كل اعياد السيد تُذكَرُ حَدَثًا: الميلاد، التجلّي، القيامة مثلا. اما الروح القدس فيُعيَّد له شخصيا وذلك في اليوم الذي يلي العنصرة. انه الأُقنوم الذي يتصل بنا مباشرة بالنعمة، وعند اتصاله يتصوَّر المسيح فينا، نكون واحدا مع المسيح وفي طريقنا إلى الآب.
الروح الإلهي كان مع الآب قبل كون العالم وكان مستقرا في الابن الأزلي. وبفعله تجسَّدَ الابن في أحشاء البتول. ومنه جاءت كلمات الأنبياء. ولما مات السيد انطلق منه الروح إلى العالم. وحلَّ على التلاميذ مجتمعين في العِليَّة بعد القيامة وعلى كل تلميذ. وهو الذي قوَّى الشهداء ليشهدوا وجعل الناس قديسين وجعل الجماعة كنيسة اي امتدادا للمسيح.
وبقوّته ننال المعمودية وبنزوله على الخبز والخمر يُحَولهما إلى جسد المسيح ودمه. ويختمنا بمسحة الميرون حتى نكون للمسيح فقط ولا نخصّ آخر. وعلى هذا المنوال يتمم الأسرار كلها.
الكنيسة تطلب الروح القدس مجتمعة برئاسة الأسقف او الكاهن، والروح يُلَبيها بسبب وَعْد المسيح لها. ذلك اننا، مجتمعين، نطلب باسم المسيح والآب يستجيب لمسيحه المتكوِّن فينا ويُعطي كلَّ واحد منا الموهبة التي يريدها ويزرع فيه الفضيلة التي يحتاج اليها ويُنَجيه من الفساد الذي يهدده ويرتقي به ارتقاء لا حدَّ له.
نحن لا نقدر ان نُصلّي إلاّ اذا نزل الروح القدس علينا. ولذلك نستهلّ كل خدمة إلهية بقولنا: «ايها الملك السماوي المعزّي روحُ الحق…». هذا الروح الإلهي فينا يجعلنا من عائلة الآب ويُمكّننا مِن أن نُسمّي الله «يا أُبيَّ» (بالدارج: يا بابا). فيصبح المؤمن ابنا مدلَلاً للآب اي له عليه دالة ويتصرف تصَرُفَ الابن في بيت أبيه لا تَصرُّف العبد عند مولاه.
والروح لا يتركنا ان كنا ليسوع مخلِصين: «انه يقيم عندكم ويقيم فيكم» (يوحنا 14: 17). هذا في العهد الجديد. اما في العهد القديم فما قال الله مرة انه فينا. قال انه معنا. كلُّ معمَّد ممسوح بالميرون صار بيتَ الله. الله يجعل قلب كل منا مَقاما له بعد ان أمسى إله القلوب. الروح القدس هو سلام الله فينا. هو هدوؤنا وراحتنا ويرشدنا إلى جميع الحق.
اجل، لقد جاءت الحقيقة بالمسيح وانكشفت لنا كاملة لما كان السيد في البَشَرة. ولا يزيد احد على كلام المسيح شيئا. يبقى انه علينا أن نَحفظ كلمته، أن نُطيعها. الروح هو الذي يُلهِمنا لإطاعة الكلمة. الروح القدس الذي قال عنه يسوع انه يُعَلِمنا كل شيء ويذَكِرنا جميع ما قاله لنا. ما عنى بذلك ان الروح يكشف لنا حقائق جديدة، ولكنه أراد ان الروح يُدخِل كلمات يسوع إلى القلب لتصبح ليس فقط تعاليم مكتوبة في كتاب ولكنها مُسَطَّرة على لوح القلب بحيث يصير كلٌّ منّا رسالة حيّة ليسوع. الروح هو الذي يَحفِر في العمق فتذوق انت جمالَ السيّد كما لم تكن تذوقُه قبلا، فتتجلّى لك معاني يسوع دائما بصورة أبهى وألصق بروحِك انت. من هنا تُبَيّن الفرق بين انسان جافّ وانسان حيّ ومشرق. الروح فاعل الإشراق فيك.
الحماسة الروحية، الانصراف الكليّ للمسيح، النقاوة، الجرأة على قول الحق، الشهادة للرب بالكلام او بالدم، تلك هي الأشياء التي يُعطيها الروح. ما من حركة نحو الخير في نفس بشرية، ما من توبة صادقة، ما من تحرُّك جماعةٍ من اجل تجديد حياتنا، ما من انتفاضة في الكنيسة على الكسل والاسترخاء الا من عمل الروح.
الويل لي ان لم أُصغِ إلى إلهامات الروح ولم أُطِعه. الويل لي ان جَفَفتُ ولم أُصبح نارا يَشتعلُ الكون بها.
