Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2004, مقالات, نشرة رعيتي

أيها الشبان/ الأحد 11 تموز 2004 / العدد28

أيها الشبان والصبايا انتم أصحاب رؤى وتطلعات إلى الآفاق البعيدة وانتم مستلمون الإنجيل الآن بقوة وحماسة وستحفظونه من بعدنا لتسلموه إلى أولادكم حتى يبقى المسيح جيلا بعد جيل. آمنوا انكم قادرون ان تكونوا أقوياء روحيا. فقد قال يوحنا الحبيب في رسالته الأولى الجامعة: «اكتب إليكم أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير» (2: 13). القوة الروحية ليست حكرا على عمر من الأعمار لأن الروح القدس يشدد كل شريحة من الناس.

أنتم قادرون على الطهارة الكبيرة وعلى العطاء الكبير وان تلتزموا المسيحية كلها فلا تدعوا الكنيسة ملأى بالكهول والشيوخ فقط. فيها تدركون المجد الحقيقي والفرح الكبير. انشدوا المستوى الروحي العالي ولا تدعو أحدا يستهين بحداثتكم لأنكم قادرون على كل فضيلة، والفضيلة بهاء الروح ونضارته.

غير ان هذه النضارة تتجدد فيكم ولا تذبل اذا قررتم بالسعي الروحي الوصول أي مكافحة كل ما يؤذي النفس ويدنسها وتاليا يعرقل العطاء الذي تريدون. ليس احد ايا كانت سنه محكوما لأيّ شر. ليس من خطيئة تلازم الشباب. انتم أحرار إذا أردتم الحرية الكبرى، وهذه لا تنالونها الا إذا أردتم ان تعيشوا في الحق ومن اجل الحق، في الصدق الكامل، في الاستقامة الكاملة ولا ترموا أنفسكم في الخصومات والتبجح والادعاء. في هذا نقصان لإنسانيتكم.

هذا الجمال الروحي تعيشونه في العالم، مع أترابكم ومع الصغار والكبار. المسيح لم يطلب إلى احد ان يخرج من هذا العالم، ولكنه لا يريد أحدا ان يكون أسيرا لهذا العالم وزيفه. كونوا مع الذين يحبونكم، ولكنكم مضطرون ان تعايشوا كل الناس وان تخدموا كل من احتاج إلى خدمة.

هذه الحياة العظيمة تقوى فيكم إذا انخرطتم في رعيتكم وفي حلقات الشباب أو الحلقات الروحية المنعقدة مع الجميع إذ المهم ان نتكاتف في الكنيسة حتى نكون معا كنيسة. هذا التضامن في الفكر المسيحي يقويكم في أداء الشهادة من اجل يسوع. اجل هو يظهر في كل واحد منكم ولكنه يظهر أيضا في الجماعة. هذا يعني انكم تريدون ان تصبحوا حارّين في الروح.

ولكن كونوا أيضا حارّين في الفهم، مجتهدين في دروسكم في المدرسة أو الجامعة أو في المجتمع إذا تخرجتم إذ يطلب الرب ان تخدموا أيضا عن طريق العقل وان تصيروا عظاما في استعدادكم للمهنة التي ستمتهنون. لا يحب الرب الكسالى. امتحنوا كل شيء بعقول نيّرة وتمسّكوا بالأفضل ولا تَدَعُوا الفكر المغلوط يسيطر عليكم. وسوف تعرفون في علومكم أفكارا شريرة. الإنجيل الذي تتسلحون به يعطيكم روح التمييز فترمون الخطأ عن أذهانكم لتكون نيّرة.

ولكن لا بد من الكتب ووسائل المعرفة الأخرى. أنا لست ضد المعلوماتية وما تحصلون منها. ولكنها لا تعوّض عن كتاب. بالكتاب تعرفون الميراث العقلي الذي سبقنا في كل الحضارات. وإذا تخصصتم في العلوم الطبيعية أو الهندسة أو الطب فهذا لا يغنيكم عن الشعر والكتب الأدبية وتلك التي تدعم إيمانكم وتقدم لكم الحجج التي تحتاجون إليها لتدافعوا عن الإيمان.

لا ينبغي ان تنحصروا في اختصاصكم. فأنت لست فقط مهندسا أو محاميا أو طبيبا أو عالما. انتم قبل كل شيء إنسان، وكل الطاقات البشرية فيكم ينبغي ان تنمو في المعرفة تعزية وفرحا وقدرة عطاء. يجب، ما أمكن، ان تمتصوا حقائق هذا الكون لان الرب تجلى في المعرفة ولانها كلما ازدادت تؤهلكم للخدمة.

وكلما ازدادت المعرفة فيكم تصبحون ادنى إلى التواضع وأقرب إلى الخدمة. لا تناموا قبل ان تطالعوا صفحات من الآثار الفكرية العظيمة. إذ ذاك تحسّون ان قامتكم الفكرية صارت أطول مما كانت. ادرسوا الكتب درسا. محّصوها ودوّنوا ما ينبغي تدوينه حتى يتم التزاوج بين إيمانكم والعقل. فالعقل خادم لله وخادم للآخرين الذين تريدون إخراجهم من ظلمة الجهل.

هذا يعني انكم لا تستسلمون للصورة الطاغية على كل وسائل الاعلام. الصورة جزء فقط من المعرفة. الكتاب الجدّي الذي وضعه كاتب فهيم هو الذي يزيدكم فهما.

أبحثتم عن الإيمان أم بحثتم عن المعرفة توخّوا الإتقان ليتغذى الناس بكم. هكذا تكونون جديين، وإذا كنتم كذلك نفرح بكم ويسر الله بكم. وهكذا تصنعون عالما جديدا وتكونون انتم خلائق جديدة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

التناقض بين الصلاة والعمل/ الأحد 4 تموز 2004 / العدد 27

أنا لا أزال تحت صدمة مجالس الرعية وصدمة المجالس البلدية. انكشف فيها جميعا غياب المسيح عن النفوس وان انساننا عبد لشهوة البغض أو لشهوة السلطة. كنت أتعجب دائما من اشتهاء المجد في بلد صغير كهذا. زاد تعجبي لما رأيت المنافسة لرئاسة مجلس قرية لا تزيد عن ألف شخص أو أقل. أي مجد هذا؟ ولكن يبدو ان «الديك على مزبلته يصيح» وان شدة الخطيئة لا علاقة لها بالأحجام. الشهوة شهوة الزعامة أكنت رئيسا لمليار نسمة كما في الصين أم رئيسًا مؤقتًا لقرية مؤلفة من 500 نسمة.

