كل حين، وأَقول ايضا افرحوا». سبب ذلك ان الرب قريب ليس فقط لكوننا ننتظر اليوم الأخير، ولكنه قريب في كل حين إن أردناه كذلك. ولهذا يحضّنا بولس في الرسالة (فيليبي 4: 4-9) ان نفتكر بما هو حق او عفاف او عدل او طهارة. فاستقبال اورشليم للسيد ينبغي ان نترجمه استقبالاً له في قلوبنا وإلا بطلَ العيدُ بالنسبة الينا.

          نحن على استعداد الترحيب بيسوع اذا قلنا له عشية احد الشعانين وفي الليالي الثلاث الاولى من الأسبوع العظيم: «ها الخَتَن يأتي في نصف الليل». أخذنا لفظة «الختَن»، وهي سريانية وتعني العريس، والمراد به طبعا يسوع عريس الكنيسة وعريس كل نفس طائعة له. الأعياد تجري في القلب. فالسيد يتزوّج كنيسته العروس على الصليب بالدم، وبه يتم كل زواج. ويتزوج كلَّ نفس مؤمنة مُحبة. هذا العرس بيننا وبين المعلّم يقتضي اليقظة الدائمة منا. وتزداد فكرة العرس وضوحا في هذه القطعة: «انني أُشاهدِ خِدْركَ مزيَّنا يا مخلّصي، ولستُ أَمتلكُ لباسا للدخول اليه، فأَبهِجْ حلّةَ نفسي يا مانحَ النور وخلّصني».

          الخِدْر هو الغرفة الزوجية. يسوع ينتظر فيها نفس المؤمن التي ارتضت ان تُسلم ذاتها اليه. ولكنها تحتاج إلى لباس «رسمي»، لباس المدعوّين إلى وليمة العرس التي ذُكرت في المَثَل الإنجيلي. وتلاحظ هذه النفس انها عارية، وتطلب إلى يسوع أن يعطيها لباسا من عنده. نردد هذه الكلمات ثلاث ليال، ونقيم الخِدَم الإلهية الأخرى مغتذين بجسد الرب ودمه حتى يحلّ قداس الخميس العظيم وهو ذكرى فريدة للعشاء السري. في القراءة الانجيلية المركبة من روايتَي متى ويوحنا: «فيما هم يأكلون، أَخذ يسوعُ الخبزَ وبارك وكَسَر وأَعطى تلاميذه، وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم، وقال اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي للعهد الجديد».

          العرس هنا قبل العرس السماوي يتم في اتخاذنا جسدَ المسيح ودمه. الجسد في فلسفة الساميين التي بها يعبِّر يسوع هو مظهر الشخصية لأنهم ما كانوا يفرّقون بين النفس والجسد كاليونانيين. فلما قال السيد: «كلوا جسدي»، أراد بلا ادنى ريب ان يقول: هذا شخصي كاملا تناولوه. انا وانتم في انصهار الحب.

          والدم عند القدماء هو الحياة. نحن لا نَذبح المسيح ثانية ولا نأكل لحما ماديا ودما ماديا. لقد مات يسوع مرة واحدة. ولكن عندما نتناول القرابين نستقبل في انفسنا المسيح حقيقةً وليس خيالا، ونستمدّ حياة المسيح كلها اي فاعلية السيد التي ظهرت على الصليب وانتشرت في الكون بالقيامة.

          سنذوق الصلب حبا والقيامة ايمانا ونفرح.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

مريم المصرية/ 16 نيسان 2000/ العدد 16

دائما تجيئني صدمة عندما أسمع في الكنيسة هذه العبارة: «أمّنا البارّة مريم المصرية». كيف نكون مولودين منها؟ البِرّ الذي كانت عليه، التوبة المذهلة ومن تعابيرها النسك الشديد الحادّ، كل هذا يجعلنا آتين روحيا من اولئك الذين مِن الله وُلدوا. نحن نولد مِن مُسَحاء الله لأن قداسة الله حلّت فيهم.

