Category

2000

2000, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 19 آذار 2000 / العدد 12

120 سنة من حرب ملوك بيزنطية على الايقونات انتهت بتكريم الكنيسة للأيقونة في 11 آذار سنة 843 الذي وقع آنذاك في الأحد الاول من الصوم. وكانت الكنيسة المقدسة رأت أنّ تكريم الايقونة قائم على ايماننا بالتجسُّد، وذلك في مجمع نيقية الثاني المنعقد سنة 787. غير ان الاضطهاد لم ينته الا في الأحد الاول من صيام سنة 843.

لماذا سُمّي هذا الأحد أحد استقامة الرأي؟ لأن الكنيسة اعتبرت ان تكريم الايقونة ختم او دمغة للعقائد السابقة. هو تبيان ايمانك بالتجسّد الإلهي، والتجسّد مؤسَّس على ايمانك بالثالوث. لذلك اذا طفنا بالايقونات في آخر السَحَرية وأكرمناها بالانحناء نعلن قبولنا الايمان المسيحي كله.

كذلك عندنا (على رغم الإهمال الحالي) في نهاية السَحَر قراءة ما يسمّى الـ«سينوذيكون» وفحواه إعلان الحرْم على أصحاب البِدَع التي دحضَتْها الكنيسة الارثوذكسية وتعظيم القديسين المناضلين عن الإيمان. الشعب الارثوذكسي في العالم جعل افتخاره بإيمانه القويم، ومِن أجْله مات الشهداء في كل جيل. وأن يصوم جسدك عن طعام ما هو الا رمز لصيام نفسك عن الشهوات وصوم عقلك عن الخطأ ضد الايمان وأن يتلفّظ لسانك بالعقيدة السليمة. هناك تَماسُك كامل بين العقل والقلب والجسد، فما من منفعة لإمساكٍ عن طعام اذا لم يكن كلامك في الله ومسيحه والكنيسة كلاما صحيحا. وقناعتنا نحن انك لن تبلغ صحة التفكير في الأمور الروحية ما لم تتنزّه عن الشهوات، وعلى قدر ما تتحرر منها ينحو عقلك نحو إيمان صحيح. وقد دلّت معرفتنا للهرطقات انها تنبع من الكبرياء ومن عقل لم يخضع لتجلّيات المسيح. فلئلا يظن المؤمن أن جهاده ينتهي على صعيد الأطعمة، بات يعرف أن الجهاد الأكبر هو الايمان المستقيم. ولذلك كان من الغلط الشديد ان نقول ان الفرق بين الناس هو فقط الفرق بين الأبرار والأشرار. عندنا ان الايمان الصحيح جزء اساسي من البر. انت تَخْلُص بالايمان اولاً. فكما ان «الإيمان بلا اعمال ميت هو»، كذلك الأعمال بلا إيمان باطلة وغير مفيدة. اعمال مرتبطة بالمجد الباطل والدعاية السياسية مثلا تكون ضد الايمان ومدمّرة لصاحبها.

مع ذلك هناك من سمّيناهم هراطقة، وأبانت الدراسات الحديثة انهم ليسوا كذلك. مَثَل على ذلك ذيوسقورس بطريرك الاسكندرية الذي حرمه المجمع الرابع. تَبيّن الآن ان الحرم سببه تخلُّف هذا البطريرك عن حضور المجمع وليس لنكرانه عقيدة في الايمان. النية طبعا كانت نية المحافظة على الإيمان وليس التنكُّر لأشخاص. فاذا ثَبتَ نهائيا ان الرجل غير مخطئ في العقيدة وان أتباعه (السريان والأقباط) هم تاليا غير مخطئين، يكونون ارثوذكسيين حقا، وينبغي ان نرفع الحرمات عنهم وعن آبائهم. هذا هو اتجاه كبير عندنا اليوم. ولكن المجامع الارثوذكسية ينبغي ان تقول هذا رسميا لتحقيق الوحدة الكنسية بيننا.

لقد وعت الكنيسة الأنطاكية هذا قبل غيرها من الكنائس لمّا قررت خدمة إخوتنا السريان بعد الحرب العالمية الاولى في الأماكن التي لم يكن لهم كنائس فيها وقَدّمت لهم خدمة الأسرار المقدسة. وبسبب اقتناعنا بأرثوذكسية تعليمهم واقتناعهم هم بأرثوذكسيتنا، قررنا معا -وبانتظار حلول عالمية- أن نقدّم لهم جسد الرب اذا لم يجدوا كاهنا منهم او كنيسة لهم، وهم فعلوا ذلك بالتبادل. وكذلك قررنا المشاركة في الإكليل والمأتم اذا اقتضت الحاجة.

بصورة او بأخرى في كل الصيام نعلن تعلُّقنا بهذه العقيدة او تلك شرطا لرؤيتنا القيامة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أحد مرفع الجبن/ 12 آذار 2000/ العدد 11

الذين لا يفهمون الصوم يبرّرون أنفسهم بتعييرنا لماذا نُمسك عن طعام ولا نمسك عن الرذائل، كأنهم لا يرتكبونها، وكأننا وحدنا نرتكبها. نحن لا نباشر الصيام بالحزن الا اذا أردنا بذلك الحزن على خطايانا. ولذلك نقول في غروب هذا اليوم (اي الأحد مساء): «لنبدأنّ اوان الصيام بحبور». نحن طلاب فرح لأن كل همّنا في هذه الحقبة ان ننتظر الفصح وان نتذوقه خلال ايام منوّرة. ونؤكد أن صومنا عن الأطعمة يرافقه صومنا عن الأهواء اي عن حوافز الشهوة. نحن لسنا في سعي إلى تحسين صحتنا ولو نَفَعَ الامتناع عن اللحم. نحن في طريقنا إلى رؤية النور يوم القيامة. ولذلك قلنا عند الغروب بالتضاد مع الظلام: «قد أشرقت استنارة نفوسنا».

