Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2010, مقالات, نشرة رعيتي

المَوسمِيّون / الأحد 25 نيسان 2010 /العدد 17

الكنيسة تحزن على كثير من أولادها لكونهم يَغيبون عنها يوم الأحد ويدخُلونها في بعض المواسم هم يختارونها، مثلا في جنّاز المسيح والفصح وربما في عيد الميلاد. الكنيسة أُمّك وتنتظر عودتك الى أحضانها، وهذا الحضن لا يهمّ بعض أولادها ولا يتأثّرون بدفئه.

ليس المجال هنا لنستمع الى شكاوى الناس ليُبرّروا غيابهم. الكاهن أحيانا عليه شكوى او بعضٌ من أعضاء مجالس الرعية. ومع أن مستوى الكهنة ارتفع بصورة محسوسة من حيث التقوى او من حيث العلم، لم يزدد عدد المصلّين إلا قليلا. يُقال لي أحيانا إن بعض أحبّائنا يذهبون الى الكنيسة القريبة من بيوتهم مع أنها غير أُرثوذكسية. سؤالي الى هؤلاء هو هذا: أأنتم منتمون أَم غير منتمين؟ وأنا واثق أنك إنْ سُقت سيارتك الى كنيسةٍ من كنائسنا لا يستغرق ذلك أكثر من دقائق.

أنت تستيقظ صباح الأحد كما في كل صباح. هذا إيقاع الجسم. ولكنك تسترخي. لماذا لا تتكاسل في الذهاب الى عملك؟ أمّا عملك للرب فتتّكل فيه على الرب حتى لا يُحاسبك كأنّ لك حقا في غُنجه. إن لم تسمع الى ما يقوله في القداس الإلهي، كيف تريده أن يقتنع أنك تحبه؟ قد تظن أنه يُناجي ضميرك وأن هذا يكفيه. هو يريدك في «كل مواضع سيادته» كما نقول له في القداس. ضميرك موضع واحد لحضوره. وكنيسته موضع اختاره لحضوره. انت لا تنتقي بين موضع وموضع لأن ربك يريدك في كل مكان يحلّ فيه.

وإن أنت تنزّهت يوم الأحد، فكأنك قائل إن البحر او الجبل او استقبال صديق تُحرّك قلبك أكثر مما يُحرّكك كلامه. هل أجمل من المسيح او أقوى منه في قلبك؟ هل حديث الناس أحلى من العسل في فمك، والعسل كلمة الرب؟

كيف تحيا ولا تأكل هذه الكلمة؟ هل هناك أفضل منها ليُغذّيك؟ كيف تستغني عن الترتيل الإلهي؟ كيف تصل الى ذروة الحب وليس لك حديث مع الله؟ هل المشاوير والنزهات والتزلّج والمقاهي وكل تسليات هذا العالم أطيب عندك من الطعام الإلهيّ؟

جرّب المحبة الإلهية لك أحدًا او أحدَين او ثلاثة. اعملْ هذا ترَ أن هذه المحبة أقوى من كل رغباتك. بدّلْ حُبّ دنياك بحُبّ إلهك لا تخزَ، واذكُرْ أنك في الكنيسة تجد جسد الرب ودمه، واسمَعْ هذا: «أنا هو الخبز الذي نزل من السماء… هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت، والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أَبذله من أجل حياة العالم».

في الكنيسة تجد هذا. في غيابك عنها، ألا تَظهر كأنك قائل: أنا أحيا دون القرابين المقدّسة، ويسوع قائل عكس ما تقول؟ تعال وانظُرْ.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع العظيم والفصح/ الأحد 18 نيسان 2010 / العدد 16

لفتني مؤخرًا أن الأرثوذكس يقولون «الأسبوع العظيم» ولا يستعملون كثيرا عبارة «أسبوع الآلام» الذي كابده السيد إنما كابده طوعا فجعل من هذه الأيام موسم فرح بحيث إن العيد كامن في كل أيام هذه الفترة وان كل كلمة فيها استعداد للقيامة فتأتي الخِدَم الإلهية كلها توبة وتأهبًا لتحرّر المسيح من الموت.

نُطلّ على قيامة المخلّص منذ أن قام لعازر، أي بين قيامة تنتهي بموت لعازر في آخر أيامه وقيامة قائمة الى الأبد، ولكن في الحالتين اللغة لغة حياة ولغة استمرار. أما الحياة فكونه قال: «أنا الطريق والحق والحياة». أما الاستمرار فلكوننا نقول: «اليوم عُلّق على خشبة» مع أن الصلب قد تمّ منذ ألفي سنة أي كأننا هناك معه على الجلجلة ولم يجرِ الزمان من بعد ذلك. هناك أبديةُ عملية الصلب. وبهذا المعنى يقول الرسول: «لما حان ملء الزمان أرسل اللهُ ابنه مولودًا من امرأة». أبدية الله خطفت الى نفسها كل زمان. لذلك كانت الليتورجيا ومجموعة الخِدم كامنة في الأحداث الخلاصية التي فعلها يسوع.

