Category

2000

2000, مقالات, نشرة رعيتي

التجلّي/ 6 آب 2000/ العدد 32

أحببتُ هذه السنة أن أُحْيي العيد في الجبل المهجَّر، في بخشتيه من قضاء عاليه في صلاة الغروب وفي محطة بحمدون لكون كنيستيهما مخصصتين لتجلي الرب وقد قامت كل منهما مع مجمَّع مكمّل للعمل الرعائي بعد جهود المؤمنين وسخائهم وإصرارهم على انهم يحبّون المخلّص في تجلّيه على الجبل، وكأن صلاتنا في هاتين الرعيتين دعوة إلى تبلور النفس في ضوء يسوع. على المنقلب الآخر من الجبل تنتصب كنيسة التجلي في ضهور الشوير وقد ازدادت رونقا رمزا لإرادة أهاليها في أن يجملوا في المسيح.

          ثلاث كنائس في هذه الأبرشية سُمّيت باسم المخلّص للدلالة على ان آباءنا طلبوا المسيح وحده في دنياهم وما طلبوا مجد العالم. وكنا في الأحد السابق نكرّس كنيسة القديس جاورجيوس في بحمدون الضيعة بعد ان جدد لهب البحمدونيين تقواهم وشادوا في حماسة كبيرة معبد الشهيد العظيم. وكنا قبلا أقمنا عيد النبي الياس في منصورية بحمدون العظيمة الغيرة وتعددت فيها مجالات حياة رعائية مكتملة (قاعة كبيرة، بيت للكاهن، ساحة كبيرة). وسوف تتعاقب الاحتفالات في بسرّين وبطلّون في هذا الصيف اذا الله رعانا بعد أن قطعنا شوطا كبيرا في البناء في الرجمة وعين الجديدة، فيكتمل خط العبادة عندنا انطلاقا من مدينة عاليه التي صارت كنيستها جذابة النسق وحولها مسكن الكاهن والقاعة الكبرى. فيعود الجبل هكذا وعدًا بمستقبل روحي نرجوه خصبا في الشهادة والمعرفة.

          المؤمنون عندنا أبدوا بحماستهم وشجاعتهم أن همّهم هو الكلمة الإلهية مقولةً بفرح العبادة. وفي إسراعهم إلى بناء هياكلهم قالوا ان الشيء المهم هو الثالوث الالهي ساكنًا فيهم. وبات ملحوظا انهم يحسّون بأنفسهم واحدا مع الأبرشية وفي قلب الله. ويدرك المراقب ان الإقبال على الرب ولا سيما اذا اقترن بالعلم الروحي ينشئ في النفس توبة، وهي الكفيلة بأن تُضعف حدّة الخطايا، لأن ثمر هذا النشاط توحيد القلوب الذي نقلَنا من عائلات متفرقة إلى ان نكون عائلة الآب.

          لقد تجلّى السيد ليتجلّى أحباؤه، لكي يبصروه مضيئا كالشمس مثلما أبصره بطرس ويعقوب ويوحنا هؤلاء الأعمدة. لقد استضاء يسوع امام أعين تلاميذه بالنور الإلهي الذي فيه فعاينوا مجده بمعنى انهم هم أيضا تحوّلوا إلى النور. رأوه «بقدرِ ما استطاعوا» كما تقول الأنشودة لتدل ان كُلاّ منّا -على حسب استعداده- يرى المخلّص. المهم ان نتحرك اليه. واذا صارت ثيابه بيضاء كالثلج فلكي تصير كل أعمالنا نحن أيضا بيضاء. فكما من داخل يسوع بدا النور عليه وعلى ما كان يرتديه، هكذا يكون هنا النور عينه في كلمتنا وصلاتنا وعائلتنا وسلوكنا. وكما استمدّ ايليا وموسى من نور المسيح لأنهما كانا معه، يستمدّ كل مَن كان حولنا النقاوة التي تكون فينا. التجلّي حصل مرة ليستمر إلى الأبد في أحباء يسوع. الانتقال الدائم إلى المسيح هذه هي غاية الحياة.

          من اللافت في حادثة التجلّي ان النبيين كانا يتكلمان مع يسوع عن آلامه كما يروي لوقا. المعنى العميق لهذا الكلام ان مجد المسيح على ثابور كان عابرا وان مجده الكامل في الجسد كان على الصليب. تمجيد كل منا، ارتقاؤه الروحي لا يكون الا اذا أنكر نفسه وحمل صليبه وسار وراء المعلّم.

          لا نعرف كيف ستكون حياتنا في لبنان في السنوات الآتية. منذ الآن هي صعبة بعد ان صار بلدنا فقيرا جدا. لا يعلم احد متى سننجو من الضائقة. لا يعلم أحد اذا كان هذا الشرق صائرا إلى سلام حقيقي. هذا ما نصلّي من اجله. الانسان في ضيق اليوم أو غدا. كل منا تعتريه أوجاع في جسده أو في نفسه، في بيته، مع الناس.

          إزاء هذا يعرف المؤمن أنه يتغلب على الصعاب، أنه سيسلم بالمسيح المتجلّي فيه. يعرف ان الصعاب طريقنا إلى المجد. هذا ما تقوله اليوم كنائس الجبل لمحبّي يسوع.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

النائب/ 23 تموز 2000/ العدد 30

أخلاقيا، هل يجب ان تنتخب؟ في الديموقراطيات الراقية حيث يجري الانتخاب بلا ضغط ولا رشوة يتحتم عليك ان تنتخب لأن في ذلك منفعة البلد. في بلدان العالم الثالث كلبنان حيث يضيق مجال حريتك وحيث تَبيَّنَ انك لا تؤثّر كثيرا أو قليلا، قد تتساءل اذا كان الضمير يحتّم عليك ان تشارك في الاقتراع. اي انك تقترع في ظرف سياسي معيّن عليك انت ان تقدّر اذا كنت فيه نافعا. انا مواطن مثلك ولا اوجهك في هذه الأمور، وغالبا ما تفهم انت امر السياسة اكثر مني. المهم ألاّ يستقيل فكرك، وألاّ تهرب من محاكمة الأمور، وان تقرر على ضوء وجدانك من جهة، وعلى ضوء تحليلك السياسي من جهة.

