Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الغفران/ الأحد 14 شباط 2010 / العدد 7

هذا اليوم المدعو أحد الغفران، الرسالة فيه تنهينا عن الرذائل بما ان «الليل قد تناهى واقترب النهار». ماذا أراد بولس بهذه العبارة؟ هل قصد مجيء المسيح الثاني، ذلك المجيء الذي نستقبله بسلوك نورانيّ؟ هذا القصد لا يمنعنا أن نرى النور آتيا الينا بالصيام. تذكرون أن الكاهن في القداس السابق تقديسه عندما يُظهر شمعة للمؤمنين مضاءة يقول لهم: «نور المسيح مضيء للجميع».

ذكر الرسول بعض الخطايا ولو أراد ان نجتنب كل الخطايا، وحتى نترفّع عنها قال: «البسوا الرب يسوع المسيح ولا تهتموا بأجسادكم لقضاء شهواتها».

اما الانجيل الذي انتقيناه من اسم احد الغفران فيقول في البدء: «إنْ غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي ايضًا»، وكأنه يقول ان اتصالك بالرب يتم في هذه المسألة باتصالك بالقريب، بكل آخر. انت لا تغفر لأنك تظن ان هذا مسّ ما تسمّيه كرامتك او آذاك اي انك تعتبر نفسك شيئا والكتاب يقول لك: «من ظنّ نفسه شيئا فهـو لا شيء». اذا أضرّك أحد أو شتمك أشفق عليه وصلِّ من أجله لكي يرفع عنه ربّه هذه الخطيئة وأحطه بحنانك لكي يُشفى من خطيئته. ما دمت غاضبًا تؤذي نفسك وتؤذيه. حاول الهدوء وتصرّف معه بهدوء، وهكذا تُروّض نفسه على السلام. واذكر ان الرب يسوع غفر للذين قتلوه على الصليب. الذي يسبّك او يسرقك هو مثلهم لا يعلم ماذا يفعل اي ما ينفع نفسه.

بعد هذا يتكلّم الرب عن الصوم وكيف يجب أن نتممه بفرح لأنه صوم لله اي انشداد من لذة الطعام الى لذة التقوى.

وأخيرا يقول: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض». اولا الصوم مناسبة للإحسان. هكذا كان في بدء المسيحية. يحرم المؤمن نفسه من الطعام ويعطي ثمنه للمساكين. الصوم وقت مشاركة. بالمشاركة نصير إخوة، وكإخوة نتناول جسد المسيح. لا يشترك الإنسان بدم المسيح منفردا عن الإخوة. يأخذ الجسد وهو متّحد مع كل أعضاء الكنيسة الحاضرين والغائبين.

يقول السيد: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». المال للجيب والمصرف وليس للقلب. تستعمله للخير، لعائلتك والمحتاجين. اذكُرْ قول المزامير: «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد». انا ما قلت لا تعشْ بيُسر يمكّنك من سد حاجات اهل بيتك. ولكن ماذا ينفعك فعليا الغنى الفاحش بعد أن تكون قمت بكل واجباتك تجاه اهلك وأدخلت اولادك الى الجامعات واقتنيت بيتا او قصرا. اذا بقي عندك ما يفيض على اليسر، ماذا تنفعك المتع الكبيرة الفائقة التصوّر. هذا حق للفقراء عليك، فإن قلبك يعظم بالعطاء ويفرح اذ تكون خففت عن الإنسان الآخر وجع الفقر او العوز وجعلته يحسّ بأن الله يفتقده بواسطة انسان آخر. كثيرون من الناس على شيء من البحوحة. هذا مال الله: انت مؤتمن على هذا المال. الله وحده مالك السموات والأرض. هو سلّم اليك شيئا من هذه الأرض. اجعل الآخر شريكك بمحبة الله بسبب ما يصل اليك منه.

غاية هذا الصوم الفرح الذي سيقوله الفصح. شيء من الفرح يتم بالغفران وشيء يتم بالإحسان. اذهب الى قيامة المخلّص بعد ان تكون أتممت شيئًا يرضيه.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة/الأحد 7 شباط 2010 / العدد 6

هذا هو أحد مرفع اللحم أي الذي نرفع بعده (يوم الإثنين) اللحم عن الموائد، وأُسّس هذا الأسبوع تمهيدا لدخول الصيام الكامل بعد أسبوع. ويُسمّى «أحد الدينونة» اذ نقرأ فيه إنجيل الدينونة كما ورد في متى. الحديث عن الدينونة يصوّر المسيح جالسًا على عرش مجده وحوله الملائكة القديسون ليقوم دائنا للجنس البشريّ، ويميّز، عند ذاك، الأبرار والأشرار، ويسمّى الأبرار خرافًا والأشرار جداء، بالنظر الى لونَي هذه الحيوانات. «ويُقيم الخرافَ عن يمينه». واليمين عند الشعوب الشرقية صورة عن التكريم، واليسار صورة عن الغضب.

