Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2006, مقالات, نشرة رعيتي

العائلة/ الاحد 25 حزيران 2006 / العدد 26

لم أعثر في العهد الجديد على كلمة عائلة. ولكن لها مرادف وهي لفظة “بيت” كما في قول بولس: “وعمدت ايضا بيت استفانوس” (1 كورنثوس 16:1) ونقلتها الترجمة اليسوعية الحديثة: “قد عمدت ايضا أسرة اسطفاناس” ويقول المفسرون ان المراد بهذا الكلام انه عمد اسطفاناس وأولاده. ويكتفي العهد الجديد في الكلام عن الزوج والزوجة اي ان عنده رؤية الى قدسية الزواج. ولكن الرسول يحصر كلامه عن واجبات الأهل نحو الاولاد، عن تربيتهم وعدم إغاظتهم.

ولكن ما من شك في المسيحية ان الأب والأم اللذين لم يرزقا اولادا يشكلون عائلة، واذا لم يظهر اولاد فالعائلة كاملة والمحبة كاملة. وفي الارثوذكسية لا نقول ان غاية العائلة الإنجاب، ولكنا نقول ان الإنجاب اذا تم هو ثمرة التقديس الذي يجمع الأبوين. الى هذا نقول ان العائلة هي الكنيسة الصغيرة، ويقول الكتاب ان كل ابوة على الأرض هي صورة عن ابوة الله لنا.

تبـدأ العـائلة التي فيـها اولاد مـن المعمـودية وهي الولادة من فوق وبها يصير الطفل ابنا لله على صورة الابن الوحيد المولود من الآب. ولكن من الواضح انك لست ابن ابيك ان لم يكن ابوك مؤمنا. الولادة الجسدية عندنا فرصة لزرع المحبة لله اذ لا يقول الكتاب: أحبب اباك وامك ولكنه يقول: اكرم اباك وامك. ولهما منك المحبة لكونها معك من عائلة الآب. لذلك قال الرب يسوع: “لا تَدْعُوا لكم ابا على الأرض لأن لكم ابا واحدا هو الآب السماوي” (متى 9:23). ويصرّ السيد على ان نحب الله اكثر مما نحب اهلنا اذ يقول: “من أتى الي ولم يُفضّلني على ابيه وامه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل عن نفسه ايضا، لا يستطيع ان يكون لي تلميذًا” (لوقا 26:14). فاذا اصطدمت مع اهلك لكونك تحب المسيح وهم لا يحبونه فلست انت منهم. فالرابط الوحيد بينك وبينهم انهم يرشدونك الى المسيح وانت ترشدهم اليه.

فليس لهم الحق ان يزوجوك على من لا تحب. هم ليس لهم الا المشورة، ونحن نزوج الراشدين كما شاؤوا ونقبل في الرهبانية من الراشدين من شاء. لأن الانضمام الى يسوع خير من الانصهار في القبيلة. ولا يعترف الإنجيل بالقبيلة لأنها تنزع عن الانسان حريته في الطبيعة او حريته في المسيح.

اجل هناك فوائد معنوية ووجدانية ان تتحسس بالقرابة على الا تصير هذه المشاعر عصبية تفصلك عن العائلات الأخرى فتناصر عائلتك ان كانت على حق او كانت على الباطل. انت نصير الحق، ومنه تولد، ولا تولد من اللحم والدم اللذين يفنيان في التراب.

غير ان اهمية العائلة الصغرى او الكبرى انها تمرين لك على المحبة. انت تحب اولادك طبيعيا ولكن لا غنج ولا دلع لئلا يفسدوا. تحبهم في المسيح اي تهذبهم بالإنجيل وتصحح العاطفة التي يمكن ان تسترخي. الشوق بدء والمحبة في المسيح هي القوة الحقيقية التي تنمي شخصية اولادك فلا يكونون لك لأنهم ليسوا لك. هم لله فقط وعليك ان تكشف لهم محبة الله لهم بالإنجيل وترويضهم على قراءته وفهمه وان تصطحبهم الى الكنيسة لأنها هي امهم الحقيقية وهناك يذوقون لطف الله بهم ويتمرنون على محبة إخوتهم في المسيح.

الى هذا ففي بلدنا تدعوهم الى محبة غير المسيحيين الذين هم ايضا ابناء الله وإخوة لهم فيه، وافهم جليا ان ليس لنا نحن تكتل طائفي بازاء الآخرين ولكن لنا اصطفاف كنسي لنذوق المسيح وننقل اخلاقه الى كل الناس. فالعائلة هي البيئة الاولى التي يتكون منها الوطن، والوطن عندنا مكان المحبة والخدمة لكل البشر.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

أولادكم في الصيف/ الأحد 18 حزيران 2006 / العدد 25

قد يحس الولد في العطلة المدرسية انها فترة فراغ لطولها، فراغ من الدرس وراحة من الانتظام المدرسي الذي قد يكون عند بعض وطأة عليهم. أنْ يقضوا هذا الوقت دون ان يكون مجرد اضاعة لهم ودونما ضجر هذا هو السؤال الذي يواجه الأهل تربويا. ما لا ريب فيه ان الراحة يجب ان تكون نسبية لا كاملة لأن الولد اذا كان بلا انشغال انما يحلو للفكر السيء ان يدغدغ خياله.

