Category

مقالات

2015, جريدة النهار, مقالات

عقل وحب / الجمعة في 17 تموز 2015

الله عاقل ولكنه ليس تحت العقل. أنت تحبه. هذا لا يعني انك تجعله تحت المعقولية. غير ان الكتاب قال: «الله محبة». هل أراد في هذا تعريفا عنه أم أراد ان المحبة هي ذاته؟ فكر الآباء ان الله لا يدخل في المعقولية لأنها تحده، بأي معنى يكون إذًا حبيبك وأنت لا تسعه؟ واضح ان العقل ليس عنده جواب واننا في الرؤية.

من كل ما كتبه يوحنا رسول المسيح يفهم انك لا تقدر ان تعقل الله. ان تعقله في اللغة تعني ان تجعله تحت العقل أي ان تقيده بشريًا. لذلك كنت دائما في ضيق أمام محاولات الفلاسفة ان يثبتوا وجود الله. ولنفرض جواز هذا. كيف تكون العلاقة بينك وبينه بالعقل؟ لماذا أراد فلاسفة الدين ان يثبتوا الله بوسائلهم؟ أليس هو المعطى الأول الذي لا يحتاج إلى تأييد عقلي؟ لماذا لا يكون حبنا له وسيلة لمعرفته؟ لماذا الحب أدنى من العقل في الإدراك؟

هذا هو طغيان العقل اليوناني على الفكر انك تحتاج إلى أدلة في تعاطيك الله. العقل اليوناني طغى. لماذا تريد برهانا على الله؟ أليس الله اسطع من البرهان؟ يلفتني القرآن عندما يقول: «قل هو الله أحد». لا يطلب إثباتا. يطلب اعترافا. أليس هذا هو طغيان الفلسفة اليونانية علينا ان نسعى دائما إلى الأدلة؟

المسيحية في أدب يوحنا الرسول قالت ان الله محبة أي انها عرفته بها. ما اكتفت بالقول انه محب، هذا يعني إذًا ان من أحب يكون في الله. المسيحية تاليا في أعلى كلام لها ما أدخلت مقولة العقل في الحديث عن الله ولا إذا اعتبرتم ان قول الكتاب ان الله هو الكلمة في التعريف كما ورد عند يوحنا هو في الصميم يعني ان الله هو العقل الأسمى الذي لا يبلغه عقل بشري. من هذا المنظار وجب القول ان في الله وحده العقل والحب واحد.

إذا كان العقل في الإنسان خاليا من كل خطأ يمكننا القول انه واحد مع الحب. غير ان ميل الفلاسفة اعتبار العقل كاملا لأن الفلاسفة القدماء لم يعرفوا المسيحية وما عرفوا انها كانت ترى خطايا البشر تدخل إلى العقل وتشوهه. مشكلتنا ان الفلسفة اليونانية وهي سابقة للمسيح طغت ولم تعرف خبث الخطيئة وانها قادرة ان تسيء إلى العقل دائمًا. لذلك نرى نحن أتباع المسيح ان العقل يحتاج إلى تصحيح الحب له، الحب الخالي من الشهوات. إذا صححت المحبة قلبك يلتقي العقل. ولما كان آباؤنا في الإيمان يتكلمون عن العقل أرادوا انه الفكر المحرر من الشهوة.

المحبة في أعلى مقامها المحررة من الدنس هي الفكر بمعنى انها الرؤية إذ المحبة عندنا تعني اللصوق أولاً بالله بحيث لا تكون لك رؤية الا رؤيته ولذلك في كنيستي بنوع خاص لا نعتبر أحدا لاهوتيا بالمعنى الكبير الا إذا رأيناه قديسا. الشرق المسيحي لا يعرف الفصل بين العقل والقلب. القلب ليس عندنا ارتعاشات. هو الرؤية.

أهل الغرب يقولون انهم يثبتون الله بالعقل. نقول نحن لهم نقبل كلامكم إذا أردتم انه العقل المحب. اليونانيون القدماء أنفسهم لم يفرقوا العقل عن المحبة. هذا التفريق ابتدأ في الفكر من بعد ديكارت.

عندما تقرأ جيدا وعميقا آباء الكنيسة لا ترى انهم يفرقون بين العقل والقلب. ما كان العقل أبدا عندهم تلك القوة الذهنية المستقلة عن العاطفة. وما فهموا العاطفة ارتجاجات في الذات. لذلك لم ترد لفظة القلب عند الأقدمين مرادفة لما تسميه اليوم العاطفة ولكنها دلت على كل القوة الداخلية في الإنسان عقلا وقلبا.

