Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2004, مقالات, نشرة رعيتي

الصليب عليّ/ الأحد في 19 أيلول 2004 / العدد 38

عندما نلحظ ان فترة عيد ارتفاع الصليب خمسة فصول إنجيلية منذ السبت الذي يسبقه إلى الأحد الذي يليه لا بد ان نفهم ان الكنيسة أولت أهمية فائقة لهذا العيد. وقراءة اليوم ختامة القراءات. فحواها كيف ينعكس الصليب في حياتي، كيف أكون بعد المسيح مصلوبا. توا يبدأ الفصل بقول الرب: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. ان أكون مصلوبا تعني انني سمعت صوت الرب يدعوني، وهذا يتطلب مني تلبية. كيف تكون هذه التلبية؟ بدؤها ان اكفر بنفسي اي ان استغني عن كل ما يستعبدني لأصير عبدا لله. فأنا عبد ان كبلني ما في يديّ (مالي) او شهوتي للجسد والسلطة. انا لا اذهب إلى الله محمَّلا بشيء. اذهب بفراغي من دنيا حاملا نعمته فقط.

            هذا هو الشرط لكي احمل صليبي. وصليبي قد يكون امرأتي او منافسي في العمل او وضع البلد وفقري وأمراضي والإغراء الذي يلازمني او يعاودني. انا مثقل ومع هذا يجب ان امشي اذ يقول: “يتبعني” فإنه كان مثقلا بهذه الخشبة. إلى اين أتبعه؟ إلى حيث ذهب اي إلى الجلجلة وأبقى تابعا له حتى مماتي لكي يحررني من أثقالي.

            “لأن من اراد ان يخلّص نفسه يهلكها ومن اهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. يهلكها بالتعب، بالتحرر مما كانت تستطيبه من لذات الأرض. “من اجل الإنجيل” لأن البشارة تتعبنا. تجعلنا امام دراسة مضنية، دائمة للإنجيل. وفي الإنجيل فضائل علي ان اكتسبها لأني بلا ذلك لا اخلص. السيد جازم، قطعي، لا يقبل ان يكون فيك ما هو للإنجيل وما هو ضده. لا يقبل ان تتعب نفسك بتحصيل الفضائل قليلا لأنك ان تعبت قليلا تلقى قليلا. ان افنيت كل خطيئة فيك تتلقى كل بر من الله.

            ثم يكمل يسوع فكره: “فإنه ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. ام ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه”. العالم وما فيه من بهرجة ومجد وطعام وشراب وقصور وإثارة، هذا اذا ربحته تخسر نفسك، هذه التي افتداها المسيح وأفرغها من كل ذلك وأفعمها بكل طيب من عنده وبكل فرح. التابع للمسيح حقا فيه فقط المسيح وهو غناه الذي به يستغني عن كل شيء.

            التحدي الكبير الذي أطلقه يسوع هو “ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟”. ان فضل يسوع بالنسبة إلى الحضارة القديمة هو انه كشف لنا قيمة النفس اي قيمة الانسان بذاته التي هي على صورة الله. كانت قيمة الإنسان عند اليونانيين القدماء انه حر لا عبد. جاء يسوع وألغى هذا الفرق. كانت قيمته انه يوناني وليس غريبا عن اليونان. جاء يسوع وألغى هذا الفرق. كانت قيمته انه ذكر لا انثى (وكذا عند اليهود). جاء يسوع وألغى هذا الفرق. جاء السيد يقول: قيمتك هي ما في نفسك لا في ما تملك. فقد تأكل قليلا وتسكن كوخا وتلبس ثيابا رثة وقيمتك هي اياها. ان تحوي الدنيا كلها وتتمتع بكل شيء وليس فيك المحبة فأنت “صنج يرن او نحاس يطن”.

            اعظم انسان ليس الغني ولا السياسي ولا الجميل ولا المثقف. هو انسان القلب. قد يكون آخر الناس في مقاييس الناس. فالناس كثيرا ما يحتقرون الصالحين البسطاء المتواضعين ويضعونهم في آخر مرتبة. والله يراهم حسب مقاييسه هو. لا تهمهم مرتبتهم هنا وهم لا يعرفون ان لهم مرتبة فوق ولكنهم يسلمون انفسهم للمصلوب الذي يضمهم إلى صدره وتكفيهم هذه الضمة.

            الذين عندهم الكثير من هذا العالم يستحييون بالمسيح فعليا لأنهم لم يحملوا صليبه وما تبعوه. هناك مسيحيون بالإسم وعلى تذكرة الهوية. المسيحي الفعلي من جاهد مع المسيح وتحرر من هذا العالم ووطأته وسار في هذا العالم طالبا الملكوت. اما من استغنى هنا عن المسيح ولو تسمى باسمه فلن يعرفه المسيح “متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القديسين”. السير مع المعلم متعب في البداءة ثم يأتيك الفرح.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

عيد ارتفاع الصليب/ الأحد في 12 أيلول 2004 / العدد 37

عند بعض الناس ينتهي العيد بالنار التي تشعل في ساحة الضيعة أو الحي او بالشموع تضاء على الشرفات. اما العيد فنشأ من اكتشاف القديسة هيلانة ام القديس قسطنطين الكبير لصليب المسيح وذلك بعد انعقاد المجمع النيقاوي (325). فلما وجدته والقبر قربه كما يقول الإنجيل بنت فوق القبر كنيسة القيامة. ثم استولى الفرس على اورشليم السنة 614 واخذوا عود الصليب إلى عاصمتهم المدائن حيث بقي بضع سنين ثم اعاده ملك الروم هرقل إلى اورشليم واخذت بطريركية اورشليم توزعه على الكنائس والمؤمنين ذخائر.

