Category

مقالات

2015, جريدة النهار, مقالات

الكاتب‭ ‬هدية‭ ‬الله / الجمعة في 1 أيار 2015

يأتي وقت المقال وليس عندك شيء. من أين يأتي المقال؟ هناك زاوية جريدة مبسوطة أمامك وقراء ينتظرونك. مشكلة كاتب الصحيفة انه مضطر واضطراره الا يكون تفها لأن هذا حق القراء عليه. ماذا تكتب ولا تكرر ذاتك؟ لماذا لا تكرر ذاتك ولو لعبت لعبة تغيير الكلمات أو تغيير رصفها؟ اظن ان كاتب الصحيفة تحديدا هو المضطر على فكر ينتظره الناس أي انه مضطر بحياة داخلية فيه ولا يستطيع ان يرصف كلمات.

هو لا يستقبل كل كلمة تأتيه لكونه رسولا.

ليس عندك شيء اذا لم تطلب شيئا من فوق. فقد لا يكون في داخلك شيء اذا أردت الكتابة لأن هذه لا تفتعلها. هي تنزل ان كنت كاتبا حقا. الكاتب تستكتبه قوة من خارجه. من هذه الزاوية لا يكرر نفسه. أحيانا تراه يردد ما قال. في الحقيقة تنزل دائما الكلمات جديدة أو تأتي كلماته القديمة بوهج جديد. الكاتب الحق يخلق لأنه يجيء من الخالق أو من غير نفسه ولا يقول أبدا الشيء عينه أو قل انه يأتي به بوهج جديد. ان لم يكن ثمة التماع غير مسبوق فليس من كتابة.

ليس للكاتب ان يقول من أنا، ماذا اعرف. عليه ان يقول: هؤلاء القراء ماذا ينفعهم ليصير كل منهم إنسانا سويا. في الحقيقة ليس من سوي لأننا انحرفنا بعد الخلق. أنا افهم ان الكتابة حب. بعد هذا كل شيء صناعة. عندما تقول هذا ملهم عما أنت تتكلم؟ إن كنت مؤمنا تعني ان الله يحرك له نفسه. فالقارئ الكبير لا ينتظر ما كان دون الله. انه لا يكتفي بالعادي، بالمكرر. اذا كنت تحب قارئك يأتيك جديد القول أي الذي يجدد روحك. دون ذلك مجرد كلام. الناس ينتظرون منك ما يشبه لغة الله. نحن المسيحيين نقول اننا نأكل جسد المسيح. ماذا يعني هذا الكلام بعد ان صعد المسيح إلى السماء؟ انه يعني ان السيد قادر بالحب ان يجعل نفسه بعضا عنك أو ان يجعلك بعضا منه. هل يكون مأخذا علينا ان قلنا ان علاقتنا بالله علاقة حب؟ أنا لا افهم من يتأذى من هذه العبارة. هذه لغة الحب؟ هل هناك ما كان فيه احترام أكثر من الحب؟ عند الروحانيين أنت حبيب الله والله حبيبك. هذا لا يعرفه العابدون الصغار. أحد القديسين عندنا وهو من القرن الرابع أراد ان يفسر للضعاف عبارة عبادة الله التي كانت تعثرهم لحسبانهم انها عبودية. قال: «ماذا يعمل العاشق غير ان يستعبد نفسه للمعشوق؟» عندما قال يوحنا الرسول: «الله محبة» أراد انه وحده يحب ووحده يستحق المحبة والناس به متشبهون. لا يقدرون وهم في الجسد أي في الأنا ان يحبوا بصورة كاملة مطلقة. الناس ما داموا أحياء خاضعون للجسد أي لكل ما يفنى فيهم.

افهم ان يدعي الكاتب انه غير خاضع للسلف اذا وجد شيئا جديدا في الفكر أو التعبير. كذلك افهم من احس انه يأتي من الاسلاف ولو كان على شيء من الابتكار. أنت كبير اذا اتيت من الله، من عمق معناه أو من صورة كلامه. لك ان تدعي بعض الاستقلال عن اسلافك ولكن ليس لك ان تظن ان الله برحمته لم يكن لك ساترا أليست كبرياء عظيمة الا ترى نفسك مدينا لله في الكتابة؟ للنقاد ان يقولوا ان أتيت مبدعا. انه لكبرياء ان تهتم انت لهذا. قل حقيقة الله التي فيك وامشِ. من تكون لتهتم بكونك مبدعا أم غير مبدع؟ من يحكم في نفسه؟ اطرح كتابتك على ورق وامشِ. يفهم من يفهم ويحب من يحب وأنت تنطوي في رحمة الله. الله لا تهمه الكتابة الجميلة. يهمه خلاص الكاتب. ويبقى الاثر المكتوب رحمة من الله.

ربما كتبنا للانفراج. المهم ان تأتي الكتابة نافعة للناس. ليس الاصل فيها فنها. السؤال هو هل هي نازلة من عند الله؟ هذا لا يعني انك تقول دائما قولا تقيا. ولكن لا تهمل بهاء النفس عند القارئ. عند انعدام الحب «الحرف يقتل» ككل آلة قتل.