          هناك بعض إرشادات عامة انت مرتبط بها اخلاقيا. اذا رأيت مرشّحا يحاول إرشاءك، فواجبك الأخلاقي ان تبتعد عنه، لأن مَن حاول استمالتك بهذه الطريقة الرخيصة تصبح الرشوة نظاما عقليا له ونظام سلوك في الدولة. واذا وعدك في الماضي وما وفى، أعرض عنه، لأن من كذب مرة يكذب هذه المرة أيضا. الإرشاد الثاني ان الأخلاق الأساسية يجب ان تتوفر ليس فقط بالمرشح الذي يتوسلك ولكن برفاق دربه أيضا. فاذا لم يَرُقْكَ واحد من هؤلاء، فليس ضميرك مرتبطا بكل اللائحة. اعضاء اللائحة سيضغطون عليك لتُلقي كل الأسماء. انت حليف من كان حليف ضميرك وقناعاتك.

          إلى هذا نحن في بلدٍ القليلُ من مرشحيه له برنامج مفصَّل في كل المجالات التي تغطّيها الوزارات. أي الأصل ان تأتيك لائحة وتضع ليس فقط عناوين عامة أو أمنية ولكن برنامجا مفصلا. هذا قليل جدا توافُرُه في بلدنا. والانتخاب عندنا يقوم على أساس مودّات شخصية أو عائلية، أو نرى هذا ظريفا وذاك غليظا. نحن لا نزال بلدا انفصاليا يتأثر احدنا بصداقاته ولم يبلغ بعد مرحلة امتحان كل شيء والتمسُّك بالأفضل كما يدعونا إلى ذلك بولس. لعبة الترشيح اساسا محاولة تأثير على العواطف، وقليل فيها التأثير على العقل.

          بعامة اذًا الوضع الذي كنا فيه سيتكرر. الوجوه هي اياها. وبعامة أيضا الفرق بين المرشحين فرق اخلاقي. وقد يكون هذا واعدا والزمن الذي يفصلنا عن الموعد قصير جدا لن تُقدَّم فيه برامج بالمعنى الصحيح. وفي اكثر الأماكن ليس من فرق بين سياسة هذه اللائحة وسياسة تلك. وفي ترجيح الأكثرين انه ليس من فروق كثيرة في السياسة الداخلية. فالمعارضون انفسهم موالون، والموالون احيانا معارضون. الفرق بين المرشحين كلاميّ في كثرة من الأحايين. اما في السياسة الخارجية فليس من فرق حقيقي بين فريق وفريق، والذي يأتي بهذا هو اياه الذي يأتي بذاك، وتتعدد اللوائح للمحافظة على ظاهر الديموقراطية. وهكذا نرى الوضع وضع تكرار واجترار وعودة العتيق إلى العتيق.

          خلاصة هذا التأمل ان هناك فرقا أخلاقيا بين اشخاص، أو فرقا في الفهم بين اشخاص، وليس من اختلاف كبير بين لائحة ولائحة أو التزام والتزام، وكأنه لم يبق عليك الا ان تختار أهون الشرين.

          انا، اسقفا، ليس عندي موقف رسمي في مناطقنا. وليس من تقاليد الرعاة عندنا ان يفكروا في السياسة العملية عوضا عن ابنائهم. اصنعْ اذًا ما شئت. ولكن ان رأيت نورا في مرشح ورأيت ظلاما في الآخر، فلا تتردد في ان تكون اقرب إلى الذي عنده نور.

واذا احسست ان هذا اكثر إخلاصا للبلد من ذاك او اعظم فهما، فخذ موقفا. تمسك بالأمل ولو ضعيفا خشية ان يصل بسبب من حيارك من كان اقرب إلى الظلام. وقد يبدأ لك تقويم الاعوجاج من بعد الانتخابات. بسبب من بريق الأمل هذا، يبدو لي أنّ انخراطك في العملية الانتخابية اقرب إلى قلب الله من إحجامك. القليل من الأمل افضل من التقاعس عن كل شيء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

آداب الأعراس/ 16 تموز 2000/ العدد29

الزواج سر يتم في الكنيسة وهيبتها وقدسيتها، وليس الاكليل الذي يقام هو نفسه حفلة الكوكتيل التي تتبعه. وليس ما يفرض ان الكوكتيل نفسه مكان لعرض الأزياء المغالية في قلة الحشمة. فالمرأة التقية محتشمة في كل مكان وفي الكنيسة اولاً. والمرأة الحضارية في الغرب تظهر بالزي العاري في الحفلات وليس في المعابد. والإكليل قديما كان يجري في القداس، وهذا ليس فيه احتمال للعراء. كل هذا مشوِّه لصورة المرأة. وفي الحركة النسائية المعاصرة، هي تحتج ان الاعلانات في الشوارع والتلفزيون تعتبرها سلعة. وتغضب ان يُنظر اليها كذلك. ولكن مَن أرغمها أن تجعل نفسها سلعة في الأكاليل؟

          للعيون حرمة. والعري اقتحام الآخرين في عفّتهم. وفي هذا نحن لا نقلّد الأوربيات لأنهن في الأعراس أكثر تأدبا من كثير من اللبنانيات. هذا تحرُّش في الرجال صارخ ومعيب. هذه المرأة الخارقة لكل القواعد ليست في حالة صلاة، والعرس صلاة وليس مجرد احتفال دنيوي بفرح عريس وعروس. هو فرح في الإيمان.

