Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2004, مقالات, نشرة رعيتي

جهاد الصوم/ الأحد 22 شباط 2004 / العدد 8

الصوم ان تتخصص لإخراج كل الشياطين المعششة في قلبك وقد حالفتها بطريقة او اخرى. ليس الشيطان ذلك الكائن خارجا عن نفسك. انه الساكن فيك بوسوسات مخيفة، تحركك في النهار وفي الليل. وما كانت الحِمية المرتبة في هذه الكنيسة او تلك الا لتدفعك الى التأهب والحذر من ان يعود اليك هذا الروح الشرير الذي طردته يوما او ساعة او لحظة فاستعدت براءة الطفولة والكيان الأصيل.

         يعجبني ان تأتي الكنيسة المارونية بمؤمنيها وتمسح جبين كل منهم في اول يوم من الصيام بالرماد قائلة: “اذكر يا انسان انك تراب والى التراب تعود”. تقول لك ذلك جهرا لتفهم انك لا شيء وانك مدعو الى إحلال يسوع في نفسك ليصبح اياك او تصبح انت اياه. ويعجبني عشية الصيام في الكنيسة الارثوذكسية وهو المدعو احد الغفران ان تأتي بمؤمنيها ليركع كل واحد امام الآخر حتى قدميه ليعني انه عند قدميه ويقول له: “اغفر لي يا اخي انا الخاطئ”، ثم ينتصب ويقبّل احدهما الآخر كأنهما دخلا القيامة منذ الآن. ان أصوم عن اللحم رمز تذكري اني اصوم عن كل معصية باتت فيّ متأصلة.فإذا تبت اقتلع ما كان متأصلا ليبقى فيّ المسيح اصلا.

         الصيام وجود مع المسيح، في الفرح. ولذلك نكثر فيه من الترتيل “الليلويا” اي هللوا لله. ولستَ جائعا جسديا الا لكونك جائعا الى الطعام الإلهي، الى الخبز النازل من السماء. لذلك تتناول في ترتيب خاص جسد الرب ودمه في يومي الأربعاء والجمعة ما خلا الآحاد. وفي صبيحة الأحد تتجدد فيك قيامة المخلص. ولئلا تحسب انك وصلت، تكثر من صلوات التوبة وتسمى الخطايا التي تريد التحرر منها: “روح البطالة والفضول (اي طلب الأشياء الدنيوية) وحب الرئاسة والكلام البطال”. ثم تقابلها بالفضائل وهي: “روح العفة واتضاع الفكر والصبر والمحبة”. والذروة: “هب لي ان اعرف ذنوبي وعيوبي وألا ادين إخوتي”.

         وأقف عند اتضاع الفكر واليه نفتقر كثيرا. لأن الانسان يتذاكى ويستعلي بذكائه اذ يظن ان الآخرين دونه فطنة. الصوم اذًا لقاء مع الآخرين، مع المتواضعين منهم. “انت تراب” وقد ترتفع عن التراب بتمجيد الرب. الامساك رياضة ليس الا لأن الرسول يقول: “الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك … ولكن الجسد ليس للزنى بل للرب والرب للجسد… ألستم تعلمون ان اجسادكم هي اعضاء المسيح… ام لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس”. بولس يتخذ الزنى هنا صورة عن الخيانة، كل خيانة للرب وللاخوة.

         انت في هذه الفترة المباركة المملوءة بالصلاة تضرب كل شهوة مؤذية فيك لئلا تستعبدك: شهوة الجسد وشهوة التملك وشهوة السلطة او التسلط على من هم لك اخوة في المسيح. والتروض على ذلك منه الإمساك عن بعض الأطعمة والامتناع عن الطعام ساعات طويلة في النهار. الإمساك ترويض في الكنيسة ومع الكنيسة. فأنت تعمل ما يعمله الإخوة مجتمعين في حضرة الله ولا تقول هذا لا ينفعني. آباؤنا قالوا هذا ينفعك فاقتف آثار آبائك ولا تصنع لك ديانة خاصة بك. انت تنجو بما نجا به الأقدمون وبما ينجو به الطائعون اليوم لهذا المسلك. هكذا تبيد اهواءك ولا يصطادك مجتمع الاستهلاك وفيه منافع قليلة ومضار كثيرة. واذا عرفت الأضرار تحرر منها. المهم ان تعرف انك فقط حر بالمسيح.

         “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل برا ونسكا مع قداسة”. هذا ما نقوله في الأحد الخامس. نفهم من هذا ان الغاية من الإمساك ان نصبو الى البر والقداسة. هذا هو الحضور الإلهي فينا يكثفه الرب يوما بعد يوم في الأربعينية المقدسة والاسبوع العظيم ليؤهلنا الى رؤية ابنه الحبيب معلقا على الصليب وخارجا من القبر. نحن نعرف ان هذه هي حياتنا كلها ولكنا نذوق ذلك بقوة في حقبة الصوم حتى ان الأتقياء لا يحتملون ان تنتهي. ولكنا نتمرن حتى تبقى ثمارها حية فينا على مدى الحياة. نحن في الروح صائمون ابدا، وفي الترويض صائمون فترة. ولكن المبتغى ان نصير رفقاء المسيح في حبه لنا وإنهاضه ايانا من موت الخطيئة حتى لا نبقى الا قامات من نور.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الانقسام/ الأحد 15 شباط 2004 / العدد 7

الشيطان يقال له باليونانية diabolos (ذيافولوس) أي الذي يقسم الناس في ما بينهم ويزرع الفتنة. والفتنة في العربية الثورة بحيث يقوم الناس على الناس. وهذا يبدأ بسوء الظن، وقالت العرب: «بعض الظن إثم»، وأنا أقول كل الظن إثم ذلك لأنك تتلقى من بعض القوم أخبارا عن الآخرين، فيقال لك هذا كذب مثلا أو هذا سرق، وما لست متأكدا منه تجعله حقيقة. ويضاف إلى هذا تعصبك للعائلة، وقد تكون لهذه خلافات قديمة فترثها أنت. وهذا منتشر في المجتمعات الصغيرة التي لا تقبل فيها عشيرة عشيرة أخرى.