            احتفالا بهذا الحدث في آخر سحرية العيد نضع صليبا على صينية عليها ثلاث شموع رمزا للثالوث المقدس ومحاطا بالرياحين او الزهور ونطوف به ونضعه على طاولة مرتلين طلبات مختلفة على جوانب الطاولة الأربعة فيرفع الكاهن الصليب إلى فوق ثم ينزله إلى الأرض ونرتل “يا رب ارحم” 500 مرة استغفارا ثم يقبّل المؤمنون الصليب ويدفع اليهم الكاهن زهرة علامة للفرح ويبدأ القداس.

            الصليب عندنا مرسوم عليه المصلوب او منحوت، ونعتبره الأيقونة المثلى لأنها أيقونة الخلاص. فنحن لا نعانق الصليب ولكن نعانق المصلوب. واذا رسمنا إشارة الصليب على وجوهنا وصدورنا ينبغي الا يكون هذا آليا ولكنا نصغي إلى الكلمات التي ترافق الإشارة (باسم الآب… او قدوس الله وكلمات اخرى مماثلة). فالإشارة تكون غالبا مرافقة لانحناء. فكل إشارة صليب تتضمن سجودا لله. ونعلق الصليب في عنقنا من بعد المعمودية (وهذه عادة يجب الا تضيع). لا نقصد بذلك انه مثل حرز او حماية. انه تعهد واعٍ على اننا نخص يسوع. هي شهادة من قبلنا اننا له.

            فعندما نقول: “احفظ بقوة صليبك جميع المختصين بك” نكون طالبين لا فاعلية سِحْرية من هذه الأداة ولكن قوة الخلاص الذي احرزناه بموت المسيح على الخشبة. دائما يجب ان نسعى إلى المعاني التي هي وراء الرموز. يقول المؤرخون ان القديس قسطنطين رأى إشارة الصليب في الجو لما كان يحارب وسمع صوتا يقول له: “بهذا تغلب”. نحن لا يهمنا انتصار جيش قسطنطين. يهمنا ان نغلب الأعداء غير المنظورين اي روح الشر وخطايانا. واذا وُضع الصليب على مقبرتنا فلكوننا مؤمنين اننا رقدنا “على رجاء القيامة والحياة الأبدية”.

            الصليب يعطينا السلام والهدوء ولا يدفعنا إلى تعذيب اجسادنا. نحن لا نضرب اجسادنا ولا نفرح بالمرض. نفرح بالشفاء والصبر اذا كنا على مرض. “فبالصليب أتى الفرح لكل العالم” ولم تأتِ المآسي. التقشف عندنا بالصوم ليس قهرا للنفس ولكنه ضبط للشهوات المثارة في النفس. فالمسيح لا يبعث بمرض. انه شفى البرص والعميان والصم والمفلوجين وأقام الموتى. ليس احد عظيما اذا تألم ولكنه قد يصير بارا اذا تجاوز الألم إلى الفرح الذي رمزه القيامة.

            يسوع يدعونا اليوم إلى العمق الروحي استعدادا للعيد. لذلك قال في الانجيل: “هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية”. الصليب علامة محبة الله لنا، فهل من حب اعظم من ان يبذل الانسان نفسه عن احبائه؟ لقد قبل يسوع الموت لكي نكتشف محبة الله العظيمة فنرد المحبة بالمحبة. ولكن لا نستطيع ان نحيا المحبة ما لم نرجع عن اخطائنا وخطايانا. هي التي يجب ان نسمّرها على الصليب لكي تبقى فينا الحياة الدائمة التي ورثناها من المسيح.

            لا تقولوا المسيحية صعبة. اجل هي مُكلفة لانها تتطلب ان نبيد كل انانية فينا وكل حقد وبغض وكل شهوة مؤذية. فاذا استقرت هذه فينا لا يبقى فينا فرح المسيح. عيد ارتفاع الصليب هو عيد ارتفاعنا بالصليب. هو عيد الفرح الذي يشبه يوم الجمعة العظيم الذي نستهل به الفصح.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الغضب/ الأحد في 5 ايلول 2004 / العدد 36

عندنا توصية من القديس باسيليوس الكبير ان يعطي الإنسان صوته الحجم الذي يحتاج إليه ليصل الصوت إلى من تخاطبه. أكثر من هذا يكون صراخا. السيد كان يؤنب ولم يكن يصرخ. لهذا قال عنه متى: «لم يسمع احد صوته في الشوارع». كل إنسان معك هو جليسك ولست في حاجة إلى صياح. فهذا الذي تجالس يطلب منك المعنى. والمعنى لا يقوى بالصراخ.

أي من سمعك تصرخ في وجهه يعتبرك خصمه ولو كان كلامك إليه مهذبا. انه دائما يتأذى من الصوت العالي. أية ثورة غضب إقصاء للآخر وقد يحسّه إذلالا له ويحسّك أنت مستعليا. لذلك طلب بولس إلى تلميذه تيموثاوس الا يزجر شيخا (1تيموثاوس 5: 6). في هذا المنطق أقول لا تزجر الفقراء. يحسون انك تحتقرهم. أجل عليك ان تؤدب الناس حسب الظرف ولكن هذا ممكن بالحنان والرأفة. وان أخطأ إليك أخوك فعاقبه من اجل إصلاحه فأنت لست ضده. أنت ضد خطيئته فقط لأن الخاطئ حبيب الله أيضا.