بعد هذا يصوّر الإنجيلي حديثا بين يسوع والصالحين، وحديثا آخر بينه وبين الخطأة. للأولين يقول: «تعالوا يا مباركي أبي، رثوا المُلك المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم». أعدّ الله المُلك للذين يعرف مسبقا أنهم يستحقّونه بسبب أعمالهم الصالحة وليس لأنه شاء اعتباطا منه وتعسفا او بصورة كيفية أن يجعل ناسا في الملكوت وناسا في جهنّم. هذه الفكرة كانت منتشرة عند بعض المسيحيين اللاتين وكثيرا عند البروتستنتيين التابعين لمذهب كالفين Calvin الى أن تخلّى هؤلاء عنها في القرن التاسع عشر. نحن موقفنا أن الله ينظر مسبقا الى عمل الإنسان الذي يقوم به بحريته.

الى الصالحين يقول: «كنتُ جائعا فأطعمتموني… وبقية الأعمال الصالحة (عطشتُ فسقيتموني)». هنا يوحّد المسيحُ نفسه مع الجائع والعطشان والعريان والمريض والسجين، فكأنه كان هو جائعا في الجائع ومريضا في المريض وسجينا في السجين. يدمج السيد نفسه بالمحتاج الى خبز او كساء او تعزية. أنت إذا أردت أن تُقدّم شيئا للسيد قدّمْه للناس لأن يسوع جعل نفسه واحدا مع الناس. هو فيهم، وخِدمتك لهم خدمة له.

للخطأة يقول: «اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الأبدية». هنا تأكيد ليس على وجود نار حسيّة. هذه صورة. ولكنه تأكيد على أن عذاب الأشرار في اليوم الأخير انصراف عن وجه الله. الله موجود امام الأشرار، وهم في حضرته، ولكنهم أعداء له. وجودهم في حضرته يكون عذابا لهم.

عمّا يؤاخذهم؟ «كنتُ جائعا فلم تُطعموني». انكم أهملتم الجائع والعطشان والعريان والسجين والمريض. انكم في الحقيقة أهملتموني انا. لم تشاهدوني في المساكين. انا في السماء، كيف تشاهدوني؟ ما من سبيل الى لقائي ما لم تُلاقوا المعوزين بمحبتكم. فإن لم تحبّوهم لا تكونون قد أحببتموني. الإنسان هو مكان لقائك بالله إنْ كنت حسنا، ومكان إهمالك لله إنْ كنت سيئا.

ينتج عن تصرّف الصالحين حياة أبدية، وعن تصرّف الأشرار عذاب أبدي لأن أعمال الإنسان تلحقه.

أرادت الكنيسة قبل أن تدخل الصيام أن نفهم أنه فرصة للقاء البشر بالمحبة. الله لا يهمّه إمساكك عن الطعام إلا لتُعطي ما لم تأكله الى الذي ليس عنده ما يأكل. فاذا حاكمت نفسك وسلكت صالحا لا يُحاكمك الله.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الكنز في آنية خزفيّة/ الأحد 31 كانون الثاني 2010 / العدد 5

بولس عند اهتدائه على طريق دمشق رأى المسيح نورًا وقال لأهل كورنثوس إن هذا النور نفسه يُشرق في قلوبنا. ونحن مدعوّون أن نعرف مجد الله أي الآب الذي يسطع على وجه المسيح.

بعد هذا يقول إن نور المسيح هو الكنز الذي لنا في آنية من فخّار لأننا ضعفاء ومعرّضون للخطيئة. ينبغي أن نعي بآن معًا شيئين: أن نور الله ينزل علينا، وأننا ايضًا ضعاف.

نحن الرسل والمؤمنين متضايقون ولكن غير محصورين أي قادرين أن نخرج من هذا الضيق. نحن متحيّرون او قلقون ولكنا غير يائسين. دائما هناك إمكانية تحرّر من القلق. مضطهَدون نحن، ولكن لا يخذلنا الله ولا يتركنا. نحن مطروحون، مكبوبون ولكنا غير هالكين. نحن «حاملون في الجسد كل حين إماتةَ الربِ يسوع» اذ نأخذ آلامه فينا «لتظهر حياةُ يسوع ايضًا في أجسانا» لأننا قمنا مع المسيح وبهذه القيامة نحن غالبون الألم والضعف. ويوضح بولس هذا الكلام بقوله: «لأنا نحن الأحياء نسلّم ايضًا الى الموت من اجل يسوع» وذلك بالاضطهادات التي تحصل ونذوقها.

الرسول الكريم في عينيه دائما آلام السيد وقيامته. هذا محور تبشيره في كلّ مكان وهذا ما رآه في اهتدائه وفي تأملاته في ديار العرب. فاذا أصابنا الموت (اي عذابات هذا الدهر) فنحن نحتمله لتنزل على المؤمنين نعمة القيامة. هذا الصبر يأتي من روح الإيمان بناء على ما جاء في المزامير: «إني آمنتُ ولذلك تكلّمتُ».