          هذا مؤسَّس على رسالة القداس (رومية 13: 11-14: 4): «ان خلاصنا الآن اقرب مما كان حين آمنّا. قد تناهى الليل واقتربَ النهار». نحن اذًا في شوق إلى القيامة واستباقها في الروح. نور المسيح آتٍ. يستنتج منه الرسول انه يجب ان نسلك «سلوكا لائقا كما في النهار» ويذكر بعض الخطايا التي تُناقض النور. ثم يقول: «البسوا الرب يسوع» اي التصقوا به كالتصاق الثوب بالجسد. واذا صرتم هكذا «لا تهتموا بأجسادكم لقضاء شهواتها» فإنها تطفئ النور فيكم.

          ثم يأتي انجيل اليوم (متى 6: 14-21) ليدعونا إلى الغفران: «إنْ لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم ايضا لا يغفر لكم زلاتكم». هذا يبيّن لنا ان الصيام ليس فترة لنقيم فرديا علاقة بالرب ولكن علاقة بالبشر ايضا. التطهُّر الداخلي هذا هو المبتغى. ولذلك يقول: «لا تَكنزوا لكم كنوزا على الأرض». حرب شرسة مع الأنا النهمة، المتضخّمة، المنغلقة تاليا على الله والإخوة.

          روحية الغفران المتبادل جعلت الكنائس السلافيّة تُسمّي هذا الأحد احد الغفران. وفي الارثوذكسية جمعاء، عند نهاية الغروب، ينحني الكاهن امام المؤمنين جميعا وينحني امامه كل مؤمن حتى الأرض ويقبّله. ثم يجثو كل مؤمن امام الآخر ويتشكل هكذا صَفٌّ بحيث يكون كل واحد قبّل كل الحضور. وفي هذا السجود العميم يرتل الروس قِطَعا من عيد الفصح. في فلسطين، في شهادة لصفرونيوس اسقف اورشليم، يجتمع الرهبان في كنيسة الدير ويستغفرون الرئيس وبعضهم بعضا بالقبلة وينطلقون إلى البراري كل منهم وحده (طبعا يعودون مساء السبت من اجل مناولة يوم الأحد). ويردّدون الاستغفار في مساء كل احد، وهذا وارد في طقوسنا حتى اليوم. كل هذا يؤكد ان صياما بلا محبة الإخوة عقيم. ولهذا كان الكهنة في بلادنا حتى الأمس القريب يسألون المعترف اذا كان في حالة المصالحة مع كل الناس شرطا لتناوله في اسبوع الآلام. هذا المعنى نجده في آخر سَحَرية الفصح: «اليومَ يومُ القيامة فسبيلنا ان نتلألأ بالموسم، ونصافِح بعضُنا بعضا ولنقُلْ يا إخوة» (اي نُقبّل بعضُنا بعضا ونعتبر الكل إخوة). بدء الصيام ونهايته في اعتبار الآخر أخا.

          من هنا ان المؤمنين الراسخين يهنئون بعضهم بعضا عند حلول الصيام كما في انتهائه. أنت تَعْرض غفرانك. مَن قَبِلَه وغفر بدوره يكون قد دخل في الصيام مباركا وإلا كان صومه مجرد نظام طعاميّ تافه. من بعد أن حلّت محبة الله فينا بتجسُّد الابن لا يبقى لنا غير سر الصعود.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة/ 5 آذار 2000/ العدد 10

هذا اسم آخر لأحد مرفع اللحم الذي نحن فيه اليوم. يتبع منطقيا ذكرى سبت الأموات لأن تجمُّع الأحياء والأموات يمهّد لذكر الدينونة. يكمل فكرة العدل والرحمة الظاهرة في أحد الابن الشاطر، ويُبرز الاستعداد الروحي لصوم الجسد (كنتُ جائعا فأطعمتموني). يحث على التوبة لأن اليوم مطلوبة منا التوبة «قبل الانقضاء». نَستبِقُ النهاية ونسترضي الله قبل الدينونة العظيمة.

          ويؤكد القديسون أن الديّان العظيم لا يسألنا عن الأصوام ولكن عن حالتنا الداخلية. «ويحٌ لكِ أيتها النفس المدلهمّة؛ إلامَ لا تنقطعين عن فعل الرذائل؟ حتّامَ تضطجعين بالتواني؟ لم لا تتفطّنين في ساعة الموت المخيفة؟ لم لا ترتعدين بجملتك من منبر المخلّص الرهيب…». المطلوب إذًا الصوم الروحي. رهبة كبيرة: «ها يوم الرب الضابط الكل يوافي، فمَن يحتمل خوف حضوره». رهبة لأننا جميعنا عراة لدى الحاكم العادل. إزاء ذلك التذكير بنصيب الصدّيقين (إذا صرنا منهم) فإنهم «إلى الخدر السماوي بفرح وابتهاج يَدخلون». المطلوب الانتباه قبل الانقضاء. مع ذلك رجاؤنا أن الله متحنن إن عدنا إليه. هذا يعطينا سرورا بالمسيح الإله القائم من بين الأموات. هذا الأحد إذًا ذِكْرُ الرهبة لا يُهمل قيامة المسيح المعزّية.