الغضب عدوان. لذلك قال السيد: «لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضاء. أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء» (متى 5: 21). كل غضب نوع من الضرب. بيِّن للخاطئ خطأه بهدوء كامل فيشعر انك تهديه. أما إذا علا صوتك فيحس انك «عم تفشّ خلقك» عليه ولا تريد ان تهديه.

واعلم ان الغضوب في أكثر المرات ليس له سلطان على لسانه فيتلفظ بأصوات مشوهة ويختل نبض قلبه وتحس ان قوة غريبة ليست من الله تسكنه. وأحيانا يصل إلى العنف الجسدي وتتشوش قدرته العقلية. يخسر حكمه الصالح في الأشياء وتتدحرج كلماته المصوتة كتدحرج الصخر ولا يقدر ان يقتنع إذا أجبته لأنه منشغل بتهشيمك.

خف من الغضب الكامن الذي لا تعبّر عنه باللسان. هذا قد يكون قويا كالغضب الظاهر وأكثر خبثا أحيانا.

وحتى تصل إلى الهدوء، لا تتكلم أبدا إذا أحسست ان قوة تصعد من صدرك إلى حلقك ليتفجر، فاسكت وارتح. صلِّ فورا دقيقتين في داخلك وصلّ من أجل الذي هو أمامك ويثير فيك الغضب. وانس الأهانة إذا أهانك أو ثقل دمه أو كذبه أو معارضته لك ولا تردّ له شره بإعلاء صوتك فإنك إذا أحببته في هذه اللحظة أو غفرت له لكونه ضعيفا وضممته إلى قلبك لا يمكن ان تغضب.

لك ان تتمرد على الشر الذي تراه، ولكن لا يشفى الشر بالشر. خذ هذا الذي أثارك إلى الموقف الصالح لأن مبتغاك لا ان تنتقم لنفسك بل لتصلحه. لا تقم نتؤا أمام نتؤ. اضرب غلاظة من أثارك بالوداعة فإنها من الروح القدس.

مرة قال لغاندي أصحابه: لماذا تبشرنا باللاعنف. ان صاحبك يسوع أخذ السوط وضرب به باعة الحمام والصيارفة. أجابهم: ان يسوع كان دائما وديعا. فإذا كنتم قادرين ان تتحلوا بالوداعة أسمح لكم بالعنف. المقصود من هذا الجواب ان من يغضب لا تكون عنده وداعة إذا غضب.

أنت عليك ان تبقى مستقلا عما حولك، حرا من الشرور التي تراها. فكرّ دائما بما ينفع الخاطئ روحيا وقُدْه بهدوئك إلى الهدوء. اجعل السلام في نفسك. هذا يتطلب منك صلاة غير منقطعة. وإذا كان الغضب عيبك الأكبر فاطلب من الرب ان ينجّيك منه. ركز في صلاتك على هذا الطلب. فإذا رأيت ان القادم إليك من شأنه ان يثيرك فصلّ فورا عند دخولك عليه. وإذا جادلت في أمر فلا تتمسك بالصغائر ولا بالدفاع عن قضية يتبين لك انها غير صحيحة.

انما الهدوء الكبير يحصل عندك ان تجردت من الشهوات كلها. فعشق المال والجسد والوجاهة والسلطة سبب مباشر للغضب. وإذا تمسكت بأية شهوة من هذه فأنت غاضب حتما للدفاع عنها إذا عرقلك احد دون تحقيقها. السلام الداخلي شرط لسلام الكلمة وسلامة التعبير. عندما يعلو صوتك تأكد انك لم تتحرر من الشهوة. اعرف شهوتك واضربها يسلم لسانك من الصراخ.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

شهوة المال/ الأحد 29 آب 2004 / العدد 35

حذّرنا السيد كثيرا من شهوة المال ومن ازدياده بلا حدود سواء أكان عندك أم لم يكن. فلا فرق بين الغني والفقير إذا سيطر عشق المال على نفسهما فالخطر ليس بوجوده بل باستبداده.

         ليس الإغراء في الثراء بالضرورة فقد تكون ثريا ومتواضعا. الخطر في اقتناء المال ان تصبح مستغنيا عن الآخرين. هذا هو معنى كلمة غني باللغة. ما يريده الله منك ان تحس بحاجتك إلى الآخرين سواء أعطيت أو أخذت. العلاقة في هذا المجال وفي غيره هي المشاركة وروح المشاركة. فإذا كنت كذلك فالآخر في قلبك وليس ماله في قلبك.

         اذكر قول المعلم: «لا يقدر احد ان يخدم سيدين، لأنه إمّا ان يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 4). للمال هذه القوة عليك ان يصبح معبودك، وفي هذا قال القديس يوحنا الذهبي الفم: «ان حبه يغلب كل حب ويطرد من النفس كل رغبة أخرى».

         في هذا المنحى قال بولس الرسول: «ان الطمع عبادة وثن» (كولوسي 3: 5 وافسس 5: 5). لم يقل الكتاب لا تجنِ من عمل أتعابك. انه قال الا ننهمك، الا يصبح شيء مادي هاجسنا الأول فيخطفنا عن المسيح. يمكن ان تحمي نفسك من غدك لأن هذا هو الاقتصاد الذي في ظله نعيش. فلما قال السيد: «لا تهتموا للغد»، لم يقصد الا تنتظروا عملا في الغد. ولكنه أراد الا يطيش الغد عقلك. أنت تعمل لليوم وللغد، ولكن لا تضطرب لشيء. هناك مسعى ومع المسعى رجاء.