في البدء يكون الإيمان بموت المسيح وقيامته. بعد هذا يأتي التبشير بالاستناد الى كلام المزمور. يعود بولس الى تأكيد أننا سنقوم نحن ايضا بما أن المسيح قد قام. الذين يقولون: «من ذهب ورأى وعاد ليتكلّم؟» كلامهم مردود اذ لا يحتاج أحد الى دليل أعظم من دليل قيامة المسيح. إنه لم يكتفِ بأن يشاهد الحياة. انه أتانا بالحياة. وقد رأيناه بعد موته ورأينا أن الموت قد ديس.

بعد هذا التأكيد يقول بولس الرسول «ننتصب معكم»، نقف معكم في كلّ أحوالكم وضعفاتكم لأن كلّ شيء مما أعطته السماء هو لكم. كلّ نعمة من عند الله لكم. واذا تكاثرت النعمة بشكر الأكثرين تزداد لكلّ المؤمنين لمجد الله. لا يأخذ أحد النعمة لنفسه فقط. إنه ينالها ليشارك المؤمنين فيها.

النعمة تنتقل من الواحد الى الثاني بالقدوة والكلام. كل ما يناله أحدنا من الله يناله الأكثرون بحياة القداسة عند هذا وذاك.

وعندئذ لا يقوم وحده من خطاياه. هو، بقوّة يسوع، يقيم الآخرين من الموت، والرائحة الزكيّة التي تحفظها الآنية الخزفيّة تعطّر الخزف كلّه. في وسط ضعفاتنا نستقبل نعمة المسيح.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

تيموثاوس/ الأحد 24 كانون الثاني 2010 / العدد 4

الرسالة الثانية الى تيموثاوس هي إحدى الرسائل الرعويّة الثلاث لبولس. الرسالة الأولى كان قد بعث بها بعد أن انتهى الرسول من سجنه الأول في روما وتحرّك هنا وثمة ثم عاد الى روما وارتحل الى إسبانيا. أخيرًا عاد الى بحر إيجه ولا سيما كريت ومقدونيا واليونان.

خلال هذه الفترة، اي حول السنة 64 أو 65، انتدب بولس تلميذه تيموثاوس لخدمة أفسس. كتب إليه من مقدونيا رسالته الأولى. بعودة الرسول الى روما سجنته السلطات مرة ثانية. ومن السجن كتب رسالته الثانية الى تيموثاوس في وقت قصير قبل استشهاده الذي كان السنة 67 أو 68.

يصل الرسول في هذا المقطع الى وصايا لتلميذه: لقد استقريتَ تعليمي اي تبعتَه، وبولس يشير الى الكلام الذي كان يقوله لتلميذه. ثم تعرفُ سيرتي. القدوة عنده مصدر أساسيّ للتعليم. ورأيتَ أناتي وصبري ومحبتي والاضطهادات التي عانيتُها وما أصابني في أنطاكية (آسيا الصغرى) وإيقونية ولسترة. وهذه كلها مذكورة في أعمال الرسل. ثم يكرر كلامه عن الاضطهادات التي عاناها. ثم يشير الى أعداء الإيمان فيقول عنهم: «اما الأشرار والمُغوُون (هذه غواية الدجل) من الناس فيزدادون شرا مضِلَّين ومضَلّين».

أخيرا لا يكتفي بولس انه علّم، فيوصي تلميذه أن يستمرّ على ما تعلّم علم اليقين «عالِمًا ممّن تَعلّم» أي من بولس. بولس كان عارفًا أنه يحمل التعليم الصحيح، ولكنه يزيد على ذلك أن تلميذه يعرف منذ طفوليته الكتب المقدسة ويعني بها أسفار العهد القديم. وإذ يسمّيها كتبًا مقدسة يعني أنها موحاة من الله. هذه هي الكتب التي قرأها الرب يسوع واستشهد بها أي أن السيد كان يراها مسلَّمة الى كنيسته وهي حفظتها واستعملتها جيلا بعد جيل في العبادات المقدسة. المزامير جزء كبير من صلواتنا. والأنبياء نقرأهم في عشية بعض الأعياد ولا سيما السيدية.

بعض الناس يظنّونها مؤسّسة للقومية اليهودية والصهيونية. هذا غير صحيح فالعهد القديم يتوجّه الى شعب يؤمن بالإله الواحد وبأنه كلّم الأنبياء، ولا يعترف لليهود كقوم بأيّ امتياز، ولا يقول انهم أفضل الشعوب. اما استغلال الصهاينة اليوم للتوراة فلا شأن للتوراة به. هي طريقنا الى المسيح وليس الى الشعب اليهودي.

ثم يقول بولس ان هذه الكتب تجعل تيموثاوس حكيمًا أي تعطيه حكمة الله والفهم الإلهيّ بحيث يتدبّر حياته وسلوكه وفق الكلمة الإلهية. هذه الحكمة تقوده الى الخلاص الذي يصل إلينا بإيماننا بالمسيح يسوع.

