كان الله يكلّم البشرية أيّا كان دينها بالطبيعة، بالأشيـاء الجميلـة فيها، بثمارها. مرة كلّمهـا بإنسـان واحـد وهو إبراهيم. ثم كلـّم بالأنبيـاء مرحلة بعد مرحلة. ولما رأى الرب أن هذا لا يكفي، وأن الناس أمام كلمات الأنبياء وامام شريعة موسى اكتشفوا شقاءهم، فنفّدَ خطته الأبدية أن يسكب عليهم كل حنانه وكل عطفه، وكانت خطته أن يرسل ابنه ليحلّ به في البشرية جمعاء.

كل الأزمنة في التاريخ كانت تهيئة لمجيء المخلّص، والله يعرف متى يجعل في الدنيا الزمان الأخير. ولما حلّ هذا “أَرسل اللهُ ابنه مولودا من امرأة… لننال التبنّي”. قال بولس هذا لأنه يعرف أننا كنا أبناء الغضب فأراد الآب أن يجعلنا أبناء له حقيقيين، أن يتبنّانا. “ثم بما انكم أبناء أرسل الله روح ابنه الى قلوبكم صارخًا يا أُبَيّ” اي “بَيّي” باللهجة اللبنانية. وهي لفظة التدلّل التي يتلفّظ بها الطفل اذا خاطب أباه. “اذًا لستَ بعدُ عبدًا بل ابن”.

هذه البنوّة لله اقتضت أن يجيء ابن الله الـذي بتـجـسـّده سُمـّي المسيـح. أعطـى اللـه ابنـه جسـدًا بقـوة الروح القدس وإرادة مريم فصـار ابن الله انسانًا فيها. بمـريم استقبلت الانسانيـة كلها مخلّصهـا. فـلم يبقَ الله يبـثّ كلمات بالأنبـياء. أراد أن يصير ابنه الحبيـب إنسانًـا ليعيش مثـل الإنسان يأكل ويشـرب وينـام ويتألـم، ولكن لم يأخذ شهـوات الإنسان. صار في طاعته لأبيه إنسانًا كاملاً، وفي هذا الخضوع اقتبـل المـوت حُبـّا بنـا وخلّصنا بهذه المحبـة التي أظهـرها بمـوتـه وقيـامتـه.

الله صار في بشـريتـه إنسانًا ليُبيـد الخطيئة والفساد من الإنسان ويؤلّهه ويُصعده إلى السماء ويجعل فيه ملكوته. “ملكوت الله في داخلكم”. كانوا في العهد القديم يعرفون أن الله معهم. صرنا الآن نعرف أنه فينا، في صميم كياننا، وأننا باتحادنا بالمسيح نموت معه ونقـوم معـه بالمعموديـة ونحيا الحياة الإلهية التي هي في المسيح.

تمّ التجسّد بالبشارة، واكتشفـناه في كل سيـرة السيـد، في عجائبه وكلامه وصلبه وقيامته من بين الأموات. ونـذوق تجسّده الآن في عيد الميـلاد حيث ظهـر للرعاة والمجوس، ثم اكتمل ظهوره لما أخذ يبشّر بملكوت الله. وهذا العيد ندخل إليه بتواضع وتوبة إلى وجه يسوع. وإذا أحببناه كليّا نصبح مولودين منه بالنعمة.

وبعد هذا نكون صرنا “خلائق جديدة”. نتعب، نخطئ ولكن نعود إليه صادقين. هذه العودة إليه هي ميلادنا وحياتنا المليئة برضاه والتي نحسّ فيها باحتضانه. ليس الميلاد تسليات من الدنيا. هو فرحنا بالدنيا الجديدة وهي بدء السماء على الأرض.

وحتى نتتلمذ على السماء لا بد لنا ان نذوقها في تواضع يسوع موضوعًا في مذود البهائم. فإذا جئنا من الإنجيل ليس هذا عيد الترف ولذات الطعام وإلهاء العائلة بالسهر. انه عيد الفقراء الذين نجعلهم إخوة لنا اذا أحسنّا إليهم وعيّدنا جميعًا اذا اكتسبنا روح الفقر والابتعاد عن المجد والتسلط على الضعفاء.