أنت، كاتبا، لست هدية من الجمال. أنت لست عظيما ان لم تكن هدية من الله. نحن الكتاب المؤمنين عندنا مشكلة مع الجمال الأدبي. نخشى ان يصبح عبادة. اذا أحببت الله يحررك من عبادة الجمال، يعطيك الكلمة، كلمته.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

إذا أخطأ أحدنا / السبت في 25 نيسان 2015

يخيفني من لا يعتبر نفسه اذا أخطأ قاتلا للإله. لمن يخطئ اذا أخطأ؟ عندما تؤذي إنسانا آخر يتوجع الله. الفلاسفة لا يفهمون وجع الله لأن إلههم بلا حراك. من قال ان الله لا يتوجع؟ أليس لأنكم في سذاجتكم فهمتم ان الألم يصير في الجسد فقط؟ الله هو الذي يتوجع بامتياز لأنه الإحساس بامتياز. الفرق بينه وبين الخلائق في هذا ان الألم لا يفنيه. عندي أيقونة لوجه السيد حققها الياس زيات الدمشقي. يسوع فيها في سلامة وفي ألم بآن. كيف استطاع الزيات ان يكتب هذه الأيقونة؟

لماذا يريد بعض ان ينزه يسوع الناصري عن الألم؟ هل يظنون ان في الأوجاع دونية تلحق الذات البشرية؟ هل لأن الألم في خفايا عقولهم قصاص؟ لعله كذلك في رؤيتنا الطبيعية. ولكن يسوع الناصري جعله عندما ارتضاه معراجا إلى رؤية عظيمة. لم يبق الألم وجودا ناقصا عندما تبناه يسوع الناصري حبا. هذا شرط ارتقائك به. نحن لا نقدس الألم لمجرد ان المعلم توجع. نحن نقبله فقط لأنه ارتضاه.

كل خطيئة إرادة قتل للإله الذي فينا اعترفنا بهذا أم لم نعترف. لا يخطئ أحد إلى نفسه أو إلى الآخرين أولاً. انه يخطئ إلى الله الذي كشف ان الحق في الطهارة. من ارتضى آلامه من أجل يسوع قائم من بين الأموات. لكم أنتم ان تتوجعوا مع الذي لا يلقى في أوجاعه المسيح. اما اذا أحببتم المتألمين وذاقوا حبكم فأنتم وإياهم قائمون من بين الأموات. المسألة هي في هذا ان الطريق الطبيعية إلى قيامتك الروحية من الموت تمر، ضرورة، بتوبتك. هذا اذا فهمت ان التوبة ليست اعراضا عن الخطيئة وحسب ومجرد ندم ولكن رجوع إلى ذات الله.

اذا كنت لصيقا بخلائق يريدك ربك ان تصير لصيقا به أي الا تعترف ان لقلبك مرجعا آخر. في الايقونة التي أمامي أرى عيني السيد محدقتين بي تحديقا كبيرا. ماذا أعمل بعيني؟

الله لا يموت في ذاته ويلازمك بحنانه وأنت في خطيئتك. ولكن ان ثبت تقبله فيك. هو يسودك ان قبلته. أحبب وجوده فيك حتى لا يبقى وجوده فيك عذابا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الفصح المقيم / السبت في ١٨ نيسان ٢٠١٥

الذي لا يحس ان الفصح مقيم فيه يكون قد خسره. مشكلتنا الأساسية في المسيحية انها احتاجت إلى أعياد تربي فيها الناس وان كثيرا منهم لا يعقلون. سهل على المرء ان يحس ان العيد يوم ثابت ولا يعرفه حقيقة.

قائمة في النفس المشكلة ان الزمان يطوعنا لنفسه فنشعر ان الأعياد تعبر ولا ندرك حقا انها فينا. هذا من صعوبة حسنا بالزمان في النفس. ولكنك في حاجة إلى العيد لتتربى به على دوامه. لو كان الانسان أبدي الشعور لا يتقلب بتقلب الازمنة لما كان في حاجة إلى أعياد. صح ان العيد يأتي من مطلق معناه ولكنه ينزل إلى محدوديتنا. تقطيع السنة أعيادا يدخل تحولاتنا إلى أبدية في النفس.

كان نيتشه يقول: «أيها المسيحيون أروني انكم نلتم الخلاص لأومن بمخلصكم». لماذا الفصح يستبقيه المؤمنون عيدا ولا يترجمونه حقيقة في النفس؟ لماذا بقوا في الموت ولم يقوموا في هذه الدنيا من موتهم؟ ان القيامة ان لم تكن فيك نفسانيا لا تكون قد وصلت اليك لا معنى لتعييدها. متى تعيد التعييد من التقويم إلى نفسك؟ لو كان المسيحيون قادرين ان يذوقوا الفصح واقعا نفسانيا لما احتاجوا إلى عيد. متى يصبح المسيحيون أحياء فلا يرزحون تحت أي ثقل من أثقال الدنيا؟ متى يفرح الأعرج كالسليم؟ المسيحيون يعيدون للقيامة كل يوم أحد ويبقون كالأموات. لما كنت طالبا في باريس كنت أزور أبي الروحي كل يوم ويقدم لي الشاي على عادة الروسيين. مرة رآني حزينا فقال لي يا فلان لمَ أنت حزين؟ ألا تعلم ان المسيح قام من بين الأموات؟ متى يواجه المسيحيون كل أتعابهم ومشاكلهم وإيمانهم بأن المسيح قام؟ هل جمال الترتيل عندنا يحجب رؤيتنا للسيد؟ هل الأعياد أعياد أم انها قناعة؟

اذا افترضنا ان المؤمنين يحبون الله حبا كبيرا لا نبقى في حاجة إلى أعياد. إلى هذا نعرف ان الكبار في التقوى لهم كل يوم عيد.

