Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2004, مقالات, نشرة رعيتي

الانتخابات البلدية/ الأحد 2 أيار 2004/ العدد 18

هذا ليس بتوجيه سياسي. انه توجيه وطني يقع على عاتق كل واحد منا بناء على قول الرب: «أَعطُوا ما لقيصر لقيصر» وبناء على دعوة الرسل في العهد الجديد ان يُكرموا الملك. فالبلد بلدنا ولا نستطيع ان نغيب عن مسؤولياتنا فيه وتاليا عن القيام بواجبنا تجاه لبنان. واي فراغ نتركه انما هو يؤذي المصلحة الوطنية ويجعلنا غير فاعلين.

كلكم يعلم علم اليقين اني لم أتدخل لمصلحة احد ولم أُشِرْ على احد المؤمنين بأن يضع اسما على لائحة. المطرانية لا تقوم بأي عمل سياسي. وهذا هو الخط الأرثوذكسي الدائم. جلّ ما أقوله لأبناء القرى التي لم تنتخب بعد ان يكونوا واعين لمصلحة قريتهم بحيث يختارون العقلاء والفهماء والطاهرين الذين لا يسعون إلى كبرياء او منفعة مادية. وإذا أمكن الوفاق فهذا حسن، وإذا لم يمكن فأقله ان نكون أعفّاء اللسان ولا نطعن بأحد طعنا جارحا ولو جاز إبداء الرأي والانتقاد السياسي. المهم ان نبقى إخوة وينجح من ينجح ويخسر من يخسر.

واما القرى التي أُجريت فيها الانتخابات حتى صدور هذه الكلمة، فإني أرجو أبنائي الأرثوذكسيين ان ينسوا الأحقاد إذا ظهرت حتى تلتئم الجراح ولا نعيش على العداوات وهي مؤذية. لكم ان تظلوا مراقبين للمجلس البلدي الذي صار مسؤولا عن الضيعة حتى يُحسن الأداء. فالمعركة قد انتهت والخاسر يهنئ الناجح بمعنى ان يتمنى له الخير ويحثه على خدمة المواطنين ويلفته إلى الحاجات المحلية. فلا بد ان يكون بعض من اعضاء هذه المجالس فيهم صلاح وفهم. نحن في حاجة إلى مشاورات بين جميع الناس في القضايا الكبرى وان نتقبل الرأي الصائب أَصَدَرَ عن محازبين أم خصوم.

ذلك ان المجلس البلدي كان لتنمية القرية عمرانيا وثقافيا. فمن المفروض العناية بالطرقات الداخلية والكهرباء والماء والنظافة إلى جانب التوعية الوطنية وتقوية الثقافة (مكتبة، محاضرات، فنون جميلة الخ…). وهذا كله لا ينبغي ان يسيَّس. وإذا كان لا مفر من بعض سياسة، فلا بد ان نذكر ان صالح القرية هو الخيار الأوّل، وان وحدة أهاليها مبتغى من مبتغيات القائمين على الكراسي.

المنصب السياسي لم يوجد لانتفاخ صاحبه ولا لاستغلال الموارد ولا للهدر ولا لمنفعة الأقرباء والأنسباء. هو قائم للخدمة فقط، ومعنى ذلك تخصيص وقت كافٍ لمواجهة المسائل المطروحة وسد حاجات المواطن والتفكير بشيء جديد ينفع الناس. وقد قال يسوع: «من أراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما. ومن أراد ان يصير فيكم أولاً يكون للجميع عبدا» (مرقس 10: 43 و44). لذلك يصغي المجلس البلدي للناس، للوجهاء والصغار، ويسعى سعيا حثيثا للحصول على المال الذي يحتاج اليه أمِنَ الدولة كان أم من المواطنين.

وإذا اجتمع في المجلس اعضاء من تيارات سياسية مختلفة، فلا يرفض أحد اقتراحا جيدا أجاء من اصدقائه السياسيين أم من خصومه، فالاختلاف السياسي لا ينبغي ان يدفعنا إلى رفض اقتراح جيد، نافع للضيعة. وحدة الضيعة هي منفعة الضيعة. فالتكتل السياسي مؤذٍ في المجلس البلدي إذا كان يعني ألاّ ننصاع إلى الرأي الصالح.

لا توافق إلا على الخير. لا تستغلوا مناصبكم لدعم نائب أو وزير. المجلس البلدي قائم على استقلال القرية، على اللامركزية. النيابة مركزية وتقوم على سياسة عامة تشمل البلد والدوائر الانتخابية البرلمانية. لا بد من التشاور مع النافذين في الدولة لأنهم ينفعونكم فيها، ولكن لا يجيّركم أحد لنفسه. أنتم أعضاء مجالس بلدية مسؤولون عن قراكم وقد تكونون مسؤولين في اتحاد بلديات. هذا هو أُفقكم الشرعي.

وفي كل هذا كونوا أمناء ودارسين للملفات ومناقشين للمسائل بصورة علمية ومنهجية هادئة، واحملوا بعضكم بعضا بالصبر ولا تنساقوا إلى الطائفية. فالبلدية لا طائفية في هيكليتها ومقاصدها. كونوا للإنسان الذي حولكم ولا تطلبوا مجدا باطلا. همكم ان يفرح الله بعملكم وان يكافئكم برضاه، واعلموا ان السياسة الكبرى هي الاستقامة وان الاستقامة الكاملة في المحبة الكاملة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

تقاليد الناس/ الأحد 25 نيسان 2004 / العدد 17

بسبب غياب التعليم والوعظ خلال أجيال سابقة أو لأسباب اجتماعية، تنشأ عادات في وسط الشعب المسيحي هي مغلوطة بالمقياس الكنسي. فقد لاحظت المجامع القديمة أن بعض الناس يطلبون عمادة أولادهم في البيوت ومنعت ذلك. ومع هذا استمرت هذه العادة في بعض الأماكن حتى الجيل السابق حتى جدّدنا المنع. فالناس نسوا أن العمادة هي الانضمام إلى عضوية الكنيسة وتاليًا تتمّ في كنيسة الرعيّة. وبهذا المعنى خاطب السيد الفريسيين وقال لهم: “لماذا تتعدّون وصية الله حسب تقليدكم؟” (متى 15 :3). وقد سمى بولس الرسول هذه المخالفات “تقليد الناس” (كولوسي 2: 8).

