Category

2000

2000, مقالات, نشرة رعيتي

مَثَلُ الزارع/ 15 تشرين الأول 2000/ العدد 42

كان يسوع يحكي حكايات إلى جانب وعظه المكشوف تُسمّى الأمثال. يفهمها الذين استناروا بالرب، ولا يفهمها غليظو القلوب. من هذه الحكايات مَثَلُ الزارع (لوقا 8: 5-16). في الشرق كان الفلاّح يحمل القمح حملا يزرعه في ارض صغيرة فيها شوك أو حولها شوك وفيها حجارة أو حولها. وكان يرمي القمح بقوّة ذراعه فيقع احيانا على الحجر أو الشوك، أو يقع بعض منه على الطريق قبل وصول الفلاّح إلى أرضه.

          هذه حالة البشر مع الزرع الإلهي الذي هو كلمة الله. والزارع هنا هو المسيح أو هو إنجيله. وقد يأخذ الإنسان الكلمة من الكتاب العظيم أو الكتب المسكوبة في عباداتنا.

          يَفترض لوقا أن كل الناس يسمعون الكلمة. لم يتكلم يسوع على الذين لم تصل الكلمة اليهم. المولود مسيحيا عنده فرصة ان يسمع أو هكذا تمشي الأمور مبدئيا. لوقا يصوّر لنا فئة من الشعب تسمع -هؤلاء هم الذين على الطريق- ولكن الشيطان ينزع الكلمة من قلوبهم حتى لا يؤمنوا فيُشفوا. أولئك يسمعون قليلا من الله وكثيرا من همسات الخطيئة تداعبهم فتغريهم ولا يبقى فيهم حنين اليه. يضجرون منها، تزعجهم لأنهم لا يريدون ان يلتزموها خشية أن تُغيّر حياتهم. الكثيرون منا هم هكذا. كل المتباعدين عن الكنيسة قائمون في أوضاع اختاروا لأنفسهم ويَتعذّر عليهم ان يجدوا فرصة لاستماع الكلمة، وهؤلاء يحسبون أنهم صالحون، معجبون بأنفسهم، قادرون أن يعيشوا بلا إله.

          اما الذين هم على الصخر فهم في مرتبة أعلى لأنهم يَقبلون الكلمة بفرح. يؤمنون إلى حين. هم الموسميّون من المسيحيين الذين لا يتابعون صلاتهم كل يوم وصبيحة الأحد. تُطلّ عليهم الكلمة، ولكونهم غير متأصلين فيها يسقطون في ساعة التجربة. ليس فيهم مخزون روحيّ يصدّ الإغراء عنهم فتصل الكلمة إلى سطح نفوسهم ولقاء الرب هو في الأعماق. وتُحسّ عند حديثهم اليك أن السيد اذا زارهم لا يسرعون إلى التقاطه ليسكن فيهم.

          والذي سقط في الشوك «يختنقون بهموم هذه الحياة وغناها وملذّاتها». هؤلاء اختاروا ان يكون مسكنهم الحقيقيّ هذه الدنيا بما فيها من جاذبية وسِحْر. والملذات والمال اشياء خلاّبة، ولم تكن الكلمة فيهم هي الخلابة. الدنيا تدخل إلى عيونهم وآذانهم وأجسادهم. الدنيا ملأت كيانهم فلا يبقى محلّ فيهم لله. يألفونها ويستطيبونها ويشعرون ان ما فيها يبعث فيهم الطمأنينة والانتعاش، ولا يعرفون ان كل هذا مؤقت وهَشّ أو ذابل. وعلى رغم الخيبات التي تأتيهم من الملذّة، يغرفون منها ويذهبون من متعة إلى متعة لإحساسهم بأنها هي تُنقذهم من الضجر ومن العوز.

          «وأما الذي سقط على الأرض الجيّدة فهُم الذين يَسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيّد ويُثمرون بالصبر». ولِعِلْم السيد أنّ السماع لا يكفينا لنَخْلُص، قال: «طوبى للذين يَسمعون كلمة الله ويحفظونها». وقال الإنجيل عن والدة الإله انها تُردّد كلمةَ الله في قلبها. انت اذًا تُعاشر الكلمة لتبدو لك أطيب مِن اللذة، لتصبح هي فرحك.

          غير ان الإنسان مجرَّب بعودة الخطايا اليه. لذلك قال الرب عن الصالحين انهم «يُثمرون بالصبر». فالبقاء مع يسوع يتطلب جهادا متواصلا، مقاومة للفكر السيء الذي يهجم علينا كل حين. واذا عَرف المؤمن الجيّد أن الجبابرة يسقطون، يتسلّح بالصبر الذي هو مُلازَمة للسيد. يريدنا أن نواصل الحرب الروحية فنحن في حاجة إلى هذه الحرب حتى آخر رمق. ولا يَنقضي يوم علينا بلا جهاد. وقد نُحسّ الجهاد صليبًا، ولكننا نعرف انه بعد الصليب تأتينا القيامة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

بين الأرثوذكسية والكثلكة/ 8 تشرين الاول 2000 / العدد 41

يحزنني ان انقل إليكم ان العلاقات بين كنيستنا والكنيسة الكاثولكية تمر الآن في مأزق أو صارت متجمدة على مستوى اللجنة الدولية المختلطة للحوار بين الكنيستين. هذه اجتمعت بين 9 و 19 تموز قرب مدينة بالتيمور في الولايات المتحدة، وحضر 46 مندوبًا من مختلف انحاء العالم (الخوري ميشال نجم من أبرشية نيويورك كان يمثل الكرسي الأنطاكي). موضوع الاجتماع كان يدور حول فحص الحركة الاتحادية (مع رومية) من زاوية اللاهوت الكنسي والقانون. الا ان هذا اللقاء فشل كليا ولم يتوصل المجتمعون إلى اتفاق اذ ظل الأرثوذكسيون ينكرون ان هناك أساسا لاهوتيا لوجود الكاثوليك ذوي الطقس البيزنطي.