العاطفة تحتاج إلى فحص إذ قد تدخلها الضلالة. ليس عندنا في ذاتنا مرجعية الحقيقة. الله هو المرجعية. الضمير نفسه يخطئ. الله مرجع الضمير.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

مولدي / السبت في 4 تموز 2015

ولدت في 6 تموز. هذا يهمني لأتذكر نواقصي والتي لا تزول الا بالموت. أنت في الطبيعة ابن والديك. ولكنك تصير مولودا من الله إذا شئت. كلمة لا يستسيغها المسلم لأنها في أذنه تتصل بالولادة البشرية. المسيحيون أدركوا المعنى الروحي للكلمة: تسعون سنة انقضت وأنا في ضعفي. المسيحيون يعيدون لقديس في ذكرى موته وهذا لإيمانهم ان حياته الحقيقية ظهرت شهادة من بعد موته. نحن المسيحين المشرقيين من فترة قريبة ما كنا نقيم مولد أحد منا. كنا نقيم ذكرى موته إذا اعتبرنا انه شهد للحق في حياته.

المولد مجرد وعد لذلك لا تقيم الكنيسة عيدا الا ليوم انتقالنا من هذه الدنيا لأنه التقاؤنا بالله. قبل ذلك الإنسان وعد. لذلك المحافظون في كنيستي لا يهتمون لمولد قديس ولكن لتاريخ موته. كل إنسان وعد والكنيسة لا تطوب بارا الا بعد موته. أهلي لم يذوقوا الحضارة الغربية. لذلك لم يعيدوا لمولدي. عيد الإنسان في موته. لا تعيد لك الكنيسة الشرقية في ذكرى ميلادك فالميلاد عندها المعمودية. بعد اتصالنا بأهل الغرب أي من فترة قصيرة بتنا نعيد لمولدنا. قبل ذلك ما كنا نعرف الا القديسين وأعيادهم. من تكون لنعيد لك في يوم مولدك من امرأة؟

قبل ان تتحقق بالمعمودية تكون من البشرة. وجودك الكبير لا يأتيك منها. البشرة وعد كل شيء من النعمة النازلة عليك من فوق.

في الإيمان المسيحي أنت ابن الله في الخلق. الفداء يعلن بنوتك. المسيحية تصر على إعلان الله أبا لأنها ترى اننا مولودون من الروح القدس أي من الله. وإذا قلنا انك ابن الله فانما نعني انك من جنسه. هذا لا يعرف معناه الحقيقي الا الله. ولكن في الذوق الروحي نعرف اننا من جنس الله. هذا طبعا لا نفهمه الا بالحب إذا سكبه علينا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

المجمع المقدّس الأرثوذكسي / السبت في 27 حزيران ٢٠١٥

أنت، كاتبا، تأتي من الأبدي وتقوله في الحال. ان أتيت من الحاضر تكون صحفيا. ولكنك لا تكون كاتبا عظيما الا إذا قلت الأبدي باللغة الحاضرة والا كنت مجرد راوية للقديم أي ناقدًا في أحسن حال. ولكن الكاتب الذي لا علاقة له بالقديم أي بالأبدي يكون صحفيا تفها إذ الصحفي العظيم يأتي أيضًا من قديم الأزمنة أي من أبدية الحقيقة.

مشكلة الكاتب الديني انه لا يستطيع ان يتجاهل الماضي إذ لا يأتي أحد من زمانه فقط ولا يقدر ان يجتر الماضي. اليوم الأساقفة الأرثوذكس مجتمعون لمناقشة شؤون الكنيسة كما هي مطروحة وغالبا ما يكون فيها بحث الانتخابات في الأبرشيات الشاغرة. وهذا دائما بحث دقيق يحق للمطارنة ان يختلفوا فيه لأنه قائم على تقدير كل منهم للمرشحين المطروحة أسماؤهم. وهذا الاختلاف من طبيعة البشر. الأسقف الناخب له تقواه وله خبرته وثقافته اللاهوتية وهذه كلها تختلف بين أسقف وأسقف.

طبيعي ان نختلف في الإدارة الكنسية بسبب من اختلاف الرؤى بين الأساقفة وتباين العواطف، هذا ما عدا النزاهة المفروضة عند الناخبين. لا يجمع كل المطارنة على رؤية الأحسن. فإن بينهم اختلافا في التقوى وفي العلم والخبرة. وهذا الاختلاف يحاولون تذليله ما أمكن بتبادل الفكر فيما بينهم ولكن وحدة الرؤية لا تحصل دائما ولو صلوا إذ الخيارات في أحوال كثيرة تكون محسومة.

يصلون في بدء اجتماعهم على رجاء استلهام الله. ولكن هل تقبل القلوب نعمة الله اذا نزلت؟ هذه صعوبة الفكر في كل مجتمع يعتبر صادقا انه يستلهم الله.

الكنيسة الأرثوذكسية صعبة إدارتها لأنها قائمة على اتفاق مطارنة مجتمعين. والمطارنة بشر مختلفون في العلم أولاً وفي الخبرة وفي الاطلاع على سيرة كل مرشح للأسقفية. رؤساء الدين ولو أتقياء يمكن ان يختلفوا. انتخاب المطران والبطريرك مهما فعلنا يبقى انتخابا بشريا نسعى فيه سعيا أخلاقيا. وليس من انتخاب يضمن وصول الرجل الأصلح.