ولكي نعطي مضمونا لعلاقة المسيح بنا رتّلْنا خلال ثلاثة أيام: «ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل»، والخَتَن هو العريس. في مطلع ذاك الأسبوع عقدنا عرسا أبديا مع المعلّم. ومَن فهم هذه الترتيلة وقبلها معا تكون نفسه صارت عروسا للمسيح أي لا تقبل معه شريكا.

بعد هذا قرأنا أناجيل الآلام الإثني عشر كما وردت في الروايات الإنجيلية الأربع حتى لا يفوتنا تفصيل واحدا من آلام المعلّم. يا ليتنا نقرأ الكتاب كل يوم حتى لا تفوتنا كلمة حياة نطق بها الرب يسوع ونقلها إلينا الإنجيليون كما نقل بعضا منها بولس.

حبّنا للإنجيل جعلَنا نلتصق بيسوع في سر القرابين الإلهية. «خذوا كلوا هذا هو جسدي… اشربوا منه كلكم، هذا هو دمي». هذا مشروع الحب الذي أراده قائما بيننا وبينه. هذا جوابنا عن المحبة التي أبداها بإهراق دمه على الخشبة. ثم تبعنا المسيح الى القبر لنلازمه حيث أقام. ودُفنّا معه في التقاريظ التي كانت ذروة في الفرح لأنها خِدمة لسَحَرية السبت. تبعناه حيث يسير. وانتظرنا القيامة.

ولما بلغ فرحنا كثافته صرخنا: «المسيح قام». قام المسيح وليس -على الرجاء الذي أُعطيناه- ميت في القبور. ونحن قائمون -حسب وعده- من خطايانا. وإذا اجترأنا عليها عمدًا، نكون كمن لم يبصر القيامة او كأنها ليست له او كأنه لم تنفعه معموديته. ولكنّا نُصرّ على أننا قياميّون أي موهوبون نعمة النهوض بذاك الذي يستنهضنا ويُنهضنا بحنانه.

هذه المواسم أَحبّها المؤمنون فجاؤوا كثيرين ولم تَسَعْ بعضَهم الكنائس. منهم من رأى الخدمة، ومنهم من سمعها بالمكبّرات. ولكنهم جميعا أَخذهم بهاء الصلاة وانشدّ الكثيرون الى العريس الإلهي وأخذ العمق الروحي الكثيرين. أجمل شيء أنهم قضوا أسبوعا في الفردوس على رجاء ألا يتكروه اذا عادوا الى حياتهم اليومية.

والرجاء أن من تقبّل نعمة المتعة بمعاني هذه الصلوات أن يثابر عليها ليس فقط في الموسم الفصحيّ ولكن كل أسبوع لأننا نُعيّد كل أحد للقيامة. لا يستطيع أحد أن يكون إنسانا فصحيا في أسبوع وأن يُهمل قياميته في أحاد كل سنة. كل السنة موسم واحد نعيشه لمجد الله.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

توما / الأحد 11 نيسان 2010 / العدد 15

في مساء الفصح، في اليوم الذي قام فيه السيد، دخل يسوع على تلاميذه وأبواب العلية التي كانوا مجتمعين فيها مغلقة وقال لهم: السلام لكم. هذه تحية الكاهن للمؤمنين اليوم في الخدمة الإلهية. ثم أراهم يديه اللتين سُمرتا على الصليب وجنبه المطعون.

لسنا نعلم لماذا أراد المعلّم أن يحتفظ بهذه العلامات مع أن جسده صار في القيامة جسدًا روحانيا. ولكن استبقائه هذه السمات تدلّنا على أن الذي ظهر لتلاميذه هو نفسه الذي صُلب، وأن الرب تاليا احتفظ في القيامة بهذا الجسد ولو تغيّر من جسد ترابي الى جسد نوراني. هذا الجسد النوراني عرفته المجدلية والتلاميذ والإخوة الذين ظهر لهم أنه هو إيّاه الذي كانوا يعرفونه في وضعه الأرضي.

كان توما غائبًا عن هذا الاجتماع وشَكّ في ان هذه القامة التي قال عنها الرسل انها ظهرت هي إيّاها قامة المعلم: «إنْ لم أعاين أثر المسامير… لا أؤمن».

