مَثَلُ الزارع/ 15 تشرين الأول 2000/ العدد 42
كان يسوع يحكي حكايات إلى جانب وعظه المكشوف تُسمّى الأمثال. يفهمها الذين استناروا بالرب، ولا يفهمها غليظو القلوب. من هذه الحكايات مَثَلُ الزارع (لوقا 8: 5-16). في الشرق كان الفلاّح يحمل القمح حملا يزرعه في ارض صغيرة فيها شوك أو حولها شوك وفيها حجارة أو حولها. وكان يرمي القمح بقوّة ذراعه فيقع احيانا على الحجر أو الشوك، أو يقع بعض منه على الطريق قبل وصول الفلاّح إلى أرضه.
هذه حالة البشر مع الزرع الإلهي الذي هو كلمة الله. والزارع هنا هو المسيح أو هو إنجيله. وقد يأخذ الإنسان الكلمة من الكتاب العظيم أو الكتب المسكوبة في عباداتنا.
يَفترض لوقا أن كل الناس يسمعون الكلمة. لم يتكلم يسوع على الذين لم تصل الكلمة اليهم. المولود مسيحيا عنده فرصة ان يسمع أو هكذا تمشي الأمور مبدئيا. لوقا يصوّر لنا فئة من الشعب تسمع -هؤلاء هم الذين على الطريق- ولكن الشيطان ينزع الكلمة من قلوبهم حتى لا يؤمنوا فيُشفوا. أولئك يسمعون قليلا من الله وكثيرا من همسات الخطيئة تداعبهم فتغريهم ولا يبقى فيهم حنين اليه. يضجرون منها، تزعجهم لأنهم لا يريدون ان يلتزموها خشية أن تُغيّر حياتهم. الكثيرون منا هم هكذا. كل المتباعدين عن الكنيسة قائمون في أوضاع اختاروا لأنفسهم ويَتعذّر عليهم ان يجدوا فرصة لاستماع الكلمة، وهؤلاء يحسبون أنهم صالحون، معجبون بأنفسهم، قادرون أن يعيشوا بلا إله.
اما الذين هم على الصخر فهم في مرتبة أعلى لأنهم يَقبلون الكلمة بفرح. يؤمنون إلى حين. هم الموسميّون من المسيحيين الذين لا يتابعون صلاتهم كل يوم وصبيحة الأحد. تُطلّ عليهم الكلمة، ولكونهم غير متأصلين فيها يسقطون في ساعة التجربة. ليس فيهم مخزون روحيّ يصدّ الإغراء عنهم فتصل الكلمة إلى سطح نفوسهم ولقاء الرب هو في الأعماق. وتُحسّ عند حديثهم اليك أن السيد اذا زارهم لا يسرعون إلى التقاطه ليسكن فيهم.
والذي سقط في الشوك «يختنقون بهموم هذه الحياة وغناها وملذّاتها». هؤلاء اختاروا ان يكون مسكنهم الحقيقيّ هذه الدنيا بما فيها من جاذبية وسِحْر. والملذات والمال اشياء خلاّبة، ولم تكن الكلمة فيهم هي الخلابة. الدنيا تدخل إلى عيونهم وآذانهم وأجسادهم. الدنيا ملأت كيانهم فلا يبقى محلّ فيهم لله. يألفونها ويستطيبونها ويشعرون ان ما فيها يبعث فيهم الطمأنينة والانتعاش، ولا يعرفون ان كل هذا مؤقت وهَشّ أو ذابل. وعلى رغم الخيبات التي تأتيهم من الملذّة، يغرفون منها ويذهبون من متعة إلى متعة لإحساسهم بأنها هي تُنقذهم من الضجر ومن العوز.
«وأما الذي سقط على الأرض الجيّدة فهُم الذين يَسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيّد ويُثمرون بالصبر». ولِعِلْم السيد أنّ السماع لا يكفينا لنَخْلُص، قال: «طوبى للذين يَسمعون كلمة الله ويحفظونها». وقال الإنجيل عن والدة الإله انها تُردّد كلمةَ الله في قلبها. انت اذًا تُعاشر الكلمة لتبدو لك أطيب مِن اللذة، لتصبح هي فرحك.
غير ان الإنسان مجرَّب بعودة الخطايا اليه. لذلك قال الرب عن الصالحين انهم «يُثمرون بالصبر». فالبقاء مع يسوع يتطلب جهادا متواصلا، مقاومة للفكر السيء الذي يهجم علينا كل حين. واذا عَرف المؤمن الجيّد أن الجبابرة يسقطون، يتسلّح بالصبر الذي هو مُلازَمة للسيد. يريدنا أن نواصل الحرب الروحية فنحن في حاجة إلى هذه الحرب حتى آخر رمق. ولا يَنقضي يوم علينا بلا جهاد. وقد نُحسّ الجهاد صليبًا، ولكننا نعرف انه بعد الصليب تأتينا القيامة.
Continue reading