Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2006, مقالات, نشرة رعيتي

المحبة للجميع/ الأحد 3 أيلول 2006/ العدد 36

هناك شيئان مختلفان من حيث الهدف: الإيمان والمحبة. بالإيمان هدفنا أن نحفظ كلمة الله كما بيّنتها لنا الكنيسة، وبالمحبة أن نعانق الناس جميعًا بقوّة النعمة أي بقوة الإيمان الذي يسكن في قلوبنا. غير أن من نحب حسب وصية المعلّم قد يكون له عقيدتنا وقد لا تكون. من هنا حزنت جدا لما قيل لي ان هذه الفئة أو تلك من المسيحيين كانوا يؤثرون أن يشاركوا بالحسنات النازحين من المسيحيين، أي إنهم أحبوا بعضًا من البشر وليس كلّهم: هذه هرطقة سلوكيّة.

فإذا ظنّ أحدهم أن الرب يسوع بقوله: «أحبوا بعضكم بعضًا» تعني انه قصد محبة المسيحيين للمسيحيين يتبدّد ظنه لو قرأ قول السيّد نفسه: «أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم… وإن سلّمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون» (متى 5: 43-47). فإذا كان سلوكنا مع الأعداء سلوك محبة، فكم بالحري يكون سلوكنا مع المسلمين الذين يؤمنون بالله وكانوا في العوز الشديد أثناء الحرب الأخيرة؟ أما قال السيّد: «كنتُ جائعا فأطعمتموني»؟ أي أني أنا في قلب كل إنسان جائع وغير مكسوّ ولا مأوى له. المسيح وحّد نفسه بكل محتاج ولم يوحّد نفسه فقط بالمعمَّدين.

إن المحبّة التي استودعك إياها الرب تذهب منك إلى كل بشر علّهم يحسّون بأنّهم أحباء الله، ولست تحتاج أن تقول لهم انك تعطيهم كونك مسيحيّا. هم يرون ذلك ويعرفون انك آتٍ من المسيح. أنت لا تطلب منهم أَجرًا ولا شكورًا. لا تريد إلا أن يعيشوا فترة قصيرة ولا يُحرم أطفالهم من الحليب أو نساؤهم وشيوخهم من العناية.

يا إخوة، نحن لسنا كتلة سياسية وليس عندنا نزعة انفصال عن أي احد من الناس. شاءت ظروف القهر والعدوان على البلد أن يكون معظم النازحين من لون آخر. هذه كانت فرصة من الله كي تتجدد بها قلوبنا وتصبح أكثر صفاء واشد حرارة وبالتصاقنا بالآخرين نصير أكثر لصوقًا بالله.

قال بولس الرسول بوضوح: «أحسنوا إلى الجميع». وهكذا كان المسيحيون في رومية يفعلون في القرون الأولى. وعندنا في هذا شهادة من القديس يوحنا الذهبي الفم الراقد بالرب السنة الـ407 أن رومية لم يكن فيها جائع (أي من المسيحيين والوثنيين) لأن المسيحيين كانوا يعطون الجميع.

وقد علّمنا آباؤنا القديسون ألاّ نردّ من يسألنا طعامًا أو مالاً فإنك إن أعطيته تكون معطيًا هذا ليسوع الذي كان فقيرًا.

في الأيام العصيبة يقوى الواجب ويتضاعف. الكنيسة نفسها كمؤسسة قامت أثناء الحرب بإيواء الجميع مع أن هذا التنظيم المسيحي كان يتصرف بصورة أقل ما يقال فيها إنها كانت تحزبًا طائفيًا بحيث تحوّلت بعض الهيئات إلى تشكيلات قبليّة تقوم على حب بعض وكراهية بعض لأن الامتناع عن الإحسان كراهية بلا شك عند القادر عليه.

نرجو ألا نعرف بعد الآن سلوكًا كهذا السلوك السيء في حالة الحرب أو حالة السلم. هناك مسلمون يساهمون معنا في بناء كنائس أو مدارس ليستغفروا الله بالإحسان. اعرف أيضًا أن بعض المسيحيين يشاركون المسلمين في مشاريعهم الخيريّة. وهذا يجب أن يكون القاعدة.

لا تقعوا في هرطقة التفريق بين مسلم ومسيحي في مجال العطاء. أنت لك إيمانك وهو له إيمانه، ولكن المسلم يجب أن يسكن قلبك إن كنت راغبًا أن يسكنه الله.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

شيء عن المال / الأحد 27 آب 2006 / العدد 35

وددت أن أتأمّل في رسالة اليوم (1كورنثوس 9: 2-12) حيث يدور الكلام عن حق بولس الرسول أن يأكل من لبن القطيع ويدعم ذلك من العهد القديم ويتوسّع مع أنّه في الواقع كما قال في موضع آخر ما كان يتقاضى من أيّة رعيّة أجرًا.

ليست رغبتي اليوم أن أبين لكم حق الكاهن عليكم من الكتاب المقدس وانتم تعرفون ان خادم الهيكل يعيش من الهيكل ولو كان عليه ان يتقشف. إنه لقد ارتضى التقشّف منذ اعتناقه الكهنوت. أنا أتكلم فقط من زاوية المحبّة البنويّة ولا أتكلّم على راتب يكفي أو لا يكفي. في أي وضع يعيشه الإنسان أفي الكنيسة كان أو خارج الكنيسة، لا يأتي التعبير عن المحبّة الا بالعطاء، غير أنّ كلامي اليوم ليس لتنظيم معيشة الكاهن ولكن لأقول انك تعطي الكاهن أجرا لخدمة قام بها. الجميل في العلاقة أحيانا الا تعطي لقاء أجر.