المسألة الأولى هي هل سيبقى ابنكم او ابنتكم مع رفاق المدرسة وقد يتفرقون، ام انه يختار رفاقا جددًا ينبغي ان تعرفوهم ولا يجوز ان يدخل في عشرة طارئة لا تعرفون انتم اخلاقها. فإذا كان الولد في الموسم الدراسي في عهدة مدرسية، ففي هذا الموسم انتم وكلاؤه وحدكم. وهذه فرصة نادرة لتعرفوه ويزداد تعلقكم به. فالعطلة الصيفية ليست عطلة لكم. هي تجعلكم أكثر انشغالا بأولادكم وأقرب الى الحديث معهم فلا تستسلمون لمشاهدة التلفزيون معا فهذه ليست بتربية ولا تستسلمون للخـليوي طـوال السـهرة اذ تكونون بـذا غائـبين.

ثم تطرح مسألة البحار والجبال والنزهات. هنا لا أريد ان أضيّق حرية أولادكم. الأمر خطير أو دقيق ويجب معالجته بحكمة. مع من يسرح أولادكم ويمرحون. الصيف خطر ويحتاج المراهق فيه الى رعاية دقيقة. معاشرة الرفاق مسؤوليتكم فتدبروها.

والأهم من كل ذلك الا يكون الصيف عطلة للعقل. ليس لأولادكم فرصة ليتابعوا مناهج دراسية. ولكن عقولهم ينبغي أن تتروض كما أجسامهم. أنا لا أعرف الآلات الجديدة (الحاسوب، الانترنت) لذلك لا أستطيع أن أرشدكم كثيرًا. ولكن حذارِ أن يسهر الاولاد بعد ان تكونوا انتم ذهبتم الى الرقاد. يقال لي ان في هذا خطرًا شديدًا. وبعامة ليس من الصحة الأخلاقية ان تنهزموا من أمام حضارة الصورة ولو كانت سليمة. لا يمكن للصورة في السينما او غيرها ان تعوض عن المادة المقروءة. الموسيقى السليمة -كلاسيكية كانت ام شرقية- رياضة طيبة وتؤثر في تكويننا الشخصي. ولست أقصد بالمقروء الجرائد والمجلات السليم مضمونها، فهذه كلها لا تقوم مقام الكتاب.

الانسان المثقف وليد الكتاب من أفلاطون الى يومنا هذا. وغالبا ما يقرأ أولادنا الى العربية لغة أجنبية أو أكثر. فاذا كنتم أهلا لإرشادهم في ذلك فافعلوا هذا. ربما دلهم أساتذتهم الى بعض الكتب. وقد يكون عندكم كتب جيدة يقدرون على فهمها. وربما قدرتم ان تشتروا كتبا تليق بأعمارهم نظيفة المعنى والمرامي. ان مراقبتكم لمطالعاتهم من مسؤوليتكم. لا يتثقف الإنسان حقيقة الا اذا عرف تراث الانسانية المثقفة. لا تكفي الشهادات والامتحانات والدراسة في معاهد التدريس. المهم ان يصل كل منا الى المفكرين الكبار. وان كان هذا عمل الحياة كلها فبالدرجة الأولى يتم في سن المراهقة والشباب.

وخير الكتب ما تركه لنا الله مباشرة من فمه اي الانجيل. فليبدأ الشاب أن يتأمل فيه اي ان يدرسه كل يوم. المسيحية بلا انجيل غير عميقة، غير حارة. طالعوه مع أولادكم. هذا أنفع.

الى هذا لا تناموا صباح الأحد بل أفيقوا ورافقوا أولادكم الى الكنيسة لأن الكنيسة غذاء القلب وليس للقلب اصطياف. هكذا تحفظون اولادكم للرب وتتقدسون أنتم برعايتهم.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

وكلاؤنا/ الأحد 11 حزيران 2006 / العدد 24

لا يمارس المطران سلطة من نفسه اذ ليس لمخلوق سلطة. يمارس سلطان المسيح في إقامة الأسرار وإدارة الكنيسة. هذه أقوال آبائنا منذ البداءة. ولك ان تبدي رأيك في شخصه ورعايته في أوساط المؤمنين وبكل محبة بنوية. وإذا كان لك عليه شيء فتذهب إليه وتأتي بالأدلة، وله من رحابة الصدر ما يجعله يدافع عن نفسه أو يعتذر ويعترف بالخطأ ويقوّم الاعوجاج. وإذا عاند الحق فاذهب إلى البطريرك، وعند ذاك يحاكمه المجمع. أما إذا أشهرتَ ما تعتبره أنت خطاياه، فمعنى ذلك انك تعتبر نفسك قاضيا. وهو عنده من الحشمة والأبوة ما يمنعه من الرد عليك بالوسيلة ذاتها وأمام جمهور لا يعرف احد هويته.

ان تكشف أنت ما تعتبره عند المطران معصية أو خطيئة لإحداث بلبلة باتخاذ الجمهور حكما يعني انك تبغض الرجل. ليس هكذا يسلك أهل الكنيسة. الكنيسة فيها مراجع وليس فيها ثرثرة. بالثرثرة تهبط العزيمة ويتعرض الإنسان إلى الشك بالآخرين، وإذا أطلق المفتري افتراءه فهو يذهب بنفسه وبالآخرين إلى حكم الشيطان الذي هو الكذاب وأبو الكذاب.