          ليس فقط في هذا اليوم، ولكن في كل يوم من الصيام، نتذكّر الدينونة. الزمان العادي الذي نعيشه «ليل» تسوده الخطيئة، ولكن في النسك يتراءى نور المسيح «شمس العدل». ننتظر القيامة ونَستبِقُها. كل شيء سيذوب في الحب الإلهي. يشترك فيه الأبرار وتحترق فيه الخطيئة. في المحاكمة لا يستطيع أحد أن يُخفي خطيئته. الحقيقة الإلهية الساطعة توبّخنا. وبهذا قال إسحق السرياني: «كل من كان في جهنم تجلده المحبة الإلهية… إذ المحبة تعمل بطريقتين مختلفتين. إنها إياها ألم في المغضوب عليهم، وفرح في المغبوطين». الذين صنعوا الخير يفرحون بانتظار المكافأة. أما الخطأة فيصرخون من انتظارهم العقاب وانفصالهم عن المختارين.

          لذلك ركز هذا الأحد على أن العقاب قريب مِن الذين لم يتوبوا. نار جهنم هي احتراقنا بالشهوات التي لا يطفئ سعيرَها شيء. الإنسان هو الذي يواجه نار الجحيم بخطاياه. فلَسنا في الحقيقة مَرميّين في نار بعيدة عنا ولكن في نارٍ فينا. جهنم النار ما هي إلا إفصاح ظاهر عن رفضنا للمحبة الإلهية. «إذا كنتُ محاطا بكلام الخطيئة فأنا حقًا في جحيم الناس».

          ومع كون الخاطئ يستحق العقاب، لا ييأس من الرحمة الإلهية. ولهذا يرجو قبل الانقضاء أن يغفر له الرب بالفضيلة والتوبة.

          الخاطئ قبل أن تغلق عليه أبواب الخدر السماوي ينبغي أن يسلك الطريق الوحيد للخلاص وهو التروّض الروحي بالبكاء والقيام بأعمال الرحمة. هتافه إلى الرب: «قبل النهاية خلِّصْني يارب لئلا أَهلك»، «يا نفس، يا نفس قومي…النهاية تقترب». يجب أن يَستبِقَ الخاطئ الدينونة إذا حَكَم هو على نفسه. إن ماء الدموع قادر أن يطفئ نار جهنم.

          رؤيتنا للمصلوب قادرة وحدها أن تجعلنا نذرف الدموع. جهد الإنسان أن يجعل المسيح ينزل إلى جحيم النفس الآن ليقوم مع المسيح إذا استأصل في نفسه الشهوات. يحرق هنا ملذات الجسد قبل أن تحرقه النار في اليوم الأخير. هذه هي المعمودية الحقيقية التي نتعمّد فيها بالنار الإلهية والروح الإلهي.

          ولهذا شدد الآباء على ضرورة تَذكُّرنا الموت، على رؤية المرء نفسَه ترابا. فليَدْعُ اسم يسوع إزاء ذلك ويتّضع. هذا هو السهر الروحي الذي يجعلنا في الأسبوع العظيم نتهيأ لخدمة الخَتَن أي العريس الإلهي. ولكن لا عرس لنا مع المسيح إلا بالنقاوة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

وبِّخ واغفر/ الأحد 27 شباط 2000 / العدد 9

المسيحية فيها لطف كثير يوحي أحيانا بأننا نتفرج على الخطأ ونسترخي أمامه. والحق ان الوداعة والسلاسة في التعامل لا تنفيان اتخاذ موقف شديد إذا كان ضروريا. لذلك كثيرا ما تكلم الكتاب المقدس عن التوبيخ. لقد قيل عن السيد انه «ابتدأ يوبخ المدن التي صُنعت فيها أكثر قواته لأنها لم تَتُب» (متى 11: 20). تنبيه أيّ منا للخاطئ يمكن ان يصل إذًا إلى حد اللوم الشديد.

ولئلا يتأفف المؤمنون من ملاحظات المسؤول، لا يطلب بولس الرسول من الأسقف فقط ان يعظ ولكن ان «يوبخ المنافقين» (تيطس 1: 9). التوبيخ -حسب المناسبة والموضوع- قد يأتي جزءا من العظة لأن مَن أَحب يؤدِّب. أية محبة هذه التي لا تستهدف التقويم؟ وهنا اشتهر يوحنا المعمدان الذي وبّخ هيرودس لسبب هيروديا مع ان الملك كان يصغي إلى القديس بانبساط. الهاجس عند الأخ المحب هو ان يفضح أمام صديقه أخطاءه حتى يُقرَّ بها فتعوم على سطح النفس ولا تبقى في قاع النفس، مخبأة. وفي هذا قال بولس: «الكل إذا توبخ يُظهَر بالنور» (أفسس 5: 13). وليس عندنا من صداقة بحيث تكون أخطاؤك مخفية وأخطائي مخفية فلا تَكاشُف. هذه ليست صداقة. هذا تآمر على الحق.

ربما أصلح الإنسان نفسه بلا موآزرة مرشد. ولكن كثيرا ما أحب الإنسان معصيته إذ يدمر الإنسان نفسه ويعرف أحيانا انه يدمرها. ويفضل خرابها على ترميمها. لا يمكننا ان نشاهد أحدا يهوي في الجحيم ولا نسعفه لارتفاعه.

قد يتبادر إلى الذهن ان مَن أخطأ إليك تدعه بلا لوم حتى لا تظهر مزعجا أو قد تنطوي على فعلته لأنها تحزنك. أما الرب فيقول: «ان اخطأ إليك فوبّخه» (لوقا 17: 3). متّى أضعف لهجة: «ان اخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه» (18: 15). لماذا يجب التوبيخ؟ لأنك أنت عالم بخطيئته ولا يجوز ان تُفشيها لئلا تصير نميمة. وليس دافع التوبيخ أن الخاطئ خضك أو جرحك فأساء إليك وأحدث لك مرارة. لست أنت همّ نفسك وليست القضية قضية عزة نفس. أنت زاهد بنفسك وزاهد بجرحها. أنت يَهمّك الآخر الذي جرح نفسه فيما جرحك. أنت همك خلاصه من الشر لا خلاصك من الحزن. أنت تحزن عليه. وهذه هي فلسفة المحبة عندنا بما فيها محبة الأعداء أن هاجسنا أن يشفوا هم.