في ما يتعلّق بدعم الأبرشيّة أذكّركم بأنّي منذ سنوات أرجو الرعايا رجاء الإعطاء ولم أفرض شيئًا على إحداها. ولكن حاجات الأبرشيّة لا تزال كبيرة وليس لأزعج أحدا أقول إننا بتنا الآن في وضع مالي مقلق أرجو أن أتمكّن في الفترة الآتية أن أواجهه. أرجو ان يُلهم الله المؤمنين أفرادا ان يتبرّعوا لنستطيع تحمّل نفقات الإدارة فقط.

نافع لبنياننا الروحي أن يكون كل خادم للمسيح فقيرا. غير أنّ هناك حاجات الإخوة الذين أنا مسؤول عنهم لا أريد ان أزعجكم بهذه الأمور. ما أود فقط أن أقوله ان كلّ مشاركة بالإحساس بنا يسعفكم أنتم روحيًا.

ما أود أن أضيفه هو أنكم معا كنيسة المسيح. أنتم لستم حصرًا في هذه القرية أو تلك كنيسته. أنتم إذا كنتم مع الإخوة في كل مكان أبرشيّة، وهي كلمة يونانيّة تعني الإقامة معا. أنتم وحدة كاملة ليس في بلدتكم، ولكنكم تشكّلون الوحدة مع الآخرين.

أيضا أود أن أذكّركم أن المطران يشرف على المال الذي أودعتموه المصارف وله الحق في قانون الدولة والقانون الكنسي ان يحرّكه كما يشاء، ولكنّه لم يفعل هذه مرّة واحدة منذ 36 سنة أي المدّة التي خدم فيها هذه الأبرشيّة. ما يسرّني أو يزيدني سرورا ان تعمّ الثقة بيني وبين متولّي الأوقاف المحليّة.

أحب أن أذكّر أعضاء مجالس الرعايا انهم وكلاء المطران أو وكلاء الكنيسة المقدّسة كما نقول في عباداتنا. مع ذلك تصرفتُ تجاههم وكأنهم أصلاء أو أصحاب الأمر. هذه ليست بشكوى ولكنه حَسَنٌ أن يعرف كلّ منا مكانته وان يتصرّف بموجب هذه المكانة.

أذكروا ما قاله بولس في هذه الرسالة: «إنْ كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيّات أفيكون عظيما أن نحصد منكم الجسديّات؟». والروحيات تعني من قِبَل المطران والكاهن سهرًا عليكم وصلوات من أجلكم ووعظًا وإرشادا وافتقادا ودرسا متواصلاً عند الكهنة الواعظين. وهذا يستغرق وقتًا ويستنزف صحة. ما قيمة العطايا الماديّة مقابل ذلك الا إذا كنتم في العوز؟

إلى هذا أرجو رجاء حارًا في المسيح ان تهتمّوا بالمحتاجين بينكم حتى لا يأتوا إلى هنا كما يفعل بعض لينالوا منا إحسانا بتنا غير قادرين عليه. أحصوا الفقراء عندكم وتبنّوا قضاياهم.

تطالبون بكهنة أكفّاء، متعلّمين. وهذا ما نحاول القيام به. ولكن هذا يكلّفنا مبلغا طائلا كل سنة ندفعه للبلمند لتربية من سيخدمونكم بعد تخرّجهم.

أردت فقط أن تفهموا هذا الكلام حثّا لبنوّتكم لتحسّ بالحاجات الكبرى لهذه الأبرشيّة وليس بحاجاتي الخاصة. انتم تسدونها مشكورين عندما تدعونني لخدمة روحيّة. أقول هذا لخلاص نفوسكم واستحضار بركات الله عليكم.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

التسوّل السياسي / الأحد 20 آب 2006 / العدد 34

سياسة كل شعب لنفسه تقوم على العدالة للناس جميعا بلا تفريق بين طوائفه وألوانه إن وُجدت. والعدالة نتيجتها السلام بين الناس وحسن العيش والتعاون والتكافل وردم الهوة بين الفقير والغني ما أمكن التنظيم الاجتماعي ذلك. لذلك جاء في المزامير:” العدل والسلام تلاقيا”.

هذه السياسة عمل الجميع في مجتمع راقٍ يتشارك كل المواطنين في قيادته ويسدون للدولة النصيحة ويضغطون عليها لتسير في الاستقامة وخدمة المواطن. ذلك أن كلًّا منا راعٍ لإخوته وان الدولة بما فيها من ناس معرّضة للتقصير او الجهل او الانحياز. وهذا ما اصطلح الفلاسفة على تسميته ديمقراطية. هذا هو حكم الشعب للشعب ولكن على هدى الله وكلامه حتى يطمئن المواطن للمواطن ويحيا بأعظم قدر ممكن من الراحة على هذه الأرض فيما هو يجاهد روحيا.

الأمر أكثر تعقيدًا في علاقات الدول بسبب مطامع الدول الكبرى بالصغرى أو القوية بالمستضعفة فيأتي استغـلال هـذه الـدولة لتلك في التعامل التجـاري أو تحل الحرب التي غايتها الاستغلال والتوسع وابتلاع الكبير للصغير كما تعمل الحيتان بالسمك الصغير.