من استطاع ان يطهر نفسه من الخطيئة يصبح إنسانا قياميا. هل نقبل ان نبقى رازحين؟ من قبل نفسه غير قادر على القيام ليست له قيامة. العيد يعبر. اما الإيمان بقيامة يسوع فحياة تحيينا. النقاوة عيد مقيم. لو كنا حقا قادرين عليها لما كنا في حاجة إلى عيد. الذين يريدون ان يقوموا من خطيئتهم هؤلاء وحدهم لهم الحق بأن يقولوا المسيح قام.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الفصح / السبت في 11 نيسان ٢٠١٥

الفصح كلمة عبرية تعني العبور. فصح اليهود هو عبورهم من مصر، أرض العبودية إلى أرض الميعاد. الفصح المسيحي عبور الناس من الخطيئة إلى البر وذلك بموت المسيح وقيامته أي بإيمانك بهذا الموت وفاعليته وفي حياتنا الطقوسية لا نفرق بين الجمعة العظيمة وأحد الفصح. هذه ثلاثية متكاملة. ثنائية موت المسيح وقيامته تتجاوزها في العبادات لأنك لا تذكر هذا الموت وتبقى عنده. تقفز دائما من صلب المخلص إلى انبعاثه. لافتون المسيحيون الشرقيون الذين إذا ذكروا في الصلاة موت المعلم يتكلمون فورا عن القيامة. اسمع الحان القيامة وكلامها في صلاة الجناز.

يقول بعض ان الكنيسة الغربية تركز على آلام السيد والكنيسة الشرقية على القيامة. هذا غير صحيح. في الكنيستين توازن كامل بين الحدثين لسبب بسيط ان القيامة هي في الآلام أيضًا. لذلك يجمع المؤمنون المتتبعون نصوص الآلام والقيامة ان ليس من فرق بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية في هذا وان كان المسيحي في الغرب يهتم لآلام السيد أكثر في الممارسة الشعبية.

الفصح في الممارسات الطقوسية عندنا هو من الجمعة العظيمة حتى الأحد وإذا كان الفصح في اللغة العبرية يعني العبور فهذا كله عبور السيد من الموت إلى الحياة. يلفتني في الكنيسة الأرثوذكسية انك، مؤمنا ممارسا، من الفصح وبعده خمسين يوما تسلم على رفيقك بقولك: «المسيح قام» ويجيبك «حقا قام». كل طفل أرثوذكسي يمارس العبادات يعرف ان يسلم على رفيقه من الفصح إلى خميس الصعود بقوله له: «المسيح قام». وإذا مات أرثوذكسي بين الفصح وخميس الصعود يقام له جناز الفصح. ترتيلا وتهليلا بالقيامة ولا يرتدي الكهنة ثيابا سوداء في الصلاة ولا تستطيع ان تفرق في النص والموسيقى بين صلاة الجناز وصلاة العرس. كلنا في الحياة والموت، عرائس المسيح.

هل أنت تؤمن حقًّا بسبب من ذلك انك قائم من بين الأموات؟ هل صدّقت ان مناولة جسد الرب كل يوم أحد هي قيامتك أم لا تزال تشعر ان خطيئته تبقيك في الموت؟ هل القيامة فقط ذكرى المخلّص أم باتت حياتك الحق؟ هل الفصح عيد أم واقع نفسك؟ هل أنت فصحي؟ كان هذا الكافر نيتشه يقول: «أروني المسيحيين قائمين من بين الأموات حتى أؤمن بمخلصهم». ألا ترغب في ان تتحدى نيتشه وتظهر للملأ، ان بتّ حيا، انك استضأتَ بنور المسيح؟

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الشعانين / السبت في ٤ نيسان ٢٠١٥

«قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعا راكبا على اتان وجحش ابن اتان». أليس هذا لنقول لهم انك في واقع القوة لا تملك وفي السياسة ليس لك شيء؟ تأتي اليها لتقتلك؟ من يذهب سواك إلى الموت طوعًا؟ لماذا اخترت الموت طريقًا إلى حياتنا؟ لماذا تطوعت له ولم تغلب بلا موت؟ لماذا اخترت مقهوريتك لقهر الشيطان؟ هل لعلمك انها هي وضعنا الطبيعي الدائم وانك فيها تلقى كل بشر؟ لماذا كان يجب ان تنزل إلى كل هذا الشقاء؟ ألعلمك ان الشقاء هو وضعنا الأساسي والسائد؟ لماذا أردت ان تلقانا في خطايانا؟ هل لعلمك اننا هناك، بصورة عادية، نبيت؟