بحثت مواضيع عميقة ذات طابع لاهوتي وقانوني يتعلق بالكاثوليك المنحدرين من أصل أرثوذكسي وبنشاطهم. لذلك لم يصدر تصريح مشترك عن الاجتماع كما في السابق وسيكتفي الأعضاء برفع تقارير إلى كنائسهم حول إمكانية تجاوز الصعوبات التي تعترض الحوار. مع ذلك عبّرت اللجنة المشتركة عن أملها في متابعة التأمل والحوار عسى يتبين ما من شأنه إعادة الشركة بين الكنيستين. إلى المناقشات حضر المندوبون معا صلوات أقيمت في الكنيسة اللاتينية والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في بالتيمور.

مسألة الحوار على هذا المستوى العالي تعقدت منذ سنة 1990 بسبب من ظهور جديد للكاثوليك الشرقيين في أوكرانيا الغربية ورومانيا (بعد ان كان الحكم الشيوعي قد أغلق كنائسهم). كذلك تحسس الأرثوذكسيون الروس ان الكثلكة تمارس في روسيا –عن طريق مرسَلين لاتين– اقتناصا. آخر وثيقة حول هذا الموضوع ظهرت في لقاء اللجنة العالمية في البلمند المنعقد في تموز 1993. في البلمند رُفض أسلوب الانضمام إلى رومية كمنهج للوحدة. هناك طريقة أخرى لاتحاد الشرق والغرب. وكانت الوثيقة قالت بمفهوم الكنائس الشقيقة. غير ان بعض الكنائس ولاسيما كنيسة اليونان وكنيسة الروم الكاثوليك في رومانيا رفضتا مفهوم الكنائس الشقيقة. وأخيرا أصدر مجمع تعليم الإيمان في الفاتيكان في 30 حزيران الماضي بتوقيع رئيسه الكردينال جوزيف راتسنكر وموافقة البابا قرارا برفض هذا المفهوم.

على رغم هذا المأزق عبّر المندوبون الأرثوذكسيون عن رغبتهم في استمرار الحوار. شعوري الشخصي ان وثيقة البلمند كافية ولم تكن في حاجة إلى إكمالها بوثيقة أخرى. وكان واضحا لدينا ان كل إضافة أو تعديل على نص البلمند من شأنه ان يعقّد موضوع الكاثوليك الشرقيين. لقد أعطتنا رومية في البلمند أكثر مما كنا نتوقع وهو اعترافها بأن انشاءها الكنائس الشرقية التابعة لها كان خطأ تاريخيا وخطأ عقائديا. ونحن لم نوافق على شرعية هذه الكنائس ولكن اكتفينا باحترام وجودها وحريتها. وهي قانونيا جزء من كنيسة رومية. ومن هذه الزاوية نتعامل مع الأسرار التي تتم فيها.

من الطبيعي، في نظرة إلى محادثات كنائس، ان يرى كل طرف منا إلى هذه الكنائس على انها تطرح إشكالية واحدة. تؤخذ ككتلة مع انها اداريا ليست كذلك. تؤخذ كظاهرة واحدة في أوربا الشرقية أو امتداداتها في المهاجر. الا ان بعضا من هذه الكنائس لم يبق ممارسا الاقتناص بشكل ملحوظ أو مباشر، وبعضا يحيا شعورا أخويا تجاهنا.

من الواضح ان هناك حاجزا ليس فقط نفسيا بسبب ظهور هذه الكنائس. وشعوري ان اليقظة من قبلنا والروح المسكونية التي دخلت هنا وهناك من شأنهما ان توقفا الاقتناص. وقد أثبتت النهضة الروحية عندنا وعندهم اننا –في بعض البلدان كما هنا– يمكن ان نتعاون في الإنتاج اللاهوتي العلمي وربما في تعابير أخرى بلا مشاركة اسرارية.

هناك أمور أخرى بعضها عتيق وبعضها جديد وسّعت الخرق بيننا. الاجتماع الرسمي الآتي لن يكون قبل سنتين. كيف نكمل السعي المشترك بعد ظهور هذه العقبة في بالتيمور؟ الله وحده يعلم. اياه نرجو ان يذلّل الحواجز.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة / الأحد الأوّل تشرين الأول 2000/ العدد 40

أوّل ما نقرأه في إنجيل اليوم (لوقا 6: 31-36) دعوة من يسوع إلينا أن نعامل الغير مثلما نريد أن يعاملونا. الغير موجود على طريق حياتي. هذا هو الذي كلّفني الله به. صرتُ أنا مغذّيه إن جاع ومكلّمه إذا أحس بالعزلة. أفتقده في كل حاجاته. أنا أبادر إلى كل ما يعود عليه بالخير, ولستُ أنتظر ان يسألني شيئا.

أحبه ولا أنتظر منه شكرا. لا أشترط فيه خصلة من الخصال لأخدمه. وقد لا يكون هذا نسيبي أو صديقي. المحبة ليست قائمة على تبادل المشاعر. أنا أحب من جهتي, وقد لا يردّ على المحبة. أنا أحبه وأخدمه طاعة للمسيح.