لذلك يقاوم الصغير الكبير بالوسائل المتاحة له ليدفع عن نفسه جشع الكبار وطغيانهم. وربما بقي هذا الوضع إلى الأبد لأن الأمم بحكامها أي بخطاياهم ولأن المنافع الاقتصادية تلعب في الحروب دورا كبيرا. ولا فرق عند المهاجم ان يُميت ما تيسّر له من الناس ويدمّر ويحرق ليسيطر. وقد يكون له تعاطف مع دول أخرى تسانده ويتبادل وإياها النفوذ والمصالح الاقتصادية.

إزاء هذه القاعدة التاريخية تشكّلت هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى ووضعت شرعة مقدمتها أخلاقية وقالت إن الاستيلاء على البلدان الأخرى ممنوع وانه لا يُكافأ المغتصب وتُرد الأراضي المغتصَبة لأصحابها. وكانت هذه الشرعة مستَلهَمة ببعض جوانبها من الإنجيل حتى تسود عدالة الله علاقات الدول فتصبح بدورها عادلة.

مع ذلك لم يتقيّد كثير من الدول بهذه الدعوة وحصلت حروب إقليمية لا تحصى بين الدول الصغيرة في أفريقيا وآسيا وهذا الشرق الأدنى ومنه لبنان الذي يُدمَر الآن ويُحـرق ويُقتل بنـوه والغايـة تدميـره وتشـريده وأذاه.

هذه النشرة ليست لبحث في السياسة التي يجب أن ينتهجها بلدنا ليعيش في سلام. هذا يفترض أن نكون أقوياء على طريقة هذا العالم وبوسائل العالم وهذا يفترض صداقات لنا مخلصة لا نطلب منها التحيّز وندعوها إلى العدل ومنع الموت من أن يحل بنا. وهذا ليس فيه تسوّل ولكن هذا هو حق الإنسان على الإنسان وحق لبنان على كل الشعوب القديرة بسبب مشاركة الشعوب بعضها بعضا لأن الإنسان أخو الإنسان ولأن الدول القادرة لم توجد لنفسها ولكنها وُجدت لموآزرة الدول الأخرى ما استطاعت.

حق الإنسان على الإنسان الآخر أن يؤمّن له السلام لأن السلام إطار الحياة الكريمة فلا يبقى فريسة الخوف وفريسـة الجوع والقهـر. والمسيح “رئيس السلام” كما يقول اشعياء وكما نرتل في الصوم الكبير. اجل هناك السـلام الداخـلي الذي هو الحريـة من الخطيئة وهذا هو الأعظم. ولكن هناك أيضًا سلام الشعوب بالمعنى السياسي الذي هو وضعنا الطبيعي على هذه الأرض قبل أن نرث الملكوت.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (1كورنثوس 3: 9-17)/ الأحد 13 آب 2006/ العدد 33

عقيدة الخلاص في كنيستنا إننا، حسبما قال بولس في هذه الرسالة، إننا عاملون مع الله أي أن الخلاص هو تلاقي قوة الله وقوة الإنسان الذي يطيع الله “لأنكم بدوني (أي بدون المسيح) لا تستطيعون أن تعملوا شيئا”.

ثم استعمل بولس صورتين عن عمل الله: الأولى أنكم حرث الله أي انه هو الزارع النعمة فيكم، والثاني أنكم بناء الله. وهذا ما قاله بولس في موضع آخر: أنتم هيكل الله، ولكنه قال ايضا في هذا السياق “المسيح نفسه حجر الزاوية”، والصورة تعني، حسب فن العمارة في بلادنا، انه حجر الفلق بحيث يقام اولا في بناء العقد قفص خشب يوضع في رأسه حجر ترصف من حواليه كل حجارة البناء بلا اسمنت وتتساند الحجارة فيما بينها لأن حجر الزاوية او الفلق هو ساندها.

ولا يقع حجر واحد بسبب التماسك فيما بينها الذي تستمده من الحجر الفوقي.

هكـذا نحـن المؤمنين متماســكـون بالمحبـة ولكن بقوة هذا الذي أحبنا وجمعنا بعضنا الى بعض. ثم يؤكد بولس ايضاحا ان احدا لا يستطيع ان يضع اساسا غير الموضوع وهو يسوع المسيح. وهذا يعني طاعة لإنجيله.

واخيرا يقول الرسول ان احدا يبني اما ذهبا او فضة الى آخر قوله. ولكن قيمة هذا الذي بنيناه سيظهره الله في اليوم الأخير” لأنه يعلن بالنار” والنار هي النار الممحِصة للمعادن. وهذا يفهمه من تعاطى الصياغة اذ يضع الصائغ قطعة تحتوي معادن كثيرة وفي النار تفرز المعادن ويصير الذهب وحده سبيكة فينفصل المعدن الثمين عن المعادن الأخرى.

“ومن احترق عمله فسيخسر وسيخلص هو كمن يمر في النار” اي يخلص بصعوبة. سيخلص بسبب من رحمة الله ولا يخلص احد الا بها.

ويبقى بولس على صورة البناء التي استعارها ليتكلم عنا ليقول:” اما تعلمون انكم هيكل الله وان روح الله ساكن فيكم”. والمعنى ان الروح القدس هو الذي يجعلكم هيكل الله وهي الكنيسة المتكونة دائما بالروح القدس.

وأخيرا يقول: “من يفسد هيكل الله يفسده الله لأن هيكل الله مقدس وهو أنتم”.