هذا الكلام موجّه الى جميع الناس وبنوع رئيسيّ الى الكهنة المدعوّين أن يتحلّوا بفضائل تيموثاوس من جهة، وأن يُطالعوا الكتاب المقدس في عهديه ليعظوا منه، اي ليستلهموه حتى تتطبّع عقولهم بكلماته لينقلوا فكر الله للناس لا فكرهم الخاصّ ولا فكر الأدباء والشعراء. رجل الله يتكلّم بكلام الله فيتغذّى المؤمنون بالمعنى الإلهي.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

المدبّرون الروحيون / الأحد 17 كانون الثاني 2010 / العدد 3

صاحب الرسالة الى العبرانيين وهم المسيحيون من اصل يهودي يطلب اليهم ان يطيعوا مدبّريهم اي الأساقفة والكهنة ويخضعوا لهم، والسبب ان هؤلاء يسهرون على نفوس الرعية سهر من سيعطي حسابا لله على رعايته. الكاتب يفترض دائما ان الرعاة ساهرون والرعاة يراقبون بعضهم بعضا. الكهنة يراقبهم الأسقف، والأساقفة يراقبهم المجمع المقدس الذي يشكل وحدتهم. الخضوع للأسقف خضوع للمسيح لأن الأسقف ايقونة المسيح كما سيقول بعد كتابة هذه الأسطر القديس إغناطيوس الأنطاكي التوشّح بالله.

والطاعة، يقول الكاتب، تتم بسرور ومحبة للرئيس الروحي المسؤول اذ المفترض فيه ان «يُحْسن التصرف في كل شيء» اذ ليس له الا الأبوّة، والأب لا يفرّق بين بنيه ولا يتحيز اذ مهمّته أن يجمع الكل الى المسيح. هو يحب ليحفظ الوحدة بين الجميع، وهي تأتيهم من سر الشكر (سر القرابين) الذي يقام برئاسته في مشاركة الجميع.

هذه الوحدة هي سلام الكنيسة الذي يمنّ به علينا «راعي الخراف العظيم» الذي هو ربنا يسوع المسيح. وقد بدأ رعايته لنا «بدم العهد الأبدي» الذي نزل علينا من الصليب. وبعد ان تقبّلنا عطيّة دمه، يكملنا في كل عمل صالح، وهو الذي يؤهّلنا بنعمة روحه القدوس للعمل الصالح اذا كنا مستعدين للقيام بالعمل الصالح، واذا قمنا به نكون قد عملنا بمشيئته وهذا ما يرضيه اذ المبتغى ان نُخضع مشيئتنا البشريّة لمشيئته الإلهية. المهم ان نقوم بما يرضي الله الآب، ان نقوم بذلك بقوة يسوع المسيح الساكن فينا بروحه القدوس.

العمل الصالح الذي يقوم به الكل هو الذي يبيّن ان الكنيسة واحدة. هي واحدة بالقداسة النازلة من الرب والتي نحققها بالأعمال الطيّبة. الكنيسة رأسها يسوع ونحن أعضاؤه. وهؤلاء الأعضاء بمحبّتهم للسيد وبمحبة الواحد الآخر تُكشف قداسة المسيح وقداسة كنيسته. لا يكفي ان يقول اي واحد: الكنيسة مقدّسة بحدّ نفسها بقداسة المسيح، اذ على كلّ منّا ان يشترك بهذه القداسة بطاعته للإنجيل. الكنيسة أمّنا تنتظر منا ان يساهم كلّ واحد بقداستها. هي قائمة في كل معمّد، وهو قائم به،ا كما هي قائمة برأسها المسيح.

أما قال الله: «كونوا قديسين كما اني انا قدوس»؟ الرب لا يطلب ما هو أقل من القداسة حسب قول المعلّم: «كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي كامل». ومعنى الكلام ان نطلب الكمال ولو كنّا ضعفاء. ليس هناك نصف قداسة. الرغبة في هذه هي تُحفّزنا أن نظلّ في تمام السعي اليه،ا وهذا باحتضان الأساقفة والكهنة الذين نحن أبناؤهم في المسيح يسوع الذي يجعل كلّ المؤمنين له، كهنة كانوا ام علمانيين. نحن العلمانيين والإكليريكيين نؤلّف معا ما سمّاه بطرس الرسول «كهنوتا ملوكيا وأمة مقدّسة». نحن بانضمامنا الى المخلّص بالمعمودية والميرون وتناول القدسات تنمو قداستنا فينا يومًا بعد يوم. الكنيسة تنمو بنقاوة كلّ واحد وكلّ معا ينمو بنموّ الآخرين. فكلّما تطهّرت انت بالنعمة يتطهّر أخوك بك لأن النعمة تنتقل منك الى الآخر بقوّة الروح القدس وبالقدوة حتى لا يبقى أحد خارج الحظيرة. والمسيح جاء لنكون واحدا معه وواحدا كلّ منا مع الآخر.