         الفكرة المسيطرة على موضوع الاقتناء هو ان الأموال ليست لأحد من حيث الملك بمعنى انك تستعمل الغنى كوكيل عليه وليس كمستمتع. أنت مؤتمن على أرزاق الله. لذلك تستعملها لك وللآخرين. تأخذ منها ما يكفيك ولا تبذخ ولا تبطر إذا كان عندك الكثير. القاعدة ان تسلك -ولو غنيا- في حشمة فلا تفلش ما عندك فلشا لتسحر الآخرين بما عندك أو لتغويهم. أنت وما عندك في خدمة الآخرين. أنت غير مخيَّر بين العطاء والبخل. لذلك قالت المزامير: «بدّدَ، أعطى المساكين فيدوم بِرُّه إلى الأبد». لا تسأل أي مبلغ اليوم أعطي. أنت على قدر محبتك تبذل، وعليك ان تقوي رغبتك في البذل لكي تهرب من عبودية المقتنى. اسهر على الا تنفق مبالغ خيالية على ضيوفك وأعراس بنيك. عش في حياء وخفر وعفة.

          السيد لم يرذل الأغنياء. كشف فقط الأخطار الروحية المحدقة بهم، وهي تحدق بكل إنسان حصل على حسنات الدنيا. فالخطر يهدد الإنسان الجميل والإنسان المثقف. أي من اعتد بما عنده -مالا كان أم جمالا أم ثقافة- يعسر عليه دخول ملكوت السموات، لذلك نطلب «نباهة النفس» أو اليقظة الروحية لئلا نقع في التجربة.

         غير ان الخطر الكبير المحيط بالغنى ان يقع في تجربة التسلط. تلك الخطيئة لا بعدها خطيئة لأنها إقصاء للآخرين وإلغاء لهم. ان تكون أنت السيد يعني انك قبلت الا يكون الرب هو السيد. فاهرب من التبجح والمجد الباطل. واهرب خصوصا من ان تستعلي على الطاهرين والمتّقين الرب.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

تداول الخدمة/ الأحد في 22 آب 2004 / العدد 34

تداول السلطة في الحكم حتى لا ينتشر الاستبداد يقابله تداول الخدمة في مجالس الرعية. أفراد-سنديانات يلحون على البقاء فيها وإن لم يعلنوها. لا أنفي غيرتهم وقد نتبارك بتقواهم. غير ان المجمع المقدس لم يرَ هذا في تنظيمه هذه المجالس. انه أصرّ على تداول بين الناس على الخدمة وذلك تعبيرا عن مشاركة كل المتحمسين الفاهمين الورعين. لا ينكر احد على السنديانة جذورها، ولكن هنا شجر آخر له ايضا منعته وله نضارته. انت، كبيرا في قومك، موجود. وهذه نعمة نشكر لله اياها. ولكنّ غيرك موجود ايضا. ولكونك، عظيما، تركت تراثا فيأتي من يحمله وانت تذهب عن هيئة علمانية قائمة للعطاء ولكنك لن تذهب عن الكنيسة حيث لك ان تعطي بالمحبة والنصح. يجب ان نتعلم الذهاب لكي نوحي ان سوانا قادر ايضا على العطاء.

            والأشياء عندنا قائمة على التجربة. جربناك مشكورا مع ان المؤمن لا ينتظر شكرانا. وينبغي ان نجرب غيرك. فاذا كانت الكرة الأرضية لا يتوقف سيرها عند موت أحد منا، فلا تتعطل هيئة او جماعة خادمة اذا غادرها احد ليؤتى بمثله، ولست أقول من هو افضل فأنا لا أفاضل.

            ان نذهب عن مكان أمر نتدرب فيه على التواضع الذي بدونه لا يصل احد الى السماء. وما هو بالأهمية نفسها انه حرام على بعض ان يعطّلوا وقت المطران بزعلهم او احتجاجهم، والحجة الوحيدة التي يبدونها او يضمرونها انه لا يستغنى عنهم. كل انسان اذا استغني عنه في موضع محدد تبقى له مكانته في الفهم وفي الإرشاد وفي المحبة. ولتتحمل كواهل الشباب اثقالا حملتموها بإخلاص حتى يتمرس شبابنا على النضج فنفرح جميعا.

            الى هذا لا يجوز ان تأخذوا انتباهي وقوتي بلعبة التوازنات كما رسمتموها لأنفسكم. فاذا سايرت قرية من حين الى آخر حفاظا على هدوئكم لا يعني هذا اني مقتنع بهذه اللعبة. انا أصطفي من احسبه كفؤًا للخدمة او بمن نُقل الي انه صالح لها. احد في هذه الدنيا يجب ان يقول الكلام الفصل. انا افهم ان نقوم بانتخابات ديموقراطية حيث يأتي كل راشد الى قاعة الكنيسة لينتخب، ومعنى ذلك ان نحصي الراشدين وان نسجلهم على لوائح شطب. وهذا يعني لعبة مرشحين. لكم هذا ولكم ان يعيّنكم المطران وفق التحقيقات التي يقوم بها، وهناك استحالة ان يحظى من عيّنهم المطران بموافقة الجميع. بكلام أبسط ينبغي ان نرضخ للقرار بانتظار الأفضل بعد فترة إكمال الأسماء او اكتمال مدة الولاية.