من دخل إلى مكان ليموت فيه؟ غيرك تقبل الموت، لم يقتحمه. أكان ذلك لتعلمنا ان لا حياة لنا الا من موت أي من موت الأهواء والمنافع والخطيئة؟ أظن ان تحديك ايانا هو في قولك ان طريقكم إلى الحياة هي الموت. وفهمنا بعد هذا ان موتك أنت لاموتنا هو قيامتنا. كيف يذهب إنسان طوعا إلى موته؟ من سيرتك تعلمنا ان موتنا حبا هو طريقنا إلى القيامة وفهمنا انه لا ينبغي ان نحب الموت ولكن القيامة من بين الأموات. الموت قصاص، مفيد فقط لمن قبله طريقا إلى الحياة في الله. نحن لا نسعى إلى التألم. هذا تفسير خاطئ لضرورة اقترابنا من المسيح. المسيحية ليست ديانة الألم. هو فينا، لم نخترعه. ولكنك منه تذهب إلى هناك وإلى فوق.

ما دعا يسوع إلى الألم. هو فيك، يأتيك وتتقبله إلى حين وتتجاوزه بفرح القيامة الآتية إلى قلبك. خطأ التعليم الذي يوحي بأنه عليك ان تستلذ الألم. أنت بحركة أولى تستقبله ولكنك تفعل هذا لتتجاوزه ويحسب لك هذا برا. الواقع يأتي به اليك ولكن ربك لا يريد له ان يبقى. تقبله لا صبرا اليه ولكن إلى ربك وبهذا تزيله. الله لا يريد ان يفتعله فيك. اذا جاءك يربيك به. الكل يحررهم في الحياة الأبدية والخبرة الروحية تقول ان الله يعطينا التربية عليه بالألم.

لا يريدك الرب ان تفتعل الأوجاع فيك ولكنها تجيء. أنت لا ترحب بها ولكنها ان حلت اقبل ان تربيك. لماذا لا بد من ان تعبر بالألم؟ لم يجب يسوع عن هذا السؤال ولكنه لما اقتبل أوجاعه فهمنا ان هذا ما يجب علينا ان نفعله.

غير صحيح ان المسيحية ديانة الألم. هي قبول لألم لم يستشرنا أحد به لأن القبول هو ارتضاء ما يؤتى الينا بعده أي تعزيات الروح القدس. لماذا الدنيا قائمة على ان القيامة، قيامة كل إنسان تسبقها أوجاع؟ أظن ان هذا من باب الواقع ولكن من باب الإيمان ان ارتضاء الألم في الطاعة لله طريقنا إلى القيامة ليس الآتية فقط ولكن الحالة فينا بالمحبة.

إلى ان يقيمنا الله من بين الأموات نحن في قبضته. بيتنا رحمة كل منا للآخر. ان حيينا أو متنا نحن معه نرجو كل يوم حنانه. والرفق هو المناخ ونتعزى حتى ينزل.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

مريم المصرية / السبت في ٢٨ آذار ٢٠١٥

لست أعرف لماذا الكنيسة الأرثوذكسية تحب هكذا القديسات العائدات من التوبة ولا تبدو مسحورة بالقوة نفسها بالذين كانوا دائمًا تائبين. هل ان الأرثوذكس خطأة تائبون؟ ربما ليس عندنا تعريف عن المؤمن الكبير أقوى من قولنا انه جاء من التوبة. المسألة انك لا تقدر ان تتكلم عن البر ما لم تتكلم عن الخطيئة. هذا أسلوبنا من أجل الهداية. ثم لماذا هذا الكم من القديسين الذين كانوا خاطئين؟ هل لأن الكنيسة لا تعرف كثيرًا عن ناس كانوا دائمًا تائبين؟ أنت لا تستطيع ان تتعاطى الكنيسة الأرثوذكسية بسهولة. هي صعبة المنال وأصعب ما فيها انها لا تصدق ان الناس الذين كانوا طوال حياتهم أطهارا كثيرون. أجل هذا صحيح ولكن يبدو لي أيضًا انها تريد ان تعزي الذين كانوا خطأة بتصوير ان مصيرهم في حنان الله وتوبتهم في الخلاص. أجل نعرف من سيرة القديسين ان بعضهم كان طاهرًا منذ شبابه ولكن ما في أذهان الناس ان كثرة من الأبرار جاؤوا من الخطيئة. ويلفتك في العبادات الأرثوذكسية انها لا تتكلم كثيرا عن طهارة دامت عند بعض بقدر ما تتكلم عن التائبين. هل لأننا نعرف واقع الحياة أم نريد ان نرى أنفسنا خطأة لئلا نستكبر؟

ثم يلفتني في سيرة القديسين عندنا اننا نقول عن بعض من آبائنا انهم كانوا زناة. لماذا اللفتة إلى الخطيئة دائما؟ هل لأننا نخاف الغلو ان لم نصف الأبرار بأنه كانت لهم شوائب؟ لماذا الإلحاح على مريم المصرية ومريم المجدلية؟ لا يوجد غير هذين الاسمين في الخاطئات؟ ثم لماذ هذا الإكثار من ذكر خاطئات وليس من ذكر خاطئين؟ هل لأن من كتب السيرة هم الرجال؟ ثم لماذا انتقاء الخاطئات من مصف الفاسقات التائبات وليس فمن كنّ يتعاطين خطايا أخرى؟ هل الكنيسة ترتجف أولا من الزنى ولا نرى مثلا انها ترتجف من الكذب؟

هل الكنيسة تكثر من الكلام عن العفة لاحتسابها اننا من حيث الكم نخطئ أولاً اليها؟ لم اعثر في الأوساط التقية عمن تكلم جهارا ضد الكذب. هل لأن من تحصيل الحاصل قول الكتاب ان «كل إنسان كاذب».