          الإساءة الأخرى هي هذا الإكثار المزعج من التصوير الذي يعرقل أداء الصلاة. والمصوِّر يطلب من الكاهن احيانا ان يغيّر موضعه، ويجعل العروس تحت إمرته عند وصولها الى عتبة الكنيسة، فيستغرق دخولها ما لا يقل عن عشر دقائق او ربع ساعة، وكثيرا ما تتأخر عن الوصول، الأمر الذي يعرقل حياة الكاهن الذي قد يكون مرتبطا بواجب آخر. هذا غنج بغير محله. هذا اذا ارتضينا مكرهين بكل مسرحية التصوير لسر من اسرار الكنيسة الذي يجري في الأبدية وفي عقل الله ويعيشه العروسان بعد الإكليل حياة بارة. ويبدو لي أحيانا ان الأزواج تسعى إلى تجميد الإكليل في صُوَرٍ يتعزَّون بها عن فشلهم في الحياة المشتركة اللاحقة.

          ونرى احيانا -ولو قليلا- التصفيق والزغاريد لنقع في الفولكلور الكامل، كأن الفرح العميق بالعروسين لا يكفي ويجب ان يكتمل بالتهييص.

          غير ان الآداب تبدأ ببطاقات الدعوة التي يُنفَق عليها كثيرا في نوعيتها واستئجار خطاط وما الى ذلك من إنفاق لا ضرورة له. ولا ينتهي اختراق الحشمة بذلك. فهناك حفلة الاستقبال التي تتراوح بين كوكتيل بسيط وحفلة عشاء مصروفها عدة آلاف او عشرات الآلاف من الدولارات، وذلك كله باطل. مصاريف لا فائدة منها والناس جياع. والمدعوون يستطيعون ان يأكلوا ويشربوا في بيوتهم بعد ضيافة بسيطة في دار الكنيسة.

          ويكتمل هذا بشهر عسل يكلف احيانا الشيء الكثير لعروسين فقيرين او متوسطي الحال. كل هذه المؤسسة التي اسمها «شهر العسل» لا معنى ولا فائدة منها. واذا كان لا مفرّ منها بسبب من الضغط الاجتماعي فلتكن متواضعة لا تخل بالميزانية.

          هذه اشياء متكاملة تحتاج الى انتباه وتعقل وربما الى بعض من شجاعة. فلتكن اعراسنا بسيطة للغاية، مركَّزة على الخشوع وكثافة الصلاة. وليوارِ كُلاًّ منا مأواه مباشرة ويستلم بيته فورا ويقضي الايام الاولى في بيته. واذا أحبَّ السفر يوما فهذا له في كل عمره.

          العرس خلوة انسانية، عميقة بين شخصين، وليست مناسبة انفلاش في الطعام والشراب والرقص واستعراض سيارات وتزميرها وتكبُّر اجتماعي او استعراض غنى او جمال. الزواج رجـوع الى اللـه وليـس فيه ضجـة. فيـه لطف كثير وهـدوء لكـونـه اقترانا بالمسيح اولا.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الله والمال/ 9 تموز 2000/ العدد 28

«لا يستطيع أحد أن يعبد ربَّين» (متى 6: 24). هذا يعيدنا إلى أن الرب في العهد القديم يسمّي نفسه إلهًا غيورًا لا يحتمل أن تُشرِك به معبودا آخر. كل معبود آخر صنما كان أَم شهوة يخلخل عبادتك للإله الواحد الذي وحده يجعلك كيانا موحَّدا لا تَبَعثُر فيه ولا تَفتُّت ولا ثنائية. وبهذا المعنى أكد بولس بقوله: «لا إله إلا الله الأحد» (1كورنثوس 8: 4).

          ينتج من هذه الوصية قول السيد: «لا تهتمّوا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون». لا تهتمّوا تعني لا يكن فكركم منشغلا بالطعام والشراب، لا تكونوا مأسورين لهما بحيث لا يأسركم الله.

          قد يزيَّن لقارئ الإنجيل للوهلة الأولى أن ما يدعونا يسوع إليه أن نهمل السعي إلى النشاط في سبيل المعيشة في المهنة. هذا تفسير مغلوط لأن الرسول يقول: «إن كان أحد لا يشتغل فلا يأكل أيضًا» (2تسالونيكي 3: 10). الدعوة إلى العمل تفترض سعيا حسب الوضع الاقتصادي الذي نحن فيه. والاقتصاد الحاضر يتضمّن اهتماما حثيثا بأمور الأنا بما فيها الادّخار وفتح حساب في المصارف والقيام بمشاريع منتجة.

          هذا يبدو مناقضا لمَثَل الإنسان الغني الذي أَخصبَتْ أرضه وقال: «أَهدمُ أهرائي وأَبني أكبر منها». فقال له الرب: «في هذه الليلة تُطلَب نفسُك منك، فهذه التي أَعددتَها لمن تكون؟». المأخذ الحقيقي للسيد على هذا الغني لم يكن أنه بنى خزائن للقمح جديدة، ولكن أن نفسه انهمكت بالغنى وأحبّته. ودليل ذلك أن توبيخ المعلّم لَخَّصَته الآية القائلة: «فهكذا مَن يدّخر لنفسه ولا يستغني بالله». خطيئة الرجل أنه اغترّ بالمال واستغنى عن الغنى الروحي الذي يأتيه من الله.

          يسوع لم يكن من حيث المبدأ ضد الادخار في ذاك الاقتصاد الزراعي البسيط في فلسطين، ولكن ضد الخطر الروحي الذي كان ناجما عنه. كذلك ليس الرب ضد توسيع الثروة في الحياة الاقتصادية الحالية، ولكنه ضد استعباد الانسان نفسه لهذه الحياة الاقتصادية.