هنا يستعمل بولس صورة الهيكل ليقول شيئين: كل منكم هو هيكل الله وهذا تفسدونه بالخطيئة. وكل خطيئة من اي نوع كانت تشوّه الانسان وتلطخه ولايستطيع ان يعود هيكلا لله الا بالتوبة التي تحرره من شهواته كلها ليستعيد الجمال الأول الذي خلق عليه فيراه الله جميلا كما خلقه وكما افتداه المسيح بدمه. هذا هو الشيء الاول.

ثم يقول: “ان هيكل الله مقدس وهو انتم”. ربما أراد هنا انكم هيكل الله مجتمعين اي بكونكم كنيسة وكأنه يقول ان من أخطأ انما يشوّه الكنيسة فكلما أخطأ المسيحيون لا تظهر الكنيسة عروسا للمسيح. ويبتعد الغرباء عن الكنيسة لأن المسيحيين لم يبقوا على المسـتـوى المطلـوب منهم. وكـذلك قـد يبتعـد المسيحيـون انفسهم عن الكنيسـة اذ لا يـرون فيـها ناسـا صالحـين كثيرين ولا يحسون انها مكان الخلاص. الخطيئة تؤذي الجماعة. فمن ارتكب معصية تحسب على الجماعة كلها ويشك الناس في ان الكنيسة تهذّب أولادها. الخطيئة ليست ضد الفرد وحدها ولكنها ضد الجماعة وضد الله بالدرجة الأولى.

عبرة هذه الرسالة ان مرتكزنا هو المسيح واننا مدعوون ان نبني انفسنا والآخرين عليه حتى لا يعثر أحد وتظهر الكنيسة جميلة جدًا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

التجلّي والآلام/ الأحد 6 آب 2006 / العدد 32

روايات التجلّي في متى ومرقس ولوقا متشابهة جدا. تجلّى يسوع أمام التلاميذ الثلاثة الذين اصطحبهم الى الجبل. أضاء وجه السيّد كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. المهم في هذا الحدث أن الإنجيليين لا يتكلّمون عن نور سقط عليه من الشمس فتأثيرها واحد على كل الناس. عقيدتنا الأرثوذكسيّة تقول إن هذا النور خرج من داخل يسوع، من كيانه على جسده وثيابه. اي إنه النور الإلهي غير المخلوق الذي ينزل على القديسين في هذه الأرض ويشعّ عليهم من الله اذا غلبوا أهواءهم وصاروا الى الصفاء الكامل او الى الهدوء لأن مصادر الشهوة التي في الإنسان إن انقطعت عنه يدخل في سكينة الله ويصير من الهدوئيين.

الشيء الثاني الذي أراد الإنجيل تبيانه ان موسى وإيليا تراءيا له على الجبل. هذان النبيّان اقتربا من الله كثيرا ولكنهما لم يشاهداه وفق قول الكتاب: “الله لم يرَه أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” (يوحنا 1: 18). الآن على جبل التجلّي رأى النبيّان وجه الله على وجه يسوع. شاهدا الإله متجسّدا.

دخل موسى وايليا سحابة المجد التي كانت تحيط بالمعلّم. مرقس ولوقا ينفردان بالقول ان النبيين دخلا سحابة المجد التي كانت تظلّل المسيح. غير أن لوقا ينفرد عن الجميع بقوله ان موسى وايليا “تكلما عن خروجه الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم”. وكلمة خروج هنا تعني الآلام. تكلّم موسى وايليا ليس عن المجد الذي كانا فيه مع السيّد المبارك ولكن عن الآلام التي هي مجده الحقيقي. هذا يقوله انجيل يوحنا مرارا حيث ساعة المجد تعني ساعة الصلب.

نجيء من هذا لنقول في الظرف العصيب الذي يعيشه بلدنا انه ينبغي ان نفهم آلام المواطنين جميعا ولا سيما الفقراء والمهجّرين يستطيعون ان يحولوها اذا كانوا مؤمنين الى تجلّيات بالروح. اذ الحزن عند المؤمن يتحوّل فرحا لأنه بالمسيح يغلب الانسان أحزانه ويتحرّر من وطأة فقره.

ومَن تهجّر من بلدته او قريته انما يهاجر الى الله لأن الله سكنانا بعد ان حلّ الابن في بشريّتنا وصار هو فقيرا. ففي بدء مسيرته على الأرض تهجّر يسوع مع مريم ويوسف عندما قرر هيرودس قتل الأطفال في بيت لحم وضواحيها. وفي حالات الضيق التي عاناها، او لمّا كان يعتزل تلاميذه، كان – في انسانيته المباركة – يصلّي الى الآب. هجرة عن الناس الى وجه الآب.

وكان يسوع غريبا في قومه. ألسنا نرتل يوم الجمعة العظيم: “أعطني هذا الغريب”. المهم دائما في حالة العزلة والقمع والاضطهاد والحرب التي لا يعرف احد متى تنتهي ان نطلب نزول النور الإلهي علينا وانسكاب النعمة في قلوبنا حتى ننظر الى وجه الله فلا نسكن الى وجه آخر وقد لا يكون قد بقي لنا مسكن على الأرض او نكون فقدنا عزيزا.