المهم الا تنفعل إذا وبخت فإن الغضب يذهب كل فائدة عن التوبيخ. والغضب يعني انك مهتم للجرح الذي أُصبت به لا للسوء الذي حدث في نفس مَن أخطأ إليك. في هذا السياق المهم ألاّ تقسو والا تشتم الآخر فإن الشتم ليس توبيخا. بيّن وجه الخطأ، اكشف طبيعة الغلطة حتى يدرك الخاطئ جسامة فعلته.

بعد هذا «إن تاب فاغفر له» اذ يكفيك ان يعود إلى الله. من الله يعود اليك.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

«أوّل قربانة» أيضًا وأيضًا/ الأحد 20 شباط 2000 /العدد 8

كنا قد اتفقنا مع الكنائس الكاثوليكية على صعيد البطاركة في هذا الشرق ان المدارس لا يجري فيها الاحتفال بالمناولة الاولى ولكن هذه تؤخذ في الرعية. الجانب الأرثوذكسي كان صاحب الفكرة، وتقبّلها السادة البطاركة الكاثوليك برحابة صدر. وكان جميعنا يعلم ان هذا القرار لن يكون سهلا على بعض المدارس المتعلقة باستقلاليتها، ولكن قيل لنا ان هذا القرار ارتضته المدارس الكاثوليكية.

غير ان الأخبار التي تردني في هذه المنطقة تدل على ان بعضا من هذه المدارس أخذ يطلب من تلامذتنا الأرثوذكسيين ان يستحصلوا على إذن من ذويهم لإجراء المناولة الاولى في «الرعية» والمراد بها طبعا الرعية الكاثوليكية المجاورة. هكذا تكون هذه المعاهد تقيّدت بالظاهر بأمر رؤسائها اذ ألغت المشاركة بأول قربانة في المعاهد نفسها، وحوّلت الاولاد إلى الرعية. ظاهر القرار محافَظ عليه، ولكن هناك مخالفة لروح القرار، لأن ما أردناه نحن في التفاهم مع الرئاسات الكاثوليكية ان يتناول الصبي أو البنت في رعيته الأرثوذكسية إن كان أرثوذكسيا. فنحن لا نرفض فقط عبارة «أول قربانة» اذ نأخذها نحن مع المعمودية، ولكنا نرفض مبدأ مشاركة الأسرار في الكنائس غير الأرثوذكسية.

لن اعود اليوم لأذكّر بأن مبدأ عدم المشاركة واحد عندنا وعندهم، ولكن كثيرا ما يحدث عندهم ان كاهنا معيّنا يتساهل بأوامر كنيسته ويتصرف من عنده. ونحن اكثر تقيدا بأوامر الرئاسة الروحية. القاعدة في المسيحية ان العقيدة السليمة عند المتناوِل شرط مناولته. وينتج عنها أن مَن خرج على هذه العقيدة وتبنّى عقيدة اخرى ليس شريكك في المعتقد، وتاليا ليس شريكك في الكأس. فالكأس الواحدة صورة التعبير عن الإيمان الواحد.

قد نعود إلى بحث مستفيض اذا اضطرّنا الأمر. ولكن أودّ اليوم ان أقول شيئين: أولاً) اننا آسفون ان بعض الإدارات المدرسية يتفلّت من قرارات البطاركة. ثانيًا) ما يغيظني بالدرجة الاولى ان بعض الأهل يطلبون من كاهن الرعية الارثوذكسية إذنًا لولدهم بالمناولة في رعية كاثوليكية كأنهم لم يطالعوا في هذه النشرة ما كتبناه مرارا ولم يفهموا ان كنيستنا -لا الأهل- هي التي تقرر في أمور الدين. وكنا قد حذّرنا المدارس ان تتعاطى مع اهل التلاميذ على هذا الصعيد اذ عليها ان تتعاطى معنا بواسطة الرؤساء الروحيين الكاثوليك.

يحزنني بالأكثر ان يشعر بعض الأهالي أن ولدهم يجب ان يُسَرّ مع رفقائه وان يعمل مثلهم. لماذا لا يقول هؤلاء لابنهم عندك كنيستك وتناولتَ فيها منذ شهر أو سنة أو كذا وعند عمادك؟ كيف تقبل ان تعمل «أول قربانة» وهذه ليست كذلك؟

أودّ ان يفهم الأهل أن لنا هوية ولنا أصالة ونُظهرها بلا خجل. نحن لا نخاصم احدا على انتمائه المذهبي. لماذا هذا «الكعر» لأرثوذكسيتنا؟ واذا كان للإدارة المدرسية عذر جهلها لمواقفنا أو رفضها الواعي لمواقفنا، فماذا يعذر لنا نحن هذه الهرولة إلى إخوة مسيحيين نحبهم ونحترمهم ولنا معهم حوار، ولكن لم تكتمل بعد عندنا واياهم شروط الوحدة، وليس عندنا تاليا قدرة على ان نجتمع معا على مائدة الرب.