          لذلك أكد الرب: «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وهذا كله يُزاد لكم». الأوّلية إذًا لملكوت الله بمعنى أن الملكوت إذا ساد في قلوبكم فلن يدخل المال إليها. المال يوضع في جيوبكم أو في صناديقكم أو في المصارف، ولكن لا علاقة له بالقلب لأن كل ما يودع القلب يملأ كل القلب. فإذا ملأه الرب كليا لا يبقى مكان لشيء آخر. كذلك تعلُّقكم بالبشر إذا صار عبادة لهؤلاء البشر يكون عبودية لهم. يصبحون عليكم آلهة.

          ليس المجال هنا للاستفاضة بالحديث عن خطر المال. ذلك انه يولّد حتمًا تسلّطًا على الناس. تعبدون، إذ ذاك، قُدرتَكم عليهم وتحكُّمكم فيهم. وهذا أسوأ الشرور. أن تطهر من كل شهوة الأشياء ومن اشتهاء البشر في استعبادهم، بذلك تقضي على هذه الخطيئة الكبرى. الناس في حياتكم وليسوا حياتكم. كذلك أشياء هذه الدنيا. تَيَقَّظوا حتى تجعلوا الله وحده حياتكم.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء المخلَّع/ 30 تموز 2000/ العدد 31

بعد ان اجتاز يسوع البحيرة جاء إلى مدينته كفرناحوم (متى 9: 1-8). فقدّم إليه بعض القوم مخلّعا أو مفلوجًا مُلقى على فراش من القشّ أو طرّاحة خفيفة. لا يسأل السيد هؤلاء الناس شيئا. يتوجّه إلى المريض ويقول له: «ثق يا بنيّ» أو تشجّع، وتوًا يتابع: «مغفورة لك خطاياك». أصدقاؤه ما أتوا لهذا. المسيح يذهب إلى غايته هو، إلى ما يحتاج اليه هذا المُقعد في العمق. يريد له شفاء روحيا يكون أعظم من الشفاء الجسدي. الرجل كان خاليًا من الأمل وخاليًا من القدرة. ربما كان ضعيف الإيمان. لا يقول الإنجيل ان خطيئته كانت سببًا لمرضه. ولكنه حتمًا خاطئ ككل منا وتلك هي المصيبة. لذلك وجب أن يخلص اولاً من مصيبته الكبرى، ويجب أن نتعلّم نحن ان المعصية هي الكارثة التي لا بعدها كارثة.

          يسوع في رقّته يسمّي هذا المريض: يا بنيّ، ولا شيء يدل على انه كان فتيًا. ربما كان أكبر سنًّا من السيد. لعل الكتاب هنا يوحي بأن كل مريض تشمله أُبوّة الله بنوع خاص. انوجَدَ حول المعلّم كتبة، والكتبة كان عملهم ان ينسخوا التوراة لأن الطباعة لم تكن. وبحكم خطّهم للعهد القديم كانوا يتعلّمونه. اتّهموا السيد بالتجديف. فإعلان الغفران للخطايا أمرٌ كان مجهولاً في شعب اليهود. الربّانيون، وهُم معلّمو الناموس، ما كانوا يمارسون غفران الخطايا للآخرين. ولم يقل أدبهم ان المسيح الذي كانوا ينتظرون له هذا الامتياز. كيف ينسب اذًا المعلم الجديد إلى نفسه هذه القدرة؟

          عند ذاك قال لهم الرب: «أيمُّا أيسر، أن يقال: مغفـورة لك خطاياك، أَمْ أن يقـال: قم وامش؟». طبعًا الأيسر أن يقول الانسان ما يريد أن يقول. له أن يقول مغفورة لك خطاياك ولا أحد يثبت هذا أو يدحضه. ولكن أن يقول: قم وامش يعرّض صاحب القول إلى الخذلان. يشفي يسوعُ المريض ويُثْبِت بذلك انه كان على حق لما قال له: مغفورة لك خطاياك. قوة الله اذًا هي حالّة في يسوع. يقوم هو بوظيفة الغفران المختصّة بالله. مَن يكون اذًا هذا؟

          المسيح يؤكد أن لابنِ الانسان (اي هو) سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا. سلطانه يأتيه من السماء. سيقول في إنجيل يوحنا ان سلطانه هذا من الآب. «كل ما هو لي فهو لك. وما هو لك فهو لي» (17: 10). بعد إعلان الغفران للمُقعد، يأمره يسوع أن يحمل فراشه ويذهب إلى بيته. الآن هو خالص روحيًا وجسديًا.

          ما يتّضح من هذه الأعجوبة ومن مجموعة عجائب في متى أن إيمان الانسان بيسوع يستدعي عطفه عليه. هؤلاء القوم آمنوا بالسيد. العطف جاء على انسان آخر، على المفلوج. بسببِ التماسك القائم بين البشر يكون إيمان المؤمن نافعًا لسواه. كذلك نسأل الله من أجل الآخر فتنزل عليه نعمة صلاتنا. هذا هو التعاضد في جسد المسيح الذي نحن أعضاؤه معًا. المؤمنون يحملون الدنيا كلها ويحفظونها.