بعد ثمانية أيام أي في الأحد التالي للقيامة، ظهر الرب بوجود توما في العلية وقال التحية ذاتها. «ثم قال لتوما: هات يدك وضعها في جنبي». لم يقل الإنجيل إن كان الرسول فتش جنبَه فعليًا أَم اكتفى برؤية الآثار التي التمس ان يراها. قال ليسوع: «ربي وإلهي». هذا الكلام يدلّ صراحة ان توما آمن بربوبية يسوع وألوهته. وباطل ادعاء شهود يهوه على ان توما ربما عنى ربًّا من الأرباب. اولًا تعددية الأرباب لا يعرفها اليهود. ولكن في الأصل اليوناني «ربي» أتت بالمعرفة وكذلك إلهي. وكل من الكلمتين مسبوقة بما يوافق أل التعريف عندنا. فيكون المعنى: أنت الرب الذي أنا أعبده، وكذلك أنت الإله الذي به أدين وله أخلص. واما قول شهود يهوه ان توما لم يخاطب المسيح فهذا يناقض كل سياق النص لأن الجدل بين توما وسائر الرسل هو: هل الذي ظهر هو المسيح أم أحد آخر. توما أراد أن يؤكد ان هذا الرجل هو المسيح ولا يؤكد ان الله هو الله. انه يؤكد ان هذا الإنسان هو الإله. وهكذا فهم يوحنا الإنجيلي المعنى الذي نؤكده إذ يختم المشهد بقوله: «لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله».

أما قول السيد: «طوبى للذين لم يروا وآمنوا» فليس تفضيلا للمؤمنين في المستقبل على توما. رضاء يسوع عنهم هو مثل رضائه عن توما. في الحقيقة انهم آمنوا بفضل الرسل الذين بشّروهم اذا كانوا من الجيل الأول. آمنوا عن طريق الذين شاهدوا المعلّم وعاشروه. وفي الجيل اللاحق وما بعده آمنوا عن طريق معرفتهم للإنجيل.

إن شهادة الكنيسة هي التي أرشدتنا الى المسيح. نحن نؤمن بالمسيح بسبب ما أخذناه من الكنيسة الأولى التي عرفت السيد. لا نؤمن بناء على تخيّل ولكن على قناعة تضْمنُها وثائق الإنجيليين والكنيسة الأولى والأجيال المسيحية المتلاحقة.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

القيامة/ الأحد 4 نيسان 2010 / العدد 14

عيد القيامة مستمرّ في الكنيسة إذ نُقيمه كل أحد، وهذه الخدمة الفصحية كل أسبوع سبقت إقامة الفصح السنوي. القيامة لا تهمّنا كحدثٍ ولكن كمعنى، وعلى صعيد المعنى تبدأ من الجمعة العظيمة لأن غلبة المسيح للموت بدت على الصليب. المجد في إنجيل يوحنا هو بالدرجة الأولى ذاك الذي ظهر من السيد وهو معلّق على الخشبة بحسب قوله: «مجّدْني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم». ولا يختلف المفسّرون على أنّ المجد تعني الصلب.

عندنا إذًا منذ الجلجلة ذوق لنصر المسيح على الموت وعلى الخطيئة. كذلك المسيح الساكن القبر ليس تحت وطأة الموت ولكنه ساكن في الكون كلّه من حيث إنه منتصر.

ويسطع مجد المسيح لكون جسده لم يُنْتِنْ. وتلاحظون أن الكنيسة في الإنجيل والعبادات لا تستعمل عبارة «جثة المسيح» او «جثمان المسيح».

جسده دائما في النور ولم يذُق الفساد البتة.

ونسمّي جسده جسدًا نورانيّا حسب منطوق بولس لمّا تكلّم في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس عن قيامة الأموات في اليوم الأخير: «يُدفَن الجسم مائتا ويُقام خالدًا… يُدفن بضعف ويقوم بقوّة، يُدفن جسما بشريّا ويقوم جسما روحانيّا».

في الحقيقة ان بولس طَبّق على قيامة الأموات ما عرفه عن قيامة المخلّص الذي صار جسمه روحانيّا. روحانيّا لا يعني أثيريّا أو غازيّا كما يقول شهود يهوه. يعني أنه غير خاضع لمحدودية الإنسان الترابيّ الذي جسده كامد او مكثّف. فالجسد الروحانيّ الذي صار اليه السيد يخترق الحواجز. فقد دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة.

والجسد الروحانيّ الذي صار المسيح إليه لم يعرفه التلاميذ لمّا ظهر لهم ولا مريم المجدلية في البستان، ولكنه عرّف هو عن نفسه أي أعطى عيونهم الترابيّة نعمةً مِن عنده ليعرفوه. ولما أكل معهم السمك والعسل جعل نفسه قادرا على ذلك ليُشاركهم إذ إن جسده النورانيّ لم يكن في حاجة الى طعام.

على هذه القاعدة، في السماء تنتهي الحاجة الى الغرائز السليمة. لذلك قال السيد: «لا يُزوّجون ولا يتزوّجون». هذه كانت نزعة متعلقة بحياتنا على الأرض. الى هذا كلّه يجب أن ندرك أن المسيح لن يموت ولن يتسلّط عليه الموت في ما بعد أي إنه وضع حدًا للموت ودخل في القيامة. وهذا ما سنحصل عليه نحن في اليوم الأخير.

