إنجيل اليوم (مت 18: 23-35) دعوة إلى الرحمة ومعناها اللغوي ان يتّسع صدرك للآخر وان تُدخله في كل حزنه وكل نقائصه وكل شقائه إلى صدرك، وقبل ذلك ان يتكئ عليه كما اتكأ يوحنا الحبيب على صدر المعلم عند العشاء السري. كل مشاركة فيها اتكاء منظورا كان أم غير منظور. ذلك انك ان أقصيت أخاك قد تميته بمعنى انك تعزله وقد يبرد قلبه تجاهك وتجاه الله والأصدقاء ويصبح قلبه بلا مضمون أو يكون مضمونه الوحيد البغض أو المرارة.

إنجيل اليوم يقول ان تترك من قلبك لأخيك زلاته. وأنت تميل عادة إلى استصغار أخطائك وإلى تعظيم أخطاء غيرك حتى تدعي دائما انك على حق وتظن نفسك كبيرا. يهمك ان تصبح زعيما في القرية أو في الحي ولو كنت زعيما صغيرا بقيادة زعماء كبار. تخيف إنسانا اضعف منك لتقنع نفسك انك قوي. تسعى إلى نفاذ كلمتك لترفض كلماته، لتقهره.

وقد لا تكون مقتنعا بأنك شيء ولكنك تستقوي على الضعفاء لكي تبرهن لأهل القرية انك ضخم. وفي واقع الأمر انك متضخم أي ناسب لنفسك حجما لست أنت عليه. تريد ان ترتفع في نظر الغير لتبدد الشك بنفسك أمام عينيك. وليس عندك شجاعة تجعلك تقول ان سواي جيد أيضا وان فيه خصالا حميدة وانه نافع وتقول لنفسك اتمنى ان اقتدي به، ان تنزل عليّ فضائله، ان يكون كلانا حسنا فضائله، ان يكون كلانا حسنا فأنا لا احتكر الحسن. ان تكون أنت وكل أهل الرعية جيدين، جيدين معا أليس هذا أفضل من ان ينحصر الجود فيك؟ ان تكون الحياة لكم جميعا والبركات لكم جميعا ومعا، أليس هذا أفضل من ان تدّعي انك صاحب الفهم وصاحب الرأي الرشيد؟

لماذا لا تقبل المناقشة؟ فربما كان رأي الآخر أصوب وربما قادك إلى الحياة. أنا يحزنني ان القرى مليئة بالانقسامات العائلية والشخصية والحزبية، ويحزنني ان لهذه الانقسامات صدى في الرعية ولاسيما إذا كانت الضيعة كلها أرثوذكسية، فالضيعة، إذ ذاك، هي كل الرعية. والانقسامات كلها متأتية من اننا لا نريد المسيح ان يسود نفوسنا، لا نريد ان ننفذ كلمات الخلاص والحق التي في إنجيله.

هذا الإنجيل نسمعه منغما وكأنه قصة قديمة لا تعنينا. فإذا ذكر المحبة نحس بأن في هذا تعليما جميلا، ولكنا لا نعرف ان هذا الكلام دعوة إلى السامعين وليس قراءة لكتابة قديمة. نتغنى بجمال المسيحية فقط ولكن المحبة أو الرحمة تفترض ان نذلل النفس أمام الآخرين، ان نُعليهم علينا، ان نعتبرهم حقيقةً أفضل منا.

عزوني قليلا بترك كل واحد للآخر زلاته فلا يحاسبه عليها. إذا استمرت الحالة كما هي عليه الآن أدرك أني بنيتُ كنائس فقط وما بنيت قلوبا. الله يسكن قلوب الناس فلا تحزنوهم بالكبرياء.