            كذلك منذ جيل في كثير من الأماكن كثير من الناس اخذوا يقيمون أعراسهم في البيوت مع أن الإكليل سرّ كنسي. قبل هذا الانجراف كان يقام في الكنيسة. الآن يظهر في هذه الأبرشية ميل لإقامة الإكليل في الفنادق أو في ساحاتها في الهواء الطلق، وحجّة الناس أنهم نظموا الاستقبال بعد العرس في الفندق. إذا كان الإكليل وقفة في حضرة الله والقديسين، لا بد أن يكون في الكنيسة، وليذهب العريسان بعد ذلك حيث شاءا. أنا أتمنى على المؤمنين ألا يطلبوا فيما بعد تدبيرا استثنائيا.

            مثل الإكليل في الهواء الطلق بدأ بواحد منذ سنوات قليلة ثم انتشر. هذا لأقول ان هناك عادات اجتماعية تصبح تقاليد ويقولون لك: الكنيسة عملت كذا وكذا، والواقع ان امرا كهذا لم يأت من روح المسيحية.

            هناك شيء كان شائعا في كل هذا الكرسي الأنطاكي وهو ان المؤمنين كانوا يأتون صباح الخميس العظيم ويعترفون ويتناولون كل بمفرده بلا قداس ويذهبون توا إلى بيوتهم. أتمنى ألا يقع كاهن في هذه الغلطة إذ ليس عندنا مناولة لا تكون الجزء الأخير من القداس الإلهي. المناولة عمل جماعي يتم في الخدمة الإلهية. فلا مانع من إقامة قداس الخميس العظيم باكرًا جدًا ليتسنى للمؤمنين الاشتراك به ولا يتناولون من ذخيرة المرضى أو الكأس المحفوظة منذ يوم الأربعاء العظيم.

            ثم كنت قد أشرت على كل الكنائس ان تقتني “إبيتافيون” اي ايقونة المسيح في القبر التي نطوف بها يوم الجمعة العظيم مساء وذلك بعد ان اكتشفت ان بعض الكنائس تستعمل محملا وضع فيه صليب وزهور. لست اعلم كيف دخلت هذه العادة إلى الكنائس. ولكن ليس لها أساس كنسي، فكتبنا تتكلم على الابيتافيون ويكون محاطا بالزهور، وفي آخر الخدمة يقبله المؤمنون ويدفع اليهم الكاهن زهرة علامة على فرح القيامة.

            يجب على الكهنة تعليم المؤمنين الأصول لأن هذه الأصول بُنيت على منطق لاهوتي. نحن يهمنا ان نعود بالمؤمنين الى التقليد الكنسي الصحيح لئلا تضللهم العادات المستحدثة. قد تكون تسربت الينا منذ مئة سنة او اكثر، ولكن الخطأ الشائع لا يصير شرعيا بتقادم الزمان عليه.

            ما يساعد الكاهن ان يبقى في افضل تقويم ان يتقيد بما عنده من كتب طقسية وان يقرأ ويسأل زملاءه الأكثر اطلاعا.

            لا تلح على الكاهن كي يسايرك. ليس عنده مصلحة ليأمرك بما يمر بخاطره اذ يقول لك ما تريده الكنيسة المقدسة وانت تخلص بتعاليمها وتراثها. ولا تقل     له انك رأيت هذه العادة او تلك في كنيسة اخرى او عند الكاهن الفلاني. اجل يتفاوت الكهنة بالعلم. انت تتقيد بمن هو أعلم.

            مرارا كتبت الى مجالس الرعية ان يتقيدوا بتعليماتنا لأننا نحب ان تكون الرعية مثالية، مستقيمة في شأن الطقوس على الأقل. والكتاب يقول: “أطيعوا مدبّريكم”. والرئاسة الروحية ليست مزاجية لتفرض ما يمر بخاطرها. هي تميز بين التقليد الصحيح والعادات الدخيلة.

            لا تتمسكوا بأنفسكم. تمسكوا بالمسيح وما تقوله كنيسته. بسبب محبتكم للسيد استقوا معلوماتكم من الذين يعلمون، ولا تصبكم صدمة اذا قال لكم مرشدوكم شيئا ما كنتم تعرفونه لأنهم يسهرون على خلاص نفوسكم. نفوسكم تخلص بكلمة الله وما استلمناه من القديسين. “لتكن اموركم بلياقة وترتيب” (بولس الرسول) اي بالترتيب الذي وصل الينا ويحافظ عليه الأساقفة. وتابعوا مجيئكم الى الكنيسة ولا تكونوا موسميين فالله يريدكم دائما في بيته المقدس. هذه هي الطريقة الوحيدة لتكونوا ليسوع.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

هذا الأحد (أحد التجديدات أو أحد توما)/ الأحد 18 نيسان 2004 / العدد 16

جاء الفصح كشفًا لقوة المسيح ولكنه جاء ايضا لبث هذه القوة فينا، لجعلنا قياميين نحيا بنفحات السيد، واذا كنا غير منتصرين بعد على الموت الجسدي وعلى المرض فعلى الأقل نحن منتصرون على الخطيئة او قادرون بالفصح ان ننتعش ونعود الى وجه يسوع الذي يطرد كل مشهد خبيث من امامنا وكل إغراء ساحر او يقيمنا من نشوة الإغراء. فالأحد الجديد هو الأحد المجدد ايانا. ولذلك تقرأ الكنيسة من قداس الفصح انجيل يوحنا حتى نهايته وهو المتركز بنوع خاص على ألوهية السيد وعلى قوى التجديد التي يمدنا بها، على ذكر خبز الحياة وعلى إعلان السيد نفسه “الطريق والحق والحياة”.

