روايات التجلّي في متى ومرقس ولوقا متشابهة جدا. تجلّى يسوع أمام التلاميذ الثلاثة الذين اصطحبهم الى الجبل. أضاء وجه السيّد كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. المهم في هذا الحدث أن الإنجيليين لا يتكلّمون عن نور سقط عليه من الشمس فتأثيرها واحد على كل الناس. عقيدتنا الأرثوذكسيّة تقول إن هذا النور خرج من داخل يسوع، من كيانه على جسده وثيابه. اي إنه النور الإلهي غير المخلوق الذي ينزل على القديسين في هذه الأرض ويشعّ عليهم من الله اذا غلبوا أهواءهم وصاروا الى الصفاء الكامل او الى الهدوء لأن مصادر الشهوة التي في الإنسان إن انقطعت عنه يدخل في سكينة الله ويصير من الهدوئيين.

الشيء الثاني الذي أراد الإنجيل تبيانه ان موسى وإيليا تراءيا له على الجبل. هذان النبيّان اقتربا من الله كثيرا ولكنهما لم يشاهداه وفق قول الكتاب: “الله لم يرَه أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” (يوحنا 1: 18). الآن على جبل التجلّي رأى النبيّان وجه الله على وجه يسوع. شاهدا الإله متجسّدا.

دخل موسى وايليا سحابة المجد التي كانت تحيط بالمعلّم. مرقس ولوقا ينفردان بالقول ان النبيين دخلا سحابة المجد التي كانت تظلّل المسيح. غير أن لوقا ينفرد عن الجميع بقوله ان موسى وايليا “تكلما عن خروجه الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم”. وكلمة خروج هنا تعني الآلام. تكلّم موسى وايليا ليس عن المجد الذي كانا فيه مع السيّد المبارك ولكن عن الآلام التي هي مجده الحقيقي. هذا يقوله انجيل يوحنا مرارا حيث ساعة المجد تعني ساعة الصلب.

نجيء من هذا لنقول في الظرف العصيب الذي يعيشه بلدنا انه ينبغي ان نفهم آلام المواطنين جميعا ولا سيما الفقراء والمهجّرين يستطيعون ان يحولوها اذا كانوا مؤمنين الى تجلّيات بالروح. اذ الحزن عند المؤمن يتحوّل فرحا لأنه بالمسيح يغلب الانسان أحزانه ويتحرّر من وطأة فقره.

ومَن تهجّر من بلدته او قريته انما يهاجر الى الله لأن الله سكنانا بعد ان حلّ الابن في بشريّتنا وصار هو فقيرا. ففي بدء مسيرته على الأرض تهجّر يسوع مع مريم ويوسف عندما قرر هيرودس قتل الأطفال في بيت لحم وضواحيها. وفي حالات الضيق التي عاناها، او لمّا كان يعتزل تلاميذه، كان – في انسانيته المباركة – يصلّي الى الآب. هجرة عن الناس الى وجه الآب.

وكان يسوع غريبا في قومه. ألسنا نرتل يوم الجمعة العظيم: “أعطني هذا الغريب”. المهم دائما في حالة العزلة والقمع والاضطهاد والحرب التي لا يعرف احد متى تنتهي ان نطلب نزول النور الإلهي علينا وانسكاب النعمة في قلوبنا حتى ننظر الى وجه الله فلا نسكن الى وجه آخر وقد لا يكون قد بقي لنا مسكن على الأرض او نكون فقدنا عزيزا.

فاذا عيّدنا اليوم للتجلّي فلنتذكّر الفقراء والذين غيّبهم القهر عن منازلهم او دمرت منازلهم ليحسّوا بفقرهم الى الله وهم اليوم في كل مكان من لبنان في موآساة المحبين افـرادا كانوا ام مـؤسسات. الى اية فئة او دين انتموا هم يبيتون في المسيح الذي يحمل أوجاعهم حتى يقصّر الرب الزمان الرديء ونحيا في الرضا.