المجمع المقدس يبقى محاولة بشرية في المنطلق ما لم تنزل نعمة الله وتغير كل شيء. النظام المجمعي بلا تفرد سلطان يبقى الأفضل إذ لا بد ان تتوافر فيه نيات سليمة وعالمة. كل نظام في العالم بشري ويحمل ضعفات البشرة. ولكن في المبدأ عندنا ترجيح على ان الأكثرية تخطئ أقل من الفرد.

النظام الأرثوذكسي دقيق جدًا وصعب وأظن ان صعوبته الكبرى في هذا انه يفترض ان الإدارة الكنسية هي دائما في أيد طاهرة وقلوب مؤمنة وعقول ذكية.

التقاء المطارنة هيئة واحدة يدعى مجمعا مقدسا. هل هذا النعت يأتي من تصديق ان الله يلهم الأساقفة دائما وانهم دائما يطيعونه؟ مشكلتنا ان كل اجتماع بشري فيه من البشرة أي الانفعالات. القديسون قلائل. ولكن ليس لنا خيار الا النظام المجمعي. الناس كلهم يحسبون ان المسؤولين إذا اجتمعوا لهم نصيب معقول من قول الحقيقة والإتيان بأفضل الحلول. في حكم الفرد تسطع المصالح الفردية. مبدئيا إذا كثر المجتمعون يقتربون من الحقيقة. يمكن ان تقتنع بحكم الفرد إذا ثبت انه قديس عالم. ولكن الناس مقتنعون ان كثرة الآراء إذا صدق أصحابها وتطهروا ترجح الحقيقة وليس عندنا في الحقل الفكري في هذه الدنيا الا الترجيح.

قناعة الناس جميعا ان الكثرة أقرب إلى الحقيقة من الفرد الواحد وانها غالبا هي الأضمن. ليس لأحد إذا تكلم تأكيد من الله انه على حق. الفكر بما فيه الفكر الديني مسعى. ما من أحد في الكنيسة يقول ان مئات الأساقفة إذا اجتمعوا هم آليا على حق. هذا تعرفه بعد اجتماعهم وبتصديق مجمع لاحق. ولكن هذا أيضا غير مؤكد بالمطلق. ما من مجمع بحد ذاته له ضمانة العصمة. العصمة تؤكدها الأجيال اللاحقة. الناس ناس. المجمع مسعى وليس ضمانة بمجرد انعقاده بدليل ان أكبر قوة لمجمع مطارنة يتخذها من المجامع اللاحقة. الحقيقة المسيحية لا تظهر من آلية الاجتماع ولكن مما تبقى من قناعة في الكنيسة.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

ما الإنسان حتى تفتقده؟ / السبت ٢٠ حزيران ٢٠١٥

هناك من تشتاق كلامهم. تريد ان تسمعهم قبل ان يموتوا لإيمانك بأن ما يقولون فيه دائما حياة. هناك ناس كلامهم نزل عليهم. تفتقدهم حيثما حلّوا. أنت لا تعلم دائما من أين يأتي كلامهم وهم لا يعلمون. هم كلام من ليس له فم بشري. كلامهم لا يخرج منهم الا جرحا لهم. هؤلاء وحدهم كلامهم لقاء. لأن الله ينطق فيهم بصمت.

عندما تكون الكلمة فقط حبا تصل. لذلك يمكن ان تتواصل أحيانا بصمت وفي الصراخ لا تتواصل. وفي الحقيقة اذا لم تصر أنت الآخر الذي تواصله لا تخرج منك كلمة. ليس الكلام دائما في ما تقول. هو في ما تحب. واذا لم يكن الحب لا ينفع النطق. الكلام اذا كان عقلا محضا لا يصل. القلوب كثيرا ما كانت موصولة بلا كلام. «قل هو الله أحد». أجل أدركتك وحدانيته بلا كلام ولكن الكلام يزيد قناعتك ويبلغ الآخرين.

«قل هو الله أحد. لم يلد ولم يولد». أفهمها ان ليس مثله واحد ولا يليه أحد في المنزلة اذ ليس من منزلة. ولكونه أحدا أنت له وحده ويستحيل عليك الشرك. يستحيل ذلك لأن الله لا يقع تحت مقولة أي لا يقع العقل عليه وأنت مخطوف اليه وفي الانخطاف تفهم. هو الحب والحب هو الفهم ويأتي العقل معاونا.

ما همك ان تقول كلامك الذي تظنه صادرا عنك؟ لماذا تحس ان كلام الله يملى عليك؟ من تكون حتى لا تقبل كلام حياة أفضل مما أنت تقول. دائما كان عندي مشكلة مع القائلين ان بينهم وبين الله عداء. الحوار بين متعادلين. أأنت لا تعرف انك دون الله. واذا تكلّم كبار المؤمنين عن حوار فلأنهم يريدون ان يعظموا الانسان ويقنعوه بأنه شبيه بالله لكي يطمئن اذا كلم الرب ان ربه لا يريد ان يسحقه. من قال هذا لا يعرف ان الحبيب يريد ان ينسحق.