         كذلك تقرأ الكنيسة في الرسائل اعمال الرسل الذي هو كتاب عن الروح القدس وآثاره في كنائس عن طريق البشارة، والبشارة تجديد للشعوب باقتبالها كلمة الله والمعمودية. وتكرار “المسيح قام” اربعين يوما حتى الصعود شهادة على ان المسيحي يحيا بمسيحه او انه يريد ذلك.

         فكما ان السيد قام وأراد ان يحتفظ بأثر المسامير في يديه وأثر طعنة جنبه بالحربة، يبدو الانسان المتجدد بالمسيح غير مكتمل او غير منزه عن كل الشهوات ما خلا قلة من الكبار. غير ان الحركة التي تسيّره هي حركة الفصح. انه ناهض اساسا ونهضوي مع انه يتعب من الخطيئة. لا تزول الخطيئة آليا بمجرد قيامنا بالأعياد ولا حتى اذا اعترفنا بخطايانا لدى الكاهن. هناك شروش تبقى او ميول تعود او لا تكون التوبة عميقة. ولذلك كان لا بد من العودة باستمرار، بجهاد كبير مضنٍ الى وجه يسوع الحي.

         نحن نحيا على الرجاء. المسيح يفتتح الحياة الأبدية فينا بالإيمان والأسرار، غير ان الحياة الأبدية لا تكتمل الا بالقيامة العامة. ولذلك لا معنى لقول كل الحركات المعمدانية بما فيها من يسمون انفسهم المتجددين انهم خلصوا. الخلاص يعني ان المسيح هو المخلص وان اساس الخلاص موضوع وانت تبني على الأساس الموضوع. ولكن هناك بناء. عندما يقول بولس: “تمموا خلاصكم بخوف ورعدة” انما يتوقع ان يكون للمؤمن دور وهو ان يستلم هذا الخلاص كما تستلم انت طعاما على مائدة وانت لم تأتِ بالطعام من عندك. هناك عمل دشنه يسوع على الصليب ووزعه على التلاميذ والمجتمعين معهم بالروح القدس ولا يزال يوزعه بالكلمة والأسرار، والا فما معنى الكلمة والأسرار؟

         انت تقرأ الكلمة فتصير فيك ومنك واياك، اي لك معها مشاركة ولا تتغنى فقط بها. الكلمة موجودة فيك لترافقك من الحضور الاول للسيد حتى الحضور الثاني.

         نظام وجود الكلمة وامتدادها الى الخدم الإلهية يعني اننا مخلصون على الرجاء وان فصحنا هو امنية. فمع انك تقيم العيد كل سنة وتجدده كل احد، ليس لك في الحقيقة الا الفصح الأخير اعني تمتعك بظفر المخلص وحياته في الملكوت السماوي.

         عندما يقول الرسول: “اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته” يريد اننا بالمعمودية نسير الى موته والى انتصاره. ولكن هذه مسيرة تبدأ ولا تنتهي بمجرد نزولنا الى الماء وخروجنا منه. كل شيء في المسيحية حركة لأن المسيح حركة بالروح القدس. وفي الملكوت ننتقل “من مجد الى مجد” فيبدو لنا الله اجمل واجمل.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح/ الأحد 11 نيسان 2004 / العدد 15

يذكر الإنجيل الصلب فالإنزال عن الصليب فالدفن ويتحدث عن القبر الفارغ من الجسد ويقول ان الحجر قد دُحرج وان المخلص شوهد بعد هذا مرات عديدة وتكلم مع التلاميذ. اذًا “انه لقد قام”. يؤكد الكتاب انه مات وان العسكر تأكدوا من موته. كذلك اصحابه والتلاميذ والنسوة حاملات الطيب. وعندنا على ما ورد عند يوحنا أثر الحربة في جنبه والمسامير في يديه. اي عندنا هذا التأكيد الكبير ان الإنسان الذي ظهر للتلاميذ والإخوة هو ذاته الذي عُلق على الخشبة. عندنا انتقال من حالة الميت الى حالة الحي المتحرك المتكلم المشارك الرسل طعامهم على بحيرة طبرية والمرافق تلميذي عمواس الى قريتهم والكاسر لهما الخبز.

            عندنا ما هو قبل الدفن وما بعد الدفن ما لا يدع مجالا للشك في ان هذا الذي دُفن هو اياه الذي قام وجعل توما يلمسه ويفتش جنبه ويوآكل التلاميذ. هذا التحول من حالة ميت حقيقي الى حالة حي حقيقي هو ما سمّاه الكتاب قيامة. القيامة اذًا واقعة وقعت. وهذا القائم لم يشاهده فقط الأحد عشر وحاملات الطيب. ثم “ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة اخ اكثرهم باقٍ الى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل اجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي انا -اي بولس- (1كورنثوس 15: 6-8). عندنا اذًا اكثر من خمسمئة شاهدٍ رأوا الرب حيًا. ونقل الينا بولس شهادتهم وهو وضع هذا في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس المكتوبة حوالى 11 سنة بعد قيامة المخلص، الأمر الذي يجعلها حدثا تاريخيا مؤكدا.

            صح اننا نؤمن بأن القيامة حدثت، ولكنا نؤمن بها بناء على شهادة شهود عيان. انها اذًا ليست مجرد رواية اتصلت بالاوائل بمجرد نقل متواتر. ودُوّن الحدث في الأناجيل الأربعة واعمال الرسل وكتابات بولس، ولا نجد حدثا في التاريخ اقوى منها من حيث عدد الشهود. من هذا ننطلق لنؤكد ايماننا بها.