فاذا عيّدنا اليوم للتجلّي فلنتذكّر الفقراء والذين غيّبهم القهر عن منازلهم او دمرت منازلهم ليحسّوا بفقرهم الى الله وهم اليوم في كل مكان من لبنان في موآساة المحبين افـرادا كانوا ام مـؤسسات. الى اية فئة او دين انتموا هم يبيتون في المسيح الذي يحمل أوجاعهم حتى يقصّر الرب الزمان الرديء ونحيا في الرضا.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

هذه الحرب / الاحد 30 تموز 2006 / العدد 31

اذا كانت المحبة تجعلنا في حزن بسبب الذين سقطوا في الحرب، ومعزين للعائلات التي نعرفها، فإنما يدفعنا إيماننا الى التوبة وهذه هي وظيفة كل محنة في حياة الذين استبقاهم ربهم على الأرض. هذا وقت رجوع اليه حتى لا ننام نومة الموت كما يقول النبي المرنّم.

الى هذا قد نختلف في التحليل السياسي وانا لست هنا لأملي عليكم موقفًا سياسيًا. في الكنيسة كلكم أحرار. ولكن الموقف الذي سوف نتقيّد به بعد الحرب هو العمل على إعادة إعمار لبنان والحفاظ على وحدة بنيه الذين سيختلفون في الآراء السياسية وهذا يجب ان ننتظره في مجتمع حر. ما قد نختلف عليه الآن هو معرفتنا لأسباب الحرب. انا كمواطن بينكم لا يقنعني ان خطف جنديين إسرائليين يدفع دولتهما ان تشن علينا حربا بهذا الحجم وهذه الشراسة. هي أولا دولة خاطفة منذ تأسيسها وساجنة الآن لمئات من المناضلين العرب. وهذا أمر له تسوية معقولة. واذا كان الخطف مسؤولة عنه فئة حزبية في لبنان فأنت لا تعاقب كل لبنان بالموت والحريق والدمار وقطع كل اوصاله لجعله بلدا ضعيفا في المنطقة يحتاج الى عدة سنوات للنهوض. ان حملة ضخمة كهذه التي شُنّت علينا إنّما تحتاج الى أشهر من الاستعداد سبقت خطف الجنديين. هناك اذًا خطة لتدمير لبنان مرتبة دوليا وكُلّفت اسرائيل تنفيذها اعتقادًا من الدول ان الحرب قد تُنهي حزب الله. الحوادث الأخيرة دلّت ان هذه المنظّمة لا تنتهي بسهولة ولن يُقتل اعضاؤها واحدًا واحدًا ولن تضعف الى حد انها ستسلّم سلاحها طوعًا او كرهًا. موضوع سلاح حزب الله يُعالَج لبنانيًا او لا يُعالَج. لا لشيء، كلّفتنا الموآمرة الرهيبة هذه، دمار لبنان.

أنا لا ادخل الآن في مناقشة شرعية المقاومة في ظل وجود الدولة. فاذا اعتبرنا وجودها غير شرعي لا يبرر دولة اسرائيل في مشروعها القضاء على لبنان. وعند رجوع السلم سنناقش موضوع المقاومة والتسلّح خارج الجيش. نحن الارثوذكسيين لن نسهم في نقاش الا على اساس وطني اي على اساس يحفظ وحدتنا ولا يجعلنا قبائل متناحرة حتى التقاتل اذ لن يبقى، عند ذاك، منّا شيء.

هذا الوطن متّحد يجتمع فيه المسيحيون والمسلمون على السواء ولا ينبغي ان يميز فيه فئة على فئة. هذا سيكون بلد الكفاءة والعدالة والتكافل الاجتماعي والعلم والرقي ولا يحتمل خصومات حادة ذات طابع طائفي. ما دمرنا في الحرب الأهلية اذا تكرر سيدمّرنا بعد الحرب.

الآن نضمد الجراح. لذلك دخلتْ هذه الأبرشية في العمل مع النازحين في عدة أماكن. قد تكون إمكاناتنا ضعيفة، ولكن شعور الإخوّة والترحاب بهم شيء يطلبه الله الينا.

كفانا الرب شر القتال وأعاد إلينا سلامًا حقيقيًا في الواقع الوطني وفي القلوب وألهم أعداءنا أن ينكفئوا عنا ويهتموا بشؤونهم.

إن كنيستنا واسعة الصدر وتستوعب جميع المواطنين بمحبة واحدة ولا تنجرّ وراء الانفعالات الهـوجـاء وتسهم فـي إعادة تعمير الـبـلـد مـاديًا ومـعـنـويًا لنقوى على ضعفاتنا وتقوم عندنا دولة قوية مستقيمة ترى نفسها في خدمة الناس جميعا لنحيا بسلام.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم (رومية 12: 6-14)/ الأحد 23 تموز 2006 / العدد 30

هي مأخوذة من الرسالة الى أهل رومية وتمثّل الجانب العملي، التطبيقي في تعليم بولس. ولعلّ فرادتها أن الرسول لم يشأ أن يكون المسيحيون مماثلين بعضهم بعضا الا بالتقوى ولكن لكل مؤمن موهبته فهذا قوي في العمل الاجتماعي وذاك قوي في اللاهوت والآخر في الإحسان او في العمل الإداري. وما يجمع كل هذه المواهب في بناء واحد هو المحبة اذ ماذا ينفعك ان تكون صالحا للإدارة او التعليم النظري وانت غير محب. وكان بولس قد كتب نشيد المحبة في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس وهي مع ما كتبه يوحنا في رسالته الأولى الجامعة من أعظم ما قيل عن المحبة في تاريخ الناس.