الكنيسة عندنا شفافة وتحب كل المسيحيين. الذي يعرف نفسه في الحقيقة ابنًا لكنيسته يقول قولها ويتصرف كما تريد منه ان يتصرف وذلك لخلاص نفسه وإدراك الله بإدراك الحقيقة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

تقاسيم على الـمحبة/ الأحد 13 شباط 2000/ العدد 7

لقد علّمني الأرشمندريت ليف جيلله Gillet الفرنسي الذي انضم إلى الأرثوذكسية في أواخر العشرينات في باريس أن من خير الوسائل لتقضي على بغض إنسان محدد أن تذكر اسمه في صلاتك، فإنك إذا رفعت اسمه إلى الرب بضع مرات تتخذه إلى قلبك أيضا. كان يقول لي: «سمِّ عليه اسم يسوع». إذ ذاك يكون مشمولاً بحضرة السيد. وقد يتغير. وأنت لا بد أن تتغير.

في حياتنا اليومية نجافي هذا أو ذاك لكوننا أسأنا فهم كلمة منه أو تصرُّف أو لأنه جرحنا وحسبْنا عليه خطيئة التجريح. أمام هذا قد لا ينفع العتاب أو لا بد من تأجيله حتى يهدأ. في هذه الأثناء ضمّ اسم المسيء إلى صدر المسيح ترَه على صدرك أنت. بعد هذا لك ان تعاتب برحمة.

لمّا كنت اسأل هذا المؤمن أو ذاك إن كان عنده المحبة لمن أساء إليه، كان يجيب: «أنا لا أكرهه». هذا طبعا ليس محبة. هذه آدمية مهذَّبة. أن تحبه هو ان تنتبه إلى أتعابه، إلى تعقيداته، إلى حزنه ومسراته وأن تخدمه في الوضع الذي يكون فيه. المحبة لا تنتظر. انها تبادر. اذكر السامري الشفوق كيف يضمد جراح الجريح ويأخذه إلى فندق (أو مستوصف بلغة اليوم) ويطلب ان يُعتنى بأمره. انه يلتزم بالإنسان المشلوح التزاما كليا. طبعا لا يمكنك ان تأخذ عشرات الناس على عاتقك ولكن الذين وضعهم الرب على طريق حياتك، بدءا بأهل بيتك ومن تعمل معهم والأصدقاء، وعلى وجه التخصيص المرضى والحزانى منهم. هؤلاء رعيتك. لا تهملهم. أية التفاتة إليهم، وبخاصة عند ضيقهم وإذا تمرمروا وصارت لهم صدمة، تؤتيهم فرحا كبيرا. كل إنسان منا يعيش من انتباه تلو انتباه. الجبار روحيا هو فقط الذي يكتفي بافتقاد الله له. ولكن الله يريد لنا رعاية بعضنا لبعض، فإن خيوطا عجيبة تربط بين القلوب وكأننا إنسان واحد مفصول قاماتٍ مختلفة.

لا تحسبنّ ان عند قريبك حادثة تافهة. في نظره هو قد يكون لها أهمية كبيرة. لا تقل في نفسك مثلا أنا أزور رفيقي إذا أصابته محنة كبيرة فقط. فقد تصيبه رضّة. فإذا علمتَ بها خذ الهاتف وافتقده. تَقرّب من الناس يرتاحوا في ذلك اليوم إلى ربهم. ليس المهم ان تحافظ على أصدقائك لاستمرار تعزيتك بهم. المهم ان يعيشوا هم في عزاء. «كنتَ أمينا على القليل، سأجعلك أمينا على الكثير». جزئيات الأمور اليومية قد تكون على مستوى الهناء الشخصي أهم الأمور. وهذا الهناء فيه دائما شيء إلهيّ.

في الجزئيات هذا يعني أن تُكلّم زوجتك وأولادك في المساء برقّة وإبداء عناية. وإذا كنت رب عمل وحولك موظفون، ازرع كلمة اهتمام بصحة كل واحد واسأله عن عائلته. هذا مَثَل من أمثال. إذا عظمَتْ مسؤوليتك تدفعك نفسك ويدفعك عملك ان تحتاط بمقربين. هذا من طبيعة العمل وطبيعة الإنتاج. ولكن الحد الأدنى من اللياقات مطلوب منك. ألاّ توجه كلمةً تحمل طابعا شخصيا لمعاون لك يوما بعد يوم يحزنه. كل معاون يريد أن يكون موجودا في عيني من يستخدمه. امرأتك وأولادك وأنسباؤك يحبون ان ينوجدوا في عينيك. المزاجية مسموحة بمقدار قليل. وإذا سمعت ان فلانا يحس بمتروكية عظيمة فاجهد ان تخلق الفرص والوسائل لإنقاذه من متروكيته. أحيانا لا تفهم لماذا يشعر هذا بأنك تعامله بجفاء. ضاعف المسعى وبادر إلى الاقتراب منه أو تقريبه منك. المهم ألاّ يحيا احد منا وحيدا.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة والشدّة/ الأحد 6 شباط 2000 / العدد 6

الرحمة موقف القلب من الخاطئ والمسيء. هي الغفران له وألاّ تحمل الحقد عليه وأن تعامله بوداعة. ولكن هذه كلها يرافقها لين أو ترافقها شدة من أجل تربية الخاطئ. والتربية تكون بلا انفعال. يقررها العقل الفاحص الوضع والمحب معًا. «كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم» (لوقا 6: 36). هذا تابع لقوله: «أحِبّوا أعداءكم»، ويتبعه «لا تَدينوا… اغفروا»، ويتبعه أيضًا: «لماذا تنظر القذى في عين أخيك»؟. ان احتضان الله لنا يقودنا إلى احتضان الآخرين. أبوّة الله للجميع تستتبع أُخوّتنا للجميع.