زدْ نفسك انضماما الى جسد المسيح. تقوَّ بهذا الانضمام حتى لا يكون بيننا انقسام او شبه انقسام. وكما ان الثالوث المقدس واحد يمكننا نحن برضاه ونعمته ان نكون واحدا على الأرض فيسطع نور المسيح بهذه الوحدة.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

صورة انتصار المسيح/ الأحد 10 كانون الثاني 2010 / العدد 2

لما أراد بولس في هذه الرسالة ان يتكلّم على المواهب في الكنيسة وعلى بنيان الكنيسة لجأ الى سر صعوده الى السماء الذي منه تأتي المواهب. وأخذ صورة عن الصعود بعد القيامة من صعوده من ماء الأردن بعد نزوله الى الماء وتصوير هذا النزول على انه صورة عن نزوله من الصليب الى الجحيم. «أسافل الأرض» تعني مملكة الموت التي قهر فيها قوة الشيطان والموت وأصعد معه الى السماء من كانوا مؤهّلين للسماء.

هذا القول اتخذه رسامو الإيقونات اذ رسموا القيامة. الرسم غير القانوني، غير التراثي يبيّن المسيح طالعا من قبر مستطيل. الرسم القانوني القديم يصوّره نازلا الى الجحيم وناشلا آدم بيد وحواء بيد اي كلّ الجنس البشري. ايقونة النزول الى الجحيم هي ايقونة القيامة.

بعد الصعود ينشىء مواهب بالروح القدس. عنـدنا فئة واحدة هي الرعـاة والمعـلّمـون. هذه تبدو وظيـفة واحـدة. هـي فـي الكـنـيـسة وظيـفة واحدة. الراعي هنـا الأسقف او الكاهن، ولكن التـفريـق بـيـن التسميات لم يظهر بعد.

في بدء اللائحة يذكر لائحة من المواهب. هؤلاء ليسوا ثابتين في مكان كالراعي. يذكر الرسول مواهب ناس يمكن ان ينتقلوا من مكان الى مكان. الرسل الذين لا يذكرهم هنا كانوا متحركين وهم غير الاثني عشر. الذين يسميهم الأنبياء هم المتحمسون لله كثيرا، الغيورون على كلمته ويذكّرون بها الرعية التي يخاطبونها. المبشرون ينقلون تعاليم الإنجيل بصورة مسؤولة. كل هؤلاء كانوا حياة الكنيسة.

لماذا كل هذه المواهب؟ يجيب بولس «لتكميل القديسين» ويريد بها المؤمنين في كنيسة أفسس وفي كل كنيسة. كان العلمانيون يسمّيهم بولس قديسين بمعنى انهم تقدسوا بالمعمودية والقرابين. كل هذه المواهب هي «لعمل الخدمة» الروحية والتعليميّة والخيريّة والطقوسيّة. «وبنيان جسد المسيح» جسد الرب يريد به كل المؤمنين الذين يؤلفون بعضهم الى بعض المسيح الواحد الواسع، الكوني. وينهي هذا المقطع بقوله: «الى ان ننتهي جميعا الى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله». وحدة الإيمان لئلا يقول كل واحد منكم شيئا غريبا عن الإيمان الذي علّمتكم اياه. كذلك يريد ان نصل الى أعماق الإيمان فلا يبقى احد سطحيّ الإيمان، بل حار به، لا يضيع شيئا مما استلمه من الرسول. واذا قال «الى انسان كامل» يريد انكم انسان واحد كامل، ناضج في معرفة الرب. بولس منزعج من قلة النضج عند بعضٍ ومن عدم الاستقرار في الإيمان.

كلام من أجمل الكلام ان الرسول الكريم يصلي ان نتقبّل المواهب بمقدار قامة ملء المسيح اي ان بولس يرجو ان يتقبّل كل من المؤمنين موهبة من قامة ملء المسيح. المسيح في السماء في ملئه. قامته كاملة. منها تنزل النعم على أحبائه. وهذه هي استمرار المعمودية فينا. هذه نجدها فينا في ذكر معمودية المخلّص على رجاء ان ننمو، ان نصعد من الموت ونلازم يسوع في حياته السماوية.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

ظهور المسيح / الأحد 3 كانون االثاني 2010 / العدد 1

في كلام بولس الى تلميذه تيموثاوس كلام تشجيع على الجهاد الروحي. الدعوة الأولى الى اليقظة الروحية الدائمة وفي قوة اليقظة يدعوه الى احتمال المشقات في سبيل الإنجيل اذ البشارة به تتطلّب تعبًا كثيرًا. ثم يحثّه على عمل المبشّر في المنطقة التي انتدبه على رعايتها حتى يقول «أوفِ خدمتك» والخدمة هي الرعاية وإقامة الأسرار.