غير ان الرسول يتميّز عما كتبه سابقا بقوله:”لتكن المحبة بلا رياء”. فليس المهم ان تظهر لطفا تجاه انسان تكرهه. يكفيك ان تكون مهذبا. والمجاملة والمصانعة من أجل ان تكسب عطف الآخرين دون أن تحاول محبتهم بالخدمة لأمرٌ مكروه. الإنسان ينطق من القلب او لا ينطق ابدا.

وحتى تصل المحـبـة الى الـذروة تابع بـولـس فكره بقوله:”كونوا ماقتين للشر وملتصقين بالخير”. انت لا تستطيع مثلا ان تكون صادقا ما لم تكره الكذب. قول الكتاب هو “حِدْ عن الشر وافعل الخير”. افعل الخير ترجمها الرسول بقوله:”ملتصقين بالخير”. هذا اكثر من فعل الخير. هذا عشق له بحيث تروض قلبك على طلب الفضيلة يوما فيوما وصاعدا على سُلّم الفضائل بحيث لا تدع واحدة منها تفوتك لأن الفضائل متماسكة، تُكمل بعضها بعضا.

ولئلا يظن مؤمنو رومية ان لك أن تحب هذا بعض المحبة والآخر أقل أو اكثر قال:”محبين بعضكم بعضا حبا اخويا” اي كأن الناس كلّهم إخوة لك فلا تغرق في عطاء روحك وانسكاب قلبك بين واحد وواحد حتى يصل الى قوله:”مبادرين بعضكم بعضا بالإكرام”. هنا ليس يطلب بولس فقط ان تكرّم جميع الناس ولكن ان تبادر بالإكرام فلا تدع الآخر يسبقك فيه. اعطِ الآخر ما لم يكن ينتظر ليرتاح ليس فقط اليك ولكن الى ربه.

ثم يلح على الا يتكاسلوا وهو كان قدوة في الاجتهاد يبشر في كل حين ويكدّ صانعا خياما في الليل ليعيش فيصل بعد هذا الى قوله:”حارين بالروح” فاقضوا على الفتور فإن الرب يريد كل القلب ولا يقبل تهاونا بمحبته وطاعته. الحماسة من أجل كلمة الله ونشرها وتوطيدها هي التي أَعطت الكنيسة عمالًا لا يستريحون. بهذه الحماسة نفسها نكون”عابدين للرب” بقلب نقي فلا نشرك به عشق المال او السلطة او اي ما يمكن اعتباره إلهًا يستأثر بمشاعر النفس.

هذه العبادة تمدنا بالفرح وفرحنا دائم لأن رجاءنا دائم. ولئلا يظن مؤمنو رومية ان الرسول يعدهم بالمسرات في كل أيامهم، يحثهم على أن يكونوا صابرين في الضيق، والعهد الجديد كلّمنا عن المضايقات التي كانت تحل في الكنيسة قبل أن يكتب بولس رسالته الى اهل رومية اي في منتصف الخمسينات من القرن الأول. ولا يكتفي بحضّهم على الصبر اذ يقول في آخر هذا الفصل “باركوا الذين يضطهدونكم”. لا تجعلوا الاضطهاد يأسركم بالبغض. اغلبوا القائمين به بالغفران ولو متم. ذلك ان موت الشهادة يحيي الكنيسة.

وقبل أن يصل الـى ذلك يطلب اليهم المواظبة على الصلاة. في كل أوقات شغورك صلِّ ومع العمل اليدوي يمكن ان تصلي واذا انشد قلبك الى فوق انت مصلّ ولو لم تنطق بكلمة. ويختم دعوته الى الفضائل والصلاة بحثه على الإحسان للقديسين اي لمؤمني اورشليم الذين كانوا فقراء بسبب اضطهاد اليهود لهم. ثم اغنياء كنتم ام فقراء استضيفوا الغرباء ولا سيما المسيحيين الفقراء الآتين من الشرق الى رومية.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الأطفال ويسوع/ الأحد 16 تموز 2006 / العدد 29

قبل ظهور المسيح لم يكن اليهود ولا الأمم الوثنيّة تعير أهميّة للطفل. كانت الشعوب تهتم فقط بالإنسان الراشد. والطفل رضيع أو يأكل ويشرب، ولكن لم يعتبر أحد أنّ له شخصيّة يجب أن تُراعى وأنّ له الحقّ بنمو غير قهّار. وحده يسوع لم يتجاهل الطفل.

عندما سأله تلاميذه: “من تراه الأكبر في ملكوت السموات” دعا طفلاً وجعله في الوسط قائلاً: “الحق أقول لكم: إن لم تعودوا مثل الأطفال لا تدخلوا ملكوت السموات” (متى 3:18). كيف يكون الإنسان مثل الأطفال؟ هو طبعًا لا يريد أن يكون الإنسان ساذجًا. يجيب السيد عن سؤالهم: “فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل، فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات”.

ركّز يسوع على أنّ الطفل متواضع بمعنى أنّه لا يعرف نفسه عظيمًا. لا يريد عقلا كعقل الأطفال أو أن تتكلّم كالصغار بلا فهم كافٍ. هل أراد يسـوع البراءة؟ في الواقع الطفل يكذب (يقول مثلاً: لا، لم أكسر الصحن) ولكن هذا ليس بكذب حقيقي لكونه يعيش في عالم تصورات تحجب عنه الحقيقة. الطفل يحيك عالما مـن الحكايات يظنّها حقيقة. يحيا خارج الواقع. لا يعرف الفرق بين الصدق والكذب.