ما جرى هنا وهناك في انتخابات البلدية موجات من الكذب والنميمة والكلام البطال في ناس كنت تحسبهم مثال الرقي كأنه انفلتت منهم شياطين مكبلة فيهم وذلك فقط ليكسبوا معركة باطلة في جوهرها وفي حجمها الا إذا كان وراء ذلك ارادة في استغلال المؤسسات. والكذب والنميمة وسيلتان من وسائل الكيد. لم اشاهد براعة الذكاء الشيطاني مثلما شاهدته في هذه الانتخابات البلدية. الغاية كانت النجاح بأية وسيلة ولو ديس صيت الخصم.

ان يتصالح القوم أمر اجتماعي ولكنه ليس خلاصا للنفوس. ليس المهم عندنا ان نغض النظر عن سيئات الغير لمصالحة شكلية تبتغي السلم الاجتماعي. المهم ان تصالح الله أي ان تعترف أمامه بالانحراف الذي مرت به نفسك وان تتبين ما دفعك إلى هذا العمل السيء. هل هي شهوة الربح أم شهوة التسلط أم كلتاهما؟

البعض من الذين استعملوا هذه الأساليب الملتوية يذهبون إلى الكنيسة يوم الأحد أي يسمعون: «لنحب بعضنا بعضنا كيما بعزم متفق الخ…». ربما ظنوا انهم محبون ولكن بين جدران الكنيسة، أو يسمعون: «السلام لجميعكم» أي سلام الله إلى قلوبكم بما فيه محبة الإخوة. «نفسي حزينة حتى الموت» لأن رعيتي انقسمت في أماكن مختلفة، وإذا ظل الناس يتوافدون إلى الكنيسة فمعنى ذلك انهم أجساد متراكمة وان المعاني الروحية التي يتلقونها في العبادة لا تخرج فيهم من الكنيسة إلى العالم. يتعلمون الصدق والرحمة من العبادات ولا ينفذون هذه الفضائل في المجتمع. نحن إذًا في تناقض ممزق، مميت.

ولا يكفي ان يقرر الإنسان في ذاته ان يبتعد عن الشر. التصميم الإرادي لا يحوّلك إلى الله. محبتك للرب هي التي تحولك إلى وجهه. ان تعيش في رفقته يجعلك إنسانا جديدا تظهر جدته في الخدمة الإلهية وفي سلوكه في الدنيا.

محبتك لله تنزل عليك من الله نعمة مجانية. والله يكلمك بالكتاب المقدس بعامة وبالعهد الجديد بخاصة. ولذلك ان شئت لنفسك دورا في إدارة القرية، في مجلس بلديتها أو دورا في النيابة أو عملا مهنيا فلا بد ان تسمع إلى كلمة الله لتغير نفسك وتجعلك شفافا لهذه الكلمة.

«الكلام الذي كلمتكم به هو نور وحياة». نور يبدد الظلمات التي هي الكذب والنميمة والحقد.

تلك هي الحياة الجديدة التي تحررك من عصبية العائلة ومن الحزبية الضيقة وتجعلك ساعيا إلى الحقيقة لا تابعا لهذا الزعيم أو ذاك. أنت تابع المسيح حصرا وهو الذي يلهمك مع علمك ما يجب القيام به في حقل التنمية للقرية وتحسينها والنهوض بها مع كل الخيرين أكانوا من عشيرتك أم لم يكونوا. وسر ارتقائك هو أبدا المحبة التي تلقى بها اناسا أو مجموعة ناس ليسوا انسباءك بالضرورة. أنت تلتصق بالحقيقة فإن «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله».

أنت نسيب الصالحين والمجاهدين. أنت لهم ومعهم إذا فهمت انك من عائلة الآب وانكم جميعا اخوة. اذكر دائما قول السيد لتلاميذه: «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم». انه أحبنا حتى الموت مع كوننا كنا فجارا. انه أحيانا بقيامته، هذه التي تحيي نفوسنا وتجعلنا قرابين له وتاليا يغتذي منا كل الناس. بالمحبة تذيب بغضك وبغض الآخر لك. وعند ذاك قد ترى ان الآخر أفضل منك للخدمة. لا تكن عبدا لأي تجمُّع. اسعَ إلى تجمُّع يكون الروح القدس روحه، تجمُّع قائم على الفهم ومندفع في العطاء. فليس المهم ان تصل إلى منصب ولكن المهم ان يتم العمل الصالح في القرية والوطن. إذا تحليت بالفهم الروحي وبالإخلاص تتصرف بما يرضي المسيح.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

قائد المئة/ الأحد 27 حزيران 2004 / العدد 26

هذا ضابط روماني مسؤول عن مئة جندي في خدمة هيرودس انتيباس رئيس الربع على الجليل وابن هيرودس الكبير. هذا غالبا ما كان يؤمن بإله اسرائيل اذ بنى لليهود مجمعا (كنيسًا) حسبما روى لوقا (7 :5).

          كون مركزه في الجليل جعله على علم بمعلّم جديد يصنع عجائب اسمه يسوع الناصري. تكلم الضابط بخفر مع السيد. إعلامه يسوع عن الشاب المريض يتضمن ايمانا بقدرة يسوع والتماسا للشفاء. عنده ان الله وراء يسوع او داعم يسوع ليشفي خادمه  او ولده. اللغة اليونانية لا تسمح بالجزم اذ يستعمل الكلمة للاثنين. نحن امام خادم (او ولد) مفلوج لا شيء يدل على انه ابن قائد المئة.