الحبيب ليس له حضور الا عند الحبيب. لذلك لا يحتاج إلى ان يتكلم. ولكن اللاهوت يسعف ضعفنا اذ لا يكفينا القلب أحيانا وربما حاجتنا ان نخرج من أنفسنا بالكلام. هذه مشكلة الروحانيين الكبار انهم يريدون ان يبلّغوا وهم يعرفون ان التبليغ الحقيقي يقوم به القلب.

صعوبة التواصل بين الروحانيين ان الكلام يخون وان الاتصال بالكلام. في أوج العلاقة بالروح لا تحتاج الا للروح ولكن هذا صعب في دنيا الكلام. هذه جدلية صعبة ان المحبة تصل بك إلى الكلام مع ان الكلام يخونها.

هذه هي الحقيقة والصعوبة معا ان الفكر لا بد له ان يصير جسدا أي كلمة مقولة ليصل. واذا وصل الكلام في عمقه يكون الحب ويعطل التعبير. هذه هي مشكلة الفصاحة انها تبطل القلب واذا بطل ماذا يبقى؟

ما الإنسان حتى تذكره وابن الإنسان حتى تفتقده؟ هذا السؤال المرفوع إلى الله رده الله عندما نزل إلى الإنسان بالتجسد، قال بهذا ان الله يجعله عديله بالحب. واذا فهمنا ان الحب من الله ماذا يحل بالحب عند الناكرين؟

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الكتابة معية / السبت ١٣ حزيران ٢٠١٥

كل من كتب يحاور. لا يكتب ليقرأ نفسه. انه يجعل ذاته في معية أو يطلبها لإيمانه بأن ما قاله من الله وان هذا القول يجب ان ينتشر. الكتابة في طبيعتها تفاوض، لقاء.

يكتب لأنه يحب ان يعرف الناس قوله، لأنه يسعى إلى مشاركتهم أي ان يقول حبه اياهم أو انه يلتمس محبتهم. الكتابة عمل من أعمال الحب الذي هو في كشف الحقيقة. أنت اذا أحببت تقول الحق. لذا جاء في القداس البيزنطي: «لنحب بعضنا بعضا لكي نعترف بآب وابن…» فيكون المعنى ان المحبة شرط الكلام الحلال. وهذا ينفي الظن الشائع ان المحبة شيء والعقل شيء واذا آمنا بهذا حتى النهاية نقول انك ان لم تكن في حالة حب لا يجوز لك ان تتكلم.

أنت تخاطب دائما ناسا تحبهم. وان لم يكن في خيالك وجوه لا تتكلم اذ يأتي عندئذ حديثك لغوا. ان تكلمت قل الصدق دائما لئلا تكون جرحت إنسانا حاضرا أو غائبا. أنت، كاتبا، تسعى إلى إيصال الناس الى الحقيقة. انها الجامع الوحيد بينك وبين الناس. وللناس عليك حق وهو ان يفهموا ان الحقيقة مما تقول وان غابت عنك اخرس. انها العلاقة الوحيدة بينك وبين الناس لأن إيصالها وجه من وجوه المحبة.

وإن لم تحب تقع تحت الدينونة. لك ان تكتب ضد أفكار بعض الناس ولكن لا يجوز أن تكتب حاقدًا إذ يعسر جدً على الحاقد أن يقول الحقيقة.

المبغضون لا يستطيعون أن يكتبوا. اذا كنت تحت تأثير البغض لا تكتب إذ يكون هذا دائما شرًا. المحبة وحدها مبدعة عند الذين يتعاطون الكلمة. الحب شرط لها.

المحبة كل الوجود. انت لا ترى إلى وجوه الناس لتحبهم، ترى إلى وجه الله وحده. ولكن إذا منحت لهم قلبك لا بد أن يعودوا إلى الله. ابذل نفسك تجدها. احبسها عن الناس تفنى في قوقعتها. اعط ذاتك تر ان الرب حافظها. لا تموت نفسك بالحب. سر الله فينا أننا نحيا به من موت شهواتنا ويحيا بنا الآخرون. الحياة ليست بعد كل موت. هي من الموت المبذول حبًا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

غسان تويني / السبت في ٤ حزيران 2015

صعب على صديق ان يقول في صديقه قولا حلالا. وإذا كان الكلام في حياته أمرا عسيرا فيمسي بعد فراقه شبه مستحيل ولكنكم أردتم شهادة اعتبرتم انها علي واجب. هل المحبة تجعل الكلام عسيرا؟ غير انكم رغبتم في ان اتخطى العسر لاحتسابكم اني قادر على ان أقول الحق.

قبل ان يدرك الرجل العشرين وأنا كنت قد جاوزتها بقليل عرفت انه غير عادي وانك ولو فتيا ينبغي عليك ان تقاربه بوقار. معنى ذلك على ما أرجو، ان أكون صادقا والا يكون في المودة مبالغة. إذا قلت ذكرى يفهم انك تجاوزت الوجه. انى لي ذلك وغسان وجه لست مستقلا عنه واحتسابي اننا جئنا إلى الحق مترافقين قبل ان ندرك العشرين.