هذا طبعا يطرح على الراعي سؤالا كيف يوفق بين نزعات مختلفة حتى لا تتحول إلى نزاعات وأحقاد صريحة أو مبيتة. تتفحص أنت بعين المحايد الغريب ولا ترى شيئا وتحس بأن البغض قائم بلا مبرر. وقد قال الكتاب: «انهم ابغضوني بلا سبب» (مزمور 35: 19). وإذا انتشر هذا الشعور بين أبناء الكنيسة تصبح هذه مشتتة، مفتتة. والذين هم إخوة في المسيح لا يستطيعون ان يتفاهموا على مشروع أو عمل، وترفض أنت فكر الآخر لمجرد انه ينتمي إلى بيت آخر. ويقضي المسؤولون في الكنيسة وقتا طويلا ليحلوا النزاعات ويقيموا التوازن، والتوازن مستحيل ان لم تتحد القلوب وتتجاوز صراعات قديمة ولا نتقدم معا فتبقى الأشياء في محلها في حين ان الرسول الإلهي بولس قال: «تمموا فرحي حتى تفتكروا فكرا واحدا ولكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئا واحدا لا شيئا بتحزب» (فيلبي 2: 2 و3).

كم أتمنى الا يعترضنا التحزب في القرية دون تشكيل مجالس الرعية وسيرها. أكثر من مجلس استغرق مني تشكيله عدة أشهر لتتوافق العيل. كم من وقت نحتاج إلى إقناع المؤمنين ان كلاً منهم شخص كامل ويعيَّن في المجلس بسبب حسناته وتقواه ورقيه وليس بسبب من انتمائه إلى احد البيوت. ما من شك اننا في حاجة إلى ان تمطر السماء علينا نعمة كبيرة لئلا نسعى إلى توازن عائلي بل نسعى إلى تجمع ناس فاضلين أمناء قادرين ان يسندوا الرعية بخوف الله. انتسابك إلى عائلة لا يعني المسيح شيئا. في عينيه أنت انتسبت إليه بالمعمودية، وتبقى له بالإيمان أأتيت من عائلة كبيرة أو صغيرة، راقية كثيرا أو أقل رقيا.

بعد اكتساب عضوية المجلس أنت لا تعظم. تبقى كما كنت. والعضوية ليس فيها وجاهة بل فيها خدمة، والخادم متواضع ولا يفتخر ولا يتسلط على أحد، وقبل كل شيء يظل أمينا، وأهم وجه في الأمانة، الأمانة على المال لأن هذا مال الله، والكاهن والفقراء في حاجة إليه. ولهذا لا بد من مسك دفاتر على الطريقة العلمية حتى تتمكن المطرانية من مراقبتها. المحاسب، أيّ محاسب يصعب عليه ان يعرف المختلس الذكي. ولذلك بنيت علاقتنا على الثقة. فلو، لا سمح الله، عرفنا سارقا فالواجب الأخلاقي يقضي بأن نشكوه لنا. من سكت عنه يكون شريكه.

لا وقف يمكن ضبطه بصورة كاملة. ولذلك إذا اقترحت عائلة أحدا منها عضوا ليخدم معنا فلتقترح من كان نزيها كليا وفهيما بحيث يستطيع ان يناقش بتهذيب وروح مشاركة وهدوء.

يتعبني ان اكرر هذه الأمور ولكني أرى من واجبي ان انبهكم إلى ضرورة الاستقامة الكاملة وفحص الأمور بروية وان يصلح الروحانيون الآخرين بروح الوداعة لئلا يهلك احد. وهكذا تكونون في الرعية وفي المجلس طردتم الشيطان المفتن من وسطكم.

لا شيء يصلحنا يا إخوة سوى المحبة التي تتوخى كمال الجميع والكمال بالتكامل والرفق والتأني وسلام يقصي الحدّة ويجعلنا متكئين على صدر المعلم. فليعمل من استطاع ان يعمل، إذ لا يقدر ان يعمل شيئا من لم يكن كبيرا في المحبة. ولا يتساوى مع غيره الا من غفر ولم يحفظ ضغينة وكان شأنه ان يرفع قدر الآخر. انه لمهم جدا ان نُظهر أصحاب الفضيلة بيننا وان نجعلهم المتقدمين في كل شيء. وإذا أقصينا الفتنة يحل الرضا الإلهي بيننا ونكون أبناء الله. الوحدة، الوحدة. هي التي تعطينا العزيمة وتنجز المشاريع وتكشف للناس وجه يسوع.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أين نحن من التقارب مع الغربيين؟/ الأحد 8 شباط 2004 / العدد 6

يظن متتبع فكر الكنائس انه قابض على الوحدة قريبا، واذ بالآمال تتبدد فترة تطول أو تقصر. نحن الآن نعبر عاصفة هوجاء يشير إليها أنّ المحادثات الرسمية بيننا وبين روما انقطعت على مستوى اللجنة المشتركة، وبلغ الاختلاف أوجه بسبب النشاط الكاثوليكي المتزايد في بلدان أرثوذكسية مثل روسيا وأوكرانيا. كانت المشكلة بيننا قائمة على وجود الكاثوليك الشرقيين في أوربا الشرقية الذين اعتبرهم الأرثوذكس لا يتمتعون بشرعية كنسية حتى اعترفت اللجنة المشتركة المنعقدة في البلمند السنة الـ1993 انهم غلطة تاريخية ولا يمثلون نموذجا للوحدة.

غير انهم ازدادوا نشاطا في اوربا الشرقية ما عدا رومانيا حيث ضعفوا كثيرا. ولكن التأزم ازداد حدة لسببين بين الكنيسة الروسية والفاتيكان: اولهما ان روما انشأت اربع ابرشيات في روسيا وهيأت حوالى اربعين كاهنا يتقنون اللغة الروسية ليبشروا في روسيا. فاعتبرت موسكو ان تأسيس هذه الأبرشيات يدل على رغبة روما في التوسع على الأراضي الروسية، كما رأت ان الروسي المهتدي الى المسيح ولو عن طريق مبشر لاتيني ينبغي ان يندرج في كنيسته الروسية، كنيسة آبائه وأجداده. وهذا هو السبب الذي يجعل زيارة بابا روما لموسكو مستحيلة الآن.

الا ان انقطاع المحادثات لم يمنع العلاقات الثنائية بين الفاتيكان وهذه الكنيسة او تلك بما في ذلك اتصالات مع الروس. ويدور الحديث الآن على رغبة روما في استئناف هذه المحادثات، ولكنا لا نعلم مدى استعداد الارثوذكسية مجتمعة لقبول هذه الفكرة.