          يتقدم العسكري الى السيد ليقول له: “يا رب لست مستحقا ان تدخل تحت سقفي ولكن قل كلمة واحدة فيبرأ فتاي”. تواضع واضح واعتراف بالخطيئة وإقرار ان النبي الجليلي قادر على الشفاء. قائد المئة هو الذي        يلفت يسوع انه ليس في حاجة الى ان ينتقل الى البيت وان كلمته من بعيد تشفي. رأى السيد ان هذا الايمان اعظم مما رآه عند اليهود. “سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب  في ملكوت السموات واما بنو الملكوت فيُلقَون في الظلمة البرانية”. وشفي الفتى فورا.

          هذه حادثة اراد متى منها تعليما وهو ان اليهود لا يحتكرون الخلاص ولو جاء الخلاص مما كشفه الله لأنبيائهم قديما. لا يكفي ان تعتز بانتمائك الارثوذكسي وانت لا تعمل شيئا. الايمان ليس فقط ثقة وتصديقًا. انه التزام ايضا. القول: انا مؤمن ولكني لا أصلّي قول لا معنى له.

          والايمان نغذيه. “آمنوا بسبب الكلام الذي كلمتكم به”. كيف تؤمن ما لم تعاشر المسيح بإنجيله والصلوات. كيف تقفز وراء هذه الطبيعة التي تشدك اليها بكل جوارحك ولا يخترقها كلام يسوع؟ يسوع هو قبل كل شيء كلماته أكانت مسكوبة في الكتاب او معبرًا عنها بعباداتنا او مشهودا لها بشجاعة الشهداء وطهارة الأبرار.

          ان لم تتعرف الى الأبرار في رعيتك او رعية اخرى، كيف تعرف ان المسيح فاعل؟ واذا حقق قوته في سواك تدرك عندئذ انه يحركها فيك؟  الارثوذكسيون يظنون انهم يعرفون ديانتهم. هذا صحيح عند البعض. ولكن ان لم يشرح لك احد كيف تفهم؟ ان لم تسمع كيف تؤمن؟

          الايمان مثل اي حركة في النفس، مثل الصداقة، مثل الحب، مثل المتعة الغنية يكون في النفس، في عمقها ولكنه يغذي. الصديق تراه من حين الى آخر. المتاحف الفنّية تقصدها والموسيقى تسمعها. لا شيء يبقى فيك بلا إذكاء. افتح قلبك ليقوى ايمانك وتشدد به لئلا يضعف، فكل خطيئة تحْدِث فيك عاصفة قد تهزه، وتهزه كثيرا.

          الى هذا هذه اعجوبة تعظّـم اهمية الوثنيين في تشكيل الكنيسة. فالخلاص ليس محصورا بإسرائيل الجسدي. انه يمتد الى ما سمّاه بولس “اسرائيل الله” المكون من المؤمنين أعبرانيين كانوا ام من الأمم. “ليس يهودي ولا يوناني (اي وثني) كلكم واحد في المسيح يسوع”. ولهذا ليس ثابتا قول بعض علماء الغرب الميالين الى اليهود ان إنجيل متى يعتبر يسوع شيئا داخل الحركة اليهودية. “اذهبوا وتلمذوا كل الأمم” تؤكد ان ليس من شرخ حقيقي في الكنيسة الاولى بين اليهود والأمم. كلهم دخلوا الميراث وآمنوا بأن الانسان يُبرَّر بالايمان لا بالأحكام التي جاء بها موسى.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الخلل في مجالس الرعية/ الأحد 20 حزيران 2004/ العدد 25

صرتُ أميل إلى الاعتقاد ان أبرشيّة قرى لا يصلح فيها قانون المجالس الذي يرعانا وذلك بسبب تأزمات أهل القرى وخلافاتهم العائلية والشخصية. وقد كلمتكم بهذا كثيرا ولا نزال نراوح مكاننا في كثير من الرعايا. وما يسيطر على الأذهان ان المجلس ينبغي ان يمثل العائلات في حين ان الرئاسة الروحية لما كان عندها وكيلان أو ثلاثة ما كانت تشمل كل العائلات. فالعائلات لها سياستها القروية وتاريخ تناقضاتها وهذا يقف عند عتبات الكنيسة إذ أنت تدخلها تائبا أي حرا من ارتباطات الماضي وتَصادُم اهلك والآخرين.

والأهم من ذلك انك فرد في الجماعة الكنسية ولا تجيء إليها من ذويك. تدخل الكنيسة من تقواك وقوتك على الخدمة وتتحد بزملائك بتقواك وتقواهم وبهذا انتم واحد.

لست أَبغي ان احلل أسباب التصدع القائم برعايانا. فهذا أمر يبحثه علماء الاجتماع ولست أريد ان انظر إلى الوراء. «أنسى ما هو وراء وأتقدم إلى الأمام» كما يقول بولس الرسول. فإذا دعاك الأسقف ان تتجند لخدمة المسيح عن طريق المجلس الرعوي «لا تَستشِرْ لحما ودما» كما قال الرسول أيضا، وتتعاون في داخل المجلس كما تم تعيينه. قد لا تروقك هذه اللائحة ولست أظن أننا نقدر ان نأتي بناس كاملين. فقد تغيب عنا وجوه عظيمة لم يدلنا عليها احد. وقد لا ننجح بتوازن بين العائلات كما يطلب أهل العشائر. بربكم دلوني على طريقة نستطيع بها ان نأتي بأفضل الأشخاص. وإذا كانوا كذلك قد لا ينسجمون مع الآخرين ويتعطل العمل.

وقد لا يعجبك الكاهن ولكن ليس عندي كاهن آخر وقد يعجب سواك. ليس عندي «فبركة» كهنة، ويتقدم القليل الذين حازوا الصفات المطلوبة. ونحن في سعي دائم إلى بعث طلاب إلى معهد اللاهوت وعندنا منهم تسعة الآن.

الحكمة تقول انك أنت تتعامل مع الكاهن الموجود ما لم يرتكب خطايا رهيبة يعاقبه عليها القانون. كذلك أنت مع المطران الموجود ولك ان تبدي له ملاحظاتك. هو حاضر للاستماع إليها.