يسوع لا يريدنا أن نتشبّه بالأطفال من حيث أنهم بلا تمييز بين الخير والشر ولكنّه يدعونا الى بساطة الأطفال. أنت، بالغا، ينبغي أن تحارب السذاجة العقليّة لتكتسب الحكمة ولكنّك مدعوّ الى بساطة القلب ونقاوته ولا ترى نفسك شيئًا. أنت لا تصير طفلًا ولكنّك تصير مثل الطفل على تواضعه. وعند ذاك أنت الأكبر في ملكوت الله.

في هذا المنحى يقول السيّد: “من قبِل طفلاً مثله إكرامًا لاسمي فإياي يقبل”. أجل يريدنا السيّد أن نعلي شأن الطفل في مجتمع لا يزال أحيانًا يحتقره. أن نكتشف الطفل، أن نعمّده لأنّه كائن حبيب الله كما يريدنا أن نتعلّم عن الطفل. يريد الطفل أن ينمو، والمعلّم درس في مدرسة الناصرة بدليل أنّه قرأ الكتاب المقدس في مجمع الناصرة. لا يرضى أن يبقى الأطفال في الشوارع. لا يريد عمالة الأطفال وبذا يكونون قد تركوا المدرسة وعرّضوا صحتهم للخطر. لا يريد أن يستعملهم أهلهم لكسب المال وقد يكون الأهل أحيانا كسالى يستغلّون أولادهم. لا يريد أن يغيظ الأهل أبناءهم وبناتهم لئلا يفشلوا ويكرهوا أهلهم.

يريد أن يحبّوا أهلهم وليس فقط أن يكرّموهم إكرام خوف. يأبى السيّد الخوف الذي يضرّ كل انسان صغيرًا كان أم كبيرا. لا يريد قصاصًا جسديًّا مبرحا لأنّ الولد بهذا يكره أهله. وإذا فعل فغالبا ما يكره الله الذي يصوّرونه له أبًا. أمّا أنت اذا كنت أبًا عطوفًا أو أمّا حنونةً فغالبا ما يحس ولدك بأن الله عطوف حنون. وداعة الأهل هي التي تكشف وداعة الله.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الحاكم / الأحد 9 تموز 2006 / العدد 28

الحاكم رئيسًا كان للجمهورية أو وزيرًا او قاضيًا فضيلته الأساسية أنه يحبّ العدل اي ينصف الناس جميعا وعلى السواء ولا يميل الى ابن طائفته او منطقته ولا يؤْثر الغني على الفقير ولا ينتظر شيئا من الأغنياء لأن التقرب اليهم او الى ابناء ملّته او ضيعته يجعل عقله يطيش وفكره ينحرف.

هو دائما في حالة الخروج من شهواته وموداته وأصدقائه ليكون فمًا للحق او يدًا. وهو على مثال الله لا يحابي الوجوه اذ لا بد ان يطمئن الناس اليه ويحسّوا ان الوطن للجميع وان الوطن يحميهم من المجرمين والظالمين. ومن المعروف عند الجميع ان القاضي يتنحّى من نفسه ان كان المتقاضي نسيبه او كان صديقًا مقرّبا لئلا ينجرّ وراء عاطفة فيضيع العدل الذي هو خادمه.

قد يخطئ الحاكم او القاضي. لذلك يجب عليه ان يدرس القضية التي يعالجها درسا دقيقا خوفا من ان يزلّ. ولن يزلّ اذا عشق الحق وعرف انه يشفي المواطنين به وان كان هـذا ضد ما يشتـهـون. من هنا ان الحاكم يحتاج دوما الى الاتصال بالله اي ان يتطهر باستمرار بالكلمة الإلهية ليأتي حكمه او قراره وفق قلب الله فيفهم، اذ ذاك، ان الله يسوس الشعب بحكمه او قراره.

وحتى يحصل هذا فالمسؤول يكتفي بمعاشه ولا يرتشي. فهو أشبه بالراهب الذي لا يبتغي مالا ولا سلطة. ويقول مع الياس النبي: “حي هو الله الذي انا واقف امامه”. وأراد النبي انه ليس واقفا امام الملك ولا ينصاع لأوامره ولكنه ينفّذ الكلمة التي يوحي اليه الله بها. واذا عدلت الدولة فلا نحس بوطأتها او أذاها. واما اذا ظلم الرعية مسؤول فيها فيقع المواطن في إحباط وتتشتت الرعيّة.

هذا يتطلّب ان تكون الدولة غنيّة اي ان نجعلها نحن غنية بدفع الضرائب وألا نخرب شيئًا في البلد. أنت لا يحق لك أن تنتظر رعاية الدولة اياك ما لم تقم بواجبك تجاهها، الأمر العائد بالنفع على أبناء البلد جميعا. هناك آليات لمحاسبة الدولة اساسا. مجلس النواب اداة من ادوات هذه المحاسبة. فلا تنتخب الا نائبا شجاعا، حرا دأبه ان يحاسب الحكومة لكي تهتم هي بك.

هذا يعني ان كل المسؤولين ينبغي ان يكونوا مثل الرهبان مع احتفاظهم بأموالهم واولادهم وأثوابهم والا يعاشروا كثيرا المجتمع الثري لئلا يتأثروا به وان يرتبطوا بعهد مع الله حتى لا يشتهوا هذه الدنيا وينكبّوا على ما يغري بها فإن الإغراء يلهيهم عن العدل.

