ليس من موقف أخير من إنسان مجرد تبادل أفكار. كل عطاء عقلي معاملة أي علاقة كيان بشري بكيان. الموقف الفلسفي البحت نفسه له علاقة ما -ولو ضعيفة- بالقلب. الإنسان وحدة كاملة وليس مجرد دماغ. الموقف العلمي نفسه التزام. العقل البشري ليس قطارا ينتقل من محطة إلى محطة. هو مواجهة وإلى حد ما احتضان.

لذلك اخطأ من ظن انه إذا أورد حججا مقنعة -أي هي عنده مقنعة- تنتقل آليا إلى عقل آخر. هناك ناس لا يستسلمون للمنطق وكثيرا ما أزعجهم المنطق الصارم. هناك من لا يخضع للحقيقة إذا أثبتناها. فإنها مثبتة عندنا. فمن الناس من إذا اقتنع يتحرك قلبه، ومنهم من إذا تحرك قلبه يقتنع. فهناك عقول راجحة وعقول اقل رجاحة. هناك من يفهم بقلبه وحدسه. هناك من يعالج أفكارا، وهناك من لا يعلو عقله الحادثة المحسوسة ويدور حديثه دائما حول قصص الحياة اليومية.

نحن المسيحيين عندنا علاقة كبيرة مع العقل وعلاقة مع القلب. ولكن ثمة نماذج بشرية أدنى إلى التعقل الهادئ، ونماذج ادنى إلى التأثر والانفعال. فمن كان اقرب إلى العقل يحلل ولكنه يصدّق الناس حتى يثبت العكس. ومن كان ادنى إلى الانفعالات كثيرا ما أساء الظن. يتعامل مع فعل الآخر بردّات فعل.

فلكون العقل والعاطفة مختلطين عند كل إنسان لا بد من إيصال الحقيقة إليه، الحقيقة الشافية عن طريق العاطفة والعقل معا. وخصوصا لا بد من احترامه احتراما كليا. فالإنسان السامي الأخلاق لا يجرح أحدا ولا يستعلي عليه حتى يبقى قلب الآخر صافيا ليفهم. فأنت صعب عليك ان تقبل حجةً من شخص تعرف انه يكرهك. تردّ حجته بانفعال. يجب ان تشتري محبته لكي يقبلك ويقبل افكارك. قد يحبك ويرفض فكرك ولكنه لا يرفض شخصك. فالتربية ليست ان تنزل إلى مستواه العقلي فقط ولكن ان تنزل إلى وضع قلبه. وهذا يعني ان تكون متواضعا منكسر القلب.

شرط التواصل ان تكون هادئ اللهجة. فالصراخ يقطع التواصل لأن فيه، عادة، رفضا للشخص الآخر. من تصرخ بوجهه يظن انك تكرهه في الوقت الذي تصرخ فيه، فلا يصغي وقد لا يسمع.

إذا توترت أعصابك لا تتكلم. هدئ من روعك. اصمت فترة حتى تحس انك صرت هادئا. عندئذ يصفو عقلك أيضا ولا تصدم ولا تجرح.

أما إذا سمعت محدثك يصرخ فصلِّ من اجله في اللحظة واحتضنه في قلبك. وإذا رأيته محتدما جدا أَرجئ الجواب إلى وقت آخر ولا تعاتبه الا إذا كان من المقرّبين إليك. فبعض الصارخين يشبهون الوحوش الزائرة ويشتمون أو يسبّون. إنسان كهذا غير قادر على الفهم. وإذا استطعت ان تجيبه بعد هدوئه فاجعله أولا مطمئنا إليك بكلمات ودّ قد يقبلها وقد لا يقبلها.

هذا موقف تربوي. فليست برودة الأعصاب عدم إحساس أو قلة إحساس، إذ المهم ان يفهم مخاطبك انك على تلاقٍ وإياه ولست بعيدا ولكنك هادئ. كلّمه وأظهر اهتمامك بالموضوع وبشخصه. ولكن في أية حال كن صادقا وبيِّن له انك غاضب داخليا ولكن بلا صراخ واكشف اختلافك ونقاط اختلافك ولا مانع ان تجعل بينك وبينه قطيعة ولو إلى حين علّه يفهم انك حزين. ولكن اجعله يفهم ان القطيعة لا تتضمن كرها لشخصه. لك ان تباعد بينك وبينه حتى يرتدع لتصالحه على الحق.

فالشيء الهام الوحيد ان تبتغي الحق، فمرادك ان يأتي الآخر إلى الحق وليس المقصود ان تنتصر أنت. أنت لست بشيء. أنت فقط خادم للحقيقة. روِّضه على محبة الحقيقة. بهذا المعنى أنت مربّي كل إنسان جعلته الحياة على دربك. أنت لست على احد بمسيطر. أنت تأخذ بيد الناس لتقودهم إلى الله الذي يحيي قلوبهم. أنت مؤدِّب لأنك محب.