الأمر الآخر الذي أود قوله اليوم وقلته غير مرة تذكير المؤمنين بقول الكتاب «لا تَمَسّوا مسحائي يقول الرب» وبالكلام الآخر: «رئيس شعبك لا تَقُلْ فيه سوءًا» (أعمال 23: 5) لأن هذا يزعزع ثقة الناس بالناس ويزرع الفتنة في الكنيسة وروح الانشقاق إلى جانب الحزن الذي تزرعه في نفس من تفتري عليه.

الشيء الثاني الذي أود قوله أننا ولو كنا لا نستعمل الآن عبارة وكلاء الكنيسة، ونحتنا عبارة مجلس الرعية، يبقى أعضاء المجلس وكلاء للمطران. وحتى لا يكون المطران مزاجيا ويعزل من يشاء، جعلنا له قانونا وهو ان يعيّن المجلس لأربع سنوات، وكان من الواضح في التشريع ان هذه المجالس مؤقتة. والقانون قبل تعديله لاحظ ان ثلث الأعضاء يترك بعد سنتين. والفكرة إذًا كانت ان أحدا لا يبقى إلى الأبد حتى يتدرب العدد الكبير من أبناء الرعية في إدارة شؤونها بإشراف الكاهن. وهذا أردناه حبا بالمؤمنين لا بغضا بمن أنهينا خدمته.

قد نستبقي عددا عند التغيير ليستفيد الجدد من خبرة القدامى، ولكن لا قبول عندنا لبقاء أي كان إلى الأبد. هذا ليس فيه نكران لصلاحه للخدمة. هذا فيه فقط تأكيد أننا نريد عناصر جديدة. في الكنيسة إنسان واحد يبقى حتى موته وهو المطران والكاهن. مع ذلك يعزل المجمع المقدس أي مطران ولكن بعد محاكمة. كذلك يعزل المطران الكاهن بعد محاكمة.

أما العلماني في مجلس الرعية فيذهب عن هذه الخدمة عندما يبتّ المطران ذهابه. ولا يتضمن ذلك انه مشجوب. يبقى أخا محبوبا، حياته المسيحية هي خدمته للرعية. هناك مسؤولية عظيمة لكل منا تأتيه من معموديته، ولكن ليس لأحد حق بأن يكون مسؤولا ماليا أو كاتبا أو ذا وظيفة في مجلس رعية.

وإذا صار خبيرا في شيء فيُطلب رأيه دون ان يحمل لقبا. الشغل لا يتوقف على انتماء شخص إلى مجلس رعية. ونحن لا نكون ذممنا أحدا أو أنقصنا أهميته عندما نضع أحدا آخر مكانه. نكون فقط تأملنا خيرا من الإنسان الجديد الآتي.

فسَّرنا هذه الأشياء قديما، وأرجو الا يجلب احد عليّ اتعابا كما قال بولس الرسول. جاء الوقت لكي لا يتعبني احد. لماذا لا تسير أمورنا كلها «بلياقة وترتيب» كما يقول الرسول أيضا حتى ننصرف إلى الأشياء العظيمة ولا نبقى في التذمر؟ ماذا يمنع ان نكون جميعا ودعاء، لطفاء على صورة المعلّم الإلهي؟

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

قداس الأحد/ الأحد 4 حزيران 2006/ العدد 23

أنت مدعو الا تكون مزاجيا في موضوع القداس. قد لا تفهم كل ما يجري صباح الأحد في الكنيسة. قد لا تدرك كل المعاني. هذا أمر يمكن درسه في كتب تُفسّر القداس الإلهي أو إذا سألت كاهنا فهيما. إذا صرت محبا للخدمة الإلهية وكانت طيّبة لديك لا تتعب، وكلما زاد فهمك يقلّ تعبك ويزول ضجرك.

إذا كان لقاؤك مع المسيح ضعيفا فهناك يقوى اللقاء. قد تقول لي اني أصلي في بيتي، ولكن اللقاء الأعظم الذي يريده السيد هو الذي دعاك إليه بقوله لكل الأجيال وأنت منها: خذوا كلوا، هذا هو جسدي، واشربوا منه هذا هو دمي. وهو القائل: من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه. وأقوال كثيرة مثل هذه تدلنا اننا لا نحيا حياة عظيمة ما لم نشترك بهذه المائدة الإلهية المعدّة أمامنا صباح كل أحد.

لا تَقُلْ: القداس طويل. إذا لم تعتبر الصلاة السَحَرية، فيبدأ القداس بـ«مباركة هي مملكة الآب…». وإذا عرف الكاهن والمرتل ألا يمدّا الترتيل مدّا كثيرا، ينبغي ان ينتهي القداس في ساعة واحدة. أنت لا تتعب بسبب الامتداد. أنت قد تتعب بسبب الضجر الذي يمكن ازالته بالدراسة والوعي.

إلى جانب لقائك مع المسيح، لقاء مع الإخوة الذين يصيرون كيانا واحدا يوم الأحد باقتبالهم الأسرار الإلهية. وفي هذا قال بولس: «فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد» (1كورنثوس 10: 17). هذه مناسبة لتغفر لمن أساء إليك وتستغفر وتنمو في الطهارة وتقوى أمام المحن والصعاب.