            ان اقوم انا والكهنة بخدمتكم الروحية وان تصل اليكم كلمة الله وان أفرح لأفراحكم وأحزن لحزنكم هذا اهم من هذه التشكيلة البسيطة التي تدعى مجالس رعية.

            ان يظهر مجلس يقوم بالخدمة كاملة ويكون مخلصا للوقف وماليته وان يحرك الثقافة الارثوذكسية، ان يكون هذا فيه تمجيد لله أكان بكم ام كان بآخرين. لا مجال للتنافس فهذه هيأة ليس فيها مجد، والتنافس يكون في العطاء والبر وكلاهما نحياهما معا في كنيسة المسيح.

            كل اختلاف حول تشكيل مجالس الرعايا تخريب للكنيسة وحزن لي شديد. لا تنشغلوا بالتافه. اهتموا لخلاص نفوسكم. هناك اشياء لا تزال جامدة بسبب هذا التسابق غير المشروع. اذا اردتم الا تَدَعوني أخشى الانقسامات لا تنفعلوا اذا لم تأتِ التعيينات وفق ما انتظرتموها. قلت لكم ان المطران وحده يقول الكلمة الأخيرة.

            فاذا صدرت هذه فلا بد من قبولها لئلا تعم الفوضى. لا يمكن ان نبقي الكلام في دكاكين الضيعة او زوايا الشوارع وان تظهر بيننا الحزازات. نحتاج الى ان نمشي الى الأمام وإلا يتأكلنا الموت الروحي.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

رقاد والدة الإله/ الأحد في 15 آب 2004 / العدد 33

من الواضح ان اعياد والدة الإله منسوخة عن اعياد السيد ليتساقط عليها بهاء المسيح. فكما له البشارة جعلنا لها حبل حنة، وكما له الميلاد أقمنا لها ميلادها، وكما له الخلاص صليبا وقيامة وضعنا لها ذكرى رقادها الذي يعني موتها ونصرها.

          ليس في العهد الجديد ذكر لموتها لأن العهد الجديد كتاب عن الرب يسوع وليس سيرة قديسين، غير ان آباءنا تكلموا على رقادها في اورشليم (ان تحديد تاريخ انتقالها مجرد تكهن ولا يهمنا لتقوانا). هذا عيد نأخذه من التراث ولا نسعى الى معرفة الأحداث في دقتها. هاجسنا هو المعنى. والمعنى ان التي لم تعرف فسادا في حياتها لم تعرف كذلك فسادا في مماتها. الفكرة الأساسية في العيد ان والدة الإله هي في المجد الإلهي وتعاين الله وباتت اكرم من الملائكة في جسدها الممجد. ويبدو هذا العيد مختصرا لكل بهاء العذراء. فكان يجب ان تلتحق بابنها قبل الدينونة التي ننتظرها نحن لنلتحق به حقا.

          تبقى في السماء مصلية لنا، وتظهرها ايقوناتنا عن يمين السيد في السماء فتوحي الايقونة ان المخلص يُسقط مجده على أمه. فمنه اخذت النعمة وتأخذها ابدا. واذا نحن ذكرناها ودعوناها مطوبة -وهذا ما قالته لإليصابات- فهي تعرف ان كل شيء يجيئها من المسيح لأنها في دوام السجود له واستمطار نعمة الروح القدس من اجلنا.

          هذا الالتصاق الدائم بينها وبين ابنها نظهره في ايقونتها الأساسية وهي دائما ممثلة فيها حاملة الطفل الإلهي. في الايقونسطاس هذا قانون. مع ذلك عندنا ايقونات قليلة تمثلها وحدها متضرعة.

          نحن لا نقف عند العذراء. نمشي معها الى سيدها وسيدنا. ولذلك باطل هذا الكلام الشعبي انها تفهمنا لأنها أُم او لأنها انسان مثلنا. هذه بدعة. هذا توقف عند امرأة لم تتوقف ابدا وسارت دائما الى ابنها. المسيح اقرب الينا من كل كائن بشري لانه وحده المخلّص. وهو يتنازل مباشرة الينا. نحن لسنا عاجزين  عن ان نذهب الى يسوع مباشرة، وليس بيننا وبينه وسيط. العذراء والقديسون ليسوا وسطاء. انهم شركاء. كلنا معا حول المعلّم. الذين هم فوق هم حوله ونحن كذلك حوله. هذه دوائر مصلين ومرنمين. هي ترنيمة واحدة تنشد في السماء وعلى الأرض.

          لذلك مـن انقطع عن العذراء والقديسين ينقطع عـــن شركاء السيد. ومن اكـرمهـم يكرمه لأن كـل ما عنـدهم هو منـه، فانـت لا تستطيع ان تتجـاهل احباءه. فكما تلــوذ بالأتقياء الكبار هنا ان كنت تقيا تلـوذ بالقديسين ايضا لأنهـم اقتـربوا من المسيـح اقترابا كبيرا. ولكن لا تقـف عندهم لئلا تجمـد انت. ابــــــق معهم سائرا الى وجـه المسيح. فحتى يستقيم اكرامك لوالدة الإله يجـب ان تستقيـم عبادتك للسيـد وان يحتـل هـو كل المقام في قلبك. ليس له جزء من قلبك. له ايـاه كله والقديسـون ضمن المسيحـ الذي فيك. هم لا يتقاسمون نفسك.