إذا أردنا إنشاء مجالس غير متعبة فشرط ذلك محبة غير محدودة وتواضع يقصي استبداد الرأي إذ حكم الحياة الكنسية عندنا الشورى وتوزيع المسؤوليات وضبط المال والسجلات وما إلى ذلك والصبر الذي لا قيمة له الا إذا عملنا بوصية السيد: «من يصبر إلى المنتهى يخلُص». وإذا أحس أحدكم انه يشك بالآخر أو استقامته وإخلاصه فعاتبوا بعضكم بعضا بالمحبة وليحكم ذوو الرأي الذين لم يصل إليهم الشك. تمموا أموركم في ما بينكم ولا تقرعوا باب المطرانية للتدخل بالصغائر. لا تجيئوا إلى المطرانية كأنها محكمة. للمطران أشغال أهم من ان يحكم بين ناس ضعفت المحبة فيهم وقلّ الصبر.

استدعوا الروح القدس صادقين قبل الاجتماع ليلهمكم الخير والكلام الحسن والفكر الصائب وما يعود بالخير على رعيتكم ولا تنسوا تعزيز الكاهن في معيشته وإعلاء شأن الفقير فإنه الأول بيننا. لا تكدسوا أموالكم في انتظار مشاريع مستقبلية وبينكم جياع ومرضى وأطفال في المدارس. هؤلاء البشر أفضل من الحجر. وإذا أحببتم الرعية التي انتم خدامها مع الكاهن تشاهد الرعية ذلك وتسخى.

قد يرى أحدكم ان المشروع الذي تقول به الأكثرية ليس أفضل مشروع. لا تحزنوا إذا ارتكب الخطأ ولا تنفصلوا عن الذين صوتوا له. هذه الدنيا تحتمل الصحيح والخطأ. لا شيء يبرر الزعل والحرد المتفشيين في أوساطنا. كونوا واحدا بمحبة يسوع المسيح والإخوة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

صيادو الناس/ الأحد 13 حزيران 2004 / العدد 24

عند بحيرة طبرية المسمّاة بحر الجليل ايضا دعا يسوع اندراوس وبطرس أخاه ليلتحقا به قائلا: “هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس”، فتركا مصدر رزقهما وتبعاه وهما لا يعلمان الى اين يسير ولكنهما آمنا توا انه يحمل رسالة إلهية. اما من هو فما كانا عندئذ عارفين. بعد الخبرة قال له بطرس: “انت المسيح ابن الله الحي”. وفي الجولة نفسها رأى اخوين هما يعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا الذي صار فيما بعد التلميذ الحبيب والكاتب للإنجيل الرابع. هذان لم يكتفيا بترك الشباك كما فعل الاولان. تركا السفينة مع الشباك، وكذلك أباهما الذي كان معهما في الصيد.

          لا تقدر انت ان تتبع المسيح الا اذا تركت شيئا لك او شيئا فيك اي ألاّ تبقى متعلقا بشيء يحول دون التصاقك الكامل بيسوع، ان تترك ما كنت تعتبره مصدر شعورك وهنائك. اجل في الدنيا اشياء جميلة ونافعة وترقي انسانيتك، عائلتك ومهنتك او كلمتك الجذابة او أدبك. هذه كلها تمارسها بإحساسك انك مرتبط بالسيد بصورة كاملة، غير مشروطة وانه هو وحده حياتك          “والباقي يزاد لك” حتى لا يحدث انفصام بين ما تحبه او من تحبه على الأرض وانتمائك الى المسيح.

          كلنا، اكليريكيين وعلمانيين، ملقى عنا هذا الواجب ان نمشي وراء السيد. غير ان الكاهن عندنا محصور بهذه المسيرة وليس له اهتمام آخر إلا اذا سمحت له الرئاسة الروحية بمهنة يرتزق منها (زراعة، تعليم الخ…). ولكن القوانين الكنسية حرّمت عليه ان يكون ذا منصب في الدولة.

          الى هذا فالكاهن رسول الوحدة والسلام في رعيته وكل رعية قد يحتك بها بسبب من ظروفه. ينتج من هذا انها حرّمت عليه ان يتعاطى السياسة، فلا يلتزم حزبا ولا زعيما ولا يدعو الى لائحة انتخابية ولا يذمّ مرشحا ولا ينصح بمرشح اذ يكون قد انحاز وبطلت أبوته لمن انحاز ضده ويكون قد فرّق الرعية وقد يتهمه البعض انه يكون قد استفاد بطريقة من الطرق من هذا الانحياز.

          خارج الوضع الانتخابي ينبغي على الكاهن ان يكون قليل الكلام على اهل السياسة فإنهم دائما يعلمون بالأمر ولا يعادونه وحده ولكنهم يغضبون على الكنيسة نفسها. ولو أراد ان ينتخب فلا يبوح بشيء ولا يتحدث الى زوجته او اولاده عن ذلك فأصواتهم حرة ويجب ان يهرب من صدام عائلي بسبب سياسي.

          السياسة عند الكاهن تبقى فكرا بحتا وقد تصير حديثا على الا تمس الأشخاص. يمكن ان يصبح الكاهن عالما سياسيا وان يتحدث بالمبادئ، ولكن لا يجوز له ان ينزل الى معمعة سياسية على الأرض. هذا يخرب الكنيسة. انت لك معلم واحد وهو المسيح وانت تعمل فقط في حقله. وكل حقل آخر له أربابه وليس لنا شأن في هذا.

          هذا الاستقلال يؤهلك لتعلِّم ولتكرز ببشارة الملكوت. والملكوت اوسع واعمق وأبعد من سياسة البلد. انت للشفاء والتعزية والبنيان وتوحيد المؤمنين بكلمة يسوع، ولا تحتاج الى كلمات اخرى. نحن المسؤولين في الكنيسة لنا وسيلة وحيدة لتحسين العالم وهي كلمة المسيح وان نكون قدوة في الإيمان والعفاف والطهارة. ما عدا ذلك من تحسين ممكن لهذه الدنيا قد نعرفه بالفكر ولايطلب منك احد تعطيل الفكر. ولكن معارك هذا العالم ليست معاركنا وان نفاضل بين سياسي وآخر ليس انشغالنا. نحن “نحيا ونتحرك ونوجد” على ارض الملكوت وحده.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

احد جميع القديسين/ الأحد 6 حزيران 2004 / العدد 23

حل الروح القدس على التلاميذ وأقمنا الذكرى الأحد الماضي. لأنه قدوس يمنح القداسة، ويبين انجيل اليوم انها ليست حكرا على القديسين في السماء. أما سمّى بولس كل المعمَّدين قديسين لكونهم مدعوين بمعموديتهم الى البر والى المجد؟ في القراءة التي اخذناها من متى، يطلب يسوع ان نعترف به قدام الناس، ان نفتخر اننا له، ان نشهد له حتى الموت اذا طُلب الينا الموت. المسيحية هي الديانة الوحيدة في العالم التي تُلزم معتنقيها بالموت في زمن الاضطهاد.