قد تجد حولك من ليس عظيم التقوى، وقد لا تكون معجبا بالكاهن. أنت علاقتك مع المسيح وتتناول من يديه. في الظاهر يناولك الكاهن، وفي الحقيقة يعطيك السيد جسده ودمه الكريمين.

وإذا كنت متكاسلا في قراءة الإنجيل، ففي الكنيسة تسمعه وربما أثّر فيك كثيرا ونهض بك وحوّلك تحويلا جذريا. ولعلك سمعت تراتيل كثيرة ولكن قد تدخل جملة واحدة من الإنشاد قلبك للمرة الأولى. ربما تَحَّرك قلبك بكلمتين أو ثلاث وصرت إنسانا جديدا. لا تهرب من ان تصير إنسانا روحيا. ربما لم تحلم بهذا وأردتَ نفسك عاديا في الفضيلة. ربما صرت روحانيا كبيرا بانتباهك بعمق إلى المسيح كما لم تنتبه إليه في الماضي. هل تخاف ان تصبح قديسا؟

لماذا لا ترتمي في حضن يسوع كالتلميذ الحبيب في العشاء السري؟ طالما هو أراد ان يقربك إليه بهذه الوسيلة، لماذا تتردد وتقنع نفسك ان لديك وسائل أخرى لتتقرب إليه؟

إذا كنت موسميا كالبعض، فجرب ان تنتظم في الخدمة الإلهية عدة أسابيع تَرَ انك صرت محبا لكلمة الله ومشتاقا ان تتناول جسد الحبيب ودمه وتكون قد أحسست بمحبته لك فيرتفع مستوى محبتك له. اذا لم تأتِ إلى يسوع تكون قد تركته وحده. هو يريد كل أحبائه له. لا يريدهم ان يناموا في الكسل وفي تركيب ديانة لأنفسهم في خيالهم. هو قال لنا ما علينا ان نفعل لنكون شركاءه. ألم تقل بضع مرات في طفولتك: «اقبلني اليوم في عشائك السري يا ابن الله»؟ اذهب إلى كنيستك وقلها مرة أخرى.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

ارتفاع النفس إلى الله/ الأحد 28 أيار 2006 / العدد 22

لا ترتفع النفس من ذاتها إلى الله الا إذا سكنها الروح القدس. هو فيك يخاطب نفسه مع الآب والروح. الصلاة حركة نزول إلهي إليك ثم حركة صعود. هذا ما فعله الابن إذ نزل أولا ثم صعد.

الله ينزل إليك مباشرة بالروح الإلهي ولكنه نزل إلى البشرية جمعاء بالإنجيل. والإنجيل هو فكر المسيح ويحتوي على كل ما يمكنك ان تعرفه عن أسرار الله، تلك التي كشفها لنا. والإنجيل يصل إليك إذا قرأته ودرسته ومحّصته. والى استماعك إليه في الكنيسة يأتيك في الصلوات المختلفة والتراتيل لأنها تعبّر عن الإنجيل. أنت مع هذا الكتاب سواء أصليت مع الجماعة أو صليت وحدك لأنك إذا وقفت في بيتك أو في الشارع أو في السيارة فأنت تتلو بالدرجة الأولى صلوات من الكنيسة طُبعت في السواعي. وإذا صليت وحدك فأنت قائم روحيا مع الجماعة.

ولكن قد تقوم بدعاء بسيط وليس بصلاة كاملة. تقول مثلا: «يا رب ارحم» أو تقول: «يا رب، يا يسوع المسيح، يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ». حتى إذا تلوت أدعية قصيرة كهذه تبقى في الروح واقفا مع الجماعة.

ولكن المهم ان تكون واقفا في حضرة المسيح سواء أكنت تشارك في خدمة إلهية أم تصلي منفردا. أحيانا تكون مأخوذا بأداء الطقوس وهي عندنا أساسية. ولكن أحيانا يطغى النغم على الكلمات فلا تبقى الكلمات مفهومة. يحتاج المؤمن إلى انتباه كبير لكي يبقى مسمّرا على المعاني لأنها هي التي تجعلنا في حضرة المسيح. العبادات الطقسية قصد فيها ان تكون تجليات للسيد. حذار من ان تجعلها أنت حاجبة لحضرته.

التجميل المفرط للصوت والتسابق بين المرتلين يلهيان عن المسيح. ان كنا حقا نطلبه فهو يصل إلينا بصوت رخيم وصوت قبيح. ينبغي ان نستقل عن طغيان التعابير لنلازم الجوهر. ليس من لقاء في المعابد أو في الدعاء الفردي الا مع المسيح.

في الكنيسة أنت لا تحدق بالمؤمنين الذين هم أمامك والى جوانبك. كل منا متّصل بربه. اجل نحن مشتركون مع الإخوة بالصلاة الواحدة والقربانة الواحدة، ولكن هذا الاشتراك لا يعني اننا كتلة ذائب بعضها ببعض. أنت ملتصق بالسيد فقط وعنده تلقى الإخوة.