            اما كيف كان جسد الرب؟ لم يكن شبحا وقد جاء انه تكلم وان به جراحا وانه اشترك في موائد. عندنا جسم حقيقي. ولكن هل صار على نوعية تختلف عن اجسادنا الترابية هذه؟ يقول الكتاب انه دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة اي لم يكن امام يسوع حواجز تحول دون حضوره حيثما شاء، بمعنى ان يسوع الظافر لا يخضع لقوانين التنقل في المكان. هو لا ينتقل. انه يحضر. لقد تجاوز بقيامته نواميس الطبيعة التي تجعلنا نحن خاضعين للمدى.

            عندنا شيء من توضيح هذا في ما قاله الرسول عن اجسادنا الممجَّدة اي التي نكون عليها بعد القيامة العامة. هذه الأجساد كانت فاسدة هنا. يقول بولس عنها: “يقوم الموتى عادمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لا بد ان يلبس عدم فساد، وهذا المائت ان يلبس عدم موت” (1كورنثوس 15: 15-53). بقي يسوع في عدم فساد كما كان، ولكن جسده “لبس عدم موت” اي لبس الخلود. وهذا ما يؤكده الرسول في موضع آخر: “ان كنا قد متنا مع المسيح نؤمن اننا سنحيا ايضا معه. عالمين ان المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت ايضا. لا يسود عليه الموت بعد” (رومية 5: 8 و9).

            لذلك لا محل للسؤال: اين المسيح الآن؟ لا محل لهذا السؤال لأن السيد ليس خاضعا لقوانين الزمان والمكان. هو جالس عن يمين الآب، وليس لنا ان نهتم بحدود مكانية له. نحن نحيا مع يسوع ونحيا به ومن أجله. وقيامته فعالة بكلمته والكنيسة وسر القرابين المقدسة والشهداء وحياة القديسين المغبوطين وحياة المؤمنين كل على قدر طاعته للآب. القيامة مشعة ونفرح بها في العيد وفي كل يوم، وهي التي تنقذنا من الخطيئة ومن الموت لنكون في اليوم الاخير على صورة المخلّص الظافر.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع العظيم/ الأحد 4 نيسان 2004 / العدد 14

يسوع يدخل المدينة القاتلة ملكا ولكن ملكه لن يعلن الا على الصليب الذي أراده اليهود أداة إذلال للسيد وجعله هو مطرح مجده. “الآن (في الموت) تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه”.

          أسلموه الى الموت حسدا غير عارفين ان هذا الموت يؤول الى خلاصهم اذا قبلوا يسوع مخلصا لهم. ولما أماتوه لم تبق لهم رسالة ولم يبق لهم معنى وصار المؤمنون بيسوع شعب الله.

          انه لقد افتدانا بدمه وجعلنا “امة مقدسة” وخلائق جديدة فنتجدد بالمعمودية ونغتذي بالقرابين الإلهية والغفران والمحبة. وكشف لنا قوة حياتنا الجديدة بالعشاء السري لما اخذ خبزا وباركه وكسره وقال لنا: “خذوا كلوا هذا هو جسدي” ثم اخذ الكاس وباركها وقال لنا: “اشربوا منه كلكم هذا هو دمي”. وبعد حلول الروح القدس على التلاميذ اخذنا نقيم القداس الإلهي لكي نحيا بجسد المسيح ودمه الكريمين اي نحيا بذات المسيح ونستمد حياتنا من حياته.

          وأدركنا بموت السيد انه هو معشوقنا وان الكنيسة ليست سوى هذه الجماعة التي تعرف انها محبوبة وتعيش بهذا الحب. اجل هناك عبادات وتنظيم كنسي وقوانين ولكن هذه كلها لباس للمسيح وتجليات له وهي ليست قائمة الا لكونها نفحات منه.

          وصرنا نعرف ان “الختن يأتي في نصف الليل” والختن هو العريس ويأتينا عريسا للنفس المؤمنة في ظلام خطيئتها ويمحو الخطيئة بدمه ونقترن به بلا انقطاع هذا اذا لم نقم بدور يهوذا خائنين او بدور بطرس جاحدين ولكنا نقوم بدور لص اليمين القائل: “اذكرني يا رب متى أتيت في ملكوتك”. اذكرني اي لا تنسني وانا خروف من خرافك. اذكرني باسمي حبيبا لديك لأحيا بهذا الحب الذي تدفقه علي.

          هكذا نقف امام الصليب ناظررين الى المصلوب وحده غير متلهين بشهواتنا وأطماعنا واحقادنا اذ لا شيء فيها يساوي المحبة التي انسكبت علينا. ونكافح ضعفاتنا لأنها تعطل رؤيتنا ليسوع واتحادنا به. فاذا ادركنا اننا نحيا برؤويته ايانا ورؤيتنا اياه نصير في النور الذي يغسل نفوسنا من كل دنس وتملانا من حضرة المسيح فيكون الكل في كل كياننا بحيث امكننا ان نقول مع الرسول: “لست انا احيا بل المسيح يحيا فيّ”.

          وحتى نتدرب على هذه المعاني لا بد لنا ان نشترك بالخدم التي تقام في الأسبوع العظيم فلا نبتعد عنها الا اذا كنا في اشغالنا. فالصلوات هذه تحوي كل معاني الخلاص ونصل بها الى هدوء النفس وسلامها. والطريقة المثلى لتنقيتنا ان نقتبل المناولة الإلهية في كل قداس في هذا الأسبوع الطيب حتى لا تبقى هوة بيننا وبين المسيح.