لست أعلم لماذا الانتباه الشديد إلى عفة النساء في الأدب المكتوب لا إلى عفة الرجال؟ هل المضمون ان الرجل مباحة له أشياء وأشياء لأنه قوي أو معه مال والمرأة مقيدة بالعفة ليعرف ان أولادها هم أولاد زوجها.

ثم لماذا الخاطئات اسمهن مريم؟ هل كان المسيحيون الأوائل قليلي الخيال في اختيار اسماء لبناتهن أم انهم يحبون كثيرا أم يسوع فيرون ان في هذا الاسم دعوة إلى توبة صاحبته؟ لافت ان الكنيسة لتتكلم عن التوبة اختارت كثيرا نساء وركزت على انهن آتيات من الفسق. هل ان الرجال قليل فيهم الزنى أم لإحساسها ان المرأة العفيفة هي الكائن الذي يدعونا إلى الطهارة؟

أنا لست عالما في الطقوس المسيحية المقارنة ولكن لفتني ان الكنيسة الأرثوذكسية تتكلم كثيرا عن العفة بمعناها الجسدي. هل هذا التركيز أتى من ان كتاب الطقوس عندنا كلهم رهبان وما يجذبهم في الفضيلة أولا هو العفاف. هل لأنه صعب حتى على الذين في الدير ولا يمسون امرأة؟

في غرفتي ايقونة هامة لمريم المصرية. لماذا؟ من أتى بها؟ هل لكون التوبة معجزة، قريبة من المستحيل؟ بمعناها الكامل باللغة اليونانية هي تحويل كل ما في عقلك إلى الله. هل من إنسان له ان يصبح إلهيا إلى هذا الحد؟

لماذا بقيت مريم المصرية نموذجا لي جاذبا ولم اختر قديسا عاش القداسة طوال حياته؟ لماذا يعجبنا التائبون أكثر من الذين كانوا دائما طاهرين؟ تروقني الكنيسة الأرثوذكسية لأنها عرفت ان تختار قديسين ممن خطئوا. ربما لتقول للمؤمنين انهم جميعا قادرون على التوبة ان رغبوا.

كل يوم نحتفل بقديس. لماذا في الأيام المكثفة التقوى نحتفل بالقديسين الذين خطئوا؟ أظن ان هذا تربية لنا جميعا أي القول بالتوبة مهما عظمت معاصينا. أظن ان أهم ما في التوبة ارتياح التائب مع معرفته لضخامة خطاياه ان الله محاها له بلحظة.

لماذا المؤمن الكبير تجذبه توبة الآخرين؟ الأنه رأى فيهم ان مراسهم أبعدهم كثيرًا عن الحق وان رجوعهم إلى الرب صعب المنال ومع ذلك يرجعون. الرجعة الكبيرة إلى الله هل هي ممكنة؟ أنا أعرف انها صعبة ولكن ليس عند الله فينا مستحيل.

هل كل منا يريد ان يكون مريم المصرية في طور توبتها؟ هل يؤمن بأن هذا ممكن لله اعطاؤه لنا؟ لماذا تريد الكنيسة ان يكون التائبون والتائبات نماذج لنا؟ هل هي تصدق اننا راغبون في الصورة؟ تؤمن على الأقل اننا بالنعمة قادرون عليها.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

ان نبقى مع الله / السبت في ٢١ آذار ٢٠١٥

ان نبقى مع الله ان أعطى وان خذل أو حسبنا انه خذل هذه طاعتنا للإيمان. أنت فقير اليه ولا تشترط عليه شيئا ان أمدك بنعمة ولا تتذمر اذا حرمك منها. في ما تأخذ وفي ما لا تأخذ أنت فقير. أنت لست في تجارة مع الله. ان اعطى فهذا من محبته وان خذل فهذا أيضًا من محبته لأنه مربيك. واذا لم يجربك أحيانا كيف تعرف انه أب لك في الحقيقة؟

هو لم يشترط عليك شيئا فتكون معه. في غناك الروحي وفي فقرك هو معك. تجرد من علاقة التجارة معه. أفهم دفعة واحدة انه اذا اغناك بنعمة أو أفقرك هو معك. لست معه في عقد ثنائي. العلاقة بحبه لك. أنت تقبل حبه وتشكر. أنت ان أحببته لا تزيده شيئا.

لازمه لتحيا. وحدك أنت تافه. كن معه لتجد ان لك معنى. الإنسان وحده بلا إله صحراء. كيف يغتذي؟ مصلحتك ان تبقى معه. هو لا يستفيد منك بشيء. معه لك كيان لأنك وحيدا عنه فيك فراغ أو كلك فراغ. ولكن ان تبقى معه هو ان تبقى له أي مخصصا نفسك له، مندفعا اليه بكل قواك، ناسيا ملذاتك الضارة ومنافعك الخسيسة. ان تكون له هو ان تنسى انك مركز الوجود وان تنبسط أمام الناس بالخدمة. الله في الناس. ان لم تجده فيهم لن تجده في السماء. تبدأ السماء بالحب هنا، أحب الناس جميعا بالإخلاص الكامل.