يجب ان تفهم ان الصلاة -جماعية كانت أو فردية- تتطلب مراسا كبيرا أي زمنا طويلا لتفهم كل احد ما فاتك في الآحاد السابقة. في كل ذبيحة أنت تكتشف المعلّم، ترى وجهه أبهى. تمر بك جمل كثيرة مرورا عابرا. ثم فجأة تتوهج هذه الجملة بعد ان كانت مطفأة. لذلك لا تستفيد كل الاستفادة ان لم تواظب. على هذا المنوال الصلاة الفردية. ان لم تواظب عليها كل يوم لا يمكن ان تتلوها بالدفء نفسه. لا يقوى الشوق إلى يسوع إذا انقطعت صلاتك. لا يمكن ان تجد المسيح ونظامك الإهمال.

وإذا أخطأت لا تترك صلاتك بسبب قرفك من نفسك. بالعكس ظرف الخطيئة هو ظرف الرجوع إليه. ولا رجوع إليه الا بمخاطبته بالكلمات التي تعرفها أو الكلمات التي تؤلفها. الصلاة معاشرة بين المؤمن وربه. هو يحبّك دائما ويودّ ان تخاطبه لأنك تستفيد أنت من هذه المخاطبة. الصلاة هي السبيل الوحيد حتى لا تنسى السيد.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

المرأة السامرية/ الأحد 21 أيار 2006 / العدد 21

يسوع في طريقه من اليهودية الى الجليل كان لا بد له ان يجتاز منطقة السامريين الذين كان اليهود يكفّرونهم لأن دماءهم اختلطت بالدم الأجنبي ولم يعترفوا بكتب الأنبياء معترفين فقط بأسفار موسى الخمسة وما كانوا يعتبرون أورشليم مركزا للعبادة.

وصل السيد الى بئر يعقوب القائمة حتى اليوم في حمى كنيسة أرثوذكسية قرب نابلس الحالية، وهي مدينة لا تزال هذه الطائفة فيها وهي لا تعد أكثر من ثلاثمئة شخص في فلسطين والمهاجر.

تعب يسوع من السير فجلس عند هذه البئر عند الظهر. فجاءت امرأة سامرية لتستقي ماء فقال لها الرب:”أعطيني لأشرب” اي من دلوك. فاستغربت ان يكلّمها وليس بين اهل الطائفتين كلام، وذكّرت المرأة يسوع بهذا. حدّثها عند ذاك عن ماء حي غير ماء البئر ويريد به ماء الحياة الجديدة بالايمان به. فلم تفهم فأصر بقوله:”من يشرب من الماء الذي أنا أعطيه فلن يعطش الى الأبد”(في موضع آخر سيقول الخبز السماوي). هذه كلّها صور يدل بها على نفسه وعطائه.

لما طلبت منه أن يعطيها هذا الماء قال لها: “اذهبي وادعي رَجُلك” (لم يقل زوجك لأنها عاشت مع خمسة رجال وتعيش الآن مع رجل). لم يرد إكمال حديث ديني عالي المستوى قبل أن تتوب. اعترفت، اذ ذاك، على أنه نبي. بادرت بمناقشة لاهوتية عن مكان السجود:”آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن المكان الذي ينبغي أن يُسجد فيه هو في أورشليم”. تجاوز السيد تقاليد اليهود وتقاليد السامريين بآن وقال: “تأتي ساعة وهي الآن حاضرة اذ الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق”. وأكد هذا مرّة ثانية. وكأنه قصد ان هذه الطقوس القديمة التي لليهود وطقوسكم انتم السامريين وتمركز كل فريق في مكان سوف تزول لأنها ظل للنور الآتي. واذا وضح النهار (بمجيئي، بموتي وقيامتي) فتزول العبادات القائمة على رموز، ويعبد المؤمنون بي الله بالروح، بروحهم المتجددة بالنعمة، فإن نعمة الروح القدس ستجمعكم ولا تبقى كل طائفة منكم تجمعا اجتماعيا او أمّة لأن الامم كلّها ستفنى في الأمة المقدسة التي أنشئها أنا بدمي وقيامتي وإرسال روحي.

بعد هذا قالت المرأة أن المسيح سيأتي ويخبرنا بكل شيء. عندئذ، أعلن يسوع عن نفسه أنه هو المسيح.

بعد أن آمنت المرأة أن هذا الرجل هو المسيح تركت جرّتها وقالت هذا للناس. تركت جرتها، تعني أنها تركت كل ما هو لهذا الجسد، للعالم وذهبت وبشّرت وصارت خليقة جديدة. صارت طبيعتها من طبيعة النور.