وإن انت تمنيت ان تصبح موظفا في الدولة كبيرا او وزيرا فلك ذلك على ان يكون محركك هو الخدمة. لا مانع ان ترى في نفسك هذه المواهب ثم ان تقتنع ان هذه المواهب هي للخدمة حتى تشارك في تحسين البلد وتقويمه.

الحكم جميل فقط لتصنع به اعمالا جميلة. فاذا تهيأت بالدراسة والفكر السياسي لتصير وزيرا فهذا جيد، وأن تهيأ بعلم الحقوق والقضاء لتصبح قاضيا فـهـذا جـمـيـل أيـضا. أمـا اذا طـمـحـت الـى منصـب حبا بالسلطة فأنت مفسد لضميرك ومدمّر للأمّة. العدل جميل والإدارة جميلة. وتخدم فيها ككاهن يخدم المذبح. حَسَنٌ ان تشتهي وظيفة تليق بك وانت مهيّأ لها على الا تعتبرها معبرا الى المال لأن “محبة المال أصل كل الشرور” كما يقول الرسول. ادخل طاهرا وابقَ طاهرًا واخرج طاهرا ليرضى الله عنك ويتعلّم الناس منك الطهارة.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العائلة مهددة/ الأحد 2 تموز 2006 / العدد 27

العائلة قائمة إنْ أنت آمنت أن الله يريدها أن تصمد وإن دعمتها بسلوك مسيحي طاهر -إذا كنت أبا ومحبا لزوجتك- وسلوك رعاية دؤوب لأولادك. العائلة كيان تدعمه باستمرار او يتعرض لخطر الانهيار او التشقق. لا يكفي أن تتكلل لتنشئ العائلة. هذا سهر يومي وتجميل لأخلاقك حتى يقوم البيت على أسس المحبة والحكمة. وإلا كانت في ظاهرها قائمة وفي حقيقتها متصدعة، وقد تنتهي بما يكرهه الله والقديسون اعني الطلاق.

ينبغي أن تكون متعقّلا عندما تقدم على الزواج. واسمحوا لي ان اكون صريحًا جدًا لغيرتي عليكم. هناك نوعان من الرجال ممنوع الزواج عليهم. الانحراف (الذي يسمّى اليوم المثليّة الجنسيّة) والعجز الجنسي مانعان أساسيان للزواج. إذا كنت مصابا بأحد هذين الأمرين فضميرك ينبغي ان يمنعك. المرأة ليست شخصًا ندخل معه في اختبار. اذا دلك اختبارك على عدم الأهلية فتحمّل مسؤوليتك وكن شجاعا وامتنع في هاتين الحالتين.

الشيء الثاني لا تقم بزواج عقلي محض قائم على الحسابات. هناك حد أدنى من المودة والانجذاب ان لم تشعر بهما لا يحق لك ان تطلب يد صبية دلك واحد عليها ولا تحس تجاهها بأية عاطفة.

الشيء الثالث أنك تدخل في المشروع على أساس انه رحلة العمر وليس مؤقتا وانك قد تكتشف في الآخر أخطاء أو عيوبا. قد ترى الفتاة ان الشاب بخيل. هذا لا يبطل الزواج. قد يلحظ أحدهما مرضا لم يصرح الآخر به. لا شيء يضطره على ذلك. هذا لا يبطل الزواج. انت تتحمّل كل الأوضاع الصحية عند رفيق حياتك المجهولة منها او الطارئة. ليس الزواج مشروطا بصحة كاملة او عقل عظيم. وقد لا تجد الرفيق كثير الذكاء او عظيمًا في القداسة. تكمل مع ذلك المشوار.
مهما كانت الأوضاع- الا ما يذكره القانون على أنه سبب للانفصال- المبدأ في الحياة الزوجية الإخلاص. انت، عند اكليلك، تعاهد الله على أن تعف عن الجنس الآخر كليا وان ترافق الزوج او الزوجة. ذلك ان الإخلاص يعني انك اخترت رفيقًا واحدًا لحياتك العائلية ولا تسعى الى آخر. وهذا ليس سهلًا عند كل الناس. ولكنك تصلي لحفظ طهارتك وتهرب من الأشخاص الذين تحس انهم يريدون إغراءك وأن يكسروا لك بيتك.

الحياة الزوجية جهاد مستمر تخصبه النعمة الإلهية. هو ترهُّب لأنه ارتباط بوجه واحد مهما تعب او مرض أو شاخ. ففي الكهولة والشيخوخة جمالات ليست أقل فرحًا من عهد الصبا.

في كل مراحل حياتك الزوجية افهم ان المشاركة بركة من الله وانك لا تكتمل الا بالآخر. ان ترعاه ويرعاك . وافهم كذلك ان كل تشقق في العائلة مؤذٍ للأطفال وان الطلاق مؤذٍ كليا. وافهم أيضا ان الأولاد لا ينمون الا برعاية الوالد والوالدة معا وليس في ان يقضي الولد وقتًا عند أبيه ووقتًا عند أمه المفصولين. وابنك اساسي لنضجك كما انت أساسي لنموه.
اذا اكتملت عناصر محبتك للآخر وحفظت نفسك والآخر من الدنس وحنوت على بنيك وبناتك ورافـقـتـهم حتى بـعـد سن الرشـد وتابعتـهم ولـو تـزوجـوا وضممتَ أحفادك إليك فهذا سر سعادتك على الأرض التي أعْطاها الله اياك. وهذا قد يكون مدخلك الى الملكوت.

Continue reading