          لعلّ من اهمّ العبَر نستمدّها من هذا النصّ الإنجيليّ أن نقتنع أن أمورنا الروحية أهمّ من أوضاعنا الصحية. يجب الاهتمام بها، ولكن الأهم أن نطلب العافية الروحية. ذلك أنك إن قويتَ روحيا لا تبقى في أَسْر جسدك. أن تحزن على نفسك البائسة في خطيئتها أهم من أن تحزن على مرض اعتراك. اذا أَدركتَ هذا، تكون قد وصلت إلى رؤية الله للأشياء. أن يكون فيك فكر الله لتعقل وجودك به فترتّبه وفق الفكر الإلهي، هذا هدف حياتك. ولكن هذا لا يحصل الا إذا رأيتَ نفسك معوقًا من الناحية الروحية. بعد اقتناعك بعجزك تقدر أن ترتمي على الرب فيهبك كل شيء وتطمئن.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

بداءة الدعوة/ 2 تموز 2000/ العدد 13

دعوة التلاميذ الاولين متشابهة جدا -تكاد تكون حرفيا- في الأناجيل الإزائية اي الثلاثة الاولى. ففيما كان السيد ماشيا على شاطئ بحر الجليل، وهو بحيرة طبرية، دعا بطرس واندراوس أخاه فيما كانا يلقيان شبكة في البحر (متى 4: 18-23). دعاهما ان يتبعاه فورا ليجعلهما صيادَي ناسٍ اي زارعين للكلمة بغية جمع البشر حول المسيح.

          السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو بأية قوة يدعو، وما الدافع عند الرسولين كي يتركا كل شيء ويسيرا وراء المعلم؟ لقد قيل مرة في الإنجيل: «لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان» (يوحنا 7: 46). كان جذب في ناسوته عجيب، وداعة وقوة بآن. كان يحمل إلى الناس لغة جديدة، حرارة لم يألفوها عند الفريسيين الذين كانوا يكلّمون الناس على شرائع موسى والأحكام الإضافية التي تحميها. هذا كان عنده رحمة ورفق ورأفة بالخطأة. والذين قساهم المجتمع المتديّن المتعصب كان المعلّم الجليلي يلملمهم. ما كانوا يُحسّون عُلوّه استعلاء وإدانة لهم. وما كانوا يُحسّون عنده انهم رعاع كما يسمّيهم الفريسيون.

          إلى جانب الجمالات الروحية التي كان يتحلّى بها، كانوا يستمعون اليه «في مجامع اليهودية» اي في تلك القاعات التي كانوا يجتمعون فيها في السبوت. إلى جانب هذا اتخذ شاطئ البحيرة مكانا للتبشير في الهواء الطلق كما يبدو في مطلع لوقا 5 اي ان دعوته لأندراوس وبطرس لم تكن عند هذين بدءا مطلقا. لقد مهّد لها. غير انه نقل، هذه المرة، كلامه من نداء عام إلى نداء خاص. اراد هذين له شخصيا. الرب ترك لنا الإنجيل يدعونا فيه. ولكن تنقدح لحظة ينزل فيها علينا الروح القدس ليخصّصنا بالكلام المرسَل إلى الكل. أو يحصل التلاقي في صلاة أو ترتيلة نكون قد سمعناها مئات من المرات بالأذن وما كان بين الأذن والقلب عبور. فاذا تنزّلت الكلمة على القلب يتصور فيه المسيح ونعي حضوره. هذا هو الاغتسال بالروح. ربما انشددنا آنذاك إلى الرب انشدادا كليا لا رجوع عنه.

          هذا ما حصل للتلميذين الأوّلَين. تركا للتوّ شباكهما اي ما كانا يعيشان منه والتحقا بالمعلم. هما كانا مأخوذين بأشيائهما كالسمك في الشبكة. لم يبق بينهم وبين يسوع حاجز. هذه هي الهداية. القلب متعلّق به وحده الآن. ليس مرتبكا بشيء آخر. نقول عند ذاك للسيد: «مكانُكَ في القلب هو القلبُ كله».

          ما حصل ليعقوب بن زبدى ويوحنا أخيه من بعد دعوته انهما تركا للوقت كما الأَوّلان. لم يتحيّر الأربعة بين هاجس المعيشة والذهاب وراء يسوع الذي لم يكن لديه ضمان لمعيشة. ليس عنده مهنة. الاربعة لم يتساءلوا كيف يَحيون هم وعيالهم. كان بطرس ويوحنا تركا الشباك فقط. اما يوحنا ويعقوب فتركا اباهما ايضا وهو أهم. اهتداؤنا نحن المسيحيين الحقيقي، الصادق يتطلب احيانا كثيرا أن ننفصل عن اصدقاء وعن بعض الأهل. وهذا شيء مؤلم. ذلك ان الأقربين يحاربوننا -ولو كانوا ظاهريا في الكنيسة- اذا لاحظوا ان تَقوانا اشتدت. ولكن إلى اين نذهب؟ نحن نعرف ان الحياة الأبدية عنده.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/ 25 حزيران 2000/ العدد 26

فجّر الروح القدس طاقة الكنيسة على القداسة وهو الذي يُنشئ فيها القديسين. لذلك رأى آباؤنا أن تُخصّص لذِكْر القديسين جميعا ومجموعين الأحدَ الواقع بعد نزول الروح القدس على الجماعة الرسولية.

          في كتابات العهد الجديد كل مسيحيّ معمَّد قديس ليس بمعنى أنه كامل ولكن بمعنى أنه صار مخصَّصا للرب بمعموديته. في مرحلة أخرى سَمّينا قديسين أولئك الذين أَثبتوا بشهادتهم أنهم لا يخصّون أنفسهم ومنافعهم في الأرض. فأخذت الكنيسة تلحظ أولا أن كل شهيد قديس لأنه قدّم حياته للمسيح ودمه شاهد على حبه. ثم رأت أن بعض الرهبان الكبار كانت طهارتهم شهادة عوض الدم. كذلك أَدركت أن المعلّمين الكبار الذين دافعوا عن الإيمان الأرثوذكسي وشرحوه واضطُهد بعضهم من أجله، وكانوا على سموّ روحيّ كبير، إنما يمكن اعتبارهم قديسين.