السماء أولا فيك وفي الناس لأنها في الله والله فيك وفي الناس. كيف تعرف انك مع الله؟ في جواب أول اذا رفضت الرذيلة وآمنت بالبر وفي جواب ثان ان حققت البر بالمحبة. وهذه لا يزاد عليها لأنك بها تصل إلى الله.

أنت مع الله أولا ان آمنت وان تؤمن تعني ان تعتبر الله مأمنا لك وملجأ أي انك لم تبق في احساسك خارجا عنه. هذه المعية هي كل الإيمان ان لم تكتف بالإيمان كلاما.

ان تؤمن عملية في غاية الصعوبة ان فهمتها لأنك تعني انك اقتنعت بعقلك وسلوكك معا ان الرب هو كل الحياة وكل حياتك. معنى ذلك انك خرجت من ذاتك، من الأنا لتصبح عنده وله. في الأخير معناها انك أمتّ كل ما فيك من شهوات ليصبح الله شهوتك الوحيدة. الإيمان ترهب وانقطاع لتحقيق الحب بينك لترتفع قليلا أو كثيرا فوق المخلوقية.

اذا مكثت عند الله ماذا يبقى لك من نفسك؟ ماذا تشاهد منها؟ ان صرت حقا له لا تشاهد الا وجهه فتعود اليك الوجوه التي تحب مستنيرة بنوره وبينه. اذا تربيت عليه تلحظ يوما بعد يوما انك صرت تتكلم بكلامه وتطلب إرادته وتدرك ان شهواتك أخذت تتساقط.

ان تبقى وجوديا مع الله يعني انك تحب وان تحب كل إنسان حولك بلا نظر إلى حسناته. الحب مجاني كليا أي لا يطلب ردا. تعطيه بأمر من الله ولا تنتظر تعزية بان تبقى مع الله في فرحك وفي وجعك طالبا وجهه فقط لأنك اذا أدركت ان وجهه يكفيك تكون فهمت كل شيء.

ان تشعر ان الرب يكفيك لا تعني انك شعرت بالاستغناء عن خلائقه. تعني انك تراها من خلاله، ان ترى ملامحه على وجوههم. ان ترى وجوههم وحدها بلا ملمح منه هو ان تعبدها وهذا شرك. ان تراه على وجوههم تعني ان هذه تجلت وانك أنت تجليت بها. لا إله فيك ما لم يكن ناسه فيك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

أين أنت من الحقيقة؟ / السبت في ١٤ آذار ٢٠١٥

أين الناس من الله أو من الحقيقة؟ أنت تكتب فقط ليقترب القارئ من الحقيقة لأن الكاتب يريد ان يكون الناس مع الله. الكاتب يد الله وأنت، كاتبًا، لا تزيد عليه شيئا. تبلغ فكره بطريقتك. ذلك ان الله تكلّم بالأنبياء ونحن نترجمهم. لما كتب يوحنا الرسول: «في البدء كان الكلمة» كان يريد ان الله أيضا يكون في النهاية. ومعنى ذلك انه في المدى بين البدء والنهاية. انك في رؤية الله إيّاك وانك قائم بمقدار ما تريد رؤيته هذه. ومعنى هذا أيضا انك لا تقدر ان ترى الناس أو ان تجد فيهم شيئا الا اذا كانوا مشاهدين لله.

لذا انقسم الناس بين من رآه ومن لم يستطع ان يراه. والذين لم يستطيعوا ان يشاهدوه أعموا عيونهم لأنهم آمنوا بأنفسهم فقط ولم يؤمنوا به اي ماتوا بعشق أنفسهم. هكذا العشق اما ان تحب الرب فيجدك أو تحب ذاتك وحدها فتموت.

الكثيرون من الناس يظنون انهم يعرفون الله لأنهم ينتمون إلى ديانة من الديانات. اما هو فلا يعترف الا لمحبيه انهم له. البقية تقول كلاما. كل القصة بيننا وبين الرب ان نتأكد محبتنا له وهذا ليس بالأمر السهل. المحبة تحجبها أحيانا كثيرة اننا نمارس الدين في العبادات. هذه لا تكفي. السؤال الحقيقي الذي تطرحه على نفسك هو هل أنا محب لله في طاعتي له. قد لا تكون صلواتك مؤداة حقيقةً من القلب. المعيار الذي ورد في كتابنا هو ان تحب الرب الهك وان تحب قريبك أي الآخر كما تحب نفسك.

أين أنا من الله سؤال صعب لأن الله وحده يعرف. أنت تعرف فقط ان كنت تحب الله. المعيار الوحيد لمحبتك له – وهنا أترجم يوحنا الحبيب – انك تحب الآخرين. سهل عليك ان تحسب انك تحبه. يكفيك ان تقول هذا لتظن. الإنجيل قطع الأمر بقوله أنت لا تحب الله الا اذا أحببت الناس. وهذا لا يعني تدفق عواطف ولكنه يعني خدمة. محبة القريب هي أولا انتباه للقريب، لشعوره في السراء والضراء، لحال معيشته من أجل خدمته في واقع وضعه. كثيرا ما كان حضورك عنده أو معه خدمة له ولمصالحه. سير إليه وإلى قلبه.