وكثيرا ما أُقرضه مالا ولا أرجو أن أستوفيه. المحبة المسيحية ليست تعاقدا. إنها تعطى من طرف واحد. تعطى لأي إنسان يحتاج إليها. وإذا عرفنا ذلك نفهم قول السيد: «أَحبوا أعدائكم». إذا عاداني إنسان، يؤذي نفسه ويحزنها. إن طلب إليّ السيد أن أنقذه من هذا العداء، أنا أعالج نفسه. ولكوني عرفت انه واقع في البغض أو الحقد أو الحسد أو النميمة، أصير طبيبه. تعيّنت طبيبا له لأني عرفت أنا مرضه. أفكر بنجاته ولا أفكر بالجرح الذي أحدثه فيّ. وإذا جافيته أو كرهته ينخفض مستوى إنسانيتي, أصبح قزما, أدخل في لعبته. وإذا عرفنا أن المحبة غير مشروطة، يهون عليّ آنذاك أن أفهم: «أحبوا أعداءكم». فكما ينعم الله على غير الشاكرين والأشرار, أوزّع أنا نفسي على من أحبني ومن أبغضني على السواء. قلبي متّسع للدنيا, لذا اختتم الإنجيل هذا الفصل بقوله: «فكونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم».

فكما أن الرب يعامل جميع الناس بالحسنى والنعمة والرأفة والأبوة، أكون أنا كذلك. يتّسع صدره لكل أبنائه الصالحين منهم والسيئين. كل فئة من الناس يستعمل الله معها أسلوبا ليوصلها إليه. ربُّ البيت يحب الولد الطيّب والولد المشاكس, الشرير. له مع كلٍّ من أولاده أسلوب. نحن أيضا، إن عاملْنا الناس جميعا بالعطف الواحد، لنا ان نتدبر حياتنا مع الناس بأساليب مختلفة، والغاية تبقى ان نكشف لهم في سلوكنا الحنان الإلهي.

الإنسان فيه قسوة وفيه أذى وفيه استغلال وحبّ السيطرة. فيه كل الأفاعي. هذا يجب أن تحبه علّك تقتل الأفاعي. لا يفنى الشر الا بالخير والمسامحة وعمل البنيان. السلبية لا يقضي عليها إلا الإيجابية. وأعلى من الإيجابية المبادرة في الخدمة. أن تكون أنت غاسل أرجل, هذه هي رسالتك. هكذا فعل يسوع.

العلاقة الإنسانية ليست تعاقدًا ثنائيًا تقوم على هذا التفاهم أني أُعطيك إن أنت أعطيتني. هي علاقة ثالوثية ناظمُ العقدِ فيها هو الله. «الله أحبّنا أولاً» وهو الذي يحبّنا خلال عمرنا على الأرض، ووحده يتلقّانا عند موتنا واليوم الأخير. أنا أرحمك لأني تعلّمت أخلاق الرحمة من الرب حاضني. وإذا نظرنا إلى الناس بعيني الله، نراهم على رغم خطاياهم أحبة له.

في هذه الأرض ينبغي ان نكون مستعدين للتعامل مع الكل. ومن حالتهم نرتقي بهم أو نسعى. هذا موجع للإنسان الحساس وموجع للطاهر الذي يصدمه غير الطاهرين. غير ان الرب جعل كل إنسان مؤمن حارسا لأخيه، وان لم يقبل هذا التفويض وترك غيره بلا رحمة يكون قد سلّمه إلى الموت.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

صائد الناس/ 24 أيلول 2000 / العدد 39

في إنجيل اليوم (لوقا 5: 1-11) بعد أن دخل يسوع إلى سفينة بطرس وهو المسمّى سمعان قال له السيد: «تَقدَّمْ إلى العمق وأَلقُوا شباككم للصيد». وبعد أعجوبة الصيد العجيب قال السيد لتلميذه: «انك من الآن تكون صائدًا للناس». وبعد ان عاد التلاميذ الذين كانوا يصطادون «تركوا كل شيء وتبعوه».

          «تَقدَّمْ إلى العمق» ليس فقط في بحيرة طبرية ولكن، اذا صرت صائدًا للناس ورسولا، تتقدم إلى عمق قلوبهم، لأنك إن لم ترسل كلمتك إلى عمق القلب، ولكن بقيت على سطحه، لن تضع الله في هذا القلب. هذا الذي تخاطبه، اذا قلت له أشياء ليس فيها عمق، لن يَخْلُص بكلماتك. قد يسمع ولا يريد ان يتغير اذا انت خاطبت عقله دون فؤاده. اذا نزل المسيح إلى داخله يُغيّره وتكون انت قد اصطدته. ولا تستطيع ان تكلّم أحدًا الا اذا سجدت على ركبتيك للرب مثل بطرس، وتقبل الرب بالتوبة سيّدًا على كل فكرك وتمحو فيك الرغبات التي لا يحبها يسوع. ولن تجثو الا اذا اعتراك انذهال اي اذا خُطف عقلك إلى المخلّص ولم يبقَ فيك الا ما يحبّه هو.

          عند رؤيتك يسوع وحده لا يشاركه فيك شيء تكون مهيّأ ليجعلك صائدًا للناس. فاذا حلّ فيك بالروح القدس تترك كلّ شيء وتتبعه. تنسلخ عن كل شهوة ضارة معوقة لرؤيته في كل بهائه. هذه هي الحياة الرسولية في كنيستنا أن تكون ملتصقاً بالسيد. فإذا ذهبتَ إلى الناس فلكي تُبلّغهم ما رأيتَ بعينيك وما سمعَتْه أُذناك وما لمستَه بيديك من معاشرة الفادي. تذهب إلى الناس بقوّة يسوع. تذهب ولا تكون قد تركته.