         ولكن قبل شهادة الدم، يريدنا يسوع ان نحبه على كل احد آخر. من طلب احد منك شيئا ضد ما اراده المعلم ولبّيته صرت عدوا للمسيح. انت لا ترضي احدا الا ضمن الشريعة الإلهية. لذلك كل من انتخب ضد قناعاته او بسبب رشوة او مدفوعا بالحقد يكون قد فعل هذا ضد المسيح. والسير مع المسيح فيه ألم كثير اذ فيه احتجاج على هذا العالم وابتعاد عن تصرفات كثيرة يحبها الناس. الفضيلة تفصلك احيانا كثيرة عن احبائك الذين يعتبرونك بسببها أبهل. احيانا توجعك الفضيلة اذ تتطلب جهدا منك كبيرا. وفي كثرة الأحيان ترى نفسك وحيدا.     

لذلك قال المعلم: “من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني”.

         محبتك ليسوع تطلب منك ان “تترك بيوتا او إخوة او اخوات او أبا او اما او امرأة او اولادًا او حقولا من اجل اسمه”. هذا لا يعني ان ترحل عن بيتك وتبقى في الشارع او ان تترك اقرباءك او اولادك بلا إعالة. هذا يعني الا تكون أسيرا لبيت او عائلة او مال. هذا يعني ان تحرر نفسك من كل شهوة ضارة تطغى عليك وتكبلك فلا تبقى حرا من اجل عطاء نفسك للمسيح وللإخوة المحتاجين اليك ولا سيما الفقراء.

         اذا كنت حقودا مبغضا كاذبا فأنت مقيَّد. السيد يريد لنا حياة سليمة، معطاء، خادمة، منتجة. شرط العمل البنّاء، المثمر حريتك الداخلية، حرية النفس المتأججة بمحبة المعلم. هذه تعيش مع المسيح. هذه ورثت الحياة الأبدية منذ الآن.

         ولكن الكثيرين لا يؤمنون بأن ما يطلبه المسيح نافع للنفس. يحسون ان إرادة السيد نير. يرتكبون الخطيئة ويحلمون ان يرجعوا يوما، ولكن قد يخطفهم الموت ولا يرجعون. الشيء الثاني ان الخطيئة تقسّي القلب اذ يعتاد عليها ويستحبها. واذ ذاك يظل اسيرها وعاجزا عن التوبة. ان تعتاد الرذيلة يغرقك فيها اكثر فأكثر. الشيء الثالث -وهذا افتك- ان تصل الى يوم توقن فيه ان الخير لا نفع فيه. عندئذ لا ترفض الإنجيل من شهوة كما يفعل اي خاطئ، ولكن عقلك يرفضه فيمسي عندك الخير شرا والشر خيرا. وهذا هو التجديف على الروح القدس وخطيئته لا تغتفر.

         اما تصحيح الخطأ فممكن اذا ارتميت في أحضان يسوع قابلا كل كلمة قالها، محاولا تنفيذها في صدق ومروضا نفسك على الكلمة. ان ينزل يسوع اليك وان تقبله من كل قلبك ومن كل عقلك ايضا. وهذا لا يتوفر لك الا اذا صليت كثيرا حتى تَبطل الخطيئة ان تتكلم فيك. وعلى قدر الصلاة ان تتغذى من الإنجيل لأنه “قوة الله للخلاص”. واذا لم تفعل هذا فشهواتك ومصالحك هي التي تتكلم وتُحوّلها انت الى حقيقة وهي الأذى عينه.

         تلك هي طريق القداسة. وهي ممكنة وانت مهندس او طبيب او بائع خضار عائشا في عائلتك ومع اصدقائك، آكلا وشاربا.

         القداسة ليست استثنائية، بطولية. هي تعاش على الأرض ومع اهل الأرض، ولكنها تتطلب وعيا وسهرا متواصلا لعلمك بأن الرب هو الحياة والحرية.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

تطويب القديسين/ الأحد 30 أيار 2004 / العدد 22

الروح القدس منشئ القداسة ولا يعلمها حقا الا الله. غير ان الكنيسة شهدت منذ البدايات للشهداء على انهم أحباؤها الأوّلون، وأدركت ان صك قرباهم من الرب هو الدم الذي بذلوه. ثم انتبهت إلى الشهادة البيضاء التي كان الجهاد الروحي فيها مثل الدم المسكوب، ورأت نفسها منشدّة إلى هؤلاء وأحست انها قادرة ان تخاطبهم اذ يتوسلون إلى ربنا الواحد في الملكوت ما لا يعني انهم وحدهم في الملكوت. لذلك عندنا احد جميع القديسين بعد اسبوع. ولكن الذين أعلنت الكنيسة قداستهم انما هم قدوة نقتدي بها.

والأساس الذي نرتكز عليه في الكنيسة الارثوذكسية ينطلق من الشرائح الشعبية الواعية التي تصلّي حول الضريح لإحساسها بالسمو الروحي الذي أدركه هذا المؤمن الذي يكرمه المؤمنون. وشيئا فشيئا يعي المجمع المقدس المحلّي أو الاقليمي هذا الأمر ويدرس سيرة الإنسان الجدير بالتطويب درسا مدققا اذ يكون قد عاش بلا لوم، بلا أخطاء جسيمة، فكان تعلقه بالرب ساطعا جدا.