          كانت هذه المرأة زانية. صوّرها صفرونيوس بطريرك اورشليم مشغوفة بالفجور مع ان هذا نادر عند من احترف الدعارة احترافا. ربما أراد الكاتب إبراز التطرف ليُبرز مقابله كثافة التوبة. الخطيئة الكثيفة، الجسيمة لا يرتكبها من كان هزيل الشخصية. المجرم الكبير اذا اهتدى قادر ان يصير بارّا كبيرا. زخمه في الشر دليل طاقة كبيرة توضع فيما بعد في خدمة الرب. كذا كانت حياة بعض القديسين من بين النساك. ولذلك يخطئ الأب الروحي اذا ظن أنه يَعْسر عليه ان يقود خاطئا كبيرا إلى التوبة. ويخطئ الخاطئ اذا اعتبر انه بعيد عن الخلاص بسبب كبر معصيته. التحوّل نعمة من فوق تحرق الزلاّت «الصغرى» والزلاّت الكبرى. المهم كثافة الرحمة النازلة من فوق.

          خطايا ثقيلة يقابلها غفران عظيم، هذا ما أرادت الذكرى أن تقوله. لذلك جعلت خدمة السَحَر مريمَ المصرية «نموذجا للتوبة». بدّلَتْ نارَ الشهوة بنار الحب الإلهي. المهم ان تغيّر الاهتمام اي ان تجعل الرب شغلك الشاغل بعد ان كانت الشهوة شغلك. هناك إطفاء للهبٍ ما. هذا ممكن فقط اذا التهبتَ بالحب الإلهي. هذا ممكن أن يحلّ فيك دفعة واحدة او تحارب روحيا مع هزائم حتى تنتصر النعمةُ فيك. ولا تنتهي القضية بقرارات متكررة لإرادتك. الاهتداء ينبع من داخل النفس التي أَسلمت لربها او لا يكون. الهداية تحلّ اذا اقتنعتَ ان يسوع كل شيء فيك وانه يستحقّ كل تضحية منك وانه هو الفرح. انت لا تهتدي إلى أفكار، إلى فكر العفة او التواضع أو المحبة. تهتدي إلى العفة واقعا جديدا فيك وإلى التواضع والمحبة. في الحقيقة انت تولِّي وجهك شطر المسيح ويصبح فيك كل شيء، وهو الذي يسكب فيك الفضائل مجتمعة. فاذا كانت احدى الفضائل غائبة عنك تحلّ عليك وتأتي بصديقاتها الفضائل الأخرى. هذه قاعدة الترابط بين مواهب الله على الصعيد الأخلاقي.

          لماذا اختارت الكنيسة زانيةً كبرى لتدعونا إلى توبة كاملة نُنهي بها الصيام تقريبا؟ ليس في الكتاب الإلهي ما يوحي أن الزنا هو الخطيئة الجسيمة الاولى، فالكبرياء اعظم. اظن ان حركة الكنيسة كانت مزدوجة. الأمر الاول ان الزنا خطيئة حسية، تأتي على ألسنة الناس اذا تكلموا على الخطيئة وربما لأن الرهبان الذين وضعوا هذه الأعياد يكافحون بنوع خاص لاجتنابها. غير ان السبب الثاني هو المعنى الذي كان يضفيه العهد القديم على هذه الكلمة. وفيه ان شعب اسرائيل سمّاه أنبياؤه زانيا لأنه يخون الله بالشِرْك اي باتّباعه آلهةً غريبة إلى جانب الإله الحق. بهذا المعنى الواسع للكلمة، كل خطيئة يقترفها الانسان تجعله زانيا، خائنا العريس الوحيد اي الله.

          الاستقلال عن الحسيات هو بدء الطريق إلى الاستقلال عن كل شيء. تنتهي صلاة السَحَر اليوم بهذا الكلام: «ليس ملكوتُ الله طعاما وشرابا بل بِرّا ونُسْكا مع قداسة». ولئلا يُفهم ان الكنيسة مهجوسة بأمور الجسد المتفلّت، تابعت الأُنشودة بعد تأكيد النسك والقداسة هكذا: «لذلك يَعْسُر دخوله على الأغنياء». حتى تصل إلى هذا: «الرجل البارّ هو الذي يَرحم النهارَ كله». هذه هي العفّة الكبرى ان تتنزّه عن عشق المال وما يقدّمه لك من سلطان.