          أن يكون صيادًا للناس اذا كنتَ كاهنًا تعني أن ما وراء الخدمة الإلهية التي تؤديها ليس القصد منها ما يراه الناس فيها وما يسمعونه، ولكن القصد أن يرتمي كل من الإخوة على صدر المعلّم ليسمعوا خفقات قلبه. وإذا قمت بزيارة فليس لتسلّم على المؤمنين وتسألهم عن أحوالهم وأحوال بنيهم، ولكن الغاية أن توصل كلمة الرب واضحة فتتحدث عن المسيح مباشرة بكلمات إنجيله.

          ولكن ليس الكاهن وحده صائدًا للناس. كل من اقتبل المعمودية ومُسح بالميرون تعيَّن شاهدًا. ولا أتكلّم هنا على الشهادة باستقامة الحياة ونقاوتها وهي الأساسية، ولكني أتكلم على الشهادة بالكلمة. أن تبلّغ الناس كلمات الحياة بعد أن تكون قد عرفْتَها لكي يَحيوا ويتحركوا ويوجدوا ثم يجتمعوا يوم الأحد لأكل عشاء الرب. أنت تستخدم الإنجيل لكي يتوبوا ويلتصقوا بالمسيح. وليس أفعل من كلام يسوع كما صدر عنه. الغاية أن يتلفظ مَن تُبشّره باسم يسوع. أن يستلذّ الاسم بشفتيه لأنه لا يستطيع أن يلفظ اسم يسوع الا اذا ترك ما عداه فيلتحق به.

          ليس فقط اسم الله أو حتى اسم المسيح فالمسيح ليس اسمًا ولكنه نعت. الاسم هو يسوع. الفظها كما هي. واذا سمعتها من أحد، اذ ذاك تتأكد انها وصلت.

          أنت مدعو أن تأتي بأصدقائك وغيرهم إلى المعلّم وإلى ما قال حتى يحبّوه ويحبّوا ما قال. بعد هذا يكون من الطبيعي أن يجتمعوا حيث اسمه مذكور وحيث جسده ودمه.

          هذه مسؤولية انتدبَتْكَ لها المعمودية. وبلا تبليغ الناس الرسالة، تكون معموديتك آلت إلى مجرّد اغتسال بالماء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد بعد الصليب/ 17 ايلول 2000/ العدد 38

يتابعنا الصليب قبل ذكراه وبعد ذكراه لتقول الكنيسة انها متعلقة بهذا الذي رُفع عليه. وحتى ننتقل من نشوة العيد إلى جدية الالتزام بالمعنى، نقرأ اليوم القول المبارك: «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مرقس 8: 34). ولئلا نحمّل يسوع وحده ثقل صليبه ونبقى متفرجين أو متوجعين أو فقط منشدين، قال السيد: ان عليك صليبا رماه الوجود عليك، صليبا قد يكون عائلتك أو رب العمل أو الحكومة أو الضائقة الاقتصادية أو اوجاع جسدك أو اوجاع نفسك أو الإغراء الذي يداهمك في كل حين.

          هذه عليك ان تواجهها. وان فررت منها فأنت صريع الأوهام. المسيحية هي قبل كل شيء ان تواجه، ولكن لست وحدك في المواجهة لأن يسوع، معلقا، هو امام عينيك ويسوع، صامدا، امام عينيك ولكن يسوع، قائما، هو في تعزياتك.

          ولئلا تظن ان هذه الآلام طارئة او خارجة عنك فلا تدخل اليك نبَّهك السيد انك تستقبلها في صميمك. فالضائقة الاقتصادية توجعك وكذلك الحياة السياسية او هذا القريب الذي يخونك او هذا الذي لا خفّة في دمه يزعجك. كل هذه هي فيك وقد تكون ضاغطة جدا. هي تصير بعضا من نفسك، ولذا دعاك المعلّم ان تكفر بنفسك وأن تعتبر ان ما ترضاه ضد شريعة المسيح انما هو تعبير عن أنانيتك. وآلامك آلامك انت ولا يقدر احد ان يحملها عنك. انت تحمل صليبك انت.

          ولئلا تنوء تحت ثقله، يلفتك يسوع أن حمْل الصليب بحد نفسه ليس بشيء ولكن أن تتبعه هو. السؤال: حتى متى تحمل آلامك وإلى أين تسير بها؟ يجيبك: انت اتبعني. تتبعه إلى حيث سار، وسار إلى الجلجلة، ولكن من بعد الجلجلة انتفض من الموت وصعد إلى الآب. «حيث أكون انا هناك يكون خادمي».