وليس عندنا شرط إتمام هذا الإنسان عجائب. وقد أَعلنّا قداسة ناس لم يكونوا صانعي عجائب. ان السيرة البهية وسلامة العقيدة هما المعياران الوحيدان اللذان نتخذهما بعين الاعتبار. بعد تثبُّت هذين الأمرين، نهيئ النصوص الطقسية (صلاة الغروب وصلاة السَحَر) التي نرفعها بعد اتخاذ المجمع المقدس قراره بالتطويب، ونرسم ايقونة لتوضع في الكنائس. فكل قديس عندنا ينتمي إلى كنيسة مستقلة (القسطنطينية، أنطاكية، موسكو…)، والتواصل القائم بين الكنائس يجعلها تتبنى القديس المعلَن في منطقة معينة، ويبقى قديسا محليا. عندنا اذًا قديسون عالميون (نيقولاوس، جاورجيوس، انطونيوس…) وقديسون محليون (سيرافيم في روسيا، يوسف الدمشقي في الكرسي الانطاكي…).

والتطويب جارٍ اليوم في كل الكنائس الارثوذكسية. ونقرأ عنه في المجلاّت الصادرة عن كل كنيسة. ولكن الكنيسة الارثوذكسية لا تستخدم كثيرا وسائل الإعلام الحديثة او ليس عندها وسائل إعلام.

السؤال الذي يُطرح هو: هل عندنا موقف مِنَ الذين تُعلِنُ قداستَهم كنيسةٌ غير أرثوذكسية؟ نحن لا نأخذ موقفا ايجابيا أو سلبيا، فالمرجعية التي أَعلنت قداسة واحد من الناس غير مرجعتنا. وهذا الذي طوّبوه لا ينتمي إلى الكنيسة المستقيمة الرأي لكي نجعل له ايقونة على جدران كنيسة مستقيمة الرأي. واذا أَحبَّ احد منا ان يكوّن لنفسه رأيا في مطوَّب غير ارثوذكسي فهذا شأنه. والله يوزع مواهب الروح القدس على من شاء. نحن لا نفحص هذا الأمر. وعند إعلان الاتحاد بين الكنائس من الطبيعي ان يتضمن التقويم الكنسي الذين طوّبتهم الكنائس التي كانت منشقّة إحداها عن الأخرى.

لا شيء يمنع -على صعيد فردي- أن تُكرم انت قديسا ليس من كنيستك. غير انه ليس من المعقول ان ينتظم في عداد القديسين المذكورين رسميا. على هذا الأساس ليس من اللياقة الأخوية او ليس من المحبة ان تعترض على ما تقوم به الكنيسة الأخرى. القديسون في سر الله. فاذا لم تسرع كنيسة في «إنتاج» قديسين فلا يعني هذا شيئا. كل القديسين الارثوذكسيين شفعاؤنا أأعلنّا نحن قداستهم أَم أَعلنها مجمع آخر. انت تنتظم في ما تقوله كنيستك وتفرح للقداسة الحقيقية فيها أأعلنت عن قديسين جدد أم لم تعلن.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

بعد الانتخابات/ الأحد 23 أيار 2004/ العدد 21

في إنجيل اليوم جاء يسوع ليعطي الناس حياة أبدية، تلك التي يعطيها الله نفسه وابنه، أي القداسة التي تبدأ هنا وتستمر بعد الموت. أي شيء غير هذا هو من هذا العالم، ويزول بزوال العالم. المحبة وحدها تبقى وهي القداسة. ويقول السيد في قراءة اليوم: «مَجِّدْني أنت يا أبتِ عندك بالمجد الذي كان لي عندك مِن قَبل كون العالم» (يوحنا 17: 5). ان يضمك يسوع إلى صدره هو المجد. اما المجد الدنيوي فهو انتفاخ. والذي يسعى اليه لا يقدر ان يرى مجد الله.

أنت لك ان تسابق الآخرين في سبيل الخدمة، ولكن ليس لك ان تكرههم أو تفتري عليهم لأن في هذا تجريحا. ومن تجرحه لا يبقى أخاك أو لا تبقى أنت أخاه. هناك ناس وصلوا إلى مراكز وفي محافظات غير الجبل سيصل بعض. الذي وصل بطهارة كبيرة تَقرَّبَ من الله، ومن لم يكن كامل الطهارة يرحمه ربه ان تاب. ومن استعمل طرقا ملتوية ندعو له بالتوبة ولا ندينه إذ له من يدينه. اما وقد وصل بعض، فلا داعي إلى التوتر ولا تجوز المقاطعة. لأن مَن وصل وصل، فاجعل تعاونا بينك وبينه خدمةً للمدينة أو القرية. فقد يحتاج إلى رأيك وإلى تعاونك إذا أردت خير البيئة التي أنت منها. وإذا اعتبرنا ان الأمور ما كان يجب ان تُسَيَّس، فلتبقَ السياسة على صعيد التعامل مع الدولة والنواب القادمين. ولكن آن الوقت لتنفك بعض التحالفات الظرفية من أجل تعاون الجميع على أساس ان المدينة أو القرية قضاياها كهرباء وماء وطرقات وتشجير وثقافة. وقد تختلفون فيما إذا كانت الكهرباء أولية أو الطريق. وهذا موضع للنقاش، ولا ينبغي ان يرفض المجلس البلدي رأيا خارجا عنه إذا كان صحيحا مدعوما بالحجة.

في الإنجيل اليوم يقول السيد: «أيها الآب القدوس احفظهم باسمك الذين أَعطيتَهم لي ليكونوا واحدا كما نحن واحد» (يوحنا 17: 11). هذا يعني لي أولا ان أبناء هذه الأبرشية بعد ان انقسموا لأسباب انتخابية ينبغي ان يعودوا واحدا في كنيسة الله لأن الكنيسة أهم من مجالس البلدية. وكما نقول في هذا الزمان الفصحي: «لنقُلْ يا إخوة» اي لنتصرف كإخوة. فالذين من الضيعة هم أنفسهم في الكنيسة. فلا معنى لاجتماعهم فيها إن اختلفوا في الضيعة. هذا تناقض. والكنيسة كلها روح. والضيعة يجب ان تكون روحا. الضيعة هي الكنيسة المتحركة في البيت والشوارع والمعاملات. الخلل الذي حصل في النفوس لا ينبغي ان يُخلّ بعلاقاتنا في الكنيسة إذ نكون قد ضيّعنا القرية والكنيسة معا.