أضاءت منطقتها بضياء المسيح الذي صارت هي منه. غيّر يسوع برنامج مسيرته. مكث عندهم يومين. بشر هناك بالانجيل اذ يقول الكتاب أن الكثيرين منهم آمنوا به وآمنوا أنه بالحقيقة مخلص العالم. وكان هذا تمهيدا لمجيء الرسل الى السامرة بعد ان قام من بين الأموات.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

المسيحي الملتزم/ الأحد 14 أيار 2006/ العدد 20

من قبل ستين أو سبعين سنة من اليوم كان بعض الأرثوذكسين في مجالسهم ينتقدون الإكليروس انتقادا مرا وما كنت اسمع أحدا يلوم نفسه. هذه الظاهرة، ولو خفت صوتها، الا انها لا تزال قائمة لأن الإنسان يميل إلى الاعتقاد أن التقصير في حياتنا الكنسية يقع فقط على الآخرين، وأن تحسُّن الوضع الكنسي يأتي من إصلاح الآخرين لأنفسهم، حتى قامت شبيبة تقول أنا سأسعى أن أصلح نفسي وان أفهم أكثر مما كنت افهم، وان أدرس العقيدة الأرثوذكسية وأعلّمها الآخرين، وإذا تحسن الناس من اجل المسيح سينقلون حماستهم إلى الآخرين. قالت هذه الشبيبة: «أنا أطالب نفسي، والبهاء الروحي الذي ينزل عليّ سوف ينتقل بالقدوة». وإذا أحس بعض أحساسا كبيرا بالمسيح سيصير منهم كهنة ومطارنة ورهبان.

هكذا تبدأ كل نهضة صحيحة. غير أن الذين أنهضتَهم أنت قد يسقطون أو يفترون أو تنطفئ حماستهم بهموم الحياة فلا يبقون تلاميذ نشيطين للمسيح يسوع. وعليك إذًا أن تكمل الطريق وأن تعطي مَن فتر حماسة فقدها وأن تبثّ في مَن تكاسل حيويّة جديدة.

التجديد في الكنيسة أو الإحياء عملية دائمة، وأنت لا تطمئن إلى ان من دعوتَهم بلهفة وحرارة سيظلّون على اللّهفة والحرارة. وقد يصير احدهم كاهنا أو في مرتبة أعلى فيقع في الفتور أو الإهمال ولا يصبر على الجهاد أو يتدنس بإغراء المال أو غير المال. ليس أحد منا مضمونا حتى نهاية عمره. ولا تبقى كتلة بشريّة متماسكة إلى الأبد بما تجلّى لها من جمالات. فيترك هذا ويبقى ذاك وينفرط العقد. لذلك قال صاحب المزامير: «لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر الذين ليس عندهم خلاص».

أنت تكون قد وضعت في رفيق لك أملا. ثم تلحظ انه تراجع أو سقط فلا تبقى فيه الشعلة الأولى. أنت لا تستطيع ان تضع رجاءك كاملا في أي إنسان. لك ان تستعد للسقوط الذي يقع فيه مَن ناضل معك في الكنيسة وكان عظيم العطاء. لك أن تبكي وتتحسّر، ولكن ليس لك أن تيأس لأن نجاح الإنجيل ليس متوقّفا على واحد في هذا العالم وليس مرتبطا بكتلة أصحاب تجنّدوا معا ثم ابتعد هذا أو ذاك.

أنت ولاؤك للمسيح ولأيّ شخص غير مرتكز على تجمّع أشخاص. لذلك عليك أن تعتبر أن الكنيسة قائمة عليك وحدك وأن يسوع يضع هو أمله فيك وإن تبدّد الجميع.

«على هذه الصخرة سأبني كنيستي». هذا كلام موجّه إليك. أنت المؤمن بيسوع إيمانا كليّا والخاضع لكلمته صرت صخرة الكنيسة كلّها. ولكنك لن تبقى صخرة الا إذا درست الإنجيل درسا وافيا وقرأت الكثير عن المسيحيّة وقمت بالعبادات في الكنائس وأحببت وتطهّرت وغفرت ونشرت الرسالة كل يوم حولك.

عندئذ يغلي الفاترون وينهض الساقطون وتتجمّعون من جديد على حب يسوع وتتكتّل هممكم بعد ان استرخت. النهضة مشروع دائم. متصدع من وقت إلى آخر. أنت الذي لم تنقطع عنك كلمة الله عليك بتجديد البناء.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

العجائب/ الأحد 7 أيار 2006 / العدد 19

الأعجوبة الكبرى هي انتصار السيد على الموت. وكل شفاء، إنما هو نوع من تكرار الفصح لأن كل مرض طريق إلى الموت أو شيء من الموت. كل شفاء حضور ثانٍ للمسيح في جسد المريض. وقد لخّص يسوع رسالته هكذا: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر المساكين ولأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر».

مع كل هذا كان السيد يضع الأعجوبة في المرتبة الثانية بعد الكلمة الإلهية، هكذا لما أطلق التلاميذ إلى العالم قال لهم: «اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها». حتى قال: «هذه الآيات تتبع المؤمنين الذين إذا شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون» (مرقس 16: 15-18).

شيئان متلازمان للشافي وللمشفي: الإيمان وعمل الشفاء. وهذا كثير في الإنجيل.

بعد القيامة أخذ الرسل يشفون، مثلا شفاء بطرس ويوحنا للأعرج (أعمال الرسل 3). نلاحظ في العهد الجديد امتدادا من عمل يسوع إلى الرسل. بعد عهدهم لاحظنا أن الكنيسة تسمّي بعض القديسين صانعي عجائب (نقولاوس، اسبيريدون مثلا). لا تقول كنيستنا أن كل قديس بعد موته صنع معجزات. الرب يخص البعض بهذه الموهبة. هذا يدل على اننا نقتبل فاعلية القيامة.