          والقرابين الإلهية هي فصحنا في الآحاد والأعياد لأنها قيامتنا حسب قول السيد لمرتا: “انا القيامة والحياة”. فاذا كان العيد ذكرى لنهوض السيد من بين الأموات ففي المناولة الإلهية تتحقق قيامة النفس. نحن قوم فصحيون نستبق القيامة العامة بتطهر القلب ورجوعه الى الآب والابن في الروح القدس.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الخامس/ الأحد 28 آذار 2004 / العدد 13

هذا الأحد وهو الأخير من الصوم نصل فيه الى قمة الحديث عن التوبة، هذه التي لا يدركها احد حتى النهاية لأنها تعني ان لا شيء فيك يفرقك عن الله ولكن المحبين يسوع يسعون اليها في حزن على خطاياهم على رجاء الاستمرار في السعي. التوقف هو الخطيئة. وحتى تتبلور التوبة وضعت الكنيسة امامنا مريم المصرية نموذجا اذ كانت ساقطة حتى القاع ورفعتها توبتها حتى الذروة. هل انت مثلها طالب الجهاد جديا، حتى الدم كما يوحي الرسول، ام كان الرجوع أمنيات فقط، تقطعه لأن وجه المسيح لم يسحرك بعد حتى رغبة الانسلاخ عن خطاياك وانت بلا شك تعرفها واحدة واحدة. هل كنت مصرا على معاصيك وانت صائم؟ يبقى لك ان تسبح في مياه المسيح في هذا الأسبوع حتى تستطيب المخلص وتسلم له في الأسبوع العظيم، حتى اذا ادركتك الأيام الأخيرة منه تكون ذقت حلاوته.

            تهزني قطعة في صلاة السَحَر (وبلا صلاة السحر لا تكون ماشيا على دروب الجلجلة)، هذه القطعة التي مستهلها: “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل برا ونسكا مع قداسة”. ويأتي تفسير هذا الكلام بكلام آخر: “ان الرجل البار هو الذي يرحم النهار كله”. عندما تحيا الرحمة حقا لا يبقى لك مجال للبخل، للكبرياء. ان ترحم هو ان تخرج من انغلاقك لتجعل الآخرين ليس في حضنك ولكن في احضان أبيهم الذي في السموات. ان ترحم يبدأ بمعرفتك ان المخلص رحمك انت ايضا بدمه وطهر ضميرك من الأعمال الميتة لتخدم الله الحي.

            انت انسان رحيم ان فهمت هذه القولة في إنجيل اليوم: “من أراد ان يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما… فإن ابن البشر لم يأت ليُخدَم بل ليخدُم وليبذل نفسه فداء عن كثيرين”. انت زوجا مجرد خادم لأهل بيتك. انت كاهنا او وزيرا او عالما او فيلسوفا خادم للذين تعايش. انت لا تطلب اي شيء لك. انت يكفيك من دنياك ان تأكل وتشرب وتضع علمك وقدراتك كلها ووقتك وانتباهك في سبيل الآخرين.

            بهذا انت ترافق المسيح حثيما ذهب. وعند ذاك تستطيع ان تقول لمن كان ميتا في خطاياه: “يا لعازر هلم خارجا”. سيقولها السيد في آخر الأسبوع. ولك ان تقول هذا اذا قبلت ان يقيمك يسوع من كل معاثرك. وانت تقوم فقط اذا آمنت بكلمة المعلم لمرتا اخت لعازر: “انا القيامة والحياة”. ليس في هذا القول حجب لإيماننا بالقيامة الأخيرة، ولكنه تأكيد لإيمانك بأن يسوع قادر على احيائك الآن. ذلك لأنه لا يقبل ان ترجئ التوبة. “اليوم، اليوم وليس غدًا”. انت تلقى وجهه في اليوم الذي انت فيه فقد لا يكون لك غد، واذا كنت تعيش ليوم آخر فقد لا تنهض فيه، فتموت الى الأبد تحت الغضب الإلهي.

            الناس لا يؤمنون بهذا الغضب لأنهم يؤثرون ملذاتهم على الرجوع الى وجهه. اما الذين يحبون وجهه فإنه يغنيهم عن كل الوجود. ايضا كلامه لمرتا: “من كان حيا وآمن بي فلن يموت الى الأبد” اي لا يموت اليوم ولا غدا ولا في الدهر الآتي.

            الخطيئة ساحرة ولكنها كاذبة اي تغري الى حين وتبدي لك انها تملأك سرورا ولكن في الأخير تملأك مرارة. وبعد ارتكابها ترى نفسك في الجحيم قبل ان تنقضّ عليك الجحيم في اليوم الأخير لو ثابرت على المعصية. ولكن ان عرفت ان المسيح هو قيامتك وحياتك فأنت في السماء قبل ان تنتقل الى السماء في اليوم الأخير. الله قال لك الأشياء الجدية ولا يمزح فلا تمازحه لأنه لا يهزأ به. هو جدي كثيرا. السير معه يكلفك كثيرا. يكلف الانقطاع عن مئة امر وامر، ولكن نتيجة لهذا الانقطاع ينزل عليك الخبز السماوي الذي مَن أكل منه يحيا الى الأبد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

كل شيء لكم (1كورنثوس 3: 21)/ الأحد 21 آذار 2004/ العدد 12

في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس وقد عاد بولس الى الحديث عن بطلان الحكمة الدنيوية وكان قد تحدث عنها في مطلع رسالته استنتج اننا لا نستطيع ان نفتخر بالناس. بأي انسان يعتبر عظيما. فنحن لسنا له ولسنا دونه “فإن كل شيء لكم” (1كورنثوس 3: 21). ويوضح الرسول فكره بقوله: “أبولس ام أبلوس (وهو تلميذ لبولس) ام صفا (بطرس) ام العالم ام الحياة ام الموت ام الأشياء الحاضرة أم المستقبلة كل شيء لكم” بمعنى ان كل شيء هو لخلاصكم. بتعبير آخر بولس بتواضعه لا يريد ان يكون المؤمنون حوله ولكن حول الإنجيل الذي هو يحمله. ليس في الكنيسة من عبودية لشخص ايا كان. ابوك الروحي هو لك، هو خادمك بالكلمة التي يحملها. نحن بسبب مقامنا لسنا زعماء يتحلق الناس حولنا. نحن خدام لكم. يذكر بولس ابلوس وصفا لأنهما كليهما خدما كرسي كورنثوس. الراعي يصير خادما لأنه يموت في عطاء نفسه. المسيح صار راعيا لنفوسنا لكونه حقق على الصليب كونه حَمَل الله.