لك ان تراقب المجلس البلدي وأن تُبيّن له تقصيره، كما لك ان تشجعه وتنصره عندما يستحق ذلك. جادل ما شئت ولكن في تهذيب، وافرح للأشياء الحسنة التي يقوم بها مَن كانوا لك خصوما، إذ المهم ان ينجح الخير أكان ذلك عن يدك أم عن يد الآخرين. وفيما أنت تهدأ ان كنت على لائحة ان تسأل نفسك إذا ترشحت طلبا لخير بلدتك أم ترشحت توقعا لدعم سياسي حاليا كان أم متوقعا، أم انك ترشحت بغضا أو نكاية أم خنوعا لزعيم. أنت مدعو ان تفحص قلبك كما نقول نحن الأرثوذكسيين. وقد لا يكون الفائزون استعملوا طرقا غير التي استعملتها أنت أي تكونون متساوين بالضعف. لعل التحرك البشري أيا كان لا يخلو من ضعف. ألا رحمنا الله جميعا لأننا في حاجة إلى غفرانه جميعا.

في المناطق الشمالية من هذه الأبرشية حاولوا الوفاق، وان لم يتوفر فكونوا في سلام أي اجعلوا المسابقة رياضية التي يهنئ فيها الخاسرُ الرابحَ. لعلها مناسبة ان أكرر ان القاعدة ان تشاركوا جميعا ليأتي المجلس البلدي حاملا مشاعركم وأفكاركم. ولا تتشكّوا إن بقيتم متقاعسين.

ثم حيث حضورنا كثيف فلا مبرر لنخسر مقاعد. هذه هي اللعبة التمثيلية في البلد. غير اننا لسنا طائفيين بالمعنى الضيق. هناك توازنات محلية تُقدّرونها أنتم محليا، وتعرفون اني لم أتدخل في مكان، ولا أَوحيت بأي اسم، وما تابعت السباق. ومَن نجح يعمل لخير البلدة لا لخير طائفة. فالماء والكهرباء والخبز والطريق والنظافة واحدة لكل المواطنين. لعلنا في البلديات نحدّ من جموح المتعصبين.

بارككم الله على هذا الخط ليكون «فرح المسيح كاملا فيكم». كونوا اطهارا في كل حين.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

بدل اكاليل/ الأحد 16 أيار 2004 / العدد 20

دخلت هذه العادة الى مآتمنا رغبة من المؤمنين ان يساعدوا الكنيسة عوضا عن الزهور التي كانوا يشترونها من باعة الزهور. وذلك منذ بضع عشرات من السنين وتعممت حتى باتت في بعض الكنائس اعظم دخل لها. وفي الأمر إحسان وتعزيز المودة مع اهل الميت اذ يطلعون على لائحة المتبرعين.

          الهيأة المسؤولة عن قبض هذا المال هي مجلس الرعية. هذا واضح. ثم من فترة قصيرة اخذنا نرى جمعيات ذات طابع خيري مرخصًا لها من المراجع المسؤولة او غير مرخص لها تُقاسِمُ الكنيسة على هذه التبرعات، وربما كانت جماعات اخرى ليس المجال هنا لأناقش انتماءها، حتى سمعنا من يقول ان هذا المال يرسَل الى اهل الميت.

          نحن لا نمنع احدا ان يجود بماله على من شاء ومتى شاء. ولكن ليس لأحد حق ان يضع طاولة عند مدخل الكنيسة وهي موكولة الى وكلائها فقط. حمى الكنيسة او ارضها ليست مشاعا للضيعة لتعمل فيها اية هيأة ما تشاء، وقد يتم هذا بسطوة او رضاء ابنائنا. ولو وضعت طاولة هذه المجموعة في مكان آخر فهذه منافسة مع الكنيسة واضحة.

          اما العادة السيئة الأخرى والضاغطة اكثر فأكثر فالقول ان هذا الدخل هو لأهل الميت. هذا كلام جديد لم يكن لنا عهد به. عيب ان نجعل من الموت سببا تربح منه العائلة مالا. ليس من يرغم العائلة الفقيرة ان تقوم بنفقات ليس لها حاجة كعادة تقديم السجائر للمعزّين او ان تشتري تابوتا غاليا وان تدعو عددا كبيرا من الكهنة. ورجاؤنا ان يفهم الكاهن ان العائلة ليست مضطرة ان تدفع له شيئا. ليس من الكياسة بشيء ان ننفق كثيرا حتى ينفق الناس علينا.

          اما اذا أحس مجلس الرعية ان العائلة تحتاج الى دعم فيدعمها بصورة دائمة. ولا مانع بعد ان يكون قبض “بدل الاكاليل” ان يدعمها بالمبلغ الذي يراه مناسبا.

          رجوعا الى الجمعيات الخيرية المرخصة لا اعتراض عليها. ولكن روح القانون الذي انشأ مجالس الرعايا منذ ثلاثين سنة ونيف كان من افكارنا ان مجلس الرعية هو الذي يقوم بمساعدة الإخوة المحتاجين باسم الكنيسة كلها لا باسم فئة من الفئات. مع ذلك لم تلغِ الرئاسة الروحية الجمعيات الخيرية المنبثقة عنها. ولكن كل موضوع المشاركة الخيرية ينبغي ان يعالَج بروح الإخاء والتعاون فلا يلغي احد منا الآخر وليكن تنسيق.

          اريد ان تفهموا بأن ما تدفعونه “بدل اكاليل” انما تُقرضونه الله. فعلاقتكم ليست مع مجلس الرعية. انها مع الرب. قد لا يعجبكم هذا او ذاك من مجلس الرعية. ولكنا نعيش مع الموجود. قد لا يعجبك الكاهن في كل جوانب تصرفه. ولكنك تعيش مع الموجود. القضية ليست قضية مزاج. ينبغي ان نتعلم التعاون في الكنيسة فلا نكون فيها احزابا. ليس في الكنيسة حواجز بين مؤمن ومؤمن.