          فإن عففت يأتي المسيح عليك، أو اذا أتى اليك تعفُّ ولا ترى سوى وجهه.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

يوحنا السُلَّمي/ 9 نيسان 2000/ العدد 15

وُلد في النصف الثاني من القرن السادس ولا نعرف موطنه وأصله. كتب «السُلَّم إلى الله» فسُمّي السلَّمي بالنسبة اليها. الكتاب يحتوي على ثلاثين حديث في الفضائل التي لا يَبلغ أعلاها الا القليلون. ألّف الكتاب بعد جهاد طويل، ويجدر بنا جميعا ان نقرأه ولو وضَعَه لرهبان. اللافت في الكتاب ان صاحبه الذي دخل الدير صغيرا يعرف عن احوال العالم ما لا يعرفه اهل العالم. من الواضح انه كان مثقفا كبيرا، ومن الواضح ايضا انه لم ينتسب إلى جامعة. يعرف الكتاب المقدس معرفةَ مَن عاشره كثيرا كما يعرف الآباء الاوائل. وكل سطر في هذا المصنَّف يدل على ان ما قاله الرجل انما خَبِرَه شخصيا. يبدو انه غلب كل هوى في النفس يحجب عند اللصوق بالمسيح، بلغ المحبة التي يقول عنها انها ترزق النبوءة وانها «إقبال الدهر الآتي». يتغزل بالمحبة مستعيرا لغة نشيد الأناشيد: «أخبرينا ايتها الجميلة في الفضائل أين تَرعين غنمكِ»، ثم في التصاعد نفسه يقول: «الآن قد جرحتِ نفسي ولا أقوى على ضبط لهيبك».

          كتاب لكل الناس ولو قسا. يقسو عن حب. له الحق في ذلك لأنه أَدركَ الولَهَ بالله فيجرؤ على القول: «العاشق الحقيقي يتصوّر وجه حبيبه على الدوام ويعانقه على الدوام ويعانقه في قلبه بنشوة، ولا يستطيع حتى في نومه أن يسكّن اشتياقه اليه، لكنه يواصل في رقاده حديثه اليه. فعلى منوال هذا الحب الجسدي يكون الحب اللاجسدي. وقد انجرح بسهمه أحدهم (وأظن انه يشير إلى نفسه) فقال عن نفسه (ويا للعجب!): « «أنا نائم» لحاجةِ الطبيعة، «لكن قلبي مستيقظ» لكثرة حبي». هذا نموذج من التصوُّف الارثوذكسي الكبير الذي لا نجد له مثيلا الا عند القديس سمعان اللاهوتي الحديث بعد اربعة قرون. يعود إلى هذه اللغة في المقالة الأخيرة: «تشتاق النفس وتتوق إلى الرب وقد جرحها لهيب الحب وكأنه طعنة سهم». هذا هو سر العاشقين لله الذين لم يعرفوا الا النسك ولم يكن لهم خبرة عشق بشري. أعتقد أن سرّهم في ما قاله قديسنا: «مَن اتحد بالله يلقّنه الله أسرارَ أقواله». هؤلاء هم في مصطلحنا الارثوذكسي «مُسارّو الله» اي الذين بينهم وبين ربهم تسارّ. يُسِرّ لهم ما في قلبه ويُسِرّون له ما في قلوبهم، فاذا بهم يُقِيمون في خلوة مع الحبيب، ولا يدخل احد إلى هذا الخِدْر، ولكنهم يخرجون هم منه ليُخبرونا بما رأوا وبما «لمسته ايديهم من جهة كلمة الحياة».

          كل هذا كان لأن قديسنا طهّر نفسه قبل ذلك بينابيع الدموع، ولكونه استعطف الله بالاعتكاف ما طال الليل، كما نقول له اذا توجّهنا إلى هذا البار في صلاة سَحَر اليوم.

          كل هذا جاء بعد تعب شديد. بعد الزهد في كل شيء، وذلك ليس خوفا من العقاب (والكلام له) ولا طمعا بالثواب، ولكن «من يعتزل العالم حبا بالله يمتلك للحال نارا كالتي اذا ما أُلقيتْ في غابةٍ تضرم كل يوم نارا اشد اشتعالا». وفي هذا المنحى يكون المجاهد الحقيقي «مَن يحفظ غيرته متّقدة إلى النهاية، ولا يزال حتى الممات يزيد كل يوم على ناره نارا وعلى اضطرامه اضطراما وعلى شوقه شوقا وعلى همّته ونشاطه نشاطا دون انقطاع».