          كَشْفُ هذه القداسة للناس كان يأتي في أكثر الأحيان من جمهور المؤمنين في هذا البلد او ذاك، فكان نوع من الإعلان العام يبدأ تلقائيا وتُرسَم للقديس أيقونة وتذيع الرئاسة الروحية اسمه وتؤلّف لتكريمه صلوات في خدمة الغروب وخدمة السَحَر. حركة تلقائية شعبية حتى انتظم إجراء رسميّ يُدعى تطويبا او إعلان قداسة بحيث يدرس المجمع المقدس سِيْرة مَن اشتهر بالتقوى واحيانا بالعجائب (هذا ليس شرطا في كنيستنا) ثم يُتّخذ قرار رسمي في المجمع بتطويب هذا الانسان. هكذا جرت الامور لما أَعلَنّا قداسة يوسف الدمشقي مؤخرا.

          في القديم، عن طريق نَسْخ المخطوطات وترجمتها وشيوعها، كانت كل كنيسة محلية تستلم كُتُبَ الصلاة من القسطنطينية بالدرجة الأولى. فمَن كان مطوَّبا فيها يُؤدّى له الإكرام في كل كنيسةٍ تَرجمتِ الكتبَ من اليونانية. ولكن إلى جانب هذا كانت كل بطريركية تقيم قديسيها المحليين. فالكنيسة الروسية مثلا لها قديسوها لا تقام لهم أعياد في غيرها. كذلك نحن عندنا عدد لا يُستهان به من القديسين الأنطاكيين لا يكرَّمون في بطريركيات اخرى. ولكن لا شيء يمنع أن تتبنّى كنيسة -بقرار- قديسين مِن بطريركية اخرى. وعلى صعيد خاص لا شيء يَمنع مثلا أن نتبنّى نحن قديسا روسيًا أو يونانيًا أو صربيًا. يكفي أن نترجم الصلوات المخصَّصة له وأن نُقِيمها ببركة المطران المحلّي.

          الجميل في كنيستنا الصداقة التي بين كل واحد منا و«قديسيه». فهذا له صِلة وجدانية او عاطفية أكثر مع مار انطونيوس، وذاك مع جاورجيوس او النبي الياس. كلهم فوق مجموعون. الانتباه هو فقط إلى أن نعرف انهم يجيئون من المسيح وانه رأسهم، ولكن لا أهمية لهم إلاّ بقدر ما كانوا له خُدّاما.

          والانتباه الثاني أن القداسة هي المسعى الأول والأخير، وأن كل عبادتنا وخِدْمتنا الرعائية ووعظنا وعملنا الاجتماعي هدفها الوحيد تشويق المؤمنين إلى حب القداسة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الروح القدس/ 18 حزيران 2000/ العدد 25

كل اعياد السيد تُذكَرُ حَدَثًا: الميلاد، التجلّي، القيامة مثلا. اما الروح القدس فيُعيَّد له شخصيا وذلك في اليوم الذي يلي العنصرة. انه الأُقنوم الذي يتصل بنا مباشرة بالنعمة، وعند اتصاله يتصوَّر المسيح فينا، نكون واحدا مع المسيح وفي طريقنا إلى الآب.

          الروح الإلهي كان مع الآب قبل كون العالم وكان مستقرا في الابن الأزلي. وبفعله تجسَّدَ الابن في أحشاء البتول. ومنه جاءت كلمات الأنبياء. ولما مات السيد انطلق منه الروح إلى العالم. وحلَّ على التلاميذ مجتمعين في العِليَّة بعد القيامة وعلى كل تلميذ. وهو الذي قوَّى الشهداء ليشهدوا وجعل الناس قديسين وجعل الجماعة كنيسة اي امتدادا للمسيح.

          وبقوّته ننال المعمودية وبنزوله على الخبز والخمر يُحَولهما إلى جسد المسيح ودمه. ويختمنا بمسحة الميرون حتى نكون للمسيح فقط ولا نخصّ آخر. وعلى هذا المنوال يتمم الأسرار كلها.

          الكنيسة تطلب الروح القدس مجتمعة برئاسة الأسقف او الكاهن، والروح يُلَبيها بسبب وَعْد المسيح لها. ذلك اننا، مجتمعين، نطلب باسم المسيح والآب يستجيب لمسيحه المتكوِّن فينا ويُعطي كلَّ واحد منا الموهبة التي يريدها ويزرع فيه الفضيلة التي يحتاج اليها ويُنَجيه من الفساد الذي يهدده ويرتقي به ارتقاء لا حدَّ له.

          نحن لا نقدر ان نُصلّي إلاّ اذا نزل الروح القدس علينا. ولذلك نستهلّ كل خدمة إلهية بقولنا: «ايها الملك السماوي المعزّي روحُ الحق…». هذا الروح الإلهي فينا يجعلنا من عائلة الآب ويُمكّننا مِن أن نُسمّي الله «يا أُبيَّ» (بالدارج: يا بابا). فيصبح المؤمن ابنا مدلَلاً للآب اي له عليه دالة ويتصرف تصَرُفَ الابن في بيت أبيه لا تَصرُّف العبد عند مولاه.

          والروح لا يتركنا ان كنا ليسوع مخلِصين: «انه يقيم عندكم ويقيم فيكم» (يوحنا 14: 17). هذا في العهد الجديد. اما في العهد القديم فما قال الله مرة انه فينا. قال انه معنا. كلُّ معمَّد ممسوح بالميرون صار بيتَ الله. الله يجعل قلب كل منا مَقاما له بعد ان أمسى إله القلوب. الروح القدس هو سلام الله فينا. هو هدوؤنا وراحتنا ويرشدنا إلى جميع الحق.