صعب الكلام عن موت بقي عندك مرا ولكن الأيام تنقضي وعليك ان تستبقي حلوها حتى لا تموت أنت. اظن اني احتفظت بشيء من الهدوء في الكلام عن هذا العزيز لأتمكن من الحق. غير انه ذهب. صعوبتي في ان الرجل كان عظيم الخلابة وان الخلابة تعرقل تعبيري. وما زاد في صعوبتي اني عرفت غسانا في احتدام محبتي للمسيح وكان لا يزال في المسيح فتيا. واظن ان فتوته هذه بقيت في ذهني وقلبي ولست مستعدا لبرودة فيّ أراه عليها. وأنا عارف بأني أموت قبل غسان لكوني أسنّ غير ان ربكم يرتب الأعمار.

هل مشكلتي مع سن غسان لأنه أفتى وان لم يكن بكثير؟ نمضي، كلنا يمضي ويجمع الله وجوهنا في الرحمة اليوم وغدا حتى تزول السماء والأرض. ثلاث سنوات كثيرة وبعض الأحبة استدعاهم ربهم ورقدوا في الرحمة. ليس لي مكان واحد مع غسان ولكن متى ألقاه؟

كل ما مضى ذكرى. إلى متى اللقاء؟ ثلاث سنوات كانت كثيرة وكثيفة ولكنا جميعا إلى موت ونلتقي فقط في رحمة ربك.

بعض من فرحي اني التقيت غسانا وهو دون العشرين وكان يتفتح للإيمان بعقله بعد ان شاهده في قلبه في الفتوة. واظن انه على نضج هذا العقل بقي على رؤية ربه في شباب ظل عليه. ما كان يذهلني في انه حافظ على إيمانه وأدركه إدراكًا أكبر لأني أعرف مصدره في العائلة وفيها مصدره قلب أمه ولكني أعرف أيضًا ان بعضًا منه كان يتضح له في الجامعة وان شيئا من عمقه كان يجيئه من رفاق له. إيمانه في كنيسته التي عرفها بخاصة من أمه مع اعتقادي ان أباه كان في حقيقته مؤمنا.

كنا في مطالع الأربعينات شبانا طلابا في بيروت نصلي في دير البلمند وغسان معنا ومرة ترك إليه ان يؤم الصلاة فسمعته لا يتقيد بالصلوات التي بين يديه ولكنه يؤلف وكنا نتعجب ان شابًا غير مشهور بالتزامه الكنسي كان يقول كلمات إلهية غير مدونة في الكتاب الذي معه. الأرثوذكس يحبون الصلاة المكتوبة ولكنه لم يتقيد بها ولم يخرج عنها. كيف كان معنا ولم يكن منا؟ ربما كان سره عندي كما كنت أراه آنذاك في بدء معرفتي به انه كان من العصر ومع ذلك ما كان من قراء كتبنا. هكذا تكون الأشياء ان آمنت بأن الرب حر ان يتجاوز ما كتب وما استقرأ وانك تأتي إليه منه دون ان تعبر الكتب.

غسان تويني كان خلقا جديدا من حيث انك لا تعرفه من الكتب ولا مما قيل عنه. هو من أولئك الناس الذين يجب ان تحبهم لتفهمهم. هذا طبعا يعرقل الذين يهتدون بالعقل وحده. ولكن نحن المؤمنين لنا وسائل أخرى للفهم.

عبر غسان تويني هذا الوجود حرا من كل المعوقات مرتبطا بالرب أكثر مما يظن بعضهم ولكنه خفر ولا يتلفظ بالإلهيات كثيرا على طريقة الأتقياء.

ذهب غسان وأنا عرفت إيمانه. ليس الذين يمارسون قليلا قليلي الإيمان بالضرورة. المؤمن يعرف عند الملمات. وغسان رجل الأوجاع كما يقول الكتاب عن السيد. وأعرف انه كان لا يقرأني وأنا لم أكتب عنه كثيرًا. الصداقة كانت تمنعني عن ذلك.

ذهب غسان ونحن حافظوه وحفظة لتراثه وأنا احفظه كما كان عندما كنا نجتمع في حضرة أمه أي عندما كان قلب كل واحد يتكلم مع اننا كنا تعلمنا شيئا من العقل. كان يؤمن بشارل مالك وتتلمذ عليه. كنت على مودة مع الدكتور مالك ولكني تتلمذت في أماكن أخرى.

ذهب غسان وإذا صح التعبير أقول ان هذا كان عندي مؤلمًا لا من ناحية عاطفية وحسب ولكن من حيث اننا تلاقينا روحيا في انضمامنا الواحد العميق إلى كنيستنا قبل ان تكون معروفة عند الخاصة من المفكرين. الموت صعب أيضًا عند الذين يحسون انهم واحد في الفكر وليس فقط في العاطفة. مشكلتي مع بعض الذين ذهبوا عنا ليست في انهم تواروا ولكن في اننا غير قادرين اليوم على التخاطب. المواجهة في هذه الدنيا أمر طيب. تعزيتي في غسان كثيرة الوجوه ولكن واحدا منها انه إذا اصغى وإذا تكلم ترى نفسك مع عقل وقلب.