ولكن الى جانب هذه الصعوبات العملانية صعوبات لاهوتية. فالنصوص الصادرة عن الفاتيكان بدءا بوثيقة «الرب يسوع» والرسالة الأخيرة للبابا عن سر الشكر (القربان) تبدو عقبة كأداء دون التفاهم. وثيقة «الرب يسوع» تصرح ان كنيسة المسيح قائمة بكليتها فقط في الكنيسة الكاثوليكية، وهو أشد تصريح حتى الآن يدل على عزل الارثوذكسية من كون كنيسة المسيح قائمة ايضا فيها. اما في ما يختص بالرسالة البابوية عن سر الشكر فقولها ان القرابين يقوم بها اسقف متحد بالبابا، الأمر الذي يوحي بأن القداس الارثوذكسي فيه شيء من الخلل اذ يقيمه اسقف غير متحد بالبابا. أضف الى هذا ان اللقاء الذي عقده «المجلس البابوي لوحدة المسيحيين» عن «الخدمة البطرسية» كان مخيبا لكل الآمال اذ لا تحتوي الوثائق الرومانية فيه ايّ ما يدل على تغيير في الموقف الكاثوليكي المتعلق بمكانة أسقف روما.

هذه الأمور كلها تشير الى ان كنيسة روما في وضع فكري غير متحرك نحونا.

من جهة اخرى هناك تصادمات بين بعض الرئاسات الروحية عندنا. فالروس واليونانيون اختلفوا على من يرئس كنيسة استونيا أهؤلاء ام اولئك، ثم وجدوا صيغة مصالحة. غير ان البطريركية المسكونية مختلفة مع كنيسة اليونان حول من يرئس أبرشية سالونيك. الى هذا يصرّ البطريرك المسكوني على انه هو الذي يرعى المهاجر، وفي هذا هو مختلف مع معظم الكنائس الارثوذكسية. العالم الارثوذكسي لا يؤلف اليوم جبهة متراصة لملاقاة الكنيسة الغربية بفم واحد. اجل لو قبلنا الاجتماع معا الى روما لمباحثات جديدة سنكون واحدا من ناحية العقيدة في مواجهة روما. غير انه يزين لي ان الكنائس الارثوذكسية لن تلبي كلها الدعوة.

الوضع المسيحي العالمي متأزم جدا ويحتاج إلى نعمة إلهية كبرى لتغييره. غير اني لست ارى الآن كيف يمكن لروما ان تلين او كيف تعود الثقة المتزعزعة الآن بين الشرق والغرب.

في هذا المناخ لا يبدو ان احدا يحرّك قضية الفصح لأنها تبدو للرئاسات الروحية ثانوية بالنسبة إلى الوضع العقائدي المتأزم. ثم لا يبدو لي ان شعوبا أرثوذكسية هامة مثل الروس واليونانيين والصرب مستعدون لخوض غمار هذه القضية ولو اراد الرؤساء الروحيون بحث هذه المسألة.

إلى ان يأتي الفرج، علينا ان نحب بعضنا بعضا وان نتعاون في الشؤون العملية كل مع الآخر في بلده بحيث لا نتصادم عملانيا ونقرّب القلوب بعضها إلى بعض ريثما ينقل الله الجبال.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر رعائيّة/ الأحد أوّل شباط 2004 / العدد 5

انتهى «أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين». وبحث الموضوع يتطلب مقاربة نظرية قد أعود اليها. غير اني اليوم اود ان أنظر في الوضع العملاني المرميّ عليه الكاثوليكي والارثوذكسي. وأرجو الى القارئ ان يوسع صدره عسى يفهم انني اتوخى ما هو بناء وليس في نيتي انتقاد الاخ الآخر ونحن في مسعى التقارب الصادق. ولكنّ للتقارب شروطًا لتكتمل الثقة بيننا.

من اول هذه الشروط ان يلتحق كل منا بكنيسة رعيته في الآحاد. هذا الكلام مردّه إلى ما عرفته من كثيرين ان شغور كنائسنا من عدد من المؤمنين ان منهم من يفضّل الكنيسة القريبة إلى بيته ايا كان مذهبها. انا عارف اننا لا نغطي بعض المناطق الساحلية قرب بيروت. مع ذلك ليست المسافات طويلة بين منزلك وسن الفيل وانطلياس وجل الديب والمطيلب وما الى ذلك. ربما كان هذا في مناطق اخرى جبلية. انها قضية انتماء وهوية أن تلازم كنيستك، وقضية مشاركة في الأسرار الإلهية، وكنيستنا والكنيسة الغربية لهما الموقف نفسه في تأكيد أن كل واحد يتناول في كنيسته. ومَن يمارس خلاف ذلك يكون «فاتح على حسابو»، والكاهن الذي من غير كنيسته اذا ارتضاه في المناولة قد يريد ان يبيّن ان كنيسته منفتحة واننا مغلقون. ارى انه من واجب الكاهن الكاثوليكي ان يشير على الأرثوذكسي الذي يمارس عنده بالعودة الى كنيسته لا سيما اننا وقّعنا مع الكنيسة الكاثوليكية وثيقة البلمند السنة الـ1993، وقلنا فيها ان الراعي يرعى القطيع الذي سلّمه الله اياه ونتيجة ذلك انه لا يرعى قطيعا آخر. الأخوّة تبدأ من التعامل على الأرض.

في المنطق عينه ان الكاهن بعد عيد الغطاس اذا دار على الرعية لينضحها بالماء المقدس انما يرش منازل أهل رعيته، فلا يقرع الكاهن الكاثوليكي بيتًا ارثوذكسيا ويتطوع لرشه بحجة أننا صرنا واحدًا. نحن في الواقع لم نصر بعد واحدًا وليس أحد منا مفوضًا من الله ليقيم للآخرين خدمة مقدسة. واذا كان لسبب من الأسباب اضطر احدنا للاتصال ببيت من كنيسة اخرى فليكن بمعرفة كاهن هذه العائلة ما عدا علاقات الصداقة وموائد الطعام وما الى ذلك. الأرثوذكسي العادي يخجل من رد كاهن آخر، ولا ينبغي لهذا ان يتجاوز خدمة رعيته. اذ ذاك نسمّي ذلك اقتناصًا ونحن اتفقنا مع الرئاسات الكنسية الاخرى ان هذا يخالف مشيئة الرب.