غير أن المحبة ليست بلا تأديب. «من أحبّه الرب يؤدبه». والكتاب نفسه الذي يتكلّم على محبة الله فهو القائل: «من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تَذَّخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب» (رومية 2: 5). ان الرب عندما يغضب عليك يبقى محبًا لك، ولكنه بغضبه يربّيك. أبوّته تفرض عليه أن يعيدك إلى وعي نفسك ابنًا. جاء في الرسالة إلى العبرانيين: «قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدِّبين، وكنا نهابهم». ولئلا يظن من نؤدبه انه مكروه، تابع الرسول فكره بقوله ان الذين يتدربون بالتأديب يعطيهم الرب ثمر بِرّ للسلام. ويتابع فكره هذا بقوله: «قوّموا الأيدي المسترخية والركب المخلّعة». هذا العلاج يحتاج أحيانًا تمارين قوية.

اللين أسلوب وليس غاية أو منطلقًا. قد يأتي بثمار مع الطبائع الحساسة المرهفة، ولا يؤتي ثمارًا مع الطبائع الغليظة أو التي صَمّمت على السوء. هذه لا تنفعها الا الشدة التي تذهب أحيانًا إلى حد الكسر. طبعًا بعد الكسر جبر. ولكن لا بدّ أحيانا أن نمرّ بالكسر سبيلا إلى الشفاء. لا بد من صفعة أحيانا (معنوية). ولا بد من قطيعة أو قطع أحيانا أخرى أو من سخط وإظهار سخط. قد لا ينفع الصراخ أبدا، ولكن ينفع الكلام القاسي الذي لا شتم فيه ولا إهانة ولا تحقير لئلا يفهم الخاطئ من صمتنا اننا نوافق على فعلته أو انه لم يجرح الحقيقة.

المهم ان نبيّن للمخطئ اننا لسنا ثائرين من اجل كبريائنا، ولكنا ثائرون من اجل الحقيقة، ولنا غيرة على المخطئ لكوننا نريده ان يعود إلى الحقيقة. وقد لا يعي انه شَذّ عنها إذ لم ينضج روحيا ليفهم انه شذ. علينا، إذ ذاك، ان نُعيد الحسّ الروحي إليه أو ان نذكّره بالوصية الإلهية التي خالف إنْ كان له إحساس بها. لنا ان نبيّن له وجه الخطأ في تصرفه وطبيعة الانحراف الذي انحرف به.

وهذا كله يعني علاجا هادئا صبورا. فالصمت على الخطأ يعني اننا نريد الا ننزعج ولا نُخَضّ، ويبقى المرض ونكون غير محبين لمن شخّصنا مرضه. أن نهمل الأمر ونتّكل على الزمن، فالزمن لا يؤتيك دائما بتهدئة، وتتكرر الأخطاء وتتراكم فتنفجر. التريُّث وقتا قصيرا نافع لمواجهة المشاكل بهدوء عند المؤدِب والمؤدَب.

العظيم مَن إذا أَدركَ خطأه يحيد عن عناده ويعترف. الذي نصالحه هو من قد صالح الحق وارتضى نفسَه في الحق. أن نربّي الناس على ان الحقيقة تنجّيهم وأنهم إذا انوجدوا فيها فهُم في سلام وفرح، هذا وجه كبير من وجوه المحبة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الفرق بين النصيحة والأمر/ الأحد 30 كانون الثاني 2000/ العدد 5

لست أتكلم هنا عن العلاقة بين رئيس الدير والراهب عنده من حيث الطاعة. هذه العلاقة كُتب فيها الكثير وهي منطلقة من ان الأب الروحي وديع ومتواضع ويلد الآخرين في المسيح. الطاعة مبنية على فضائل الأب الروحي لأن الدير ليس ثكنة، وعندما يصفنا بولس الرسول بجنود للمسيح فإنما يتحدث عن جدّيتنا في التزام المسيح وليس هذا تشبيهًا للكنيسة بجيش.

المسيح وحده يأمرنا لأنه الرب وعنده كلمة الخلاص ويستحق الطاعة لأنه هو أطاع الآب وبذل نفسه حتى الموت، موت الصليب. ونحن نطيع أولئك البشر الذين تنزهوا عن الأنا وأدركوا النضج الروحي الكبير والاستنارة فيوجّهون بلا انفعال ولا غرض ولا هوى سيطرة. دنيسيوس الأريوباغي، وهو كاتب من بلادنا ظهر في مطلع القرن السادس، يقول ان من حصل على الاستنارة يؤتى به كاهنا. معنى ذلك انك تطيعه ليس لأنه مرسوم كاهنًا، ولكنهم رسموه كاهنًا بعد أن استنار ولاحظوا ذلك. الكهنوت بحد نفسه لا يُعطي نضجًا روحيًا وأبوة روحية. ليس لأن إنسانًا رُفع إلى مقام يجعله حرًّا من الأهواء وتاليًا صالحًا للإرشاد. الروح القدس وحده يؤهل للإرشاد الحق.

ولقد فهمت الكنيسة هذا إذ انها لا تولي الكاهن حق الممارسة للاعتراف بمجرد رسامته، ولكنـها تنتظـر أن يحلّ عليه الروح ويعطيه النضجَ لكي يُخَوَّل حق الإرشاد للناس. من باب الرجاء نطلب له أن يحصل على الأبوة الروحية. في الواقع نخوّله حق الحلّ من الخطايا. ولكنه لا يصير مرشدًا بصورة آلية. هذا مرتبط بدرجة اقترابه من المسيح.

كم يقتضي هذا أن يدرس الكتاب وأن يمارس الصلاة في عمق وحرارة وأن يتطهر من خطاياه. إذا لم يدرك مقدارًا من هذا كبيرا، لا يأتي كلامه من الروح. مَن عرفَ نفسه ضعيفًا فليحلَّ الناسَ من الخطايا ولا يقل شيئًا. سرّ التوبة يكون قد تمّ. التوجيه الحقيقي يعلّمه الروح القدس ولا تجده في الكتب.