          ولكن قد تتضجّر انت من الصليب. كل واحد منا يتعب. عند هذا يقول لك المعلّم: «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟». تقول انت في نفسك: اريد انا  ان احب كل ما في هذا العالم لأتلذذ وأشبع ويصير لي في هذا العالم مجد وسلطان. السيد يجيبك بلسان حبيبه يوحنا: العالم يمضي وشهوته، انتبه ألا تتخم، ألا تعيش مع الأشباح. لا شيء من هذه يُشبع رغبة نفسك في الأشياء العظيمة. في الحنان، في الغفران، في العطاء الكبير. تلك هي الأشياء الكبرى التي اذا صبوت اليها وتركزت عليها يبقى لك الحلال من الطعام والشراب والحلال من المال. هناك اشياء تحتاج اليها. خذها اذا هيمنت عليك المحبة وغذّاك الإيمان. ولكن انتبه ألا يتسلط عليك بشيء. اعبر بما يجوز عبوره واقطف ما جاز قطافه، ولكن ضع نصب عينيك غاية الطريق. والغاية هي المسيح. هذا زهد بالعالم؟ أكيد. استعمل الأشياء ولكن لا تغرق في واحدة منها. سُدْ كل ما كان بين يديك وامام عينيك وما دخل إلى قلبك.

          فاذا سادك المسيح، انت حر من أشيائك. هكذا يكون قد رُفع صليبك انت وانطلقت إلى القيامة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

رفع الصليب/ 10 أيلول 2000/ العدد 41

من ناحية العبادات نتهيأ لعيد رفع الصليب بالأناشيد المعروفة بالكاطافاسيات في صلاة السَحَر، وذلك قبل حلول العيد بأسابيع، وبقراءة انجيلية السبت قبل العيد، وقراءة اخرى الأحد قبل العيد، هذا الذي نحن فيه.

          التلاوة مأخوذة من كلام الرب في الإنجيل الرابع(يوحنا 3: 13-17) ونستهلها بقوله: «لم يصعد أحد إلى السماء الا الذي نزل من السماء…» اي انه صعد بالصليب. هنا يوحنا الرسول يختزل القيامة والصعود بحدث الصلب الذي هو عنده مكان التجلّي والمجد. قوة المسيح ظهرت بموته أي بانتصاره على الموت وعلى الخطيئة وهذا لينعكس فينا ونذوقه كما ذاقه هو. نحن نعيش موت السيد وقيامته في سر المعمودية أولاً وفي سر الشكر (القرابين) ثانيًا.

          غاية الصلب «لكي لا يهلك كل من يؤمن به». الخلاص لا يقوم بتصديق كل شيء ولا يكتمل بالإيمان بالله فهذا موجود عند غيرنا. الخلاص هو الإيمان بأن الله أحبَّ العالم حتى بذل ابنه الوحيد. لقد أحبنا الله بالمسيح أي بتجسده وصلبه. هكذا تفجرت المحبة الإلهية. محبة الله ظهرت وشاهدناها ونعلنها وننفّذها حسب قوله: «مَن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني» (إنجيل السبت قبل العيد). ما قَبِلَه السيد في نفسه وجسده اي إماتة الخطيئة لا ينفعنا بشيء ما لم نختبره في حياتنا اليومية. فَنُميتُ خطيئنا الشخصية ونحيا بالتوبة.

          فالمسيح الذي هو الحياة الأبدية «أنا هو الطريق والحق والحياة» يبث حياته في نفوسنا وأجسادنا فيصير كل منا مسيح الله بالنعمة، مُسمّرين عليه، مُندمجين به.

          الرسالة النابعة من هذا ان الله «لم يرسل ابنه الوحيد إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص العالم».

          المسيح لم يأتِ ليضرب ويعاقب. هذا كان معروفًا قديمًا. جاء ليقول ان الله لا يخيف لأنه أب، وان نظام العلاقة بيننا وبينه هو انه يحبنا كأولاد أحباء ونثق به أبًا عطوفا. يريدنا أن نخلص اي ان نحيا حياة حقيقية قائمة على كلمته وحنانه.

          هذه الشراكة بيننا وبينه ثمرة العهد الجديد بدمه. ولعلمنا بأنه أَحبَّنا اولاً بتنا قادرين أن نستجيب لحبه بحب. الصليب كان أداة تمزيق يسوع حتى يرفع عنا كل تمزيق، ليصير فينا حلاوة. الحلاوة تبدأ بأن نَقبل المسيح مخلّصًا وحيدًا، وعند قبولنا بهذا تصير كل نفس عروسا للسيد وتعايشه بدفء عطائه الإلهي.

          ابتهاجنا ليس بالنيران والأسهم النارية. نحن أبناء الفرح الأعمق الذي أُوتيناه من أنّ «ليس إله مثل إلهنا». الإله الذي نحن نعرفه إله المحبة التي لا حدّ لها. استجابتنا له أن نؤمن به، ان نتكل عليه، ان نلجأ اليه باستمرار لمعرفتنا انه الحبيب الحبيب.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الآخر أنا لَه / الأحد 3 أيلول 2000 / العدد36

إنجيل اليوم (مت 18: 23-35) دعوة إلى الرحمة ومعناها اللغوي ان يتّسع صدرك للآخر وان تُدخله في كل حزنه وكل نقائصه وكل شقائه إلى صدرك، وقبل ذلك ان يتكئ عليه كما اتكأ يوحنا الحبيب على صدر المعلم عند العشاء السري. كل مشاركة فيها اتكاء منظورا كان أم غير منظور. ذلك انك ان أقصيت أخاك قد تميته بمعنى انك تعزله وقد يبرد قلبه تجاهك وتجاه الله والأصدقاء ويصبح قلبه بلا مضمون أو يكون مضمونه الوحيد البغض أو المرارة.

إنجيل اليوم يقول ان تترك من قلبك لأخيك زلاته. وأنت تميل عادة إلى استصغار أخطائك وإلى تعظيم أخطاء غيرك حتى تدعي دائما انك على حق وتظن نفسك كبيرا. يهمك ان تصبح زعيما في القرية أو في الحي ولو كنت زعيما صغيرا بقيادة زعماء كبار. تخيف إنسانا اضعف منك لتقنع نفسك انك قوي. تسعى إلى نفاذ كلمتك لترفض كلماته، لتقهره.