          نحن ليس عندنا تنظيم مالي كما في المجتمعات التي تُدفع فيها اشتراكات. اهلنا ابدعوا نظام “بدل الأكاليل” لسد الحاجة في كنيسة يدخلها القليلون في الآحاد، وفي كثير من كنائسنا الدخل قليل. فهل نأتي         اليوم بضرب “بدل الأكاليل” لنجعل مساهمتنا قليلة؟

          انا ارجو الارثوذكس الذين ينتمون الى هيئات مستقلة او جمعيات ان يتركوا شأن الموت للكنيسة فهي التي تصلّي من اجله وتعزي اهله. وليكن لنا الإحساس بالمشاركة في هذه المناسبة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

ميول يهودية في الغرب/ الأحد 9 أيار 2004 / العدد 19

الكثيرون من لاهوتيي الغرب مسحورون باليهودية واليهود. كبير في الأحبار سمّاهم «الإخوة الأبكار». ويعتبرون العهد القديم لا يزال يشرعنهم على انهم شعب الله، مع ان آباءنا قالوا جميعا ان الكنيسة هي اسرائيل الجديد، وان العهد الشرعي بات الآن بين الله والكنيسة بدم يسوع.

هذا الخط قائم تسعين سنة تحديدا، ولكنه غدا اكثر وضوحا بعد مجزرة اليهود على عهد هتلر في الحرب العالمية الثانية، فأخذت هذه المجزرة تعقّد المسيحيين الغربيين مع ان رجلا واحدا اقترفها. والمسيحية الغربية بنصوص لها واضحة شجبت التفريق العُنصُري كما شجبت ذبح هؤلاء اليهود. كيف تستطيع حادثة، ولو على هذه الفظاعة التي لا توصف، تستطيع ان تُحدث انحرافا في اللاهوت الغربي عمّا ورثناه عن آبائنا القديسين، ونحن نعلم ان المواقف اللاهوتية مبنية على كلمة الله وحدها لا على حادثة من حوادث الزمان.

من مظاهر هذا الميل إلى اليهودية ما جاء في وثيقة من مجمع الفاتيكان الثاني في اواسط الستينات جاء فيها ان «ما ارتُكب اثناء آلام المخلّص لا يمكن ان يُنسب إلى كل اليهود العائشين آنذاك ولا الى يهود عصرنا». ردُّنا على هذا ان الإنجيل لم يكن في وارد تبرئة فئة من ناحية القانون الجزائي، وما كان موقفه موقف محقق عدليّ، ولما قال اليهود: «دمه علينا وعلى اولادنا»، كانوا واعين ان أُمّة اليهود هي التي تقتل السيد وتكلم باسمها قيافا، وعندما كان الأنبياء يؤثّمون اسرائيل كان اسرائيل عندهم آثما وما كانوا يهتمون لهذا الفرد أو ذاك. إلى جانب اليهود، كل البشرية مذنبة الى المسيح ولا تتبرأ بوثيقة مجمعية ولكن بتوبتها اليه واقتبالها المعمودية. لا يستطيع احد نيابة عن السيد ان يعطي احدا من الناس إفادة بحُسْن سلوك.

يضاف إلى هذا ان المؤرخ اليهودي الفرنسيJules Isaac حاور خلال سنوات البابا بيوس الثاني عشر ليُقنعه بتلطيف علاقة الكنيسة الكاثوليكية باليهود، وأمست المسيحية الغربية في حالة ندم لما فعلته باليهود في القرون الوسطى، والندامة واجبها، ولكنها قتلت كثيرا من المسلمين في إسبانيا والمسيحيين في الغرب والمسيحيين الارثوذكس اثناء الحملات الصليبية على الشرق حتى اعتذر عن كل ذلك البابا الحالي مؤخرا، ولكن ما سيطر على المسيحية الغربية كثيرا هو الاعتذار من اليهود.

هذا اذا لم اتكلم على السينما حيث تجد رموزا يهودية، واذا لم اتكلم على مشاهد عارضات الأزياء وهنّ نصف عاريات ويعلّقن احيانا صلبانا كبيرة على أعناقهن للدلالة على ان العراء انما يختص بالمسيحيات.

إلى هذا برنامج كبير في محطة arte الفرنسية-الألمانية يدعى Corpus Christi اي جسد المسيح، دعي اليه قسس كاثوليك وانجيليون وربانيون (حاخامون) ولاسيما من الجامعة العبرية، وفيه باسم علم التاريخ تشويه للأناجيل ودحض لكل موقف التراث المسيحي المتعلق بالمخلّص. وفي هذا البرنامج تأويلات مبنية على افتراضات، وتركيز على «إخوة يسوع» المعروف عند آبائنا انهم أنسباء له، ولفظة أخ باللغة العبرية تشمل ابن العم وابن الخال او الخالة، وذلك للتشكيك ببتولية مريم.

ويقدَّم الآن برنامج من المحطة نفسها عن نشأة المسيحية، الغاية منه تبيان ان تبشير يسوع انما هو حركة يهودية، وان مسيحية يسوع يمكن اعتبارها فرقة من الفرق اليهودية حتى جاء بولس وأسس هو (لا المسيح) المسيحية التي نحن نعرفها. وهنا ايضا بعض المتكلمين علماء من الجامعة العبرية في القدس.

لهذا شطبت الكنيسة اللاتينية من طقوس الأسبوع المقدس جُمَلاً تتّهم اليهود بأنهم هم الذين قتلوا المسيح. وأخذ الفكر الغربي يقول ان الرومان لا اليهود مسؤولون عن قتل السيد مع انهم هم الذين حاكوا الموآمرة وهم الذين اتّهموه بالتجديف وساقوه الى بيلاطس البنطي الوالي وهم الذين قالوا: اصلبه، اصلبه.

ويشدد الغربيون تشديدا كبيرا على اصول المسيح اليهودية في الجسد. غير ان بولس يقول: «اننا لا نعرف الآن المسيح حسب الجسد بل حسب الروح». وما يهمّنا على الأكثر انه كلمة الله المتجسد الذي يفوق كل عِرْق وجنس. نحن نعرفه مخلّص العالم، وأتى اليه المؤمنون به من بين اليهود ومن الأمم، واكثر المسيحيين من اصل وثني ولا علاقة لهم بشريعة موسى التي حرّرَنا منها مجمع الرسل الذي انعقد في اورشليم. متى يهتدي إخوتنا في الغرب إلى المسيح كما رآه آباؤنا المشترَكون قبل هذه الموجة الضالة!

Continue reading