السماء إذا أدركناها تنهي هذه الأوجاع. الكثيرون سوف يدركونها وهم لا يعلمون. هل إيماني كبير إذا لم أحسن ان اجتمع إلى رفاقي لكوني سألقاهم في الملكوت ولكوني قادرا على الانتظار؟

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الروح النازل الينا / السبت في ٣٠ أيار ٢٠١٥

في اليوم الخمسين بعد القيامة نزل روح الله بشكل لسان ناري على كل من التلاميذ المجتمعين في العلية. وقال الكتاب الروح اتخذ شكل لسان ناري ليقول ان الله ضؤ. وان الضوء فينا وليس فقط علينا.

ومن خلال الرمز عنى ان المسيح دائم بالروح القدس أي بالكلمة أولاً التي هي للجميع وداخل كل شخص. أجل هو كلمة واحدة لكل الناس ولكنه فريد في كل واحد. ان الرب على وحدانيته وعدم انقسامه يستدخل نفسه فيك وتستطيع ان تقبله. الواحد في جوهره يكون لك أنت بصورة خاصة. أجل ان المسيح واحد في جوهره ولكنه يصبح مسيحك أنت بمعنى العلاقة الفريدة التي يقيمها معك.

صح انه واحد ولكن لك أنت ذوقك له والآخر له ذوقه. هناك وحدة في عطائه ووجوه له حسب اقتبال أحبائه له. بمعنى دقيق أقول ان لكل واحد مسيحه. هذه ليست صورة مختلفة ولكن المعنى ان لكل منا صلته الخاصة بالمسيح. وهذا هو العشق الإلهي.

سر المسيح انه واحد في الجميع ومع ذلك هو مختلف الوجوه لأن لكل منا اقتبالا له خاصا أو ذوقا له خاصا. السر ان السيد يحبنا جميعا بمحبة واحدة وكل يقتبلها حسب مواهبه. وله فهمه لها أو تذوقه لها.

فرادة عيش الله فيك انه يوحدك بالآخرين ويبقيك قريبا منه. كيف تكون لك قداسة واحدة مع الآخرين ولك شخصيتك في القداسة؟

هذا هو السر ان الذين هم للمسيح متشابهون حتى الوحدة وان لكل منهم فرادته. المسيح يجمع ولكنه يهب التنوع أيضًا. تبقى فريدا وأنت غير منفرد، معا ولكن بلا انصهار.

المؤمنون ليسوا جمهورا. هم وحدة وكل فيها فريد. كيف تكون شبيها بالآخرين وليس مثلك شيء؟

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

خميس‭ ‬الصعود / السبت‭ ‬٢٣‭ ‬أيار‭ ‬٢٠١٥

خميس الصعود الذي أقيم منذ يومين مجهول معناه كثيرا عند عامة الناس مع انه على كثافة الأعياد الكبرى عندنا وفي تقديري أن إعراض الناس عنه انهم يرون ان كل شيء عند المسيح ينتهي بقيامته. غير أن الرؤية الكنسية المجسدة في الأعياد ان الصعود مواز للتجسد اذا اعتبرنا التجسد نزولا إلهيًا على الأرض.

ولكن إذا عزلت نفسي عن العقيدة مؤقتا بحد نفسها لأرى نتائجها في الفكر أفهم أن صعود المسيح هو كلام عن صعود جسده إلى السماء. ولكن ما معنى ان يصعد والمسيح الإله ليس محصورا في مكان؟ الفكر وراء العبارة ان الإله الكائن في المسيح اتخذ البشرة اليه ولكونه ألهها -وهذا معتقدنا- صارت واحدة مع الطبيعة الإلهية دون اندماج بها أو انصهار أي بتمايز الطبيعتين. هذا هو سر المسيح الذي لا نسبر غوره.

هذه هي قدرة المسيحية انها تتكلم عن اتحاد الانسان بقوى الإله غير المخلوقة دون ان تنصهر بها. نحن نقول بالتجسد ولا نقول بالحلولية أي لا نقول بانصهار الطبيعتين. هذا سر لنا وأمامنا ونلتقطه بالقلب ولو فاق معقولنا ومعناه اننا، حقيقة، في الله وما ذبنا به. بيننا اتحاد وتقابل بآن. غير ان فرادة العقيدة عندنا اننا لا نقف عند مجيء الله الينا بالتجسد بل نضيف اننا نعود إلى الله ليس فقط بالروح ولكن بالجسد القائم من القبر. وهذا من منطق اللاهوت عندنا. فإن الله نزل لكي نصعد ومعنى ذلك ان الأقنوم الثاني صار إنسانا لكي يصبح الانسان إلها لا بمعنى اتخاذه جوهرا إلهيا لأن هذا يكون ذوبانا في الله ولكن بمعنى اشتراكه بالنعمة الإلهية وهي غير مخلوقة.

ليس في العقيدة المسيحية جغرافية. فإذا قلنا ان السيد نزل إلى الأرض لا نعني لحظة انه قام بانتقال مكاني اذ الله لا ينتقل. نعني ان الابن ضم اليه جسدا انسانيا في اتحاد لا نفهم طبيعته ولكنا نعرفه بالإيمان.