لذلك نُعيّد للرب يوم الفصح لكونه حصل على هذه الأشياء التي هي مقدّمة لحصولنا نحن عليها. بهذا المعنى يقول الرسول: إنه بِكْرٌ من بين الأموات أي يُدشّن زوال مملكة الموت لنخرج نحن منها في اليوم الأخير.

هذا ما رآه بولس لما قال: «دُفنّا معه بالمعمودية وشاركناه في موته حتى كما أقامه الآب بقدرته المجيدة من بين الأموات، نسلُك نحن أيضًا في حياة جديدة» (رومية 6: 4)، وكأنه يقول إن المسيح وضع الأساس لحياة بارّة لنا نعيشها بفضله، فلو لم يكن قام نكون مائتين الى الأبد ولا رجاء لنا، ويكون العالم كلّه غريق فساد، فكأن الله خلقنا لنفنى، والله لم يخلق الدنيا لتنزول. هي أزالت نفسها بالخطيئة، والمسيح أحياها بقيامته.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الدخول الى أورشليم/ الأحد 28 آذار 2010 / العدد 13

هذا دخولُ فرَح لأن الرب يسوع جاء ليعطي المحبة لقاتليه. ويؤكّد هذا بولس في رسالته: «افرحوا في الرب كل حين وأقول ايضًا افرحوا». السيد هو الذي تطوّع للموت. كذا كانت مشيئة الآب وارتضاؤه هو، وكان حضور الروح القدس في الصلب.

يوم الجمعة العظيم عملُ الثالوث القدوس كله. والأسبوع العظيم الذي نفتتحه اليوم يحمل كل قوة الصليب مغنّاة كل يوم وليلة حتى نتهيأ للقاء السيد منتصرًا بالآلام ومعلنًا نصره بالقيامة.

ودليل الفرح أننا منذ أحد الشعانين نستقبل المسيح الخَتَن. الختن كلمة سريانية تعني العريس. فكلمات الرسول: «افرحوا في الرب في كل حين» تعني في هذه المناسبة: افرحوا بعُرس الحَمَل (يسوع) مع كنيسته، هذا العرس الذي نردّد كلماته حتى الثلاثاء مساءً لنُلاقي الفصح تدريجيا يومًا بعد يوم حتى نُعلن إتمام العرس على الجلجلة لأن كل عرس يتمّ بالدم.

بعد قولنا: «هوذا الخَتَن يأتي في نصف الليل» ليتخذ كل نفس وليس فقط الكنيسة ككل عروسًا له، نبوح له أننا له في رتبة مسحة الزيت، فنقرأ نصوص توبة مع كلمة الله (رسائل وأناجيل)، وإذا امتلأنا توبةً نذهب الى قداس الخميس العظيم ليتمّ الحب كاملا بيننا وبين المخلّص ويصير جسدُه جسدنا ودمُه دمنا كما في كل قداس، ولكنه هنا مقرون بصورة خاصة بذكرى العشاء السريّ، حتى إذا تعلّمنا فيه التواضع بغسل المعلّم أرجل التلاميذ نعدُه نحن بأن يمُدّنا بتواضعه لكي ننسحق أمام الإخوة حتى يَعلو المسيح وحده.

إنه يَعْلو بآلامه التي نقرأ رواياتها في الأناجيل الأربعة لنعيش صميميا وسط هذه الآلام دائمًا بالفرح منتظرين خلاصنا بالصليب. واذا قلنا: «اليوم عُلّق على خشبة» نفهم أننا نرث اليوم ثمار الخلاص بحيث نرجو السيد أن يُنزل علينا خلاصه الآن ولا نبقى متردّدين بينه وبين خطايانا. نحن له حسب كلمات الإنجيل نُفعلّها لننهض معه ليس فقط في الموسم ولكن كل يوم. مَن لبس نور المسيح ثوبًا لا يُرى فيه غير المسيح إذ يكون قد صار إنسانًا قياميًا وعاش الفصح كل يوم. الموسم تحفيزٌ ليبقى عمقه حقيقة فينا وفي سلوكنا.

قمّة الأسبوع العظيم هي الساعات الملوكية التي نُقيمها بين الصباح وصلاة الغروب التي بها نُنهي الرتبة فنزيّح الإبيتافيون اي أيقونة المسيح المدفون لنرتل له في جنّاز المسيح التي خدمته في الحقيقة سَحَر سبت النور. ولكن الكنيسة تسهيلا للمؤمن قدّمت السَحَر الى اليوم السابق ليُتاح للمؤمنين حضور الخدمة. ولكون خدمة الجناز هي سَحَر سبت النور، تأتي التقاريظ كلها فرحًا بالقيامة. فنأتي الى ما يُسمّونه النعش باللغة العامية لنُعانق الإله الدفين ونَعده أننا معه عند الاحتفال الطقوسيّ بالقيامة.