          واليوم اذا ذكرت ان العذراء هي في السماء فمن المهم جدا ان تقيم انت في السماء اي ان يكون عيد الرقاد-الانتقال عيدا لك، وهكذا تكون مرشحا كل يوم الى ان تمتلئ من حضرة السماء فيك.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الحشمة/ الأحد 8 آب 2004/ العدد 32

أرجو ان تفهم المرأة أنَّ تمسّك الكنيسة بالحشمة ليس موقفا استبداديا. انه فقط تعبير على ان المرأة ليست وحدها في الكنيسة وان الرجل شريكها في العفة ويقول بولس انها تقدّسه بسبب ما عندها من إخلاص وتفانٍ. وأرجو ان تفهم انها تسيء إلى عفته إذا كانت تكشف مواضع مثيرة من جسدها وتسيء أيضا إلى عفتها هي. الجسد عندنا ليس مشاعا للأعين الشرهة. هو موضع لقاء حبي مع الزوج في علاقة وجدانية عميقة كان الجنس تعبيرا من تعابيرها. خارج هذه العلاقة الجسم مستور.

المرأة تعرف في حسها وخبرتها أن أي كشف فاضح مثير. هي تعلم الحدود ولا تحتاج إلى تعلّم. نحن ليس عندنا أحكام شرعية تفصّل الأمور تفصيلا. الذوق يكفي لمعرفة ما يجب ستره وما يجوز كشفه بلا نفاق أو اختفاء وراء كلمة ان الموضة هي كذلك. المرأة ليست أسيرة للأزياء ولا هي عارضة أزياء. لا يكفي أن تقول هذا يروقني. فهناك أمور كثيرة في الحياة تروقنا ولكنها تؤذينا وتؤذي الغير. وعيب الكذب والادعاء بأن الطقس حَر. فالرجال أيضا يحسون بالحَرّ ويستترون. وإذا كان علينا ان نراعي الحشمة في كل الظروف فمن باب أولى ان نراعيها في الكنيسة إذ يذهب المؤمنون إليها ليصلوا لا ليشاهدوا معرض أزياء، وما يشكو منه الجميع -رجالا ونساء- مشاهد الأعراس التي تُهتَك فيها العفة هتكًا كبيرًا. ربما كان العذر ان بعد ذلك حفل استقبال. ولكن ماذا يفرض ان يجري الاستقبال بلا احتشام؟

الأذى الأساسي في كل هذا ان يتلهى الرجال عن الصلاة فلا يسمعون الصلاة لأن عيونهم مأخوذة بالإغراء. وما هو أعمق من هذا ان المرأة الهاتكة للباسها نسيت ان جسدها مكان لقاء مع زوجها، فإذا حقّ لها أن تتجمّل من أجله، هل يحقّ لها أن تتجمّل من أجل كل الناس وتجرح طهارتهم؟ أليس في هذا أذى لها ولهم؟

أليس في هذا كبرياء الجمال؟ وإذا كان لا يجوز لأحد أن يعتدّ بذكائه أو مقامه فهل يجوز للمرأة أن تعتدّ بجمالها؟ أليس إظهاره بصورة رخيصة اعتدادًا؟

المعروف عند المحللين ان الإثارة الجنسية فيها الكثير من رغبة التسلّط. انتقامًا من تسلّط المرأة يسعى الرجل إلى الاستبداد بالمرأة عن طريق إغرائها بالمال. وتصير علاقة المحبّة بينهما علاقة السيد بالعبد وتنتقل السيادة منه إليها بالمال ومنها إليه بالإغراء.

هناك ما صار مألوفًا على وجه الإجمال، وهناك ما لن يصير مألوفًا بعد ألف سنة إن كان لا يزال عندنا إيمان بالعفة. المهم الصدق وشيء من الشجاعة حتى لا تضطر المرأة أن تقلّد غيرها بصورة عمياء أو ان تكون أسيرة لمحلات الموضة.

أنتِ مسؤولة عن أخيك الرجل أفي المجالس الاجتماعية والمكتب كان أم في الكنيسة. جسدكِ ليس شيئا من الأشياء، هو مقدس بعد أن مُسِح بالميرون. ولست أرى إمكانية لقدسيته إذا كنت بإرادتك عارضة أزياء.

هذا لا يتطلب منك جهدًا عظيمًا. ليس في الحشمة بطولة. يكفي أن تقرريها إخلاصًا للمسيح ودعمًا لعفة الرجل أخيك.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

يسوع يمشي على المياه/ الأحد أوّل آب 2004 / العدد 31

بعد اعجوبة إكثار الخبز ألزم يسوع تلاميذه ان يعبروا الى بيت صيدا ما يدل ان الأعجوبة تمت على الشاطئ الغربي من بحيرة طبريا. فلما غادروا المعلم،   احس انه في حاجة إلى ان يصلي الى الآب. انتظر في الليل حتى الهزيع الرابع من الليل اي بين الثالثة فجرا والسادسة صباحا. غير ان السفينة التي ركبها التلاميذ صارت في وسط البحيرة والأمواج مضطربة. وهذا كثيرا ما يحصل في بحر الجليل الذي هو بحيرة طبرية.

