بوركت هذه الأبرشية يوم الثلاثاء في الـ14 من آذار بزيارة السيد أنستاسيوس (يانولاتوس) رئيس اساقفة ألبانيا لها. اجل، أتت في سياق زيارة غبطته للكرسي الأنطاكي. غير ان غبطة السيد أنستاسيوس أكرمَ وخصّصَ لنا هذا اليوم حسب قلبه وحسب نشأته الاولى.
لعل سرّه انه يجيء من أخوية «الحياة» التي كانت نفحة التجدد الروحي منذ مفصل القرنين الماضيين. إحياء الناس بالكلمة المحيية مقتبَسة من الإنجيل ومبشرا به بكل وسائل التبليغ. والأخوية هذه، بعناصرها الفتيّة، انعطفت على حركات الشباب في اليونان. وهكذا عرفنا الرجل. رؤيته كنيسة الغد في انبعاثها وانفتاحها كانت رؤيتنا. وهذا ما جعله رسولا كبيرا وأسقفا كبيرا. ما من شك ان تعليمه في الجامعة ساعده على توضيح فكره ودعمه ولاسيما انه كان أستاذ الأديان بما فيها الإسلام. ولكن الروح الذي فيه هو الذي سيَّر الكنيسة الألبانية في السنوات التسع الأخيرة.
لقد نهض بكنيسة ألبانيا من صحراء كاملة (لا عمران، لا كنيسة واحدة) إلى وجودٍ لها ظاهر، فاعل. اتكأ على الايمان المحفوظ في الصدور اثناء اضطهاد ليس مثله في الفتك، اضطهاد محا كل معالم المسيحية ولم يفعل مثله نظام شبيه. تحدّى كل ذلك ولم يكن في يديه فلس، وكشف للعالم اجمع ان اهل المعرفة قادرون بقوة الروح وبعض الفطنة ان يقوموا هم ايضا بالعمران.
كل الذين استقبلوه أحسّوا بأن النعمة منسكبة على شفتيه وانها هي التي تبديه رئيس كهنة عظيما. وطئ ارضنا في دير سيدة كفتون. ولعل اهم ما شاهدنا فيه -وهذا في كل مَعْلَم من معالمنا- دخوله الى الهيكل وجثوه عند المائدة التي كان يلامس كل مرة بهامته كأنه يتكوّن منها. كانت هديّتنا اليه ايقونة القديس يوسف الدمشقي لنقول له ان وحدتنا في كل الكنائس هي وحدة الشهادة واننا متنا هنا لتحيا الأجيال بمن مات حبّا. وأخذ يشرح لنا كيف تمّت محاولة القضاء على المسيح في بلاده، ولكنه انبعث من تحت أنقاض التاريخ البشع لتُجدِّد ارثوذكسية ألبانيا شبابها كالنسر.
تناولنا طعام الغداء في دير سيدة النورية. فكانت له مشاهدة سريعة في الديرين لخبرة الرهبانية عندنا اذ جمعنا حوله رؤساء الأديرة كلها مع إخوة لهم. بعد الظهر زرنا بعض قرى الجبل المهجّر، وهناك رأى ان ما ذقناه من اوجاع شبيه بما ذاقه ابناؤه. في كل من البحمدونين والمنصورية وعاليه احتفى به المؤمنون. صلّى وأَنشدْنا وخَطَب فينا. لم يقل مرة: «بنيتُ وأسستُ» وما إلى ذلك. كان ينسب كل شيء إلى النعمة الإلهية.
كان لي فيما كنت أرافقه ان أعرف حكمته في الرعاية ومواجهته للصعاب. كنا أطلعناكم في «رعيتي» عن اهتمامه بالألبان المسلمين المهجَّرين من كوسوفو إلى ألبانيا. كنيسة فقيرة مثل كنيسته تجمع مالا من الدنيا لتحتضن مشردين ليسوا على ديانتها وليست على اليسر الذي يؤهلها للإحسان. مع ذلك كان المسيح يريد منا المشاركة.
آخر المطاف كان زيارة غبطته لكنيسة السيدة في منصورية المتن. كانت صلاة النوم الكبرى قد انتهت وكان الرجل متعبا للغاية. دخل دخول الملوك في جمهور من المصلّين أتوا من البلدة والقرى المجاورة. أَحسستُ ان الحماسة هنا قد ارتفعت والخشوع كان باديا. جوقة الأبرشية رأت انه يحلو ان تنشد «المسيح قام» فأنشدنا، ورتل هو ورفقاؤه طروبارية الفصح بلغتهم.
بعد العشاء وقفنا ولم نغادر الترتيل الفصحي، وهكذا بلا تحليل قفزنا الى الفصح لنقول لأنفسنا وللآخرين ان المؤمنين يستجيبون بعضهم لبعض بحب ذاك الذي قام من بين الأموات، وانهم يريدون فصحه الأبدي قيامة لكل الكنيسة.