ولكن إذا ألهمك الروح أن تجترئ شيئًا فاجترئ نصيحة لا أمرًا. وبهذا كتبَ أحد رؤساء الأديرة الروسية، نيكون المتوفى السنة الـ 1963، بناء على تعليم القديس إغناطيوس بريانتشانينوف، قال: «أذكّركم اني لا أشترط على أحد أن ينفّذ نصائحي في كل الأحوال. النصيحة مجرّد نصيحة، وأمّا القرار الأخير فللشخص الذي طلب النصيحة» (من رسالة له في السنة 1951). وقد رأى ان كهنة عصره لم يكونوا قادرين فعلا أن يكتشفوا إرادة الله في ظروف محددة. يمكنهم أن يوضحوا فقط وصايا الله. وهكذا أوضح الأب نيكون لإحدى بناته الروحيات أن تعتبره رفيق درب أكثر من أن ترى فيه أبًا. وقال انه عليها ألا ترى فيه أكثر مما هو، وأن تحس انها حرة أن تتركه إذا شعرت ان نصائحه غير مفيدة.

هو لم يكن له أب روحي. فلجأ إلى القراءة والصلاة اللتين تنفعان كثيرًا إذا لم يوجد آباء روحيون عندهم روح التمييز.

ومن الواضح كثيرا انك إن أرشدت لا ينبغي أن تقتل شخصية الابن الروحي، فأنت لا تفكر عوضا عنه. دعه يفكر وينمو ويأخذ مسؤوليته أمام الله. «لا يستطيع أحد أن يحلّ لآخر المشاكل التي تطرحها عليه الحياة» (هنري برغسون). لا تعطل دماغ أحد ولا قلبه. قال الله: «يا بنيّ أعطني قلبك». ساعده لكي يرتفع قلبه إلى ربه. هو يتوكأ عليك. أنت ارمِهِ عند قدمي السيد وتوارَ.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الموقف التربوي/ الأحد 23 كانون الثاني 2000 /العدد 4

ليس من موقف أخير من إنسان مجرد تبادل أفكار. كل عطاء عقلي معاملة أي علاقة كيان بشري بكيان. الموقف الفلسفي البحت نفسه له علاقة ما -ولو ضعيفة- بالقلب. الإنسان وحدة كاملة وليس مجرد دماغ. الموقف العلمي نفسه التزام. العقل البشري ليس قطارا ينتقل من محطة إلى محطة. هو مواجهة وإلى حد ما احتضان.

لذلك اخطأ من ظن انه إذا أورد حججا مقنعة -أي هي عنده مقنعة- تنتقل آليا إلى عقل آخر. هناك ناس لا يستسلمون للمنطق وكثيرا ما أزعجهم المنطق الصارم. هناك من لا يخضع للحقيقة إذا أثبتناها. فإنها مثبتة عندنا. فمن الناس من إذا اقتنع يتحرك قلبه، ومنهم من إذا تحرك قلبه يقتنع. فهناك عقول راجحة وعقول اقل رجاحة. هناك من يفهم بقلبه وحدسه. هناك من يعالج أفكارا، وهناك من لا يعلو عقله الحادثة المحسوسة ويدور حديثه دائما حول قصص الحياة اليومية.

نحن المسيحيين عندنا علاقة كبيرة مع العقل وعلاقة مع القلب. ولكن ثمة نماذج بشرية أدنى إلى التعقل الهادئ، ونماذج ادنى إلى التأثر والانفعال. فمن كان اقرب إلى العقل يحلل ولكنه يصدّق الناس حتى يثبت العكس. ومن كان ادنى إلى الانفعالات كثيرا ما أساء الظن. يتعامل مع فعل الآخر بردّات فعل.

فلكون العقل والعاطفة مختلطين عند كل إنسان لا بد من إيصال الحقيقة إليه، الحقيقة الشافية عن طريق العاطفة والعقل معا. وخصوصا لا بد من احترامه احتراما كليا. فالإنسان السامي الأخلاق لا يجرح أحدا ولا يستعلي عليه حتى يبقى قلب الآخر صافيا ليفهم. فأنت صعب عليك ان تقبل حجةً من شخص تعرف انه يكرهك. تردّ حجته بانفعال. يجب ان تشتري محبته لكي يقبلك ويقبل افكارك. قد يحبك ويرفض فكرك ولكنه لا يرفض شخصك. فالتربية ليست ان تنزل إلى مستواه العقلي فقط ولكن ان تنزل إلى وضع قلبه. وهذا يعني ان تكون متواضعا منكسر القلب.

شرط التواصل ان تكون هادئ اللهجة. فالصراخ يقطع التواصل لأن فيه، عادة، رفضا للشخص الآخر. من تصرخ بوجهه يظن انك تكرهه في الوقت الذي تصرخ فيه، فلا يصغي وقد لا يسمع.

إذا توترت أعصابك لا تتكلم. هدئ من روعك. اصمت فترة حتى تحس انك صرت هادئا. عندئذ يصفو عقلك أيضا ولا تصدم ولا تجرح.

أما إذا سمعت محدثك يصرخ فصلِّ من اجله في اللحظة واحتضنه في قلبك. وإذا رأيته محتدما جدا أَرجئ الجواب إلى وقت آخر ولا تعاتبه الا إذا كان من المقرّبين إليك. فبعض الصارخين يشبهون الوحوش الزائرة ويشتمون أو يسبّون. إنسان كهذا غير قادر على الفهم. وإذا استطعت ان تجيبه بعد هدوئه فاجعله أولا مطمئنا إليك بكلمات ودّ قد يقبلها وقد لا يقبلها.