          اجل، لقد جاءت الحقيقة بالمسيح وانكشفت لنا كاملة لما كان السيد في البَشَرة. ولا يزيد احد على كلام المسيح شيئا. يبقى انه علينا أن نَحفظ كلمته، أن نُطيعها. الروح هو الذي يُلهِمنا لإطاعة الكلمة. الروح القدس الذي قال عنه يسوع انه يُعَلِمنا كل شيء ويذَكِرنا جميع ما قاله لنا. ما عنى بذلك ان الروح يكشف لنا حقائق جديدة، ولكنه أراد ان الروح يُدخِل كلمات يسوع إلى القلب لتصبح ليس فقط تعاليم مكتوبة في كتاب ولكنها مُسَطَّرة على لوح القلب بحيث يصير كلٌّ منّا رسالة حيّة ليسوع. الروح هو الذي يَحفِر في العمق فتذوق انت جمالَ السيّد كما لم تكن تذوقُه قبلا، فتتجلّى لك معاني يسوع دائما بصورة أبهى وألصق بروحِك انت. من هنا تُبَيّن الفرق بين انسان جافّ وانسان حيّ ومشرق. الروح فاعل الإشراق فيك.

          الحماسة الروحية، الانصراف الكليّ للمسيح، النقاوة، الجرأة على قول الحق، الشهادة للرب بالكلام او بالدم، تلك هي الأشياء التي يُعطيها الروح. ما من حركة نحو الخير في نفس بشرية، ما من توبة صادقة، ما من تحرُّك جماعةٍ من اجل تجديد حياتنا، ما من انتفاضة في الكنيسة على الكسل والاسترخاء الا من عمل الروح.

          الويل لي ان لم أُصغِ إلى إلهامات الروح ولم أُطِعه. الويل لي ان جَفَفتُ ولم أُصبح نارا يَشتعلُ الكون بها.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

ما يجب أن نتذكره/ الأحد 11 حزيران 2000 / العدد 24

آسف ان أُذكّر بما لا ينبغي ان يُنسى. في اللاهوت الأرثوذكسي، الأبرشية هي الكنيسة المحلية، ورئيسها المطران، وهو يرئس تاليا كل الرعايا. الكاهن مندوب المطران في الرعية، والمذبح مذبح المطران، وينتدب لخدمته من يشاء من الكهنة. فهو مسؤول عن هذا الأمر حسب وجدانه وحكمته. للمؤمنين ان يناقشوا بعد التنفيذ، ويعود رئيس الكهنة أيضا إلى حكمته في صفاء ومحبة. العلاقة العضوية الكنسية هي بين المؤمن والأسقف في جماعة الإخوة. ما من شك ان بين الكاهن وأبناء رعيته علاقة أبوة وعاطفة جميلة. ولكن راعي الرعاة المحليين هو الذي أقامهم. فالبنوة في الدرجة الأولى هي للأسقف، وهي بنوة مباشرة بالروح القدس. هذا ما نفهمه من القانون الكنسي المبني على اللاهوت الأرثوذكسي وفهمنا للكنيسة.

          لهذا لا يطلب كاهن ولاية لنفسه على رعية معينة، ولا يلح علماني ان يدخل الكهنوت. قد يبدي رغبة في ذلك ولكن «لا يأخذ احد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله» (عبرانيين 5: 4). ذلك ان الكهنوت يعاش في الكنيسة وليس رغبة فردية تفرض نفسها. ففي الطاعة نتبرر وبها نتقدس. والمعروف في الدنيا ان «طالب الولاية لا يوَلّى».

          الأمر الثاني ان الرعية ليس لها استقلال مالي عن المطرانية. فالمعروف في القانون الكنسي ان الأسقف ولي الأوقاف، ومن أقامه الأسقف على الأوقاف محليا هو مندوبه أو وكيله. فلا يبقى على الوقف طوال حياته مهما كانت انجازاته عظيمة. فإن قانون البطريركية الأساسي أراد تداول المسؤولية بين الأجيال وان يتروض المؤمنون جميعا على الخدمة. واما ان يقول من أقيموا على الأوقاف ان من جاء بعدهم ليس عنده الكفاءة فيدخلنا في مناقشات لا حد لها وليس رئيس الكهنة كامل العلم بكل المؤمنين في أية قرية. وخبرة الإدارة المحلية للوقف هي التي تُظهر بعد فترة الصالح وغير الصالح. واما ان نقف في وجه من عيّنتهم المطرانية لأنهم لا يروقوننا او لاحتقارنا لمواهبهم فهذا يدخلنا في متاهات لا تنتهي.

          وفي هذا السياق ليس لمجلس حق تقريري. والأسقف يترك للمجلس حق التقرير أو يقيده أو ينقض المطران أي قرار يتخذه مجلس الرعية. هذا دوره استشاري وينظم الأمور العادية وينفق في حدود الموازنة التي تقرها المطرانية ولا ينشئ بناء جديدا أو ترميما ولا يقوم بإنفاق كبير الا بعد استشارة الرئيس الروحي. فراتب الكاهن مثلا يحدده المطران إذا شاء ويترك أمره للمجلس إذا شاء لأن هذا متعلق بالرعاية وتقدير الأسقف راتب الكاهن والشماس.

          المال ليس مال أحد. انه ملك الله. فالمجلس يفحص الأوضاع ويبدي رأيه فيها ويدرس وجوه الإنفاق ويوضع هذا كله في الموازنة. وإقرار المطران للموازنة -كما هو وارد في القانون عندنا- هو الدليل الأكبر على ان المجلس يتقدم باقتراحات ولا يتخذ قرارات نهائية.