الإيمان معبّر عنه بقوالب بشرية. بغير هذا كيف يأتي الإيمان إلى الانسان. نحن نعرف محدودية التعبير اللاهوتي. نحن مضطرون إلى كلام وبلا كلام ليس دين. ولكن تتجاوز أنت محدودية الكلام بالإيمان. والذين بلغوا هذا التجاوز هم المؤمنون.

نحن لا نفهم فهما عقليا كيف ان المسيح في السماء ولكنا ندرك في قلوبنا المؤمنة انه فوق المكان والزمان لأنه حامل جسد القيامة. المسيحية عندها هذه الفرادة انها ترى المسيح حافظًا جسده بعد القيامة ولكنه جسد قائم في المجد أي غير خاضع لتقلبات الأجساد وغير قابل للموت. لا تستطيع انت ان تضع المسيحية في قالب عقلي ولكنك لا تستطيع أيضا ان تراها مناقضة للعقل. هي ترى شيئا آخر من العقل.

كيف نكون، نتيجة لذلك، نحن وأجسادنا صاعدين مع اننا لا نزال على الأرض؟ اذا خضعت للجغرافية لا تفهم هذا. اما الذين هم في المسيح فيفهمون كل شيء. أنت في مكان ولكنك ان كنت في المسيح لا تبقى محصورا في مكان.

ماذا نعني ان قلنا ان المسيح جالس عن يمين الآب؟ نحن لا نقصد شيئا مكانيا. نحن نعني ان جسده القائم من القبر له كل المجد الذي في الألوهة أي غير خاضع للموت وتاليا نعني اننا نحن أيضا مع الله لأننا بتنا في روحه.

إلى هذا إحساسنا في الروح القدس الذي صرنا اليه ان أحدا لا يقدر علينا شيئا.

العجب في هذا ان ترى انك من الأرض وفي حدودها وامكاناتها وانك تجاوزت الأرض بالإيمان. العجب انك في هذا الجسد ولست خاضعا لهذا الجسد. بمعنى عميق وحقيقي أنت ترى الله واذا لم تكن من أهل الرؤية لا نستطيع ان نعطيك الرؤية. هناك فئتان من الناس لا تلتقيان، الفئة التي تشاهد الله وتلك التي لا تراه. هذه هي الهوة الروحية بين الناس.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

من بعد العيد / السبت في 16 أيار 2015

تنطلق من العيد إلى أيامك لتعلّم الناس ان الفصح يمكن ان يصبح عندهم مقيما. كان العيد ليجعل في يومك فرحا أي ليحررك من الزمن الرتيب ويقيم غير الزائل فيك بحيث تجعل من كل يوم لك عيدا. لما كنت طالب لاهوت كنت أتردد كل يوم إلى أبي الروحي وإذا أتيته حزينا كان يقول لي وكان رجلا مريضا: يا فلان هل نسيت ان المسيح قام؟ فعلمت، مذ ذاك، ان هذه القيامة ليست فقط عيدا بل هي تذكير بالحق أي انها فاعلة والا بقيت ذكرا. هل الله نفسه عند الكثيرين غير ذكرى؟ هل يلتمسونه في عمق نفوسهم وإذا خطئوا يريدون عودتهم إليه أم انهم يخشونه؟ هل هو عند بعض الا ذلك الكبير المخيف؟ ليسمح لي الذين لا يحبون ان يسموه أبا ان أسميه أبا.

هل يهمني انه خالق الجبال والبحار؟ ما لي والبحار؟ أم يهمني الرب أبا أي حاضنا. أليس المؤمن العميق من أحسّ ان الله أبوه. لماذا يخشى البعض هذه التسمية؟ أليست صفات الله أو معظمها مستعارة من المشاعر البشرية؟ كلنا عندنا حاجة نفسية إلى ان نعلي الله فوق نفوسنا. أنا عندي حاجة ان انزله إلى نفسي وان أكلمه مثل قريني ولو عرفت المدى الذي يفصله عني. الا اني أعرف بالقوة نفسها قرباه. هذا اللصوق ان لم يصل إلى النفس ليست على شيء. ان كنت لا اعرف التصاقه بي لم تره نفسي. يبقى مثل إله الفلاسفة القدماء الذين لم يرفعوا اليه صلاة. ان كان الله لا يؤنسك ولو نزهته لما رأيته في قاع نفسك. أنت تخشى الشرك ان قربته من نفسك؟ لكن الا تخشى الإلحاد ان عظمته كثيرا جدا بحيث لا تقدر ان ترى وجهه وأعني بذلك وجهه إليك؟

المؤمن عارف من داخله الله لأنه ينتقل إليه. الله يعرفك برؤيتك إياه بعد ان عرفت رؤيته اليك. هو دائما المبدئ والمنتهي. أنت دائما تذهب منه اليه أي إذا أقام فيك يجعلك فيه. هو ينزل اليك أولا ليصعدك اليه. هو عرفك أولا لتعرفه. ومن بعد الله لا تعرف آخر أو تقرأ كل إنسان تحبه على وجه الله فاذا بهم جميعا إلهيون. عند ذاك كان كل يوم لك عيدا.