سبت النور قمّة أخرى في الأسبوع العظيم. ولكن لكونه مندمجًا بغروب العيد نُناشد الرب يسوع أن يقوم بقولنا: «قُمْ يا الله واحكمْ في الأرض». الخدمة هذه كان يجري فيها عماد الموعوظين الذي كانوا يتعلّمون ليستحقوا العماد، فيجري هذا في بيت المعمودية الذي كان بناء مستقلا عن مبنى الكنيسة. واذا انتهوا من العماد يدخلون الى الكنيسة. لذلك نرتل: «انتم الذين بالمسيح اعتمدتُم المسيحَ لبستُم» ونُباشر العيد في انتظار الصباح.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الأخير من الصوم/ الأحد 21 آذار 2010 / العدد 12

هذا هو الأحد الأخير من الصوم الأربعينيّ الذي ينتهي مع سبت لعازر، إذ بعد هذا السبت نبدأ صوم الأسبوع العظيم الذي هو صوم آخر إذ فيه الانشداد الكبير الى الآلام والقيامة وفيه تقشّف كبير.

في فصل الرسالة المأخوذ من الرسالة الى العبرانيين، يقول كاتبها «إن المقدِّس (اي المسيح) والمقَدَسين (اي نحن) كلهم من واحد (اي الآب)»، المسيح بالولادة الأزلية ونحن بولادة النعمة التي من الروح القدس، لذلك يُسمّينا يسوع إخوة بمعنى أن الآب يجعلنا برضاه أبناء له بالتبنّي وكنا سابقًا أبناء الغضب.

بسببٍ من ذلك يقول السيد لأبيه «ها أنذا والأولاد الذين أعطانيهم الله» لكوننا صرنا بالإيمان والمعمودية أبناء الله. ويكشف الرسول بنوّتنا لله الآب بقوله: «إذ قد اشترك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو كذلك فيهما». أراد الابن أن يكون مثلنا «آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس». هذا كان سبب التجسّد.

غاية التجسد يشرحها كاتب الرسالة هكذا:

«لكي يُبطِل (اي المسيح) بموته مَن كان له سلطان الموت أي إبليس»، أي لكي يُبطل فينا الموتَ الذي فتك فينا بسبب الخطيئة، «ويُعتق كل الذين كانوا مدة حياتهم كلها خاضعين للعبودية مخافة من الموت». ولكن إذا حلّت المحبة ثمرة لموت المخلّص فهي تُقصي الموت الى خارج. اذا ذكرنا كل خطيئة، ندرك أننا ارتكبناها خوفًا من الموت. الكذب خوف من العقاب. السرقة خوف من الفقر وهكذا.

بعد هذا يقول الكاتب: «كان ينبغي أن يكون (اي المسيح) شبيهًا بإخوته في كل شيء»، والمفهوم أنه شبيه بنا ما خلا الخطيئة. فإذا صار شبيهًا بالجسد والموت، يصبح رئيس كهنة لأنه هو الذي قدّم نفسه لله قربانًا. بات اذًا -كما نقول في القداس- قربانًا ومقرِّبًا. قبل ذلك الذبائح الحيوانية لم تعطِ الإنسان فداءً. كانت مجرّد رمز للذبيحة الحقيقية التي رُفعت على الجلجلة.

ثم يصف الرسولُ المسيحَ بأنه كان أمينًا في ما لله، مطيعًا لأبيه في كل شيء، في الجسد الذي اتخذه من العذراء، ولم تكن له مشيئة غير مشيئة أبيه، بمعنى أنه أخضع مشيئته البشرية لمشيئة الثالوث القدوس، وبهذا المعنى قال: «لا تكُن مشيئتي بل مشيئتُك». مشيئتان منسجمتان بحرّية المسيح. وهذا كله حتى يُكفّر خطايا الشعب حتى يمحوها بموته وقيامته.

ويستنتج الرسول من ذلك هذا: «اذا كان قد تألم مُجَرَبًا، فهو قادر على أن يغيث المُصابين بالتجارب» (أي نحن جميعًا اذا آمنّا به).

هذا هو اتّحادنا بالمسيح. نحن لا نُعذّب أجسادنا على طريقة تعذيباته، ولكنا نترك الخطايا لكي نرث في أنفسنا وأجسادنا الخلاص الذي أعطاه. اتحادنا به أن نقوم من الخطيئة التي مات السيد من أجل غسْلِنا منها.