          من قرأ كلاما كهذا يتصوّر انه امام شاعر لا امام راهب (ما الفرق اذا كان الراهب محبا صافيا حتى النهاية؟). من قرأ هذا يقدر ان يفهم ان حبنا للمسيح ليس فيه ضجر. طوبى لمن تَسلَّق هذه السلّم ولم يسقط. اذا كان في العالم بعض من هؤلاء، فالعالم سماء مذهلة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

قم يا الله/ 30 نيسان 2000/ العدد 18

رتّلناها أمس في قداس كان يقام السبت ليلا، ورتلناها لنقول ليسوع: انت تقوم لنحيا بك. ايامنا شقاء وبلدنا يفتقر. انت انتصرت، وهل من انتصار الا على الموت؟ انصُرنا انت على قوة الموت التي تُصيبنا اي على الإحباط والحزن واليأس والخوف من المرض والفاقة والشيخوخة لكي لا يبقى العيد يوما واحدا، لكي يرتسم فورا داخل النفس فنتجاوز الخوف ونرجوك من بعد خطيئة ونثق لا بقدرتنا ولكن بقدرتك.

          الإخفاق في العمل، في العاطفة، في الحياة اليومية، اندثار آمال كثيرة وضعناها في من ظننّا أنهم كبار. كل هذا الإخفاق كان من شأنه ان يقودنا إلى القنوط بحيث نقول إن قلة من الناس توضَعُ الثقةُ بهم أو نقول ان زوجتنا أو اولادنا أضعف مما حَسبْنا ان يكونوا. وقد نقول ان البلد ذاهب إلى الهلاك او لا احد يعرف مصيره. وان كنا واقعيين فليس في بعض الذين يصلّون تعزية كبيرة. فهم لا يشدّون انفسهم إلى المسيح. وبعض البارزين في الكنيسة لم يبقَ المسيح هاجسهم الوحيد. العيد لا يمكن ان يحجب عنا رؤية السيئات ونحن نقيم العيد وسط السيئات التي تعترينا. العيد في العالم او كان هروبا. الفصح في الكنيسة لنأخذه إلى العالم. الكنيسة تنصبّ كالنهر كلها في العالم او كانت متحفا وحفلة تنغيم.

          العيد ليس لتنسى الشقاء ولكن لتتغلب عليه. فكما ان الموت لم يبتلع المسيح هكذا لا تأكلك أتعابك. انت تقدر بيسوع ان تحمل الصليب بفرح. تنتصر في داخل آلامك لأن السيد اذا أحببته يدخل إلى عميق قلبك. لا يمكن ان تُسكت آلامك الحقيقية ولكن لك ألاّ ترزح تحت وطأتها. واذا رزحت ابقَ واعيا حتى تقوم.

          القيامة بهذا المعنى حالة. كانت حدثا مرة واحدة لتصبح حالة، شيئا يدوم فيك ويجعلك انسانا جديدا. لا تَخفْ. هو القائل: «ثقوا اني قد غلبتُ العالم». والعالم عالم الشهوة والأطماع والأحقاد. هذه تسيطر على الدنيا. وقد تكون شهوة فاتكة فيك او بادئة فيك. انتبه. انت قادر على ان تقضي عليها بنعمة المسيح.

          واذا انتصرتَ مرة تكون اقوى في مناسبة إغراء ثانية. اسعَ إلى الانتصار على نفسك فكل شيء في نفسك. هـي ساحة الحرب على الشرير. هذه أصعب من كل الحروب، ولكن فيها تعزيات لا تساويها أية تعزية خارجية. انقل الفصح إلى القلب تفرح فرحا عميقا.

          وتفرح بالذين تعزَّوا مثلك بيسوع وتكونون معا كنيسة القيامة اي جماعةً مِن ناس يعيشون بالرجاء، بمعرفتهم أن المسيح يأتي اليهم ببهائه ليزيل عنهم كل قباحة. فاذا قلت اليوم: «المسيح قام»، افهم أنك لا ترنم فقط أنشودة ولكنك ترجو ان تكون نفسك قائمة معه وقائمة به. ألاّ تنهزم امام الصعاب يعني انك عَزمتَ أن تصبح انسانا قياميا.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

فرح الصليب/ 2 نيسان 2000/ العدد 14

عندنا ثلاثة اعياد للصليب: 1) ارتفاع الصليب في 14 ايلول وهو ذكرى اكتشاف القديسة هيلانة له، 2) تزييح الصليب في اول آب وهو ذكرى انتصار هرقل على الفرس واستعادته صليب السيد منهم إلى القدس سنة 630، 3) التكريم الذي نحن فيه في اواسط الصوم غالبا ما يعود إلى نقل جزء من الصليب المكرم من القدس إلى أفاميا (قرب حماه) بمناسبة بناء كنيسة فيها.