أين أنا من الله من أصعب الأسئلة اذ كيف أعرف نفسي الا اذا كشفها هو لي. يكشفها لي بالألم اذا قبلته طاعة. ويكشفها لي اذا سلطت عليها كلمته. لا مزاح مع الله. أنت تطيع أو لا تطيع. هل قبلت ان تتألم من أجله اذا قضت الحاجة؟ هل قبلت الصدق أي الاعتراف أمامه في كل حين؟ هل قلت عن خطيئتك انها خطيئة أم تريد ان تحجب نفسك أمام الطاهرين؟

مشكلتك مع الكلمة مشكلة كبرى. قد تظن نفسك في الحق لأنك تتكلم صحيحا. هل كيانك في عمقه في الحق؟ هل أنت صادق مع الله؟ هل تكذب على نفسك عالما أم غير عالم؟ متى تكون أنت إياك أو تكون مجرد حكي.

هل كلامك هو أنت هذا هو السؤال. أنت مسؤول عن كل كلمة تقولها وعن كل كلمة تخفيها، تصبح إنسانا سليما اذا زال الفرق بينك وبين كلامك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الله محبة / السبت ٧ آذار ٢٠١٥

لي مكتب صغير في قريتي أطل منه على بيروت. كنت استلذها أيام دراستي في مطالع الأربعينات. الأشرفية حيث كانت دراستي العليا كنا نحسها صغيرة تتمشى فيها من البيت إلى الجامعة. أمامي مكتبة لا تحوي كل كتبي وورائي أيضًا كتب. أقلام وأوراق. لماذا ما كنت ألعب في المدرسة وخارج المدرسة؟ يبدو ان اللعب كان أساسيا ليكون لك رفاق. كل شيء كان يحصل عندي وكأن الكتاب بديل عن الرفيق. بعد المدرسة عرفت الصداقة.

الكثيرون ممن أحببت استدعاهم ربهم إليه طوال عشرات من السنين. أنا لا أرتب الحياة. اخضع لمن رتبها. هذا فيه حزن ولكن فيه تعزيات إلى ان يصلنا ربك إلى الوجوه التي أحببنا. لماذا اختار هذا أو ذاك من رفاقي؟ هذا شأنه ونبقى هنا مع الذين تركهم لنا.

الإنسان وجه إليك أي إطلالة. الناس في ما يتواجهون ان كان الله فيهم. ما عداه لحم ودم. من لا يأتيك من عند الله ليس لك في العمق لقاء معه. الحياة ليست أنت بل أنت مع الآخر. لك ان تفكر ولكن هذا لا يغير من هم حولك دائمًا.

لا أعرف إنسانًا لا يريد ان يكون محبوبا. عندما قال يوحنا الحبيب «الله محبة» ما عنى انها صفة من صفاته. أراد انه هو إياها. يوحنا الرسول ما قال ان الله محب. قال انه محبة. وكأنه أراد ان ليس فيه شيء سواها. ان كانت المحبة هي الله أو كان الله المحبة إلى أين تذهب؟ هل من شيء ممكن بعد هذا؟

ماذا تعرف بيروت عن الله؟ قبل دنو شيخوختي صرت أفهم ان الله غريب عن كثير من الناس. هم يستعملونه. يريدونه لهم. من يقول في نفسه: أنا لله وحده؟ واذا قلت هذا تعني بالضرورة انك للناس جميعا. اذا كانت بيروت لا تعرف الله وحده أي أعلى من كل الوجود ماذا تعرف حقا من الوجود؟

ليس عندنا تعريف عن الله. العقل يعرف وجوده ولا يعرف أكثر. الإيمان يعرف انه هو المحبة. دون هذا عواطف. هي اقتراب. أنت في الله وهو فيك. هذا اختبار. أعمق ما لك من معرفته انك تحبه بدءا من علمك انه يحبك. ان قلت شيئا آخر تكون آتيا بكلام من العقل وحده. العقل محدود ببشريته ولا يعرف أكثر من ان الله موجود. أما العمق الإلهي فلا تعرفه الا بالنعمة أي اذا صرت إلهيا، شبيها بالله اذ ذاك يحق لي ان أقول ان بيني وبين الله تجانسًا.

اذا قلت ان بينك وبين الله تجانسا أي انك من جنسه لا اعتراض لي لأنه بالحب جعلك من جنسه اذ تبناك. هذه مودة من الله نقابلها نحن بالطاعة والمعتقد المسيحي اننا نحبه لأنه أحبنا أولا. انه هو المبدئ. «أنا الألف والياء، البداءة والنهاية». الحياة الروحية رحلة منه وإليه وفي الطريق نعثر على القديسين ولكنهم ليسوا هم النهاية.