          واما ادعاء البعض انهم أحرار بالمال الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم فالواقع في هذه الأبرشية ان بعض القرى فيها وقف وأكثرها ليس عندها وقف وتعيش على تبرعات المؤمنين. والأمر الثاني ان الآباء والأجداد عندما وقفوا من أرزاقهم قد حرموا منها الورثة ملكا وحرموهم منها إدارةً. وما صار وقفا ليس ملكا للمؤمنين في القرية ولكنه ملك الرب ومسجل -بسبب من السلطات المدنية- وقفا على هذه القرية أو تلك، وهو لمنفعة الكهنة والفقراء في تلك المحلة، وهذا ما تنقيد به، ولكنه ليس في إدارة هذه القرية أو تلك. المؤمنون مجتمعين في رعية معينة ليس لهم ولاية على ما وقف الآباء. الولاية محصورة بشخص واحد يراقبه البطريرك والمجمع المقدس ويشكى إلى البطريرك والمجمع في حال سوء التصرف. وما يحد من سلطة الأسقف انه لا يستطيع ان يشتري وان يبيع الا بقرار من المجمع المقدس ممثلا بالسيد البطريرك. فلا خوف قانونيا من تبديد الأوقاف.

          الآفة الكبرى هي التفرد ومن مظاهره ان بعضا من الناس -والحمد لله انهم باتوا قلة- يضعون الأموال في المصارف باسمهم الشخصي ليحجبوها عن المراقبة وإذا ماتوا -لا سمح الله فجأة- فليس لنا قدرة على استعادة الأموال للوقف. ليس مثل تطبيق القانون يخلصنا من مثل هذا التفرد.

          أمورنا تسير بثقة الأبناء بأبيهم الروحي. والثقة تقويهم روحيا وتكشف انهم أبناء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الحشمة في الكنيسة/ الأحد 4 حزيران 2000/ العدد 23

هناك لياقة في الملبس للرجال والنساء على السواء أفي الكنيسة كان ذلك أم خارجها. غير ان لقاء الجماعة المقدسة الذي غايته تناول الأسرار المقدسة يتطلب احتشاما أدق بسبب من الغاية التي نحن من اجلها مجتمعون. والكنيسة  تتجلى فيها حضرة الله بكلمته والقرابين والروح القدس الذي يحل على المؤمنين أثناء الخدمة الإلهية. نحن نبني بعضنا بعضا ويذهب كل واحد بالآخر إلى المسيح، فهو محط الأنظار والقلوب فلا يلتهي احد منا بالآخر، ولا يعرقل احد صلاة الآخر، ويساعده على الحفاظ على عفّة بصره. كل منا يحجب نفسه -ما أمكن ذلك- دون عيون الإخوة لكي يكون منظورا من الله.

اجل كلنا في نطاق الاحتشام. غير ان هذا -حسب الطبيعة البشرية- يليق بالمرأة بالمقام الأول. فإذا كان انجذابنا إلى المسيح فمعنى ذلك ان أحدا منا لا يسعى إلى جذب المؤمنين إليه الا بتقوى حركاته وصمته وخشوعه. في هذا الخشوع يضيع الجسد. ومن هنا ان التبرج، وهو المبالغة في التجميل، شيء ممقوت لكونه يحوّلنا عن الجمال الوحيد المبتغى أعني جمال يسوع. من هذا الثياب الكثيرة الثمن والباذخة المعروضة للتباهي وهي تجرح الفقراء بيننا. مِثْلُ هذا ضجة الأحذية عند الدخول، والعطور التي لا مكان لها في اجتماع كنا فيه لنصبح روحيا «رائحة المسيح الزكية».

ومع التزامنا جميعا بعفة النظر، ركزت البشرية، تاريخيا، على ان الحشمة متتطلبة من المرأة بنوع خاص. والمرأة تعرف مفاتنها. ولذلك لن أتكلم عما هو غير لائق عرضه في الكنيسة. المرأة أفصح مني في هذا المجال. وإذا أرادت هي ان تتكلم جديا فلا الصيف عذر ولا الشتاء. فما يريده الله منها طريقة احتجاب. وقد تكلم بولس الرسول عن هذا في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس. فقد قال: «هل يليق بالمرأة ان تصلّي إلى الله وهي غير مغطاة» (11: 13). وقد أطاعت نساؤنا الرسول قرونًا بصورة حرفية. ولكن ان تجاوزنا الحرف إلى القصد، فيبقى من كلام الرسول الفكرة العامة وهي رفض التعرية المفضوحة أو التضييق المؤذي. والمرأة عليمة بما يؤذي.

نحن نعيش في زمن الخطيئة ولم نصل بعد إلى الملكوت. وفي الملكوت ليس من جسد ترابي. هناك أجساد روحانية، ممجدة، قامات نور.

فما دمنا في اللحم والدم نغضّ الطرْف ولا تستبيح عيوننا جسد الآخر ولا هو يعرض جسده لمتعة العيون النهمة.

كل ما خالف ذلك مماحكة. ولا أظن المرأة الصادقة -إذا نُبّهت- تدّعي انها لا تعرف هذا. ولا أَحسب المؤمنة تستغل الاجتماع الكنسي لتغري. الكنيسة ليست موضع إغراء. وفي أزمنة ليست بعيدة عنا كان الرجال يقفون في مكان والنساء في مكان. وكانت الكنائس فيها جناح للنساء. كانت الإمبراطورة مع وصيفاتها في آجيا صوفيا في القسطنطينية واقفة فوق وليس إلى جانب الإمبراطور. يبدو ان العقل الحديث لا يقبل بهذا الانفصال. ولكني أرى ان المنحى الكنسي كان هذا. وبولس يتكلم في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس عن اعتزال الرجل للمرأة إذا شاء التفرغ «للصوم والصلاة». العلاقة في الكنيسة المصلية ليست بين الرجل والمرأة ولا بين رجل ورجل أو بين امرأة وامرأة. هي علاقة كل نفس بالمسيح. الاختلاط ليس الوحدة. قمة الاختلاط المضرّ ان يتلهّى الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل لأنهما إذا فعلا لا يكون أحدهما مسمّرًا على المسيح.

Continue reading