هذا موقف تربوي. فليست برودة الأعصاب عدم إحساس أو قلة إحساس، إذ المهم ان يفهم مخاطبك انك على تلاقٍ وإياه ولست بعيدا ولكنك هادئ. كلّمه وأظهر اهتمامك بالموضوع وبشخصه. ولكن في أية حال كن صادقا وبيِّن له انك غاضب داخليا ولكن بلا صراخ واكشف اختلافك ونقاط اختلافك ولا مانع ان تجعل بينك وبينه قطيعة ولو إلى حين علّه يفهم انك حزين. ولكن اجعله يفهم ان القطيعة لا تتضمن كرها لشخصه. لك ان تباعد بينك وبينه حتى يرتدع لتصالحه على الحق.

فالشيء الهام الوحيد ان تبتغي الحق، فمرادك ان يأتي الآخر إلى الحق وليس المقصود ان تنتصر أنت. أنت لست بشيء. أنت فقط خادم للحقيقة. روِّضه على محبة الحقيقة. بهذا المعنى أنت مربّي كل إنسان جعلته الحياة على دربك. أنت لست على احد بمسيطر. أنت تأخذ بيد الناس لتقودهم إلى الله الذي يحيي قلوبهم. أنت مؤدِّب لأنك محب.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة من أجل الوحدة/ 16 كانون الثاني 2000/ العدد 3

الكنيسة الأرثوذكسية صلّت دائما وتصلّي من أجل الوحدة. تقول في قداس باسيليوس: «أَخمِدْ شقاقاتِ الكنائس». ولما نشب الخلاف بين البطريركية المسكونية وبطريركية رومية السنة الـ 1054، كتب البطريرك ميخائيل القسطنطيني إلى البطريرك الأنطاكي بطرس الثالث عن خلافه (أي ميخائيل) مع اللاتين مُتشكّيًا من بعض عاداتهم فأجابه الأنطاكي: «دع الخلاف داخل الكنيسة» بمعنى الا تتعجل أمر الانقسام مع رومية حتى نبقى على مناقشة أخوية في ما بيننا.

ثم مرّت القرون وحاولنا أن نعيدَ الوحدة في مجمع فيراري-فلورنسا السنة الـ1438، فلم تنجح مساعي الوحدة، حتى أطلقَ البطريرك المسكوني السنـة الـ 1920 رسالة دعا فيها إلى حل المشكلات، وكانت النتيجة تأسيس مجلس الكنائس العالمي، وفي هذه المنطقة مجلس كنائس الشرق الأوسط، للتقارب والتعاون التماسا لوحدةٍ، الله وحده واهبها في أوان رضاه.

منذ خمسين سنة ظهرت حركة تدعو إلى الصلاة من اجل الوحدة خُصِصَ لها أسبوع دُعِيَ أسبوع الصلاة من أجل الوحدة يقع بين 18 و 25 كانون الثاني من كل سنة نلتقي فيه لرفع أدعية طلبا لهذه الوحدة: فما يبدو صعوبة كبرى على صعيد العقل قد تذلّله أدعية الأتقياء.

غير ان الوحدة تعني إزالة الحواجز على مستوى العقيدة. قلت مستوى العقيدة لأن العادات الطقسية تبقى حرة إذا لم تكن تُناقض الإيمان. فالطقس اللاتيني يبقى كما يبقى الطقس البيزنطي. ولا يبدو اليوم ان اللاهوتيين يطرحون مسائل قديمة مثل شكل المعمودية (رش أو تغطيس) أو شكل المناولة (خبز فطير أو خمير). هناك تفاهم على ان التقاليد الإقليمية ليست حواجز.

الاختلاف الحقيقي باعتراف جميع الفرقاء هو حول مفهومنا للكنيسة. هل هي شركة إيمان وأسرار في هيكلية تتساوى فيها الكنائس فيكون لكل منها استقلال ينفتح بالمحبة فلا تكون الكنائس منصهرة على شكل هرمي أي لا يكون رأس تنفيذي يُصدِرُ الأمرَ لكل المؤمنين والأساقفة بناء على تفويض إلهي. هذه هي باختصار الرؤية الأرثوذكسية وفيها ان أسقف رومية هو أول بين إخوة متساوين، يرئس اجتماع البطاركة، وقد يلعب دورا تنسيقيا ويكون رمزًا للوحدة العالمية بيننا، ولكنه ليس «أسقفا عالميا». هذه العبارة التي لا يستسيغها كثير من اللاهوتيين اللاتين يستعملها البابا الحالي باستمرار. يبارك البطاركة والمطارنة. ما يحسّه كل متتبع للوضع الحالي في الكنائس ان الكنيسة الغربية، مع كونها قالت بالكنيسة المحلية (الإقليمية)، ومع كونها أَوْلَت الأسقف المحلّي أهمية وتكلمت عن جماعة أسقفية، إلا انها تعيش نوعا من التناقض بين الكنيسة المحلية والكنيسة العالمية. لم تستطع ان تبني هيكلية تنسجم فيها الكنيسة المحلية وكنيسة العالم. فكيف تكون كنيسة فرنسا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة محلية ولا تستطيع ان تنتخب أساقفتها؟ أي إنه يُعترَف ببعض جوانب الاستقلالية المحلية ولا يُعترف بجوانب أخرى.

طبعا لا بد من معالجة هذه الأمور بالتلاقي بيننا. الاجتماع الرسمي الأعلى بين الكنيستين سيُعقد في بالتيمور (أميركا) في تموز المقبل. سيبدأ بمعالجة هذه القضية على ما أتصور.

تبقى العقليات والمشاعر وما نشأ الناس عليه. قد يتفق اللاهوتيون على معظم الأمور ولا تماشيهم الشعوب. ولكن نحن نحيا على رجاء «هبوب ريح عاصفة» تكون لنا بمثابة عنصرة تجعلنا بشرا جددا.

Continue reading