ثم في الكنيسة نفسها سر قائم من أجل الشفاء وهو سر مسحة المرضى. من المحزن ان أحدا لا يمارسه في الكرسي الأنطاكي (ربما لفقدانه الفعلي، رتبت الكنيسة أن يقام هذا السر لمنفعة الجميع يوم الأربعاء العظيم).

في فكر المسيح أن الشفاء علامة مجيء الملكوت. لذلك كان تعظيم الألم مسلكا غير مبني على شيء. عودا إلى الأعجوبة أو الشفاء من مرض عادي، نطلبهما خوفا من ان يتحكم بنا الخوف، وثانيا لأننا نؤتى في العافية علامة من الملكوت.

في معتقدنا الأرثوذكسي ان ما يسمى النواميس الطبيعية ظهر بعد الخطيئة. فإذا اخترق الله الناموس الطبيعي إنما يعيدك إلى الوضع السابق للخطيئة.

مهما يكن من أمر، الله حر ولم يقيّد نفسه بنواميس الطبيعة. يشفي الأعمى بطريقة لا يعرفها الطب. يدخل مباشرة مسيرة حياة المريض وينتشله من حزنه حنانا. الحنان هو ما دعا يسوع أن يخلّص المرضى.

لا نعرف لماذا هذا الشخص يشفي، وذلك لا يشفي. كاهن يتلو صلاة، وكاهن آخر يتلو الصلاة نفسها. واحد يقوم بدعاء الكاهن الأوّل ولا يقوم بدعاء الكاهن الآخر. يبقى ان واجب الكاهن ان يضع يده على رأس المريض.

غير ان الدعاء ليس محصورا بالكاهن. يمكن للملتزم الحياة الروحية إذا عاد مريضا أن يصلي معه أو أمامه أو ان يجتمع بعض الإخوة ليصلّوا.

تبقى تعزية المريض وإرشاده بكلمات يسوع وتهيئة المريض لاحتمال أوجاعه ولكن دائما بكلمات المخلّص وقراءة الإنجيل. هذا يجب ان نهتم له كثيرا لأن الإنسان المعافى بكلمة الرب قد يصير تقيا عظيما.

وعلى المصاب أن يقبل وضعه وان يسلّم أمره إلى الله الذي يعرف وحده ما ينفع الإنسان المصاب. في كل حال ينفعه دوام ادعيته وهي دائما للخير أكان الخير منظورا أم غير منظور.

اذكروا قول السيد: «كنتُ مريضًا فعدتموني». في جسد المريض الملقى على فراشه يسكن المسيح ونحن نوقظه ويتخذه المريض في وعيه إذا ذكرنا المسيح باسمه وقرأنا كلماته أو رتلنا أناشيد الظفر. المريض ينتظر قيامته.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

احد توما/ الأحد 30 نيسان 2006 /العدد 18

الأسبوع الجامع بين الفصح واحد توما الذي نحن فيه انما يدعى اسبوع التجديدات حيث يتجدد قلب المؤمن بترتيله الفصحيات وعيشه روح القيامة. وهذا باق حتى الصعود بأناشيد فصحية مختلفة وكأن هذه الأربعين يوما يوم واحد. ولا نعجبنّ من هذا فإن كل احد في عباداتنا هي فصح مصغر لأن قيامة المخلص مذكورة بصراحة من الغروب الى القداس. وهذا يوضح ان الكنيسة الأرثوذكسيّة مركزة على القيامة باعتبارها كشف الخلاص الذي تم على الصليب.

ثم في كل هذه الفترة الأربعينية التي تلي الفصح القراءات الإنجيلية هي من بشارة يوحنا الذي يركز اكثر من البشائر الثلاث الأولى على ألوهية السيد وانتصاره على الموت في الجسد.

اما اليوم المسمى احد توما فيدور الحديث فيه عن ظهور السيد للتلاميذ المجتمعين في العلية مرة أولى مساء القيامة ومرة بعد ثمانية ايام، اي في الأحد الذي يلي الفصح. في المرة الأولى يعطيهم السيد السلام

الذي أتى مـن الخلاص فلا يخافون مـن اليهـود، ويعطيهم القوة ان يغفروا الخطايا لأن هذا هو الخلاص، ثم يقول الكتاب ان توما الرسول لم يكن معهم المرة الأولى وأعلن لهم شكه: “إن لم اعاين أثر المسامير في يديه وأضع اصبعي في أثر المسامير واضع يدي في جنبه لا اومن”.

طبعا لم يكن سهلا على انسان ان يؤمن بأن ميتا يقوم مع ان المعلم تنبأ بهذا ثلاث مرات. كان هذا شكا بكلام يسوع فيما كان مع تلاميذه. لذلك عند الظهور الثاني وبخه الرب: “لا تكن غير مؤمن”. مع ذلك تنازل الى شكه ودعاه ان يلمس يديه اللتين كانتا مسمّرتين وجنبه الذي كان مطعونًا. هل لمس توما المواضع التي كانت مجروحة في جسد الرب؟ لسنا نعلم. ما نعلمه قول توما ليسوع: ربي وإلهي. هاتان الكلمتان في الأصل اليوناني وردتا في صيغة المعرفة بحيث لا يدع الكلام شكا ان توما آمن بيسوع انه هو الرب والإله.