            ثم يكمل بولس فكره بقوله ان الحياة والموت هما ايضا لكم. الحياة الدائمة في المسيح التي تعطاها من فوق تنبت فيك لتنوجد بالله. والموت تعبره لكي تنال الحياة الدائمة في المسيح. هنا لا فرق عند الرسول بين الموت والحياة. كذلك يشرح ان “الأشياء الحاضرة والمستقبلة” هي لكم. هذه الدنيا بما فيها موضوعة بتصرفكم، الحاضرة منها والآتية (غالبا قصد الملكوت). اشياء الدنيا اذا لم تسيطر عليكم تكون لكم (جمالاً كان هذا ام عائلة ام ثقافة ام نجاحا). كل هذا يهيمن عليه المسيح الكائن في قلوبكم. واذا لم يكن فيها فانتم لستم احرارا وابناء الدنيا، عند ذاك، تسيطر وانتم تابعون. فاذا تبعتم احدا من الناس تفقدون كل حرية واذا فقدتم الحرية لا مسؤولية لكم ولا مساهمة شخصية في بناء هذا العالم الذي طلب الله ان يسكنه بواسطتكم. بدون حريتكم، المتكبرون يسودون هذا العالم.

            بعد ان طلب بولس تحررنا من كل قيد، يختم كلامه بقوله: “وأما انتم فللمسيح والمسيح لله”. انتم للمسيح لأنه المحرر، لأنه وحده مخلصكم، واذا ذهبتم اليه تذهبون الى الطمأنينة والسلام والحياة التي لا يضاف عليها شيء. ففي المسيح تجدون منتهى أمانيكم. وحقيقة مسيرتكم الروحية انكم اذا حرركم المسيح تدركون ان كل شيء في العالم هو لكم لكي تضعوه عند قدمي المخلص لأنكم لا تطمعون بشيء.

            المسيح هو لله اي للآب. فإنه سيُسلّم المُلْكَ لله الآب بعد ان يكون أبطل قوة الشيطان ووضع كل الأعداء تحت قدميه.

            الآن لسنا نرى كل شيء خاضعا له. وهذا يقتضي من قبلنا صبرا كثيرا ورجاء دائما. احيانا نرى ان هذا العالم أمسى كأنه مملكة الشيطان وقد سماه الكتاب رئيس هذا العالم. محبو المسيح الآن يرون سيادة ابليس عاملة في كل مكان، في كل حقل، في ما نقرأ وما نشاهد وما نسمع. مع ذلك نؤمن ان كل شيء سيخضع للمسيح. “ومتى أُخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه ايضا (ببشريته) سيَخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل” (1كورنثوس 15 :28).

            ستظهر عند ذاك سلطة الله على العالم المنظور، على البشر وعلى الخلائق كلها. لا تزول الأشياء. يزول فسادها. قبل هذا، كل شيء لكم لكونكم احرارا في المسيح والمسيح سيد قلوبكم الى الأبد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب الكريم/ الأحد 14 آذار 2004 / العدد 11

بعد ثلاثة اسابيع من الصيام لاحظت الكنيسة أُمنا ان المؤمنين او بعضهم قد يتعبون من الجهاد او يملّون او يفترون فوضعت امام قلوبهم هذه الذكرى ليتشددوا. ففي نهاية المجدلة الكبرى نطوف بالصليب موضوعا على صينية مملوءة بالرياحين او بالزهور، وحول الصليب ثلاث شموع مضاءة رمزا للثالوث المقدس. ويطوف الكهنة بهذا، ويأتي المؤمنون لتقبيل الصليب، ويعطيهم الكاهن زهرة بعد ذلك علامة للفرح الذي نلناه بموت الرب.

            ثم يأتي الإنجيل في القداس يقول: “من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (اي الى الجلجلة في إماتة شهواته المؤذية). ويضع تقابلا بين خلاصنا بالصليب وربح العالم الشرير اذ يقول: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. طبعا الصيام يكلف جهدا، ولكنه يعطي ايضا فرحا.

            واذا استمعنا جيدا الى صلاة الغروب وصلاة السَحَر نتوجّه فيهما الى الصليب ونقول له -كأنه حي- “اظهر لنا بهاء جمالك” ونسمّيه “فردوسا بهيا للبيعة” (اي الكنيسة) ونعترف انه يمتعنا “بالمجد الأبدي” ونعترف انه “حامل الحياة وظفر العبادة الحسنة”.

            فاذا خاطبنا الصليب، يكون هذا اسلوبا شعريا نقصد به اننا نخاطب المسيح الذي مات من أجلنا ونذكر اننا نلنا به الخلاص. فموت يسوع قيامة الجنس البشري. الصليب كان مطرح الظفر بالخطيئة، وكان أساس قيامتنا. وهو مقام المجد الإلهي بناء على قولة يسوع: “الآن تَمَجَّدَ ابن البشر وتمجد الله فيه” ويشبهها الكثير.