ثم عندنا تفاهَمَ البطاركة الارثوذكسيون والبطاركة الكاثوليك ان ما يُسمّى «اول قربانة» يتم في الرعية لا في المدرسة. فهمنا ان هذا يتم في الصراحة والصدق الأخوي ولا يلتفّ احد حول هذا القرار. فالمطلوب من المدارس الكاثوليكية الا تأتي بأي عمل ككتاب الى الأهل يطرح قضية «أول قربانة» وموضع تناولها. المطلوب عدم التعاطي اطلاقًا مع التلامذة الارثوذكسيين، مباشرة ومداورة، بهذا الشأن، ولا تأهيلهم بالتعليم لأول قربانة، فهذه تناولها الطفل عند معموديته.

وهل من المستحيل على المدارس الكاثوليكية ان تتبنى جميعًا التعليم الديني المشترك الذي قررناه معا للمدارس الرسمية بحيث يتناول الاولاد نصًا واحدًا ولا يتفرقون؟ يأخذون تنشئة واحدة لا جدل دينيا فيها، هذا اذا تربّى المعلّمون على روح التقارب وان تتسع صدورهم للكل فلا يفاضلون بين كنيسة واخرى ولا يعظّمون واحدة على حساب الأخرى. يجب ان تزول الدفاعيات التي كنا نستعملها في الماضي لنبيّن اننا على حق وان الآخر مخطئ بحيث تكون ساعة الدين وقت استفزاز وتفرقة.

تبقى قضية الصلاة في المؤسسات التربوية. فماذا يعني حضور قداس مفروض على الكل ويتناول القرابين فيه بعض التلامذة ويُقصى الآخرون عنها؟ هل من الضروري في ايام الاسبوع ان نقيم قداسًا ام نتلو صلوات مقبولة لدى كل الكنائس بحيث نقف معًا بلا انزعاج ولا تحفّظ. مشكلة الصلوات الموحَّدة قابلة للحل بروح الأخوّة. يجب ان تفهم ادارات المدارس ان مودتها لتلامذتها تعني احترام عقائدهم بتفاصيل الحياة المدرسية ويومياتها، فتعيدهم الى ذويهم على مذاهبهم ممتلئين من الإنجيل والأخلاق المسيحية. في الإنجيل وسلوكياته طعام كافٍ لكل التلامذة وليس في الإنجيل اقتحام.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الجدل الديني/ الأحد 25 كانون الثاني 2004 / العدد 4

الجدل الديني صعب لأن العارفين الحقيقيين للدين قلة والمدعوون للمعرفة كثيرون. فالعالِم قليلا قد يجد خلافا حيث لا خلاف. فقبل الجدل اقرأ كثيرا لدعم ايمانك بالحجة والا فلازِمِ الصمتَ يحفظك ويحفظ الآخر. ولكن اذا سئلت عن ايمانك فجاوب قدر ما تعرف أو سَلْ عارفا وعد إلى من سألك في ما بعد مزودا.

وتزيد صعوبة المناقشة انها كثيرا ما كانت مقرونة بالانفعال او العصبية. فإن كنت عاجزا عن كظم غضبك لا تقل شيئا لكون الانفعال يؤزم العلاقة بينك وبين من جادلك. الجدل يتطلب الهدوء الكبير وسلامة القلب من كل بغض وسلامته من الجهل. فإن لم تكن قادرا على السلام الداخلي وعفة اللسان، فلا تدخل هذه المغامرة. العفة تقيك التحديات الكبيرة التي فيها التعدي على معتقد الآخر او تجريح من يسائلك.

انت دافع اذا كنت بين مسيحيين عن استقامة الرأي، وأوضح ما نحن نؤمن به بالمراجع المشتركة بيننا اي بالكتاب المقدس والتراث القديم المشترك. فالألفية الاولى واحدة بيننا وبين المسيحيين الغربيين. مثل على ذلك، اذا سألك كاثوليكي: كيف تكون كنيستكم واحدة وليس لها رأس واحد؟ تجيبه: ان الوحدة قد تكون على الشكل البابوي الفردي او تكون على الشكل الجماعي. فنحن رئيس الكنيسة عندنا في الكنيسة المحلية هو الأسقف، والجماعة مع الأسقف فيها كل الكنيسة الجامعة. والأساقفة هم معا في المجمع المقدس. والأساقفة في العالم هم معا في مجامعهم ومع بطاركتهم. على المستوى العالمي عندنا وحدة تنسيق وقرارات المجامع، وعندنا التواصل بين الكنائس. اوضح ما نحن عليه ولا تهاجم بابا رومية فهذه وسيلة الضعفاء. ولا يتراءى للكاثوليكي ان هناك نظاما غير نظامه ربما كان الأقدم في الكنيسة، ويكون، اذ ذاك، على الكنيسة الكاثوليكية ان تخطو خطوات نحو الكنيسة غير المنقسمة في نوع من حركة إصلاح او تجديد. تبقى في هذا السلوك اخا للكاثوليكي ومحافظا بآن على صلابة موقفك على رجاء الوحدة.

اما المسلمون فلا تجادلهم انت بدينهم. انهم لو عرفوه لأدركوا انه يدعوهم الى مجادلتنا بالحسنى. قد يطرحون عليك هذا السؤال: هل تؤمن برسالة محمد؟ لا تجب: انا لست اومن. قد يستفظع محاورك هذا الجواب. انت تجيب مثلا ان الله كلمنا الكلام الأخير بيسوع المسيح. وهذا الكلام يكفينا للخلاص وقد دوِّن في العهد الجديد، واختتم العهد الجديد بسفر الرؤيا. اما ما يقوله القرآن عن النصارى وتكفيره إياهم فبحث لا تدخله لأننا نحن لسنا النصارى الذين يتحدث عنهم. نحن مسيحيون وهذا اسمنا الوحيد، ولسنا اذًا معنيين بتكفير النصارى. انت أكد ايمانك بصلب المسيح وقيامته لأن هذا وارد في الإنجيل ومعظم الذين كتبوه شهود عيان للحادثة او عرفوا الذين شاهدوها. هناك اشياء دقيقة يعرفها المسيحيون المختصون بالإسلاميات. سَلْهُم عن هذه الأمور اذا طُلب اليك توضيحها.