          سار يسوع اليهم ماشيا على البحر فاضطربوا من الخيال ومن الخوف صرخوا. عند ذاك قال لهم يسوع انا هو. هذه هي العبارة التي استعملها الله في سفر الخروج وكرّرها انجيل يوحنا في مواضع كثيرة. بهذه العبارة دل السيد حقًّا انه هو الإله. اذ ذاك طمأنهم. فقال بطرس: “ان كنتَ انت هو فمُرْني ان آتي اليك على الماء”. قَبِل يسوع هذه الدعوة فقال تعال فكان له ما اراد واخذ يمشي على الماء لأنه كان طالبا يسوع. غير انه لما رأى الريح شديدة خاف وأخذ يغرق فصرخ قائلا يا رب نجني.

          لماذا قال الكتاب رأى الريـح وهي لا يـراها احد ولكنه يسمعهـا. هاجس الكتاب ان يقـول ان الرسول لما رأى يسوع بـات قادرا ان يعـمل كما عمـل يسوع اي ان يمشـي على الميـاه، لما رأى غير يسـوع أخذ يغرق. انت لا تنجــو الا اذا جعـلت المسيـح فقط امام عينيـك فهـو الوحيد الذي يجب ان تنظـر اليه حتى لا تقـع في شراك العالم.

          “عندئذ مد يسوع يده وأمسك به وقال له يا قليل الايمان لماذا شككت”. مثل هذا حصل مع الرسول بعد هذا، بعد حادثة التجلي لما تنبأ السيد عن موته وقيامته. ولما رفض بطرس صلب الرب وانبعاثه قال له السيد: “اذهب عني يا شيطان. انت معثرة لي لا تهتم بما لله لكن بما للناس”. هذا الذي مشى على المياه، لحظة يفقد ايمانه يصير ناقلا لفكر شيطاني وحاملا فكرا شيطانيا.

          هذا ما كرره بطرس لما ادعى انه لن ينكر المسيح ثم انكره.

          وبطرس هنا صورة عن كل الذين يضعف ايمانهم فيحسبون انهم مؤمنون ولكنهم اما ذهنيا واما مسلكيا يجحدون السيد. وعندنا جميعا الخطيئة هي ألاّ تحس بيسوع ناظما حياتك. تسعى الى شيء آخر (المنفعة، الشهوة) يقودك..

          وقد عبّر المعلم عن انزياحنا عنه لما قال لبطرس بعد التجلي: انت لا تهتم بما لله ولكن بما للناس. الفاصل بين الايمان الحقيقي والجحود الأساسي  (حتى بدون حجود كلامي) هو انك، مؤمنا، تهتم بشأن الله وحده  -وهذا هو الايمان- او تهتم حصرا بمصالحك وشهواتك ولا يبقى لله محل عندك.

          فاذا انشغلت بالمخلّص تمشي اليه وذلك فوق المياه اي لا يغرقك بحر هذه الحياة المضطرب. تحس بما يقلقك او يتعبك ولكنك لا تتقلقل. تحمل اتعابك معك الى المسيح. اذ ذاك هو يحملك ويخرجك من العاصفة.

          هذا ما عبر عنه متى بقوله: لما دخلا (اي يسوع وبطرس) السفينة سكنت الريح. كل ما يجب التماسه ان تكون روحنا في سكون المسيح وسلامه.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

عجيبة إكثار الخبز/ الأحد 25 تموز 2004 / العدد 30

يؤكد الإنجيل في عدة مواضع ان سبب صنع العجائب عند يسوع انه كان يقوم بها عن حنان. ما كانت الغاية ان يظهر قوته او ان يبهر الجماهير لتؤمن به.

          إلى هذا عندنا عجيبة إكثار الخبز في البرية. التلاميذ لم يخطر على بالهم الا ان يصرفوا الجموع. كان هذا فكرًا دنيويًا عمليًا. غير ان السيد كان يعرف ان هؤلاء الناس قد لا يجدون لأنفسهم طعامًا فقد تكون قراهم بعيدة عن المكان وقد يجوعون.

          قال السيد: اعطوهم انتم ليأكلوا وقد كان عالمًا انهم لا يستطيعون. أجابوا: “ما عندنا هنا الا خمسة أرغفة وسمكتان”. لعل رقم “خمسة” المذكور هنا كان المُنطَلق لتقديس الأرغفة الخمسة الذي نقوم به عند غروب لأعياد السيدية أو أعياد القديسين. وما من شك انه أساس تقديمنا خمس قربانات عندما نطلب أن تُذكَر أسماء الأحياء والأموات على الصينية في القداس الإلهي. والسمكة صارت في المسيحية الأولى رمزًا والأحرف المؤلفة منها كلمة سمكة في اليونانية يصير كل حرف منها بدءا لكلمات تعني “يسوع المسيح ابن الله المخلّص”.

          تمّت الأعجوبة بعد أن قال الكتـاب عن السيد: “وبارك وكَسَر وأعطى”. هذه هي الأفعال التي نستعملها في القداس عندما نذكر تحويل الخبز الى جسد المسيح والخمر الى دمه.

          تكون هذه الأعجوبة صورة مُسبَقة عن سرّ المناولة. العجائب في الإنجيل الى جانب كونها محسوسة تتضمن تعليمًا روحيا بطريقة الرمز.