            من هنا ان التعذيب لم يكن سوى طريق الى المجد اذ افترض منطق التجسد ان مَن ساكن الناس في بشريته باتخاذه جسدا من مريم اراد ان يرافق البشر الى آخر محطة لهم في الحياة اعني الموت والقبر. في هذا كان يسوع رفيقا لنا ومحررا، وهذا ما تعنيه كلمة الفادي. افتدانا لا تعني اذًا انه كان فدية على طريقة قانون الجزاء حيث يدفع اهل القاتل لأهل القتيل مبلغا من المال. لمن دفع يسوع؟ انه لا يدفع شيئا للشيطان لأن الشيطان ليس له عليه شيء. ولا يدفع لله ابيه لأن الآب لا يريد موت الخاطئ بل ان يحيا. هو لم يمت بدلا عنا كما يظن بعضهم. لم يذق المسيح عذابا تعويضيا عن عذاب كان لا بد من ان يقع علينا. لا معنى للكلام الذي لا يزال مسيطرا في الغرب بشقّه الكاثوليكي وبعض من الشق البروتستنتي وهو القائل بلسان أَنسلم اسقف كنتوربري: ان الله كان غاضبا على البشرية وحكم عليها بالموت ولا يزول غضبه الا اذا أرضاه إله (وهنا يعني الابن). فالله ليس ساديا، متلذذا بآلام البشرية وآلام مسيحه.

            ما حصل في تحرير المسيح لنا انه إله من جهة وبشر متأله او مؤلَّه. وهذه القوة في طبيعته الإلهية وطبيعته الانسانية المتألهة، هذه القوة نزلت الى مملكة الموت وأماتته من الداخل، فجَرته، وهذا ما نعنيه بقولنا انه “وطئ الموت بالموت”. المسيح على صليبه وضعنا على سكة الحياة، اورثنا الحياة الجديدة التي نكافح فيها الخطيئة.

            واذا كانت فينا هذه الحياة، نقدر ان نتابع جهاد الصوم لأنه “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم” كذلك “نبارك الرب في كل حين ونسبح قيامته لأنه اذ احتمل الصلب من اجلنا بالموت، للموت أباد وحطم”. هذا هو اللاهوت التي نقرأ به الصليب. لذلك لا نبكي على المصلوب في اية خدمة من خدمنا. ننتظر دائما تعزية القيامة.

            وقيامة المخلص كانت كشفا ظاهرا لنصر حصل على الصليب، وأبانت انك “لا تدع قدوسك يرى فسادا”. النور كان في المسيح عند صلبه خفيا. عند فجر الفصح ظهر. بيّن الفصح ان المسيح ظافر. ولهذا كان كل جهد لنرى هذا النصر امرًا هينا. فاذا اقمنا الذكرى اليوم نتشدد ونسير الى ملء الفرح عند صباح العيد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة/ الأحد 7 آذار 2004/ العدد 10

ليس من كنيسة في العالم كتبت في الصلاة مثل كنيستنا بدءا من الآباء النساك ومرورا بالآباء اللاهوتيين وذلك جيلا بعد جيل، كأن اهتمام الكنيسة الأرثوذكسية الأول هو الصلاة وأداؤها ومعانيها بحيث يمكن ان تتناول معتقدنا كله من الخِدَم الإلهية التي نقوم بها ومن الصلاة الفردية. كل هذا يبدو طاعة لما ورد عند بولس: «صلوا بلا انقطاع» (1تسالونيكي 5: 17) أو طاعة لكلام السيد: «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة» (متى 26: 41). عندنا ما يسمى الصلاة غير المنقطعة أو صلاة يسوع أو صلاة القلب: «يا رب، يا يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ». ولكن إذا رأينا إلى العبادات النظامية، عندنا صلاة الساعة الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والغروب وصلاة نصف الليل وصلاة السَحَر أي سبع صلوات يوميا، وفي الترتيب الكنسي يُجمع بعضها إلى بعض في الأديرة وأحيانا في الرعايا، هذا إذا لم نذكر صلاة النوم الصغرى أو الكبرى التي تُعتبر صلاة فردية مع ان كنائسنا في الكرسي الأنطاكي تقيم صلاة النوم الكبرى في الصوم. وذروة كل هذه القداس الإلهي، فيكون عندنا فعليا تسع صلوات.

إذا درسنا مضمون هذه الصلوات نرى ان منها صلوات سؤال عندما نطلب إلى الله حاجة لنا ولا سيما الفضائل حسب قول الرب: «اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، والباقي يزاد لكم»، ثانيا صلاة الشكر على ما وهبنا الرب (إياك نشكر)، وأخيرا صلاة التسبيح حيث فكرنا متجه إلى مجد الله بلا سؤال عن شيء وبلا شكر على شيء.

الكتاب المقدس يَعتبر الصلاةَ طبيعيةً عند المؤمن حتى انه خصص لها سفرا من أسفار العهد القديم هو المزامير وتتلوه الكنيسة بكامله كل أسبوع وتقتبس هذا المزمور أو ذاك أو أكثر من مزمور في بعض الخِدَم أو آيات من سفر هنا وثمة. ويذكر الكتاب القديم بعضا من الذين صلوا (ابراهيم، إسحق، موسى، أيوب، يونان الخ…) حتى يجيء العهد الجديد ويذكر صلاة يسوع لأبيه السماوي. ويذكر أعمال الرسل ان الكنيسة كانت تصلّي مجتمعة. وكان تلاميذ المسيح مقتنعين بالصلاة حتى سألوا الرب يسوع ان يعلّمهم كيف يصلّون، فتلا عليهم الصلاة الربية (أبانا الذي في السموات…).

روح الإنجيل ان نصلي فرديا في كل حين بحيث ترتفع الصلاة تلقائيا من القلب، وقد عرّف آباؤنا الصلاة على انها ارتفاع القلب إلى الله. فإذا امتلأ قلبك من حضرته فتجعل كل وقت فراغ لك وقتَ صلاة حتى لا يسكن قلبَك الا الله فلا يساكنه باطل أو فكر شرير، إذ أنّى لك ان تطرد هذا الفكر الا بذكر الله فتذوق هكذا ان الله هو كل حياتك.