بعد هذا يقول الرسول عن نفسه «لقد أُريق السّكيبُ عليّ فإني انا ايضًا أتممت خدمتي ووقت انحلالي (اي موتي) قد اقترب، وقد جاهدت الجهاد الحسن وأتممتُ شوطي» في البشارة من مدينة الى مدينة في كل أنحاء البحر الأبيض المتوسط من أنطاكية الى رومية والى كريت وربما الى اسبانيا وفي كل هذا «حفظت الإيمان» سالما كما سلّمني اياه الرب يسوع والمسيحيون الأوائل. حفظته مستقيما غير مصابٍ، والإيمان يُنتج عمل البرّ بالمحبة.

بعد هذا يقول: «انما يبقى محفوظًا لي إكليل العدل الذي يجزيني به في ذلك اليوم (اي يوم القيامة) الديّان العادل». بولس يرى نفسه تحت الدينونة ولكنه يرجو الرحمة. عند الموت ليس أمامنا سوى رحمة الرب ولا يخلص أحد بدونها اذ لا يستطيع أحد ان يدّعي أن في يده صكّ الدخول الى الملكوت. بولس على قداسة سيرته يرى نفسه تحت الرحمة الإلهية التي يمنّ الله بها على أحبائه.

وبعد ان يقول الرسول انه يرجو الإكليل لنفسه يقول ايضًا انه يرجوه لجميع الذين يحبون ظهور المسيح في اليوم الأخير، وقد اختارت الكنيسة هذا الفصل من رسالة بولس الثانية لأنها مختومة بكلمة ظهور الذي يدلّ على العيد (الغطاس) الذي ننتظره.

مقطع قصير فيه كل محبة بولس لتلميذه وفيه دعوة الى كل الفضائل التي يحتاج اليها التلميذ النشيط. ومن وراء تيموثاوس تُخاطبنا الكلمة الإلهية لنكون مثل تيموثاوس أناسا قائمين باليقظة لا ننام ولا ندع شيئا يجعلنا في الكسل ولا سيّما ان الحصاد كثير والفعلة قليلون. لا نستطيع ان نتلهّى عن خدمة الإنجيل ولا نغرق بأمور الدنيا مهما كانت جذابة ومسلّية.

ومهما أحسسنا باقتراب الأجل، ومهما تعبنا، نبقى على الجهاد حتى آخر رمق، على الجهاد الحسن الذي يتطلّب منا الاستمرار يوميا في خدمة الإنجيل وفي إقامة الذبيحة الإلهية وبقية الأسرار والاهتمام بما يهمّ الناس اجتماعيا وخيريا وثقافيا حتى نكون قد نفّذنا الإنجيل وأطعناه، فإننا إن أهملنا الإخوة وخدمتهم نكون قد وقعنا في الخيانة.

واذا ما نحن بذلنا أنفسنا في الخدمة منتظرين ظهور المسيح لنا ولهم ليس فقط يوم القيامة ولكن في كل يوم نكون فيه قد أقمنا خدمة.

واذا جاء العيد وهو مع الميلاد فصح صغير نكون قد انتقلنا من موت الخطيئة وقمنا لإتمام البر حتى نكون مع المسيح دائما.

واذا زاركم الكاهن لنضح منازلكم بالماء المقدس تفهمون أن هذا هو قبل كل شيء نضح حياتكم بالمقدس. عيد الظهور الإلهي عيد يوميّ تغتسلون بمياهه اي بالنعمة التي وعدكم الله بها فتكونون أنقياء في كل حين وترفضون الخطيئة. رفض الخطيئة ظهور إلهيّ عليكم وإشعاع منكم على الآخرين. بوركتم في العيد القادم وبوركت الدنيا كلها بكم حتى تصبح الدنيا مكانا لنور المسيح.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

شهادة استفانُس / الأحد 27 كانون الأول 2009 / العدد 52

اليوم عيده، وهو أحد السبعة الذين اختارهم الرسل وفرّغوهم ليهتمّوا بإعاشة الأرامل حتى ينصرف الرسل الى الصلاة وخدمة الكلمة.

واحد من هؤلاء السبعة كان استفانُس يُجادله اليهود الذين صارت لغتهم اليونانية لأنهم سكنوا المهاجر، وعندما كانوا يحجّون الى اورشليم في العيد كانوا يجتمعون في مجامع للجاليات المختلفة التي لا تتكلم لغة أهل فلسطين.

برز استفانُس يُحاجّ بقوةٍ هؤلاء الذين بقوا على اليهودية، فلم يستطيعوا أن يقاموا الكلمة والروح الذي كان ينطق بها، فافتروا عليه مدّعين أنه يجدّف على موسى.

حصل هياج كانت نتيجته أنهم اختطفوا هذا الرجل وأتوا به الى السنهدريم او محفل الكهنة، فألقى عليهم خطابًا أودى الى موته. أخذ يتكلّم على إبراهيم وخروجه من حاران الى أرض الموعد وبناء سليمان للهيكل. هذا الكلام كان معقولا لديهم لأنه مبنيّ على كـتــابـهـم، حـتى وصـل الـى قـولـه “يـا غـيـر المخـتـونـيـن بالقلوب والآذان. إنكم تُقاوِمون الروح القدس دائما كما كان آباؤكم”.