وقد لا تكون مقتنعا بأنك شيء ولكنك تستقوي على الضعفاء لكي تبرهن لأهل القرية انك ضخم. وفي واقع الأمر انك متضخم أي ناسب لنفسك حجما لست أنت عليه. تريد ان ترتفع في نظر الغير لتبدد الشك بنفسك أمام عينيك. وليس عندك شجاعة تجعلك تقول ان سواي جيد أيضا وان فيه خصالا حميدة وانه نافع وتقول لنفسك اتمنى ان اقتدي به، ان تنزل عليّ فضائله، ان يكون كلانا حسنا فضائله، ان يكون كلانا حسنا فأنا لا احتكر الحسن. ان تكون أنت وكل أهل الرعية جيدين، جيدين معا أليس هذا أفضل من ان ينحصر الجود فيك؟ ان تكون الحياة لكم جميعا والبركات لكم جميعا ومعا، أليس هذا أفضل من ان تدّعي انك صاحب الفهم وصاحب الرأي الرشيد؟

لماذا لا تقبل المناقشة؟ فربما كان رأي الآخر أصوب وربما قادك إلى الحياة. أنا يحزنني ان القرى مليئة بالانقسامات العائلية والشخصية والحزبية، ويحزنني ان لهذه الانقسامات صدى في الرعية ولاسيما إذا كانت الضيعة كلها أرثوذكسية، فالضيعة، إذ ذاك، هي كل الرعية. والانقسامات كلها متأتية من اننا لا نريد المسيح ان يسود نفوسنا، لا نريد ان ننفذ كلمات الخلاص والحق التي في إنجيله.

هذا الإنجيل نسمعه منغما وكأنه قصة قديمة لا تعنينا. فإذا ذكر المحبة نحس بأن في هذا تعليما جميلا، ولكنا لا نعرف ان هذا الكلام دعوة إلى السامعين وليس قراءة لكتابة قديمة. نتغنى بجمال المسيحية فقط ولكن المحبة أو الرحمة تفترض ان نذلل النفس أمام الآخرين، ان نُعليهم علينا، ان نعتبرهم حقيقةً أفضل منا.

عزوني قليلا بترك كل واحد للآخر زلاته فلا يحاسبه عليها. إذا استمرت الحالة كما هي عليه الآن أدرك أني بنيتُ كنائس فقط وما بنيت قلوبا. الله يسكن قلوب الناس فلا تحزنوهم بالكبرياء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

انتخِبْ! / 27 آب 2000 / العدد 35

طبعا لا تتوقع ان أُحدّثك في السياسة. اني محدّثك في الأخلاق الوطنية. فمذ ان آمنت الشعوب بسيادتها انت لست مأمورا عند اهل الحكم. انت تصنع الحكم. قد لا يكون هذا، اليوم، على قدر كبير من الصحة. قد تكون سيادتنا منقوصة. ولكن عندنا تركيبة برلمانية قائمة. لا يجوز لنا ان نتجاهلها. وجهادنا ألاّ يدخلها السيئون والتفهون.

          ان قاطعتَ الانتخابات او رميت ورقة بيضاء، فأنت تساعد السيئين والتفهين ان يكثروا. ان المقاطعة لو قلبت الطاولة فلا مانع منها. ولكن شيئا لن يقلب الطاولة لأن هذا المجلس سيكون مؤلفا -إلى حد كبير- من النواب الحاليين. والضغوط كلنا يعرفها. ضمن هذه المحدودية للحرية، في جو هذه الضغوط وامام إغراء المال، أفهم انك تقرف. ولكن الاستنكاف عمل سلبي ولا يُصلح شيئا.

          هذه هي الأسماء وفيها الحسن وفيها الأقل حُسْنا. انت ضع الأسماء التي تؤمن بصلاحها ونزاهتها وفهمها وبرامجها. وعند فقدان البرنامج، يبقى الفهم والطهارة عند بعض من المرشحين. انت اسلك حسب وجدانك. لا شيء يضطرك ان تنتخب من لا تريده ممثلا عنك. لا شيء يجبرك ان تتبنى لائحة بكاملها. قد يُطلب منك ذلك، ولكن ابقَ واعيا حريتك. قد ترى نفسك مضطرا ان تختار بين سيء ومن كان اقل سوءا. في امور الحياة نختار اهون الشرين. أضعفُ الإيمان ان تختار من تؤمن به. فاذا اعتبرت وجود ناس صالحين كثيرا او نسبيا اكتب اسم مرشح صالح. وبهذا تكون ساهمت في بناء وطن.

          نعرف ان مجلس النواب ليس كل الوطن. ولكنه مؤسسة اساسية في بنيان الدولة، في التشريع، في مراقبة الحكومة. المجلس يمكنه تقويم لبنان وتوجيهه إلى الخير. لا تستخفّ بأهمية المجلس على رغم ضعفاتنا الحاضرة وعلى رغم الاهتراء العميم. انت تعمل في الظروف القائمة، وهي ليست خير الظروف. اذكر قول السيد: «ادخلوا من الباب الضيّق». من الصعوبات وفي ظل هذه الصعوبات، حاول مع الذين يشعرون بواجبهم الوطني ان تأتي بعشرة او عشرين من النواب الجيدين. هؤلاء يمكنهم ان يأتوا بشيء جديد. ربما حلّت الأعجوبة وألّف هؤلاء كتلة متراصة، متعاونة تستطيع ان تأتي بتغيير الاوضاع.

