تتهيأ الكنيسة في هذا الأحد لاستقبال المخلص المولود وتقرأ لنا فيه الأصحاح الاول من متى كاملا. وقبل ان تذكر ولادته تتلو أسماء الذين سبقوا السيد من إبراهيم الى يوسف ليس لأن هذا والد يسوع ولكن لأن الإنسان ينتسب الى المعتبر أباه حسب الشريعة. غير ان بولس يقول عن ربنا انه “صار من نسل داود من جهة الجسد” (رومية 1: 2). والأناجيل في مواضع عديدة تعتبر المسيح ابن داود. فهذا هو نسَبه من جهة مريم. والأمر الرئيسي الذي أراد متى ان يبيّنه ان يسوع ابن داود وانه تاليا هو الملك الحقيقي، هو الملك حسبما كتب بيلاطس على الصليب: “يسوع الناصري ملك اليهود”.
عدة اسئلة تدور حول هذا الفصل الإنجيلي وفيها هذا السؤال: ما علاقة يوسف ومريم؟ النص يقول انها علاقة خطبة، ولكن يجب التوضيح ان الخطبة عند اليهود هي زواج قانوني ـ اي في وثيقة ـ ولكنه بلا مساكنة ولا تنتهي الخطبة الا بطلاق شرعي. وكلمة الملاك ليوسف: “لا تخف ان تأخذ امرأتك مريم” في هذا الوضع الشرعي تعني لا تخف ان تأخذها الى بيتك، وهذا ما يسمى عند بعض الشعوب حفلة الزفاف.
السؤال الثاني نابع من قول الكتاب: “ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر”. وكلمة بكر لم ترد في معظم المخطوطات وبينها احيانا اختلافات جزئية لا تغير المعنى الأساسي. ولكن حتى لو صح ان كلمة “بكر” هي أصلية فلا تحتم ولادة ابناء آخرين. فقد جاء في سفر الخروج 13: 1 “قَدِّسْ لي كل بكر، كل فاتح رحم من بين اسرائيل”. بكر تسمية للولد الاول تبعه ام لم يتبعه اخوة. لماذا أهمل الكتاب الحديث عن نوعية العلاقة بين يوسف ومريم بعد الميلاد؟ ذلك ان متى لم يكن غرضه سرد سيرة مريم. وغرضه الحصري ان يكشف ان مولد يسوع كان بتوليا. اما بتولية مريم الدائمة فقال بها المجمع المسكوني الخامس وقالت بها الطقوس منذ القديم والمجمع والطقوس مصدر لإيماننا.
لماذا اراد الله ان يكون مولد ابنه بطريقة عجائبية؟ الآباء الذين تحدثوا عن هذا قالوا “ان ابنا واحدا لا يولد من أبوين” اي انهم اعتبروا ان بنوة المسيح للآب تنفي تحدرا من رجل. كان ينبغي الا يكون المسيح مدينا لرغبة رجل.
ما روحية العيد؟ هذه يعبّر عنها بولس بالرسالة الى اهل غلاطية بقوله: “لما حان ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني” (4: 4و5). المعنى الذي تكلم عليه الآباء ان المسيح هيأ له كلام الأنبياء ثم الفكر اليهودي الذي بعد الأنبياء. واعتقد بعض الآباء ان الفلسفة اليونانية اذ قالت بالإله الواحد هيأت ايضا لظهور المخلص. يضاف الى هذا ان المسيح هو الذي حقق امنية القلوب الطيبة في كل الشعوب وكأن تاريخها الفكري لم يصل الى نهايته الا بالمسيح. انه حقق كل الانتظارات ولا تنتظر الانسانية بعده شيئا روحانيا آخر.
بعد هذا يقول الرسول في الرسالة نفسها “الدليل على كونكم ابناء ان الله أرسل روح ابنه الى قلوبنا، الروح الذي ينادي: “أبّا” اي يا أبيّ “وهي مثل بيّ في اللهجة اللبنانية”. أبّا هي الكلمة التي كان يقولها الطفل الفلسطيني لأبيه تدللا وهي بمعنى “بابا”. الفكرة ان المسيح الذي يسمي نفسه ابنا لله جعل كل واحد منا يسمي ايضا نفسه ابنا. ولكن المسيح هو ابن ازلي ووحيد وهو الذي جعلنا ابناء بالتبني.
نحن نتوخى في هذا العيد عمق علاقتنا بالآب من خلال المخلص. الله يظهر مخلصا للناس ويظهرهم هم ابناء وذلك عن طريق تواضع يسوع وعن طريق سلوكنا بالوداعة والتواضع. العيد ان لم نصل به الى هذا يكون مجرد تذكار والحقيقة انه تجديد لنا بالروح القدس.