          ولكن بقطع النظر عن الظرف التاريخي هذا، أرادت الكنيسة ترتيب احتفال مصغَّر لما سيكون يوم الجمعة العظيم ورفع قلوبنا إلى آلام السيد بسبب الملل الذي يصيب بعض الصائمين من جهادهم. فحتى تشدّهم الكنيسة إلى رؤية آلام المسيح وقيامته، جعلت هذه تنعكس عليهم في تذكار يحمل معاني العيد. فنتصاعد من الاحتفال إلى رؤية ان محبة المخلّص لنا تجلّت بصَلبه، ونفهم ان حريتنا أتت من الجلجلة وان مجد العالم وقوّته أتيا من موت المعلّم.

          نحن لا نستعمل صليبا عاريا من المسيح كما يفعل البعض. شرط تكريمنا الصليب أن يكون السيد مرسوما عليه ليصبح ايقونةً بل ايقونة الايقونات. عندما نقوم بإشارة الصليب علينا او على جهات الدنيا الأربع بإيمان ووعي ودعاء، المهم ان نرفع الفكر إلى يسوع عندما نصلِّب وجوهنا فلا نكتفي بعلامة آليّة لا دعاء فيها. والمهم ان تأتي اشارة الصليب صحيحة، كاملة فنضع الأصابع على الجبين بصورة ملموسة والصدر والكتفين وذلك بشيء من التأنّي لا أن نقوم بإشارة مختصرة، متعبة.

          رتبة العيد المتّبعة اننا نضع الصليب على زهـور او رياحين في صينية محاطا بثلاث شموع مضاءة. الرمز الواضح ان الشموع الثلاث تشير إلى الثالوث وان الصليب الموضوع بينها يدلّ على أن خلاصنا انما تم بمشيئة الآب والابن والروح القدس معا ولو كان الموت عمل الابن وحده. والتقليد في توزيع الزهور على المؤمنين في نهاية المجدلة الكبرى في السَحَرية هو ان المؤمن يتقدم من الكاهن ويقبّل الصليب ويأخذ منه الزهرة للدلالة على ان الفرح أتى إلى العالم بموت المخلّص. نرجو هذا الفرح اذ نقول: «يا صليب الرب المشُوق اليه من العالم أَطلع اشعة نعمتك الباعثة الضياء في أفئدة مكرّميك ومصافحيك بمحبة إلهية» (صلاة المساء).

          هنا ايضا يتأكد ان الصليب عندنا ليس أداة حزن بل أداة فرح. المعلَّق على الخشبة هو رب المجد. هذا الأحد الثالث يبدو هكذا قفزة إلى الفصح.

          امام الفصح نفهم اننا في مشروع مصالحة مع الله، أن الكون كله بأربعة اطرافه مدعوّ إلى المصالحة. الصليب قد صار مركزا لدائرة الكون ومحور الأشياء كلها.

          تطبيقيا، المسيحي مدعوّ ان يحمل صليبه كل يوم. «يجب ان تكون مصلوبا مع المصلوب حتى تتمجد مع الذي هو في المجد». عندما نتّجه بعمق إلى الصليب يعني ان نَقبل ان تكون حياتنا كلها مصلوبة بحيث لا تبلغها خطيئة. كل الأشياء الحسية فينا تحتاج إلى ان تعبر بالمصلوبية لتبقى حواسنا وأفكارنا كلها مشدودة إلى المسيح، وهكذا يكون الصوم مفعّلا فينا طوال حياتنا. ان أخذنا الرياحين أو الزهر من بعد تقبيل الصليب يجعلنا تحت نير المسيح بفرح. ليس المسيح قامعا لنا مثل دركيّ نخشاه. اننا نحب ما يأمرنا به. «ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب». ان الذين عرفوا محبة الله لهم بيسوع المسيح لا يلازمهم الخوف القديم ولا يطمحون إلى مكافأة. يكفيهم وجه يسوع ويفهمون انه يربيهم بالآلام وانها افتقاد رحمته.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أنستاسيوس/ الأحد 26 آذار 2000/العدد 13

بوركت هذه الأبرشية يوم الثلاثاء في الـ14 من آذار بزيارة السيد أنستاسيوس (يانولاتوس) رئيس اساقفة ألبانيا لها. اجل، أتت في سياق زيارة غبطته للكرسي الأنطاكي. غير ان غبطة السيد أنستاسيوس أكرمَ وخصّصَ لنا هذا اليوم حسب قلبه وحسب نشأته الاولى.