          انا لا آمرك روحيا بشيء، ولكن الاتجاه الصحيح في الديموقراطيات هو المواجهة الايجابية للاوضاع. انا لا اوجهك إلى أي اسم لأن الكنيسة مستقلة عن هذه الشؤون العابرة. كنيستنا لا تتدخل في السياسة الواقعية لأن المسؤولين في الكنيسة ليس لهم كلمة في الأشخاص ولا هم يحللون وضع هذا او وضع ذاك. انت، كعلماني، ناضج وتعرف مصالح البلد ومصلحة منطقتك.

          نحن لا تهمنا المعارك الطائفية أو الدوافع الطائفية والمذهبية. وما من شك ان كل الطوائف فيها مرشحون صالحون. طبعا يهمنا ان يكون المرشحون الارثوذكسيون خير المرشحين. غير انهم ممثلون عن الأمة كلها. انت اختر الارثوذكسي وغير الارثوذكسي في الجدية الواحدة وفي الإخلاص الواحد.

          استلهم الرب قبل ذهابك إلى صندوق الاقتراع. تأمل طويلا في الأمر وخذ ورقة وفكر مليا بكل المرشحين. افحص ماضيهم ان كانوا من القدماء. وافحص الجدد بكل رصانة. واذا تشكلت قناعتك، فخُذ ورقة وأنت في بيتك وارمها في صندوق الاقتراع يرضَ الرب عنك. وعلى هذا نرجو ان يظهر مجلس فيه بعض الخير وبعض الفهم وبعض النقاوة. وهذا افضل من مجلس هش.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

آداب الموت/ 20 آب 2000/ العدد 34

أن يتهيأ المريض للموت واجب ذويه. نصلي معه. نقرأ له الإنجيل. نرتل له. نوضح له ان الكاهن يجب ان يدعو له. كريه موقف الناس الذين يخشون دعوة الكاهن حتى لا يخاف من مجيئه المريض. لماذا لا ينبغي ان يواجه مريضنا وضعه؟ لماذا يحكمنا وسواسه؟ لماذا لا نتربى على ان الصلاة تشفي المريض أو تُعدّه لمواجهة ربه. «الرب رحيم ورؤوف، طويل الأناة وكثير الرحمة». ينبغي ان نتربى على إلفة المسيح المحب البشر. هل تحمل انت مسؤولية ان يموت قريبك بلا توبة، بلا قربى؟

          التربية الكبرى «ألاّ تحزنوا كما يحزن الذين لا رجاء لهم». فقد أمسى الموت باب فرج بعد ان نزل السيد إلى مملكة الموت وأبادها وبعد ان صرنا ابناء القيامة. اما نحن فنتفجع كما كان الفينيقيون يتفجعون على موت تموز. نقيم الفصح ولا نأخذ شيئا من الفصح. ان كنا نحيا على رجاء القيامة والحياة الأبدية، فلا بد لنا ان نُعبّر عن ذلك بالسلام والهدوء. ليس الموت كارثة. «من مات فقد تَبرّأ من الخطيئة» وزال عنه الألم ان كان متألما وينضم إلى سحابة القديسين وله منا صلواتنا. وبسبب من دخوله عالم القيامة كان المسيحيون الاولون يرتدون البياض وليس السواد. واذا ارادت نساؤنا اتّباعًا للزي الاوربي ان يتجلببن السواد فليكن لمدة قصيرة. وان كنا نتوجع من الفراق فليكن في القلب. ولسنا في هذا في حاجة الى رمز خارجيّ.

          ولا يكن المأتم فرصة للإنفاق الكبير. فالبلد هابط اقتصاديا اليوم. والإنفاق الكبير ضد الحشمة. وان كان عندنا بعض المال فليُنفَق على الفقراء لا على التدخين مثلا، فمن قلّة الاحترام للجثمان ان يكون محاطا بدخان المدخّنين. وافضل سلوك للرجال والنساء الصمت ففي هذا اقتراب من التقوى. ولعل من الصالحات ان يَقرأ من شاء المزامير بصوت عال وهذا من تقاليدنا، أو ليكن ترتيل ولو مسجَّلا لأن في ذلك اقترابا من الرب.

          لعلنا نحتاج الى مزيد من التواضع بحيث لا نشتري تابوتا باهظ الثمن. ان هذا مجد باطل. ليكن عندنا هذا التواضع ان نَظهر كما هي حالنا لا ان نَظهر بمظهر الغنى. في الفقر الذي ساد ايام الحرب، اعتادت بعض الرعايا ان تقتني تابوتا واحدا في القرية يوضع فيه المتوفى. القصة كلها في هذا النطاق قصة بعض خشبات، والقوانين عندنا تتكلم عن وضع الراقدين في قبورهم مباشرة. ثم غزانا الغرب واتخذْنا منه عادة التابوت الخشبي. الرهبان إلى يومنا هذا يوارون الثرى مباشرة ملفوفين بإحرام أو شيء من القماش. الموت ظرف للتواضع.