يتضح من هذا الفصل الإنجيلي ان الذي رآه التلاميذ هو اياه الذي مات على الصليب. اي لم يكن هناك شبح ولم يتخيل التلاميذ شيئا. هذا هو المسيح المجروح. وجاء شك هذا ليدعم اعتقاد التلاميذ هذا. يسوع يظهر ثانية مع الجراح ليس فقط ليؤمن توما ولكن لنؤمن نحن ايضا. لذا نستطيع ان نقول ان شك توما، وان استحق له توبيخ السيد، انما صار يقينا عندنا. هذا الظهور ناطق وفصيح ويزداد ايماننا بالسيد القائم بفضل توما الرسول ويقوى ايماننا بألوهية السيد المعبَّر عنها بأفصح طريقة في كل الإنجيل: “ربي وإلهي”.

لا تقول المسيحية: آمن كيفما كان لمجرد انك سمعت. تقول: كان هناك شهود وهم شهدوا في كتب تركوها لنا. انهم سمعوا ورأوا ولمسوا وآمنوا. وثمارهم حياتهم المقدسة وملايين من الشهداء الذين أهرقت دماؤهم في سبيل من آمنوا به انه قام من بين الأموات. لذلك نؤكد خلال اربعين يوما: المسيح قام. جعلنا هذه الكلمة تحيّتنا لتصبح سلاما عند من سمعها، فيجيب متعزيا: حقا قام.

Continue reading
2006, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح/ الأحد 23 نيسان 2006 / العدد 17

موت المسيح وقيامته هي مضمون إيماننا ومحوره. وقد عبّر بولس عن هذا بقوله الى أهل كورنثوس: “سَلّمتُ إليكم قبل كل شيء ما تسلّمته أنا أيضًا (أي من المؤمنين الأوائل مثل حنانيا الدمشقي) وهو أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب أي موافقًا النبوءات التي وردت في العهد القديم وأنه قُبر وقام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا (بطرس) ثم للإثني عشر وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ”.

يروي الرسول رواية الخلاص بطريقتين أنها فحوى إيماننا أولا وأن إيماننا هذا ثابت بالشهود. لا نعلّم فقط عقيدة ولكن ندعم عقيدتنا بأنّ لها أصولا عند ناس كانوا شهودا لوقائع. ثم يدعم بولس تعليمنا عن قيامة الجميع بكونها مؤسسة على قيامة المخلّص: “فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام”. نحن نتعامل مع عقيدة لأننا نتعامل مع حدث. قيامة يسوع أساس كل كرازتنا ودعامة لرجائنا الحياة الأبديّة.

ثم تأتي قيامة المخلّص ينبوعًا لسرّ أساسيّ وهو المعموديّة وفي الرسالة الى أهل رومية يبيّن بولس أننا نتعمّد لنحقّق في جسدنا أننا كنّا في الرب يسوع لمّا دُفن وأننا كنا معه أو فيه لمّا قام من بين الأموات ولكوننا كنا كذلك نسلك في حياة جديدة فلا تسودنا الخطيئة فيما بعد.

في الحقيقة إن قيامة المخلّص من بين الأموات كشف للنصر الذي تم له وهو على الخشبة. هناك كمُل كل شيء لأن حياة المسيح بموته دخلت العالم وتمجّد ابن الانسان وتمجّد الله فيه. فاعليّة الخلاص كانت كاملة فوق الصليب وأخذناها لما خرج روح يسوع الى العالم وهو معلّق على الخشبة. ولكن كان ضروريّا أن يظهر النصر اذ “لم يكن ممكنا أن يُضبط عنصر الحياة في البلى”. وكان يجب أن يقال هذا النصر بقوّة البشارة بعد أن قيل بكون جسد المسيح لم ينتنْ. تلك هي بلاغة القيامة.

وتحقّقت البلاغة لما ظهر للتلاميذ مرات عديدة ففهموا أنّ ربّهم حي أي أن جسده غلاّب للموت.

بعد أن وعينا هذا وآمنا به تهون كل المصاعب. فالمرض مغلوب مع الأوجاع، والموت مغلوب مع الحزن الذي يهيء له. لم يبقَ هذا العالم وادي البكاء. صار مدى الفرح والتعاون والحب وبات الجريح والمكسور والذي دخل الموت بيته، يتعزّى بالإخوة الذين حافظوا على نعمة المسيح وصاروا قادرين أن يسندوا الإخوة الضعفاء.

من أجل ذلك أتمنّى الّا يتكلم أحد بعد اليوم على رسالة الألم. الفرح وحده ينقل رسالة. لا نطلبنّ وجعًا لأجسادنا. هذه الدنيا مليئة بالأوجاع. لنسأل للناس جميعا الشفاء ونعمة الصبر ان لم يغادرنا الألم.

لقد جاء المسيح ليحرّرنا من الفقر، من كل نقص في الجسد وفي النفس، ليجعل لنا عائلات سعيدة تبتسم لكل عطاء تؤتاه. لا ننسَ يا إخوة أن الروحانيّة المسيحيّة روحانية فصحية وأن يوم الجمعة العظيم، يوم ينبلج فيه الفصح. نحن لسنا أبناء المأساة. نحن أبناء الملكوت الآتي الذي يزول فيه كل حزن وغمّ وتنهّد وحيث أجواق المعيّدين ترتل دوما: المسيح قام.

Continue reading