بهذه القناعة نتهيأ للأسبوع العظيم الذي كانت كل وظيفته أن نستنير بنور المسيح حتى لا يبقى فينا أثر للشرّ ونكتسب النور الذي انفجر من قبر المخلّص حتى نكون في العيد أولاد نور.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء يسوع/ الأحد 14 آذار 2010 / العدد 11

ولدٌ فيه روح أبكم، أي روح يجعله أخرس، طلب والده من يسوع شفاءه. العوارض التي كان الفتى مصابا بها عوارض داء الصرع (épilepsie). ولما جيء به الى يسوع، ظهرت هذه العوارض عليه. أبوه أكّد أن هذه العوارض كانت تُلازمه، وسأل يسوع اذا كان يستطيع أن يقوم بشيء من اجل هذا الغلام وقال له: «تحنّنْ علينا». عند ذاك قال له الرب: «إن استطعتَ أن تؤمن فكلّ شيء مستطاع للمؤمن». كثيرًا ما كان السيد يفتّش عن الإيمان عند الذين يرافقون مريضًا. ولكن لم تكن هذه قاعدة عامة.

جواب الوالد ليسوع كان: «إني أؤمن يا سيد. فأَغِثْ عدمَ إيماني». ربما كان المعنى الذي قصده أَعنّي في ضعف إيماني. قد لا يعرف الإنسان أيّ مقدار عنده من الإيمان فيتضع ويقول إني لستُ قويا في الإيمان ويسأل ربه أن يزيده إيمانا.

عند تصريح الأب بإيمانه، أخـرج يسوع الـروح النجس بأمـر منـه، فصار الولـد كالميـت «حتى قال كثيرون إنه قد مات. فأخذ يسوع بيده وأنهضه فقام». بهذه الكلمات لمرقس الإنجيليّ نتجاوز الحادثة الى وضعنا الروحي، فإذا كان أحدنا خاطئا، غميق الخطيئة يكون كالميت او هو ميت روحيا.

بعد الحادثة دخل يسوع بيتًا لا بد أنه كان لأحد الأصدقاء، فسأله تلاميذُه: «لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه». كان هذا الفتى قد قُدِّم لهم ولم ينفعوه بشيء. عند ذاك قال لهم السيّد: «إن هذا الجنس لا يخرج الا بالصلاة والصوم».

ما معنى اذًا كلام السيّد؟ يبدو لي أن المعنى أن صلاتهم لم تكن عميقة ولا حارّة، أي ان محبتهم لله كانت ضعيفة وما كان لهم سلطان على روح الشر الذي كان في بعض المرضى. كان السيد يريد أن الصلاة قادرة على كل شيء وحتى على طرد الشياطين فلا يبقى عند المصلّي أثر للشر. عندئذ يصبح مقتدرًا على كل شيء. ويكون هكذا في حالة الصوم أي ضابطًا نفسه، متّكلا فقط على الطعام الروحيّ الذي يعطيه إياه الرب بديلا عن الطعام الجسديّ. ولهذا نقرن في كنيستنا دائما الصوم بالصلاة لئلا يكون مجرّد نظام حمية. المؤمنون عندنا يُحسّون أن صلوات الصوم الفصحيّ هي التي تقوّيهم على تحمّل الإمساك فيهون بالواقع ولا ينزعجون منه لأنهم يتقوّون بالخِدَم الإلهية (صلاة النوم الكبرى عند كل الأتقياء، القداس السابق تقديسه، المدائح وغير ذلك عند القادرين).

بعد هذا تنبأ يسوع عن موته وقيامته. هذه الآية الأخيرة من هذه القراءة تُدنينا من العيد، والصوم كله مشوار الى الفصح.

ولا نقوم نحن بالصيام الا استعدادًا منه ليوم القيامة الذي هو «عيد الأعياد وموسم المواسم». هو وعدٌ بقيامتنا نحن في اليوم الأخير بعد أن كانت لنا قيامة أُولى بالمعمودية وقيامة دائما في التوبة.

وبعد أن سجدنا للصليب المقدّس الأحد الماضي، وجّهنا انتباهنا أكثر فأكثر الى القيامة التي هي حياتنا.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 7 آذار 2010/ العدد 10

هذا الأسبوع يتوسّط الصيام وقد لاحظ آباؤنا أن بعضا من المؤمنين ربّما ملوا الصوم. أن يُتابعوه يوما فيوما أساسيّ حتى نصل الى نهايته مع سبت لعازر. رأت الكنيسة أنه من المفيد أن تضع هذا الأحد يوما يشبه الجمعة العظيمة برفع الصليب في وسط الكنيسة ليأخذوا منه قوّة ولا يتضجروا. بعد تقبيله، يعطي الكاهن للمؤمن من الرياحين إن وُجدتْ وإلا فزهرة كأنه يقول له: «بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم». الصليب ليس لنا أداة تعذيب. إنه انتظار كل إنسانٍ قيامته من الخطيئة. المسيحية فرح.

أتى إنجيل اليوم ليكشف حقيقة هذه المعاني. «من أراد أن يتبعني فليكفُرْ بنفسه ويحملْ صليبه ويتبعْني». لا يسعُك أن تمشي وراء يسوع حقا إن لم تُرد ذلك بإرادة واضحة. شرط سيرك وراء يسوع أن تكفُر بنفسك اذ ليس عندك معبودان، ذاتك والمسيح. ترمي أنانيتك والكبرياء والشهوات التي أنت أسير لها لتقبل السيّد في أعماق كيانك.