          وعلى طريق التواضع ألغى شعبنا الأكاليل واستعيض عنها بـ «بدل الأكاليل» يُدفع إلى الكنيسة، وهذا فيه استرحام هو أقرب إلى التقوى لأنه عمل خيريّ في كنيسة الله. ولكني وقفت مؤخرا على رأي يقول: ان بدل الأكاليل يذهب الى عائلة الميت. لم يكن هذا الفكرة الأصلية لما ظهر «بدل الأكاليل». المال يدخل الى الكنيسة. واذا كانت العائلة فقيرة الأصل ان نتبنى كل نفقاتها أو بعضا من نفقاتها وهذا بقرار من مجلس الرعية. ولا أساس للتبرع لإحدى الجمعيات. هذا عمل الأفراد وهم احرار ان يعطوا من شاؤوا.

          اما فيما يختص بدعوة الإكليروس، فقد قلت غير مرة اني لست براغب في نعوة احد. فالمسافات عندنا طويلة ومتعبة. والانتقال يستغرق ساعات كثيرة احيانا، والراعي انشغاله كثير. ويكفي كاهن القرية للقيام بالصلاة. ولا مانع من نعوة كهنة الجوار تحسسا بالجوار ولا سيما اذا كانوا من كنيستنا. البساطة في كل شيء هي القاعدة. وأكره ان يتأفف اكليريكي من الإحسان القليل عليه فإنه مرتبط بنعمة المجانية.

          هذه بعض من آدبنا قريبة إلى قلب الله.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

ضرب الرجال للنساء/ 13 آب 2000/ العدد 33

مرة رأيتُ دعوى حيث المرأة كانت تضرب الرجل. غير ان الشائع هو ان يضرب الزوج زوجته. وجدتُ حالات في الخصومات الزوجية كان فيها الضرب مبرحا وهذا تعززه التقارير الطبية. الأمر معروف في ارقى البلدان ويسبب الانفصال الفعلي، بالإضافة إلى خلخلة عاطفية وخوف عند الأطفال.

          لست هنا لأحلل الأسباب. البطالة عن العمل، السكر، الخيانة الزوجية هي من الأسباب التي نلمسها. اذًا يجب معالجة السبب. ولعل السبب الكامن وراء هذه الدوافع هي القسوة في الطباع وعدم تحمل الآخر شريكا حقيقيا. وهذا ممكن معالجته عند طبيب نفسي او عند أب روحي. يجب ان يعترف الضارب انه أتى عملا منكرا، وقد يظن الرجل انه هو المؤدب. ولا ارى اساسا لهذا في كتبنا المقدسة. المرأة ليست قاصرا ليعاقبها زوجها. قد يكون هو القاصر ولكنه يستعلي ويتكبر لكونه ذكرا. ويظن ان الذكورة تمنحه امتيازًا، وفي الحقيقة انه يتسلط ويعنف لأن له عضلات ويقدر على القهر. الشيء الحقير في هذا ان الرجل يستقوي على كائن ضعيف عضليا وقيل له ان المرأة يجب ان تطيع الرجل في كل شيء.

          وقد يكون أبله او تفها وخاطئا كبيرا وخاليا من الحكمة ومن التدبير. كيف تطيع المرأة الرجل العربيد او الجاهل؟ الطاعة واجبة لمن أطاع الله. وهي في حقيقتها طاعة لله. وقد يكون الرجل فاسدا او منحرفا من الناحية الجنسية. وهنا يجب رفض ما يطلبه طاعة للوصية.

          الطاعة واجبة للرجل اذا احب. ولهذا يقول الرسول: «أيها الرجال أحِبوا نساءكم كما أَحَبَّ المسيحُ الكنيسة». نحن ليس عندنا خضوع مطلق. يطاع الزوج اذا حاول ان يبذل نفسه عن قرينته على غرار تضحية المسيح نفسه في سبيل احبائه.

          كثير من الناس لم يدخلوا حقا في الزوجية اي انهم لم يدركوا ان للآخر كرامته وله فرادته واننا نتعامل معه كما هو وحسب عقله او ذهنيته. المرأة واجب لها الإكرام باعتبارها على صورة الله ومثاله وباعتبار انها دخلت معنا في مشاركة هي من الله. مَن ادّعى لنفسه مكانة مميزة يجب ان يعلم انها تُلقي عليه مسؤولية اكثر مما تمنحه حقا. نحن ليس بيننا علاقة استعباد ولكن مكانة أخوّة ومحبة.

          قلت اذا كان قادرا (ماليا) على استشارة طبيب نفسي فليفعل. ليس في استشارة طبيب كهذا عيب. وهذا لا يعني الجنون كما يظن السذجة. والطبيب النفسي لا يُغْني عن مرشد روحي كبير يعلّمنا الكتاب ويؤدبنا كأب ويساعد على إنقاذ العائلة. يتعلم الضارب كيف يخرج من انطوائه، من أنانيته، كيف يُسكت غضبه، كيف لا ينتقم، كيف يحلم، كم ينتظر ان ينمو الآخر بالمعرفة والعطاء.

          الضارب فليصلِّ كثيرا كي يهدأ ويعطف ويتخذ الآخر حبيبا. فالزوجة التي تتصرف معها برقة لا سبب عندها كي لا تبقى مخلصة. واما اذا عنّفناها فنحن نعرّضها للرذيلة لأنها تجد او تظن انها تجد -في علاقة غير شرعية- حنانا ورفقا.

          والاولاد في خوف وأحيانًا في خبل وفقدان احترامهم للمعنف. الأب لا يبقى مرجعية للاولاد. كل الهالة التي كان الوالد محاطا بها تتلاشى وتنكسر العائلة شيئا فشيئا وتتبدد. امام الانسان القاسي صورة يسوع القائل: «تعلّموا مني، إني وديع ومتواضع القلب». تلك هي المسيحية العظيمة والشافية.

Continue reading