من بعد العيد يبقى الحب الذي هو العيد الدائم لأنه فرحك بالآخر وعلمك بأنه أعظم منك. المحبة وحدها تقيمك في التواضع لأن الوصية ان تحب قريبك كنفسك تعني في الحقيقة ان تحبه أكثر من نفسك. عند ذاك يصبح الآخر هو عيدك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

التعصب الطائفي / السبت في 9 أيار 2015

التعصب من كلمة عصب أي تحرك من انفعالات لا يسودها العقل الا قليلا. السؤال العميق كيف تكون متدينا ولا تحب أهل دينك بنوع خاص لأن ثمة رابطًا أساسيًا عميقًا بينكم وهو رباط الإيمان. ولا يبدأ التعصب من الإيمان بالله إذا عرفناه على انه تماسك اجتماعي لا يدل، ضرورة، على شعور ديني عميق يجمعك بأقرانك في الإيمان ولا يبعدك عمن دان بعقيدة أخرى. بكلام فلسفي، التعصب يشبه الشعور القبلي الذي ليس فيه مضمون ولكنه يقوم على التماسك بالأعصاب مع أهل ديانتك بفهم كبير أو قليل.

التعصب مرتبط دائما بجهل دين الآخر أو حقيقة ما في قلب الآخر. تقديرك أنت بسبب مما استلمت اجتماعيا انه على هذا الخلق أو ذاك، على طبائع تنسبها أنت إلى أهل ديانة له قد تعرف عنها القليل لأنك ان عرفت الكثير فلا بد لك من تقديرها واحترامها ان كنت على قسط من المحبة. وغالبا ما دلت معرفتنا للواقع ان الذين يكرهون أهل ديانة أخرى أو لهم عليهم تحفظ لا يعرفون الا القليل عنهم وعن ديانتهم. أنا متأكد كل التأكيد انك لو كنت مسيحيًا وتعرف الكثير عن الإسلام وتحب ما تعرف يحتضن قلبك المسلم الذي تجاوره وان كنت مثقفا تقدر الشيء الكثير من ديانته على الأقل وتعترف جهارا بالحقيقة التي في دينه.

ثم إذا اتسع قلبك للخيرات ترى في ديانته بهاء ليس لك ان تراه إذا انغلق قلبك. آن لنا ان نتروض على ان الأديان ليست حظائر أو أحزابا ولك ان عرفتها ان تذوق انفتاحها وبخاصة ان تحب عظماء الإيمان فيها لأنهم في عمقهم لله واجترئ ان أقول انهم آتون من الله. وما لم تفهم هذا تكون حصرت الله في السماوات وما رأيته في الأرض.

القاعدة تاليا ان تحب الناس إلى أي دين انتموا حبا واحدا. عقيدتك لك وقلبك للجميع. المحبة تذهب منك إلى كل إنسان بالقوة الواحدة وإذا كنت تميز في الحب بين أهل الأديان فلست على دين. العقل في تحركه يمكن ان يميز. القلب ان كان طاهرا لا يميز. وان كانت القلوب تجمع الناس فهم واحد. ومن لا يتسع قلبه لكل أصناف البشر ليس عنده إله. أنت في القلب لست أقرب الى أهل دينك. أليس البار أوغسطينس هو القائل: «أحبب قريبك وأفعل ما تشاء»؟ ذلك ان هذا القديس الافريقي كان يفهم ان المحب لا يخطئ.

أنا أفهم فهما عميقا انك، متدينا، تحب الصالحين من أهل ديانتك. هذه قربى في العمق لأنها تنتسب إلى الله. ولكني أفهم أيضًا بالقوة نفسها ان المسيحي الكبير يحب المسلم الكبير وبالعكس لأن كل واحد منهما يعرف ان الآخر هو لله. بتأكد من إيماني الأرثوذكسي أقول إن العقيدة المسيحية تأمرني بأن أشمل المسلم بالمحبة الواحدة التي عندي للمسيحي وان المعتقد اللاهوتي لا يفرق القلوب. ذلك انك، مسيحيا، ان أحببت جميع الناس على السواء تراهم واحدا في المسيح. الأديان ليست حظائر ولا تفريق عند الله بين ناسها فاذا كان الله يراهم واحدا لماذا تريد ان يحاكموا بعضهم بعض؟ أنا ما قلت ان الأديان واحدة. أنا قلت ان الناس واحد لأن الله يراهم واحدا.

من الأمور السهلة عند المؤمن الحاصل على ثقافة دينية كبرى ان يحب جميع الناس بقوة واحدة وان يفرق بين مقولهم. في لاهوتنا المسيحي ان غير المسيحي ان كان واحدا في السلوك مع المسيحي ينظر اليه الرب نظرة واحدة. وفي أدق تعليم مسيحي هو مسيحي. هناك من عمده ذووه بالماء وهناك من عمده الله بالروح القدس إلى أي دين انتمى. وفي العمق الكنيسة هي التي يراها الله وفيها المعمد وغير المعمد.

Continue reading