هذا هو حمل الصليب. خطاياك تصلبك عليها، تُكبلك، تخنقك فلا تبقى لك إرادة أن تتبع المسيح. ثم يتابع الإنجيل كلام المعلم: «من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها، ومن أهلكَ نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». أي إذا أردت أن تصل الى الخلاص عليك أن «تُهلك» نفسك بالجهاد الروحيّ، بالأصوام، بتصميم أكيد، صادق على التوبة. بما سمّي هنا إهلاكا أي تعبا، يخلّص الإنسان نفسه.

ثم يوضح السيّد هذه المعاني بقوله: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه». المعنى أنك إذا لم تقبل صليب يسوع فأنت رابح أموالك وزعامتك وكبرياءك وملذّات كثيرة. بهذا تخسر نفسك، ذاتك الحقيقيّة.

عند يسوع لا شيء في العالم يُقابل النفس اي هذه التي تتقبل الله. لا شيء مثل الله الذي في القلب، وكل تعلّق لنا بهذا العالم من مجد باطل لا يترك مجالا لله في القلب لأنّ عشق العالم رفضٌ لخالق العالم. نحن ملتصقون بيسوع فقط، ونستعمل العالم استعمالا من أجل المعيشة، ولكنّ قلبنا ليس عبدا للدنيا وما فيها من إغراء. واذا وقعنا في إغراء، يقول لنا السيد: «مَن يَستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الشرير يستحيي به ابنُ البشر».

هذا لا يعني أن أحدا يقول قولاً: أنا أستحيي بالمسيح. هذا يعني أنك إن كنت، بتصرّفاتك، رافضًا المسلك المسيحيّ فأنت رافض المسيح نفسه ورافض إنجيله، وبذا تكون قد رميت نفسك خارج المسيح هنا ومِن بعد موتك.

الآن عاهِدِ المسيحَ على أن تبقى له إذ قبّلتَ الصليب واستلمْت زهرة.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

الكنيسة الصائمة/الأحد 28 شباط 2010 / العدد 9

نتوغل يوما فيوما في هذا الموسم الطيب في الصيام. ليس اننا فقط نألف الطعام الصيامي منذ طفولتنا، ولكنا رأينا ان الصائمين صاروا كثرا في السنوات الأخيرة. ونرى عددا متكاثرين من المؤمنين يَؤمّون الكنائس وبعضهم كلّ ليلة في ما عُرف بصلاة النوم الكبرى وفي يومي الأربعاء والجمعة في القداس السابق تقديسه حيث يتناولون جسد الرب ودمه بين أحد وأحد.

يخرج المؤمن من الكنيسة حاملا مسؤولية التوبة، وهذا يجيئه من حركة هذه الخدمة المسائيّة المؤلّفة من مزامير وأفاشين وطلبات قصيرة وذلك في قراءة او ترتيل، وتتأصل المعاني بالتكرار من الإثنين الى الخميس. اما في يومي السبت والأحد فصلاة الغروب، والجمعة فالمديح الذي هو ربع المديح الكبير الذي يُتلى كاملا في حينه ما يجعل في الخِدم تنويعا.

من الفائدة بمكان أن نقف معا في المعبد. الصلاة الجماعية لها قوّة خاصة. والعهد الجديد يتكلّم على المواظبة على الصلاة بحيث نتوجّه معا الى الله. «وكانوا يُداومون على الاستماع الى تعليم الرسل وعلى الحياة المشتركة وكَسْر الخبز والصلاة» (أعمال الرسل 2: 42). فاذا كنا معا نُبيّن صفتنا اننا جسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا. هذا التماسك يبدو بخاصة في اننا نصلّي «بفم واحد وقلب واحد». وأن نكون في الأمسيات في ايام الأسبوع مُلازمين بعضُنا بعضا يُطهّرنا من الخطيئة ويُعدّنا لقداس الأحد الى طهارة كاملة.

القداس قمة اتحادنا بالرب. قبل الوصول الى القداس هناك سير طويل. من مراحل هذا السير في هذا الموسم الانحصار في الله ليس فقط عن طريق التقشّف بالأطعمة ولكن عن طريق رجوع القلب الى السيّد بإخراج كل خطيئة منه وكل تعلّق بأمور الدنيا اي بتفريغ النفس مما هو غير الله وإحلال الله فيها. هذه العمليّة عظيمة جدا وتتطلّب سهرا دائما على الذات اي انها عملية تسبيح وشكر وطلب.