هذه كلّها كلمات من وحي أنبيائهم، ولكنهم أبَوا أن يُحسّوا بها منطبقة عليهم. “أخذتم الناموس ولم تحفظوه” كلام صعب سماعه.

بعد إلقائه هذا الخطاب “تفرّسَ في السماء فرأى مجدَ الله ويسوعَ قائما عن يمين الله”. لما كشف لهم هذه الرؤية، لم يُطيقوا استماعها اذ لم يكونوا يؤمنون أن المسيح جالس عن يمين الآب. عند ذاك، أخرجوه خارج المدينة ليقتلوه حسب ناموسهم. والقتل في حال التجديف (اي ما ظنّوه تجديفا) يتمّ بالرجم.

“ووضع الشهود ثيابهم لدى شاب اسمه شاول” وهو الذي صار بولس الرسول. هذا طبعا كان راضيا بقلته. وفيما كان استفانُس يتلقّى الحجارة عليه، كان “يدعو ويقول ايها الرب يسوع المسيح اقبلْ روحي”. هذا كلام صدى لقول السيّد على الصليب: “يا أبتاه في يديك أستودع روحي” (لوقا 46:23). هنا يشهد استفانُس أنه يستودع روحه في يدَي المخلّص كما استودعها المخلّص في يدي أبيه.

في نهاية نزاعه، قال أوّل الشهداء، وكذا وصفه في الكنيسة، قال: “يا رب لا تُقم عليهم هذه الخطيئة”. هذا صدى لقول يسوع على الصليب: “يا أبتاه اغفرْ لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لوقا 34:23).

لقد أراد لوقا أن يُبيّن أن حياة يسوع تتصوّر في أحبائه. يغفرون لأنه غفر. يحبّون لأنه أحبّ. القديسون صورة عن المسيح. يقول سِفْر الأعمال عن استفانُس إنه رقد، وما قال إنه مات لأننا أبناء القيامة.

أيقونته تُصوّره لابسًا ثياب الشمّاس وحاملا مبخرة مثله لأن الكثيرين من آبائنا قالوا إن هؤلاء السبعة الذين عيّنهم الرسل خُدّاما للموائد جعلوهم شمامسة.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الميلاد / الاحد 20 كانون الأول 2009 / العدد 51

كان الله يكلّم البشرية أيّا كان دينها بالطبيعة، بالأشيـاء الجميلـة فيها، بثمارها. مرة كلّمهـا بإنسـان واحـد وهو إبراهيم. ثم كلـّم بالأنبيـاء مرحلة بعد مرحلة. ولما رأى الرب أن هذا لا يكفي، وأن الناس أمام كلمات الأنبياء وامام شريعة موسى اكتشفوا شقاءهم، فنفّدَ خطته الأبدية أن يسكب عليهم كل حنانه وكل عطفه، وكانت خطته أن يرسل ابنه ليحلّ به في البشرية جمعاء.

كل الأزمنة في التاريخ كانت تهيئة لمجيء المخلّص، والله يعرف متى يجعل في الدنيا الزمان الأخير. ولما حلّ هذا “أَرسل اللهُ ابنه مولودا من امرأة… لننال التبنّي”. قال بولس هذا لأنه يعرف أننا كنا أبناء الغضب فأراد الآب أن يجعلنا أبناء له حقيقيين، أن يتبنّانا. “ثم بما انكم أبناء أرسل الله روح ابنه الى قلوبكم صارخًا يا أُبَيّ” اي “بَيّي” باللهجة اللبنانية. وهي لفظة التدلّل التي يتلفّظ بها الطفل اذا خاطب أباه. “اذًا لستَ بعدُ عبدًا بل ابن”.

هذه البنوّة لله اقتضت أن يجيء ابن الله الـذي بتـجـسـّده سُمـّي المسيـح. أعطـى اللـه ابنـه جسـدًا بقـوة الروح القدس وإرادة مريم فصـار ابن الله انسانًا فيها. بمـريم استقبلت الانسانيـة كلها مخلّصهـا. فـلم يبقَ الله يبـثّ كلمات بالأنبـياء. أراد أن يصير ابنه الحبيـب إنسانًـا ليعيش مثـل الإنسان يأكل ويشـرب وينـام ويتألـم، ولكن لم يأخذ شهـوات الإنسان. صار في طاعته لأبيه إنسانًا كاملاً، وفي هذا الخضوع اقتبـل المـوت حُبـّا بنـا وخلّصنا بهذه المحبـة التي أظهـرها بمـوتـه وقيـامتـه.

الله صار في بشـريتـه إنسانًا ليُبيـد الخطيئة والفساد من الإنسان ويؤلّهه ويُصعده إلى السماء ويجعل فيه ملكوته. “ملكوت الله في داخلكم”. كانوا في العهد القديم يعرفون أن الله معهم. صرنا الآن نعرف أنه فينا، في صميم كياننا، وأننا باتحادنا بالمسيح نموت معه ونقـوم معـه بالمعموديـة ونحيا الحياة الإلهية التي هي في المسيح.