          صَرَفَ يسوع الجموع بعد أن أطعمهـم. يبدأ السيد بالأشياء المـاديـة المحسوسة على أن تكـون وسيلـة ليرتفع الإنسان روحيـا وفي هذا يتعلّـم أن يشكر. المهم أن يعرف كلّ منّا ان المسيح هـو الذي يعطيه كل شيء الأمور المتعلقة بالدنيا والأمور المتعلـقة بالخلاص اي الفضائل وفي كل حال يشكر. السائل فضلُـه أقـل من الشاكر. السائل يستفيد ماديًا اذا طلـب خبزًا او مالاً والرب يلبيـه اذا كان هذا لخيـره. اما الذي يطلـب الفضائل فمقامه أعلى لأنه يفهم الأشياء العميقة النافعـة للنـفس. وهذا يعني انه سمـع كلمة يسوع: “اطلبـوا اولا ملكـوت الله والباقي يُزاد لكم”. اذا فهمنا هذا القـول نفهم ايضًا القول الآخر: “ليس بالخبـز وحده يحيا الإنسان”. يبدأ الإنسان حياتـه مع المسيح اذا أدرَك ان أمـور الملكــوت أعظم من أمور هذه الدنيا.

          في الأعجوبة كانوا معًا. هكذا في المناولـة الإلهية يكـونـون معًا. وكما أحسّوا آنذاك انهـم جماعة واحدة لأنهـم أكلـوا خبزًا واحدًا، يحسّون في القداس انهم جماعة المسيح وانهـم إخوة لأنهـم تنـاولـوا الخبزَ السماوي الواحد. يتحـدون بعضهم ببعض بعد ان اتحد كل منهم بالمسيـح. ويعرفون انهم بعد ان أخذوا جسده صاروا هـم أيضًا جسد المسيـح.

          اذا أدرَكتَ انـك تتنـاول كل شيء مـن المخلّص تفهم أيضًا ان أخاك يتنـاول خلاصَـه من المخلّص الوحيـد.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

إلى الشابة في رعيتي/ الأحد 18 تموز 2004 / العدد 29

في كلمة سابقة توجهت إلى الشبان والصبايا معا. وتكلمت على التزام المسيحية بعمق إليكم جميعا وعلى ضرورة المعرفة. ما أقوله لكِ بخاصة اليوم ان المسيح مشت وراءه نساء التزمن قضيته التزاما كبيرا ورافقنه حتى الصليب فيما تركه التلاميذ، وبعد قيامته ظهر أولا إلى شابة هي مريم المجدلية وهي التي أخبرت التلاميذ انها رأت الرب. والمرجح انها مع حاملات الطيب رفيقاتها كانت في العلية التي كان التلاميذ مجتمعين فيها لما حل عليهم الروح القدس، اذ الكتاب يقول انهم «كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم أم يسوع ومع إخوته» (أعمال الرسل 1: 14). ثم بعد هذا نرى النساء يخدمن الرسل ويفتحن بيوتهن لإقامة الخدمة الإلهية فيها. وفي كل العصور كان بينهن شهيدات ومنهن صبايا.

ما يجب ان تعرفيه علميا ان الفتاة قوية كالفتى في العلم وهي سابقته في كثير من الجامعات وكثير من الاختصاصات. وما من شك انك مؤهلة لكل المواهب وللإنتاج الفكري الكامل واحتراف كل المهن واننا لا نقبل الوضع العربي المليء بنساء أميات. وما من شك أيضا ان الزوجة المتعلمة مصدر إلهام لزوجها ومصدر تربية واعية لأولادها وسبب أساسي في نموهم العقلي. هذا إذا تيقنتِ ان حياتك لا تقوم فقط على الجمال وانك قادرة على ان تصبحي عظيمة بعقلك وبهائك الروحي واتزان شخصيتك. الجمال لا يبقى طويلا ولكن العلم يبقى، والأبقى من كل شيء أخلاقك الطيبة لان هذا هو الإنسان. كافحي لتكوني كاملة على كل صعيد. أفهم شرعية الزينة المحتشمة وأفهم الأناقة. ولكن هذا قليل بالنسبة إلى الذكاء وبالنسبة إلى المعرفة الواسعة وإلى الإنسانية الكاملة فيك. أنت لست في شيء دون الشاب، وأنت تكملينه إذا نظرت إلى شخصيتك التي الجسد عنصر واحد منها.

وفي وقت موافق في نضجك تتوقين إلى الحب. هذا لا مفر منه وهذا يكملك. لا تهربي منه إذا أطل، ولكن لا تطلبيه بإلحاح ولا تبتذلي في طلبه. كوني على كل رصانتك وعلى هدوئك ما أمكن الهدوء فقد يمدحك هذا وذاك من الناس الذين يطلبون اللهو. لا تضعي ثقتك بكل من أسمعك كلاما معسولا فقد لا يكون صادقا أو قد لا يكون عنده مشروع مرافقة طاهرة نهايتها الزواج. وإذا كنت لا تزالين مراهقة امنعي نفسك عن كل ارتباط لان الارتباط يتطلب النضج الكبير، وكل ارتباط في سن المراهقة يعرضك إلى تقلبات فيك وفي الشاب. انتظري إذا كان لا بد من الانتظار، وعند بلوغك سن الرشد فقط أو ما بعده بسنة أو سنتين أو ثلاث تأملي في وضع هذا الشاب واتخذي قرارك بوعي كامل وبعد مشورة الصادقين الفاهمين.

فإذا توغلت في العاطفة بلا وعي كامل ودخلت حياة زوجية ينقصها الوعي قد تحزنين كل حياتك، وتتعرض حياتك العائلية إلى الدمار ويتشتت أولادك ويضيعون. الحب وحده لا يكفي لترتبطي برجل. فهمه، أخلاقه، قدرته على العمل، مسيحيته الحقيقية هذه هي الأسس الحقيقية للارتباط. بلا هذه الأمور ليس لك من فرح.

Continue reading