الجدل الأصعب هو مع شهود يهوه والمعمدانيين على مختلف فروعهم. ضد شهود يهوه عندنا كتب كافية. ونهيئ فرق عمل لفحص تعاليمهم ودحضها، وكذلك نهيئ دراسة للبدع الإنجيلية المختلفة التي ليست من الكنائس البروتستنتية التقليدية السائدة. هم لا يبحثون عن الحق، وقلما يستسلمون لحجة دامغة. ولهم تفسير ضيّق وحرفي للكتاب المقدس، ونفسيتهم متشددة ومنغلقة. مثل هؤلاء أمرنا بولس الرسول ان نَحْذَرهم ونتجنّبهم. ولكن لا بد لك ان تتحصن ضدهم بالمعرفة.

اية كانت الجهة التي تناقشك، كن وديعا وحازما بآن. ولكن اعرف كثيرا من المعرفة في حلقات المعرفة والكتب الارثوذكسية التي صارت كثيرة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الشعوذة، السِحْر…/ الأحد 18 كانون الثاني 2004 / العدد 3

بعض اسئلة بسيطة. هل يستطيع انسان ان يعرف حدثا قبل ان يكون؟ الجواب لا لأن الله حجب هذه الرؤية عن البشر، وقبل ان تكون هي ليست كائنة، وهي قائمة في حرية الذين لهم قدرة عليها، وقد لا تكون في تصميمهم لتعبر من دماغهم الينا. ليس من شيء موجود قبل ان يوجد.

على هذا المبدأ تكون الرقية (الرقوة بالعامية) من باب العرافة. والعرّاف هو المنجّم الذي يدّعي علم الغيب الذي استأثر الله به. على هذا الغرار قراءة فنجان القهوة وكأن الخيوط او الرسوم على الفنجان الحاصلة من حركة الشفتين في الفنجان تدل على شيء. وقد سمّى الكتاب العرافة خطيئة في 1صموئيل 15: 23 وجعلها ارمياء في 14: 14 مرادفة للرؤيا الكاذبة وكذلك حزقيال. وجاء في اعمال الرسل ان بولس أخرج شيطانا من عرّافة (16: 16-18).

كذلك قراءة الأبراج المتفشية في صحف ومنشورات تجعل لك طبعا من الطبائع وتنبئ بأحداث مرتبطة بيوم ولادتك وساعتها ووضع فلكي محدد. قد يكون للنجوم تأثير ما على طبعك، ولكنك انسان حر وليس من قَدَر يحتّم عليك كيف تكون. هناك من حاول في فرنسا في السوربون ان يجعل من التنجيم علما، غير ان اعتقادنا الديني انك لست بآلة وان شيئا ليس محتّما عليك وان لك «حرية ابناء الله» كما يقول بولس الرسول. قراءة خطوط الكف من هذا القبيل، فعُمرك نتيجة الوضع الصحي الذي تكون عليه، وقد يكون هذا مسجَّلا في المورثات او علم الجنات وهو الذي ينبئ باستعدادك لهذا المرض او ذاك ولاسيما السرطان. فهناك تدخل في الجنات وهو علم بات متطورا في السنوات الأخيرة. انت تولد مع برنامج جينيّ، ولا يُنقش شيء من هذا على كفك.

اما قراءة طبعك من خطك فأمر ممكن لأنك إن صُنّفتَ على هذا الطبع اوذاك فقد يؤثّر في كتابتك للحروف والكلمات، ولكن لا يكشف هذا معرفة للمستقبل. ولست اظن ان من يفحص كتابتك يظن شيئا آخر.

وفي المنحى نفسه مناجاة الأرواح، وتُحرّمها الكنيسة تحريما مطلقا، فعندنا انك تخاطب القديسين بالصلاة ولا تتحكم بروح أحد وليس لك سلطان على روح، فالأرواح في سلطان الله وحده. يضاف إلى هذا أن تعاطي هذا الأمر جعله في بلد كالبرازيل دينا قائما بذاته، وجعله هنا وهناك نوعا من السكر او التخدير. مناجاة الأرواح لون من ألوان السِحر لأن السِحر هو عينًا ان تنسب الى نفسك قدرة يستأثر الله بها. جاء في كتاب الله: «لا يوجد فيك من يحرق ابنه او ابنته في النار ولا من يتعاطى عرافة ولا منجّم ولا متكهّن ولا ساحر، ولا من يشعوذ ولا من يستحضر الأشباح او الأرواح ولا من يستشير الموتى، لأن من يصنع ذلك هو قبيحة عند الرب» (تثنية الاشتراع 18: 10-12). ويؤيد العهد الجديد ذلك اذ يرصف سفر الرؤيا القاتلين مع السَحرة وعبّاد الأوثان (21: 8).

الفكرة الأساسية في العهد الجديد ان السِحر هو الاعتقاد بأنك اذا تلَوْتَ بعض الكلمات وقمت ببعض الحركات يحصل تلقائيا ما تريده ان يحصل. هذا يخالف ايماننا بأن الرب وحده بكلمته يغيّر ما في الطبيعة. الصلاة تختلف عن السِحر لكونها رجاء، وهي لا تقدر على شيء الا بنعمة الله. ولا يتقدس عندنا شيء لمجرد ان الكاهن تلا صلاة او قرأ مقطعا من الإنجيل. هو يستدعي الروح القدس على الخبز والخمر فيتحوّلان إلى جسد الرب ودمه بنعمة الروح وليس بمجرد التلاوة. هذا هو الفرق الأساسي بين السِحر والدين.

في هذا المنطق ليس من عين حاسدة قادرة ان تؤذيك، ولذلك كان مخالفة للإيمان ان تُعلّق خرزة زرقاء في عنقك او ان تضع نضوة حصان على باب بيتك لأن مثل هذه الأشياء لا يقيك الأذى. واذا وضعت صليبا في عنقك فإنما هذا شهادة على انك تنتمي إلى يسوع. وليس له بحد نفسه فعل آليّ لأن إشارة الصليب يجب ان تكون مقرونة بالصلاة. ليس من اعجوبة الا بإيمانك بالرب يسوع.