تمّ التجسّد بالبشارة، واكتشفـناه في كل سيـرة السيـد، في عجائبه وكلامه وصلبه وقيامته من بين الأموات. ونـذوق تجسّده الآن في عيد الميـلاد حيث ظهـر للرعاة والمجوس، ثم اكتمل ظهوره لما أخذ يبشّر بملكوت الله. وهذا العيد ندخل إليه بتواضع وتوبة إلى وجه يسوع. وإذا أحببناه كليّا نصبح مولودين منه بالنعمة.

وبعد هذا نكون صرنا “خلائق جديدة”. نتعب، نخطئ ولكن نعود إليه صادقين. هذه العودة إليه هي ميلادنا وحياتنا المليئة برضاه والتي نحسّ فيها باحتضانه. ليس الميلاد تسليات من الدنيا. هو فرحنا بالدنيا الجديدة وهي بدء السماء على الأرض.

وحتى نتتلمذ على السماء لا بد لنا ان نذوقها في تواضع يسوع موضوعًا في مذود البهائم. فإذا جئنا من الإنجيل ليس هذا عيد الترف ولذات الطعام وإلهاء العائلة بالسهر. انه عيد الفقراء الذين نجعلهم إخوة لنا اذا أحسنّا إليهم وعيّدنا جميعًا اذا اكتسبنا روح الفقر والابتعاد عن المجد والتسلط على الضعفاء.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الى اهل كولوسي / الأحد 13 كانون الأول 2009 / العدد 50

كولوسي مدينة في آسيا الصغرى (تركيا الحالية). عندما يقول بولس: “متى ظهر المسيح الذي هو حياتنا فأنتم أيضًا تظهرون حينئذ في المجد”، هو يتحدّث بالضرورة عن وقت في المستقبل. هو حياتنا الآن بعد ان أقامنا معه. نتخطى الآن طبيعة الموت فينا ونلبس الخلود. ينتج عن هذه الحياة الجديدة اننا مدعوون الى إبادة الأهواء المعطلة للحياة الجديدة. يذكر خمس خطايا في لائحة أولى تتعلق كلها بالجسد ولكن ليس بصورة حصرية (الطمع يأتي من النفس، كذلك الشهوة الرديئة التي لا يحدد طبيعتها). النجاسة والطمع معروفان عند الوثنيين ويحذّر المسيحيين منهما. الزنى في المصطلح المسيحي هو علاقة انسان بشخص متزوج.

بولس يستعظم كثيرا الطمع بالمال اذ يعتبره عبادة وثن، وهنا يكمل الرسول مباشرة فكر الإنجيل المتعلّق بعشق المال.

اما عبارة “غضب الله” فتدلّ على الدينونة الأخيرة. ثم يشير بولس ان قرّاءه في وثنيتهم كانوا عائشين في هذه المعاصي.

بعد هذا يسمّي بولس خطايـا أخرى تأتي من النفس: الغضب، السخط، الخبث، التجديف (على الله) والكلام القبيـح الذي هو السبّ او الشتيمة. واخيرا يغضب الرسـول على الكذب. وهذه كلها عنده تصدر عن الطبيعة العتيقة التي كان عليها من يخاطبهم الآن، ثم يدعوهم الى ان يلبسوا الانسان الجديد (انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم).

هذا الانسان الجديد يتجدد بالروح القدس للمعرفة اي لمعرفة المسيح بطاعتنا له في حبنا له. ويصير جديدا على صورة خالقه التي خُلق عليها وتجدد بها الآن في المعمودية.

واذا تجدد الإنسان لا يبقى من فرق بين يوناني (وثني) ويهودي لأن كليهما قد صار مسيحيا وانهار حائط العداوة بينهما ولا يبقى ختان (وهو الطهور باللغة الدارجة) ولا القلف (وهذه علامة في الجسد للوثنيين الذين لا يختتنون). كذلك لا يبقى بربري. هنا يردّ بولس على أرسطو الذي كتـب: “كل من ليس او ما ليس يونـانيا فهو بربري”. الاسكيثي هو من شعب الاسكيث الذي كان عائشا في جنوبي روسيا وما اليها. كذلك “لا عبد ولا حرّ”. التنـاقض عظيـم بينهما في الشرع الروماني الذي لم يكن يعترف بشخصية العبد وهذا لم يكن ينتخب في أثينا.

هذه الفروق زالت بالمسيح الذي ليس عنده غريب. الشعوب اذا انضمت الى المسيح واحدة في ايمانها وعمادها والكأس الواحدة. والعبد والحر يتناولان معا جسد الرب ولهما الكرامة الواحدة في الكنيسة. ذلك ان المسيح صار كل شيء وهو واحد في الجميع لأنه هو هو جامعهم وهم صاروا اليه لأنهم أعضاء في جسده الواحد.

اذا كان نور يسوع يضيئنا جميعا فنحن النور وليس من مكان لانقسام.

Continue reading