بالطلب تقترب من الله، واذا وُهبتَ ما طلبت تدخل في كلام الشكر حتى اذا انتهيت منه لا يبقى امامك سوى التسبيح الذي تتجاوز فيه الطلب والشكران وتُمجّد الله في ذاته ولا تلتمس منه شيئا. تكون عندئذ قد أكملت الحوار، صاعدا على سُلّم الفضائل ونازلا منها لتقوم على الأرض بأعمال إلهيّة. الصلاة هي تلك الرياضة التي تؤهّلك لتقوم بأعمال صادرة في قلبك عن إلهام إلهيّ. بهذه الصورة تتحرك كإنسان إلهيّ.

الله تكلّم بالأنبياء قديما وبمسيحه. أخذت الكنيسة هذه الكلمات، فمن جهة احتفظت بها، ومن جهة صاغتها بما يوافق المؤمنين بحيث صارت كلماتك اليه هي أصلا كلماته اليك، فيبقى ربك صاحب الحديث وانت تستلذّ الحديث فتُعيد كلماته اليه.

وأفضل مكان لتسمع ولتقول هو الكنيسة ففيها الكلمات الإلهية بدءًا من الإنجيل وتلك الكتب الضخمة التي نتلوها موسما بعد موسم والموافقة معانيها للأعياد. عشْ في الكنيسة مع الإخوة لتحسّ بأن الروح القدس نازل عليكم معا.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة بعض التلاميذ/ الأحد 21 شباط 2010 / العدد 8

حسب إنجيل يوحنا، أوّل تلميذ دعاه إليه يسوع هو أندراوس الذي بدوره دعا أخاه بطرس. كان هذا في اليهودية. بعد هذا ذهب السيد الى الجليل «فلقي فيلبس فقال له اتبعني». يقول الإنجيل ان هؤلاء الثلاثة كانوا من بيت صيدا التي هي على بحيرة طبرية.

ثم «لقي فيلبس نثنائيل» وهو غير مذكور مع الإثني عشر في الأناجيل الأولى. والمُعتَقد انه هو برثلماوس المعدود بين الإثني عشر. فيلبس يقول له: «وجدنا الذي ذَكَره موسى في الشريعة والأنبياء وهو يسوع ابن يوسف (المعروف هكذا عندهم إذ لم يعرفا بعدُ بتولية مريم) من الناصرة (لأنه كان لا يزال يسكن الناصرة)». أي ان كلام نثنائيل يعني أن يسوع هذا هو «المشيح» (هكذا بالعبرية، وهو المسيح بالعربية). نثنائيل يكون ضمنا بهذا الكلام اعترف بأن يسوع هو المسيح.

في يوحنا 21: 2 نعرف أن نثنائيل كان من قانا الجليل التي كانت قريبة من الناصرة. عند دعوة فيلبس لنثنائيل حتى يلتحق بيسوع قال نثنائيل: «أمِنَ الناصرة يُمكن أن يكون شيء صالح». هذه المدينة كانت حقيرة إذ لم يذْكرها العهد القديم مطلقًا. عندئذ أجابه فيلبس: «تعال وانظر»، أي تعرّفْ على هذا الرجل المعروف بيسوع بن يوسف. عاشرْه او استمعْ الى ما يقول. اختبرْه فتعرف أنه المشيح الذي تكلّم عليه موسى والأنبياء.

ذهب نثنائيل مع فيلبس الى المعلّم، فلما رآه يسوع قال: «هوذا إسرائيليّ لا غش فيه». هنا شبّه المعلّم هذا الشاب الى إسرائيل القديم أي يعقوب أبي الأسباط الذي لم يكن خاليًا من الغش.

ووعدَ المسيحُ هذا الرجل برؤية شبيهة بالتي شاهَدَها يعقوب في سِفْر التكوين (28: 10-17) وهي سُلّم يعقوب. هذه الرؤية هي في أن يعقوب حلمَ أنه «رأى سُلّما منصوبة على الأرض رأسها الى السماء وملائكة الله تصعد وتنزل عليها». عند أعلى السُلّم كان الله حسب سفر التكوين. عند أسفل السُلّم ليس عندنا صورة. في إنجيل يوحنا فقط نلحظ أن مَن كان عند أسفل السُلّم هو ابن الإنسان اي المسيح.

الإنجيليّون الأربعة لم يُسَمّوا مرة يسوعَ ابنَ الإنسان. هو سَمّى نفسه هكذا. عبارة «بن الانسان» وردت عند دانيال هكذا: «ورأيتُ في منامي ذلك الليل، فإذا بمِثْل ابن إنسان آتيا على سحاب السماء، فأسرع الى الشيخ الطاعن في السنّ، وأُعطي سلطانا ومجدا ومُلكا حتى تعبده الشعوب من كل أمّة ولسان ويكون سلطانه سلطانا أبديا» (دانيال 7: 13و14). الشيخ الطاعن في السن صورة عن الإله «القديم الأيام». ابن الانسان يتقدّم امام الله كي يتسلّم مُلْكا أزليا لن يُعطى لآخرين.

ابن الانسان تسميةٌ للمسيح في ألوهيّته كما يشدّد عليها إنجيل يوحنا.

Continue reading