هناك شيء آخر ليس من السِحر ولا الشعوذة، وهو التخاطر télépathie، وهو ان تتناقل الخواطر أو الوجدانيات أو الصور من عقل إلى عقل عن بعد. مثال على ذلك ان امرأة بريطانية رأت او كأنها رأت ان زوجها الضابط في الهند طعنه في ظهره هنديّ بخنجر، وبعد ايام قليلة أخبرتها القيادة العسكرية بحدوث ذلك في الوقت الذي أَحسّت فيه بهذا الأمر. هذه قوى طبيعية تشبه البث التلفيزيوني. بعض الناس عندهم قدرة على التقاط صور من بعيد. كذلك هناك قدرة عند بعض الناس ان يُسقطوا عنقود عنب بمجرد النظر اليه. هذا ليس بمعجزة. ما عدا هذا التخاطر كل تحرّك كهذا الذي وصفناه سابقا سِحر أو شعوذة أو أُكذوبة وكلّه أذى روحي.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الإنجيل الذي بعد الظهور/ الأحد 11 كانون الثاني 2004 / العدد 2

لعيد الظهور الإلهي اهمية في عباداتنا بحيث تأتي التلاوات الإنجيلية من العيد حتى الـ 13 من الشهر متعلقة بالعيد وكذلك السبت بعد العيد والاحد الذي نحن فيه ما يبين ان هذا العيد هو المحور بعد الفصح.

            يستهل الإنجيل هذا الفصل بقوله ان السيد ترك مدينته الناصرة غالبا لأنه لم يلق فيها شعبية وسكن في مدينة كفرناحوم الواقعة على ضفاف بحيرة طبرية. مؤلفة من خليط من الأعراق وهامة تجاريا، الأمر الذي يسهل وجود مستمعين الى البشارة. ويقول عنها متى انها في جليل الأمم اذ كان فيها وثنيون في الماضي.

            يقتبس متى مقطعا من اشعيا النبي: “ارض زبولون وارض نفتاليم…” وفي هذا إشارة الى هذين السبطين اللذين قطنا تلك الأرض عند توزيعها على قبائل اسرائيل عند فتح ارض كنعان. كلمة “عبر الأردن” المذكورة هنا تعني شرقي الأردن كما كانت مسماة الى ايامنا قبل ضم الضفة الغربية اليها على عهد الملك عبد الله الهاشمي.

            هذا الشعب الجالس في الظلمة وفي بقعة الموت -اذ لم يكن المسيح قد أتاهم- قد ابصر نورا عظيما بمجيء المخلص. ماذا تعمل انت ان أشرق عليك نور بعد ان كنت في العتمة؟ ترى نفسك في فرح اقتباله، ترى نفسك كليا في النور. ماذا كان على اليهود ان يعملوا. قال لهم: “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات”. ما تعني كلمة “توبوا”؟ هي تعني بلا ريب الا يسرق السارق فيما بعد، ويكف القاتل عن القتل، وما الى ذلك من وصايا. ولكنها تعني ما هو اعمق. ففي اللغة التوبة تعني التحول، ان تقتبس فكر الله وتبدل به فكرك اذ الخطايا تنبع من الفكر السيء. فاذا رأيت ان الله هو كل الوجود يأتي ذهنك منه ويمتلئ قلبك من قلبه فلا تسيّرك افكارك ولكن يسيرك فكر الله، ولا تنطق الا بما نطق الله به، ولا تحب الا الأشياء التي الله يحبها. هكذا تتم الوحدة بينك وبين الرب فكأنك وجهه الى الناس وكأنك لسانه وكأن يديك -اي فعلك- يداه. فاذا ادركت هذه الحال تكون تائبا.

            لماذا يجب ان تتوب؟ يجيب متى: “قد اقترب ملكوت السموات”. ملكوت السموات يعني ملكوت الله المستعملة في اماكن اخرى من العهد الجديد. تكلم يسوع كثيرا عن الملكوت بأمثال. هو سيأتي حسبما جاء في الصلاة الربية. “ليأتِ ملكوتك”. ولكن الملكوت حاضر منذ الآن بمجيء الملك. وانت مقبول فيه الآن ان آمنت بيسوع وأحببته. هو يعطيك الملكوت عربونا ويعطيك اياه كاملا في اليوم الأخير. وبين الآن واليوم الأخير تحيا في الكنيسة ويتجلى فيها الملكوت بالكلمة والاسرار الإلهية. فكلما اتجهت الى يسوع بقراءة الكلمة والصلاة وتغذيت من جسده ودمه تتغير من الداخل ان كنت صادقا. كل ما يجري في الكنيسة يرسخك في الملكوت. المهم الا تأتي بشيء يكون حاجزا دون تملك المسيح بقلبك. واذا كان قلبك غير منفتح له فلا تنفعك صلاة ولا عمل خير اذ لا يكون هذا خيرا في الحقيقة. اما اذا انفصلت عن الشر وكل شبه شر وامسكت عن كل كلام باطل ومجد باطل وعن كل كبرياء يضمك المسيح الى صدره ويجعلك من ابناء الملكوت اذ قال بعض آبائنا ان الملكوت هو الروح القدس. بالقداسة  تذوق طعم الملكوت منذ الآن.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الظهور الإلهي/ الأحد 4 كانون الثاني 2004 / العدد 1

اعتمد يسوع في نهر الأردن فغطته المياه ليصوّر موته ثم صعد من الماء ليصوّر قيامته. وهذا صار كي نصبح شركاءه في الآلام وشركاءه في النصر. ولكونه اقتبل الموت بهذه الصورة الرمزية قال له الآب: “انت ابني الحبيب الذي به سُررتُ”. هو ابنه منذ الأزل اي له جوهره، وكذلك هو حبيبه لأنه ارتضى ان يموت حبا بنا نحن البشر.

         وكما ظهر له أبوه وروحه، يحب الثالوث القدوس ان يظهر علينا لنتمكن من احتمال شقاء هذا العالم وننهض منه على الرجاء. ومن اجل ذلك ننال في المعمودية الصبغة التي نالها هو بدمه. والمعمودية مسيرة مستمرة. فكلما غلبنا الخطيئة واغتسلنا بدموعنا وعدنا اليه بالطاعة تتجدد معموديتنا فينا لأن الروح القدس يجددنا كل يوم ان أردنا التجدد. هذا يتطلب ان نقول للسيد: ها أنذا، ها انا مستعد لطاعتك حسب قوله: “من احبني يحفظ وصاياي”. نتيجة لذلك نحب الإخوة، واذا احسّوا انهم محبوبون تزداد ثقتهم بالرب اذ يعلمون انهم ليسوا متروكين للعزلة والضجر والحزن، ولكن صدور الإخوة تضمّهم واذا رأوا ذلك يفهمون ان صدر يسوع هو الذي يضمهم وانهم باتوا ابناء بالابن الوحيد. ويكفيهم هذا فرحا، وبهذا الفرح تكون السماء قد انعطفت عليهم ورفعتهم اليها.