لعل سرّه انه يجيء من أخوية «الحياة» التي كانت نفحة التجدد الروحي منذ مفصل القرنين الماضيين. إحياء الناس بالكلمة المحيية مقتبَسة من الإنجيل ومبشرا به بكل وسائل التبليغ. والأخوية هذه، بعناصرها الفتيّة، انعطفت على حركات الشباب في اليونان. وهكذا عرفنا الرجل. رؤيته كنيسة الغد في انبعاثها وانفتاحها كانت رؤيتنا. وهذا ما جعله رسولا كبيرا وأسقفا كبيرا. ما من شك ان تعليمه في الجامعة ساعده على توضيح فكره ودعمه ولاسيما انه كان أستاذ الأديان بما فيها الإسلام. ولكن الروح الذي فيه هو الذي سيَّر الكنيسة الألبانية في السنوات التسع الأخيرة.

لقد نهض بكنيسة ألبانيا من صحراء كاملة (لا عمران، لا كنيسة واحدة) إلى وجودٍ لها ظاهر، فاعل. اتكأ على الايمان المحفوظ في الصدور اثناء اضطهاد ليس مثله في الفتك، اضطهاد محا كل معالم المسيحية ولم يفعل مثله نظام شبيه. تحدّى كل ذلك ولم يكن في يديه فلس، وكشف للعالم اجمع ان اهل المعرفة قادرون بقوة الروح وبعض الفطنة ان يقوموا هم ايضا بالعمران.

كل الذين استقبلوه أحسّوا بأن النعمة منسكبة على شفتيه وانها هي التي تبديه رئيس كهنة عظيما. وطئ ارضنا في دير سيدة كفتون. ولعل اهم ما شاهدنا فيه -وهذا في كل مَعْلَم من معالمنا- دخوله الى الهيكل وجثوه عند المائدة التي كان يلامس كل مرة بهامته كأنه يتكوّن منها. كانت هديّتنا اليه ايقونة القديس يوسف الدمشقي لنقول له ان وحدتنا في كل الكنائس هي وحدة الشهادة واننا متنا هنا لتحيا الأجيال بمن مات حبّا. وأخذ يشرح لنا كيف تمّت محاولة القضاء على المسيح في بلاده، ولكنه انبعث من تحت أنقاض التاريخ البشع لتُجدِّد ارثوذكسية ألبانيا شبابها كالنسر.

تناولنا طعام الغداء في دير سيدة النورية. فكانت له مشاهدة سريعة في الديرين لخبرة الرهبانية عندنا اذ جمعنا حوله رؤساء الأديرة كلها مع إخوة لهم. بعد الظهر زرنا بعض قرى الجبل المهجّر، وهناك رأى ان ما ذقناه من اوجاع شبيه بما ذاقه ابناؤه. في كل من البحمدونين والمنصورية وعاليه احتفى به المؤمنون. صلّى وأَنشدْنا وخَطَب فينا. لم يقل مرة: «بنيتُ وأسستُ» وما إلى ذلك. كان ينسب كل شيء إلى النعمة الإلهية.

كان لي فيما كنت أرافقه ان أعرف حكمته في الرعاية ومواجهته للصعاب. كنا أطلعناكم في «رعيتي» عن اهتمامه بالألبان المسلمين المهجَّرين من كوسوفو إلى ألبانيا. كنيسة فقيرة مثل كنيسته تجمع مالا من الدنيا لتحتضن مشردين ليسوا على ديانتها وليست على اليسر الذي يؤهلها للإحسان. مع ذلك كان المسيح يريد منا المشاركة.

آخر المطاف كان زيارة غبطته لكنيسة السيدة في منصورية المتن. كانت صلاة النوم الكبرى قد انتهت وكان الرجل متعبا للغاية. دخل دخول الملوك في جمهور من المصلّين أتوا من البلدة والقرى المجاورة. أَحسستُ ان الحماسة هنا قد ارتفعت والخشوع كان باديا. جوقة الأبرشية رأت انه يحلو ان تنشد «المسيح قام» فأنشدنا، ورتل هو ورفقاؤه طروبارية الفصح بلغتهم.

بعد العشاء وقفنا ولم نغادر الترتيل الفصحي، وهكذا بلا تحليل قفزنا الى الفصح لنقول لأنفسنا وللآخرين ان المؤمنين يستجيبون بعضهم لبعض بحب ذاك الذي قام من بين الأموات، وانهم يريدون فصحه الأبدي قيامة لكل الكنيسة.

Continue reading