عندما يقول يوحنا الحبيب: «الله محبة» يعني انه كل المحبة وان لا محبة الا فيه. أنت بها لا تنقل عاطفتك وحسب. تنقل الله بنعمة. وفي المفهوم المسيحي الشرقي ان النعمة غير مخلوقة أي لا تقدر ان تفصلها عن الله. عندما نقول ان هذا الإنسان محب اذا أردنا لها مصدرا إلهيا نعني ان هذا الإنسان قائم في الله وبالله يتحرك. بكلام مباشر نعني ان الله الساكن فيك هو الذي يحب فيكتمل المعنى هكذا اذا أنت أحببت فالله فيك هو الذي يحب.

فإذا قلنا «الله محبة» وأردنا انه هو المحبة تكون المحبة كل شيء وبقية الفضائل ثمرات لها. يصبح لك هذا صحيحا في ذوقك للحب الإلهي اذا انسكب عليك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

أحد الأرثوذكسية / السبت في ٢٨ شباط ٢٠١٥

هكذا في كنيستنا نسمّي الأحد الأول من الصوم الذي نحن فيه ويعني أحد استقامة الرأي. تسمية قديمة جدا سابقة للانفصال القائم بيننا وبين المسيحيين الآخرين. أنت لست مستكبرا اذا آمنت انك في الحق. انت تشهد ليس لنفسك ولكن للإيمان الذي ورثته من الله. بهذا تعود إلى الله لا إلى كبرياء جماعة ان وجدت الكبرياء.

أنت لا تستصغر أحدا اذا قلت انك في الحق. في ذلك انت شاهد لله فقط الذي هو وحده جعلك ما أنت. لعلها مناسبة لأقول اننا ندعو الله الا يجعلنا في استكبار. أنت لست كبيرا في نفسك. أنت كبير بالنعمة. هذه مناسبة لأقول ان ايمانك بأنك موفور النعمة لا يستدعي شعور عظمة قائمة فيك. العظمة التي نزلت عليك ليس لك فيها فضل. وأنت لا تلازمك عظمة اذا تواضعت. البشر من لحم ودم وليس فيهم شيء. العظمة في ما ورثوا.

فإذا استكبر فريق منا نحن المسيحيين في ما أخذ يكون شكورا. اما اذا استعظم نفسه يكون قد سقط. الله عدو المستكبرين لأنهم استكبروا ولكنه ليس عدو من افتخر بالحقيقة التي نزلت عليه.

فإذا استعظم أهل الأرثوذكسية أنفسهم يضربهم الله. اما اذا شكروا العظمة النازلة عليهم يعليهم. أنت لا تمتلك الايمان المستقيم الرأي لتتعظم به. هو يملكك اذا شئت وتواضعت. دائما كان هم الكنيسة بقاءها في استقامة الرأي لأنه هو استقامة الإيمان والقلب. هذا افتخار بالله وليس استكبارا على أحد. انت لا تدين الذين ليسوا على الإيمان القويم. لم يصل إليهم. هم في سرّ الله وهو يتدبر مصيرهم. وليس عليك حرج ان افتخرت بإيمانك لأنه اعطي لك. هذا يزيدك إصرارا عليه وأنت لا تدخل السماء بفضلك بل بفضل النعمة عليك.

ويل للمستقيم رأيه اذا ادعى أو استكبر. هذا ليس له. انه أعطيه. اما لماذا هو حبيب الله فالجواب عند الله. والله لا يعطي أحدا حسابا. أنت تشكره ان عرفت انك له والشكر أيضا من نعمته عليك.

نحن الأرثوذكسيين لا ندعي شيئا ان كنا فاهمين. لا نقول اننا أفضل من الآخرين. ما عندنا ليس منا، ورثناه من الله وهو في ذلك حر. لا نسأله لماذا أعطانا، لا نعرف. وأنت لا تسأله اذا لم يعطك. هو يعرف.

ليس أحد يعرف لماذا هو في استقامة الرأي. هذا فضل الله عليه. وليس أحد يعرف لماذا لم يرث هذا الفضل. هذا شأن ربي. وليس من حق أحد ان ينسب إلى نفسه جمال انتسابه إلى الإيمان. هذه نعمة لا يملك ان يسبر غورها.

إذا دعاك الله إلى استقامة الرأي فلا شأن لك في ذلك. أنت تتقبل النعمة وتشكر. سر الله وحده إذا أقامك في بيته. مصير الذين لا يظهرون انهم في بيته لا تعرفه. هؤلاء ليسوا في معرفتك. انهم في الرحمة. لماذا نزلت عليك استقامة الرأي وعلى ذويك من قبلك. لن تعلم شيئا عن هذا. أنت فقط تشكر.

هنا أود ان أبدد سوء فهم قائما. أهل الإيمان المستقيم لم يقولوا يوما انهم أفضل من سواهم أو أقرب إلى الله. قالوا ان ما يؤمنون به هو ما انزله الله عليهم. هذا شأنه وليس شأن أحد. هم ليسوا في حالة ادعاء. هم في حالة شكر. اما لماذا أدخل المسيح إلى حظيرته قوما ولم يدخل آخرين فهو وحده يعلم. في كنيستي نميز بين المستقيمي الرأي والذين هم على رأي آخر ولا نقول غير المستقيمي الرأي. ولا نقول ان الذين ليسوا على استقامة الرأي ذاهبون إلى الجحيم. الله وحده يعرف هؤلاء.

Continue reading