         وتأتي الحروب ويفتك الفقر بنا ونحس بضعف البلد ويأس الكثيرين، ولكن اذا نزل الرضاء الإلهي علينا نعالج الآخرين باللطف ونخفف عنهم مصائبهم. وتبقى الحروب ويبقى الفقر والمرض، ولكن في وسط كل هذا نعرف ان الله لا يتركنا وانه هو الذي يداوينا وسط هذا الفراغ الذي أُلقينا فيه. فنحن لا نسقط في الجب ولا نترضض لأن يد الرب تنشلنا من وطأة المحنة.

         يسري التاريخ ولا تتغير فيه اشياء كثيرة. قال يسوع: “الفقراء معكم في كل حين”، وكان يمكن ان يقول: “المرض والفقر والخطيئة معكم في كل حين”، ولكني انا رفيقكم في كل محنة ورفيق بكم واحملكم كما يحمل الراعي الخروف المكسور. الخلاص ليس الخلاص من الاوجاع بالضرورة. فهذا لا يحصل عليه كل واحد. ولكن الخلاص خلاص من الخطيئة ومن غضب الله على الخاطئين. وهذا هو المجد او هذا هو السلام. وهكذا نعيش في مملكة الحب التي هي وحدها المملكة الحقيقية في هذا العالم. انها كامنة في القلوب ويسطع نورها على القادرين ان يشاهدوا النور.

         هذه الاستنارة لنا ان نعيشها مع بعض الإخوة الذين يؤمنون بها. هناك دائما في كل مكان تجمعات مستنيرة بالنعمة. هؤلاء هم الرعية. اما الأعمال والمشاريع الظاهرة فلا اهمية لها الا اذا زادتنا قربى من يسوع. دائما كان النور ملْك القلّة. ولكن القلة هي التي تخلّص العالم. الرعية ليست بالإنجازات العمرانية وان كان علينا ان نتابعها ليتعزى الكثيرون. نحن لا نفتخر بالعمران. انه لا شيء ان لم يبعث فينا الفرح ويقربنا الى التقوى.

         والرعية تسطع اذا ازداد قراء الإنجيل فيها وكثر الذين يشتركون في الذبيحة الإلهية والذين يحسنون الى المساكين. الرعية لا فاعلية لها ان لم تركز نشاطها على المحتاجين الذين يحبهم يسوع لأنهم اخوته الصغار وليس لهم عضد سواه. مشروعكم الاول قبل كل بناء ان تبنوا نفوسكم بالعطاء وان يفرح هؤلاء الإخوة. ألم تسمعوا ما قاله الله عن المحسن: “بدد اعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد”؟

         هؤلاء المحبون هم الذين ينزل عليهم الظهور الإلهي. اما ان تنضح بيوتنا بالماء المقدس وما عقدنا النيّة على مشاركة اموالنا، فيبقى الماء ماء ولا يصير نعمة. اما قرأتم: “ان العطاء مغبوط اكثر من الأخذ”؟ انا لا شيء يعزيني مثل ان اسمع ان هذه الرعية كريمة جدا. اعرف، اذ ذاك، انها وفية لمعموديتها.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

بدءًا من الميلاد/ الأحد 28 كانون الأول 2003 العدد 52

الابن الإلهي جعل نفسه صغيرًا حتى لا تبقى تتعامل أنت مع إلـه جبار، حتى يظلّ الرب عرضة لكفر البشر وظلمهم له وتعدياتهم عليه. وهكذا سمح لعسكر الرومان أن يلطموه ويكللـوه بشوك وسمح للانسانية كلها ان تصلبه. هذا الضعف الذي أراده يسوع لنفسه اذا قبلته يصير فيك قوة. هنا ينطرح السؤال كيف يقول بولس في رسالتـه الأولى الى اهل كورنثوس: “وضعف الله أقوى من الناس”. هو لم يقل ما بدا ضعفًا. هو قال: “ضعف الله”. ذلك ان المسيح تبنّى الضعف والضعفاء، وقَبِلَ الآية القديمة: “ملعون كل من عُلّـق على خشبة”. انه اقتبل ان يوحد نفسه مع الملعـونين، وفي المُصطلـح العبري الملعون هو من انقطع عن الحياة. مع ذلك يصرّ بولس على اننا “نكرز بالمسيح مصلوبًـا لليهود عثرة ولليونانيين جهالـة”.

         وحتى يمهّد لضعف الصليب الذي استحال قوة أراد أن يولد برفقة أحطّ المخلوقات اي البقرة والحمار. ورفاقه الآخرون كانوا رعاة بيت ساحور قرب بيت لحم اي ناس أميّون وفقراء لا يفتخر أحد بصحبتهم.

         ثم جاء المجوس الذين “فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومرّا”. وهذا كلّه رمز تكلّمت عنه المزامير. لم يبقَ من هذه الهدايا في حياته الا المرّ. هذا صورة عن الخلّ الذي قدّموه له على الصليب ولم يشربه.

         اللافت في سجود المجوس له انهم كانوا من عظماء القوم، ملوكًا او علماء. ان احتسبوك أنت كبيرًا في قومك او كنتَ مثقّفًا عميقًا فلستَ على شيء ان لم تكتسب تواضع المسيح، ان لم تقتنع انك به تتكوّن، ان لم تحاول أن تبلغ “فكر المسيح”. ما عداه غواية ولو كانت مجدًا ساطعًا او علمًا غزيرا او جمال جسد. كل شيء يفنى أمام هذا الطفل الصغير المرمي في مذود. انه صنع مجده بدءا من هذا الوضع الحقير. وقد شرح ذلك الملائكة للرعاة: “المجد لله في العلى”. ما عدا ذلك أمجاد يصطنعها الناس ليعظموا في عيون الذين يشبهونهم او من كانوا أدنى منهم.