ومن أهم الأمور في حياتك الشخصية ان تصلي من اجل الذين أغاظوك فتذكر أسماءهم ليزول عنك وعنهم الحقد. ومن أهم الأمور أيضا ان تستغفر ربك حتى لا تظل الخطيئة معششة فيك. لا تنم قبل ان تستغفر فقد لا تستيقظ عند الصباح. وحتى لا تبقى مجرد سائل كأنك مركّز على الأنا، فاشكر لله ما أعطاك، وإذا سرت في الحب الإلهي فسبح ربك تسبيحا طيبا فيه كل الفرح فتحس عند ذاك انك عشير الرب وأليفه وكأنك صرت عنده كما الملائكة عنده.

صلّ في أي وضع واقفا أو راكعا أو مستلقيا على سريرك. وقبل كل شيء صلّ في ساعة التجربة إذ لا تقدر ان تدفع عنك إغراء الخطيئة لك الا إذا دعوت الرب فيجيء ويصبح درعا بينك وبين الميل الشرير. ليس لنا طريقة لطرد الفكر الخاطئ المفسد عنا الا إذا رجونا إلى الله ان يأتي هو بذاته ويردّ عنا التجربة.

وإذا كثفت الدعاء يوما فيوما، تحس ان فكرك صار فكرا إلهيا أي موافقا لما قاله الله في إنجيله. والإنجيل هو خطاب الله إليك. فإذا سكنَتْ أقواله قلبك يعرف، عند ذاك، قلبك ان يخاطب الرب. دع الله يتكلم فيك ثم ردّ إليه كلامه بالصلاة. ان هذه محبوكة بكلام الكتاب. هي ردّ الكتاب إلى الكتاب.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

احد الأرثوذكسية/ الأحد 29 شباط 2004 / العدد 9

الأحد الأول من الصوم يدعى احد الأرثوذكسية لأن كنيسة القسطنطينية جددت اعتقادها بالأيقونة في الأحد الاول من الصوم السنة الـ 843. فمع ان الكنيسة الجامعة حددت إكرام الأيقونات في المجمع السابع المسكوني، الا ان حرب الايقونات علينا من قِبَل أباطرة بيزنطية لم تتوقف الا في السنة 843. العامة تسمي الذكرى “احد الأيقونات” اذ نطوف بها قبل القداس ونقبّلها، ولكنا نعلن تمسكنا ليس فقط بعقيدة الأيقونات ولكن بكل العقائد المحددة سابقا في المجامع المسكونية، وفي كتبنا الطقسية مطلوب ان نجدد الحرمات على الهراطقة غير ان هذه الممارسة لا يتبعها احد الآن في كرسينا الأنطاكي.

          العقائد هي الإيمان مسكوبا بعبارات قصيرة اوضحتها في ظروف مخالفته من قبل الهراطقة. على سبيل المثال كنا دائما نؤمن بألوهية المسيح، بكونه منذ الازل مع الآب والروح القدس. ولكن بظهور آريوس في القرن الرابع في الاسكندرية الذي قال ان الابن هو اول المخلوقات، جئنا، زيادة في التوضيح، في المجمع المسكوني الاول نقول انه “مساو للآب في الجوهر” اي ان له جوهر الآب وليس دون الآب كالمخلوقات. مساوٍ له في الجوهر عبارة غير موجودة في الكتاب المقدس ولكنا صغناها ولو استعرنا كلمة جوهر من الفلسفة اليونانية لأن آريوس كان يستعمل ضدنا الفلسفة اليونانية.

          العقائد بمعنى العبارات التي وضعتها المجامع لا تزيد شيئا على “الإيمان المسلَّم مرة للقديسين” (يهوذا 3)، ولكنا نتسلح بها لنوضح من جهة ايماننا لأنفسنا، ومن جهة ثانية لنوضحه للغير. فقد تسمع من يسألك: كيف يكون المسيح إلها وانسانا معا؟ هل يتحول الإله الى انسان؟ من هو هذا الذي مات على الصليب؟ لكون هذه المسائل نوقشت، جئنا نقول في المجمع المسكوني الرابع (451) ان المسيح ذو طبيعتين إلهية وانسانية هما معا بلا انفصال ولا انقسام ولا تتحول الواحدة الى الأخرى ولا تنصهر بها، ولا تخسر الألوهة شيئا من ذاتها كما لا ينتقص من شأن بشرية المسيح، ويبقى السيد شخصا واحدا.

          ما اردنا ان نقوله في هذا الأحد ان المغلوط ليس كالصحيح، واننا في صلابة كاملة ضد المنحول وضد الخطأ لأن الخطأ ليس فقط خطأ عقليا ولكنه يفسد النفس والعقل والتصرف. انت لك كيان داخلي واضح سليم اذا قلت ان المسيح إله وانسان معا، ولك كيان ذاتي مشوش اذا قلت انه مجرد انسان. هو الفرق بين ان تكون مستقيم الرأي وان تكون هرطوقيا منحرفا. “الكنيسة، كما قال مكسيموس المعترف، هي استقامة الرأي”. بعض الناس يقولون اننا عنيدون. يريدون بذلك اننا نثبت على الرأي الواحد الذي ورثناه من القدماء. لا يخترع الانسان دينه ولا يغير فيه. الأشياء التي سلّمها الينا الرسل نحافظ عليها ولا نتجاوزها.

          لك ان تفسر، ان توضح، ان تنتقي عبارات جديدة اذا كنت موهوبا، ولكن تحافظ على جوهر ما استلمناه. هذا الموقف كلفنا ان نتحمل اضطهادات هنا وهناك وان يموت لنا شهداء. ولكن الإيمان المستقيم اهم من حياتنا. وقد نكون كسالى هنا وهناك، ولكن استقامة الرأي فيها نفحات وقوة روح قدس من شأنها ان تنهض بنا.

          في نهاية الأسبوع الاول اردنا ان نشهد بهذه الذكرى اننا ايضا نصوم لا من اجل طعام ولكن لنحشر انفسنا في كنيسة الله التي افتداها بدمه كما قال الرسول.

Continue reading