         بهذه الروحية تقتحم السنة الجديدة. أنتَ إن ملأتها بمجد يسوع الذي فيك تصبح هي جديدة. ليس من عام مكتوب جديدا. الأزمنة كلها فارغة إن لم تمتلئ بكلمة الله. العام أحداث معظمها عنف وشر وخطايا. أنتَ وحدك تفتدي العام الجديد. ما تزرعه حولك من وداعة وطيب وإخلاص وخدمة للفقراء، “جدّة الحياة” التي فيك تجعل السنة الـ 2004 جديدة. الناس هم جدد او عتاق. واذكر ان اول يوم من السنة نعيّد فيه لختانة الرب يسوع. وهي تعني لنا اننا نختن حواسنا كلها عن الشر: عن رؤية الشر او سماعه او لمسه وما الى ذلك، وبهذا تتجدد فينا المعمودية.

         وإذا مرّت عليك الأيام في السنة المقبلة فخذ من أعيادها ما فيها من مجد الله وحلاوته وسلامه وغفرانه. وكانت الأعياد لتتجدد انتَ بها وتصبح هدية للمسيح. انت قربان اي معطى له، ولست ملِكا على أحد ولا مالكًا لشيء. أنت دائمًا فقير الى يسوع الفقير. عند ذاك تصبح حاضنًا له ويصير هو غناك ومعنى وجودك.

         ولن تدخل سرّ المسيح ما لم تنزل عليك مزاياه. فإذا تمسحَن قلبك تدرك ما في قلبه، وعند ذاك يصير فكرك مسيحيا اي انك تصير في حدود بشريتك مستضيفا المسيح. بهذا تعرف انك وُلدتَ من السماء. فإذا ظهر عليك بمجده ورأى الناس وجهك مضاء بنعمته يحسّون وكأنهم رأوا وجه المسيح. ان أردت ذلك كان لك ميلاده ميلادا لك كل يوم، وكانت كل سنة لك سنة جديدة.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

من احد النسبة الى الميلاد/ الأحد 21 كانون الأول 2003 العدد 51

تتهيأ الكنيسة في هذا الأحد لاستقبال المخلص المولود وتقرأ لنا فيه الأصحاح الاول من متى كاملا. وقبل ان تذكر ولادته تتلو أسماء الذين سبقوا السيد من إبراهيم الى يوسف ليس لأن هذا والد يسوع ولكن لأن الإنسان ينتسب الى المعتبر أباه حسب الشريعة. غير ان بولس يقول عن ربنا انه “صار من نسل داود من جهة الجسد” (رومية 1: 2). والأناجيل في مواضع عديدة تعتبر المسيح ابن داود. فهذا هو نسَبه من جهة مريم. والأمر الرئيسي الذي أراد متى ان يبيّنه ان يسوع ابن داود وانه تاليا هو الملك الحقيقي، هو الملك حسبما كتب بيلاطس على الصليب: “يسوع الناصري ملك اليهود”.

         عدة اسئلة تدور حول هذا الفصل الإنجيلي وفيها هذا السؤال: ما علاقة يوسف ومريم؟ النص يقول انها علاقة خطبة، ولكن يجب التوضيح ان الخطبة عند اليهود هي زواج قانوني ـ اي في وثيقة ـ ولكنه بلا مساكنة ولا تنتهي الخطبة الا بطلاق شرعي. وكلمة الملاك ليوسف: “لا تخف ان تأخذ امرأتك مريم” في هذا الوضع الشرعي تعني لا تخف ان تأخذها الى بيتك، وهذا ما يسمى عند بعض الشعوب حفلة الزفاف.

         السؤال الثاني نابع من قول الكتاب: “ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر”. وكلمة بكر لم ترد في معظم المخطوطات وبينها احيانا اختلافات جزئية لا تغير المعنى الأساسي. ولكن حتى لو صح ان كلمة “بكر” هي أصلية فلا تحتم ولادة ابناء آخرين. فقد جاء في سفر الخروج 13: 1 “قَدِّسْ لي كل بكر، كل فاتح رحم من بين اسرائيل”. بكر تسمية للولد الاول تبعه ام لم يتبعه اخوة. لماذا أهمل الكتاب الحديث عن نوعية العلاقة بين يوسف ومريم بعد الميلاد؟  ذلك ان متى لم يكن غرضه سرد سيرة مريم. وغرضه الحصري ان يكشف ان مولد يسوع كان بتوليا. اما بتولية مريم الدائمة فقال بها المجمع المسكوني الخامس وقالت بها الطقوس منذ القديم والمجمع والطقوس مصدر لإيماننا.

         لماذا اراد الله ان يكون مولد ابنه بطريقة عجائبية؟ الآباء الذين تحدثوا عن هذا قالوا “ان ابنا واحدا لا يولد من أبوين” اي انهم اعتبروا ان بنوة المسيح للآب تنفي تحدرا من رجل. كان ينبغي الا يكون المسيح مدينا لرغبة رجل.

         ما روحية العيد؟ هذه يعبّر عنها بولس بالرسالة الى اهل غلاطية بقوله: “لما حان ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني” (4: 4و5). المعنى الذي تكلم عليه الآباء ان المسيح هيأ له كلام الأنبياء ثم الفكر اليهودي الذي بعد الأنبياء. واعتقد بعض الآباء ان الفلسفة اليونانية اذ قالت بالإله الواحد هيأت ايضا لظهور المخلص. يضاف الى هذا ان المسيح هو الذي حقق امنية القلوب الطيبة في كل الشعوب وكأن تاريخها الفكري لم يصل الى نهايته الا بالمسيح. انه حقق كل الانتظارات ولا تنتظر الانسانية بعده شيئا روحانيا آخر.

         بعد هذا يقول الرسول في الرسالة نفسها “الدليل على كونكم ابناء ان الله أرسل روح ابنه الى قلوبنا، الروح الذي ينادي: “أبّا” اي يا أبيّ “وهي مثل بيّ في اللهجة اللبنانية”. أبّا هي الكلمة التي كان يقولها الطفل الفلسطيني لأبيه تدللا وهي بمعنى “بابا”. الفكرة ان المسيح الذي يسمي نفسه ابنا لله جعل كل واحد منا يسمي ايضا نفسه ابنا. ولكن المسيح هو ابن ازلي ووحيد وهو الذي جعلنا ابناء بالتبني.

         نحن نتوخى في هذا العيد عمق علاقتنا بالآب من خلال المخلص. الله يظهر مخلصا للناس ويظهرهم هم ابناء وذلك عن طريق تواضع يسوع وعن طريق سلوكنا بالوداعة والتواضع. العيد ان لم نصل به الى هذا يكون مجرد تذكار والحقيقة انه تجديد لنا بالروح القدس.

Continue reading