Category

مقالات

2015, جريدة النهار, مقالات

الصوم / السبت ٢١ شباط ٢٠١٥

أنت تفرغ نفسك من الطعام أو من بعض من طعام لتعترف أنك فقير إلى خبز الله. الامساك رمز إلى فقرك اليه. انه ترويض النفس على فقر إلى ربها وإلى الآخرين. لذلك يوم غد، عشية دخولنا هذه الرياضة نستغفر الآخرين في طقوس كنيستي لأنهم ان غفروا لنا يؤذنون لنا بدخول الصوم فقراء ذلك اننا ان جعنا نروض أنفسنا على اننا جائعون إلى رحمة الله.

لا معنى للصوم الا اذا مارسته اقرارا بخطيئتك. هذا الاقرار بدء تبرئتك إلى ان يلبسك الله نفسه. أنت تجوع إلى الله لا إلى طعام. كل ممارساتنا ترويض إلى ان نتسربل الله بنعمته أي إذا ارتضانا. أنت لا تكسب الله بالصوم. هو يكسبك بمحبته. دائما كان هو البادئ والإيمان ان تتقبل.

عشية غد الأحد يجثو كل منا أمام من حضر صلاة الغروب ويستغفره بكلام واضح ويقبله تقبيلا حتى يدخل الصيام بالحب. الامساك هو المبتغى. توبتك إليه وإلى الله معا تؤهلك للامساك. بلا إله عائد اليك أنت في نظام طعامي آخر. بلا وجه تحبه ما أنت بصائم. بلا وجه تحبه ليس لك فصح. بلا وجه تحبه لست بشيء.

ان تمسك يوم الاثنين القادم عن طعام هو ان تمسك عن الخطيئة لأن الخطيئة كانت طعامك. ان تعف لا تعني شيئا الا اذا أردت بعدها لقاء مع وجه هو وجه ربك لأنه وحده يراك بحب.

ليس الطعام أو الامساك بشيء ولكنا نرجو ان امسكنا بحب الله ان نلتقيه لأن الموسم امتناع عن طعام الجسد لنستقبل الرب في الكيان. واذا كان الفصح فرحا فالصيام استعداد للفرح كما تكون صلاة العرس عندنا استعدادا للزواج. لسنا ضد الجسد. نحن لترويضه. كيف نكون ضد الجسد وقد لبسه المسيح! نحن ضد اهتراء الكيان بالخطيئة لأن الخطيئة ضد محبتنا لله.

من صام يؤمن بترويض الجسد وليس ضده ولا يستطيع لأن الرب لبس جسدا. ليس الأكل ولا الإمساك بشيء. كل شيء ان تحب الله والصوم عندنا وسيلة نتربى فيها على هذه المحبة وقد فسرنا نحن في بدء المسيحية انك تصوم لكي تعطي المساكين ثمن الطعام الذي أمسكت عنه. ان أهملت الفقراء لست بصائم.

قال عظيم في المسيحية باسكال الفرنسي: «أحببت الفقر لأن المسيح أحبه». أنت تحرم نفسك لتحب. ما عدا ذلك شكل. نحن لسنا ضد اللذة. نحن ضد الاستلذاذ. لسنا ضد الجسد ولكن ضد السعي إلى الجسد سعيا مجنونا.

هنا لا بد من ان يتنبه المؤمنون ان المطلوب الحقيقي في هذا الموسم ليس الامساك وحسب ولكن المطلوب وجه الله. أنت تربي نفسك على طلبه لأنه المتروك الأول. لذلك لا بد من تذكير أنفسنا على ان رياضتنا الاولى ليست الامساك بل قراءة كلمة الله. نحن لا نجوع إلى طعام. هذا تتربى عليه. نحن نجوع إلى كلمة الله. لذلك كان لا بد لنا ان نفهم اننا نمسك عن أطعمة في سبيل أكل كلمة الله. الله، الله ولا شيء آخر. ولذا يؤذيني من أمسك عن أطعمة ولا يستمع إلى كلمة الله ويقرأها وبهذه القراءة وحدها تعوض عن جوعك.

ليس في المسيحية ممارسة الا في سبيل المحبة، محبة الله والاخوة. كل شيء آخر زينة. المحبة حتى لا تبقى كلاما يجب ترجمتها افعالا ومن هذه الصوم. صح ان الصوم في غايته لله ولكنه في تنفيذه للإخوة، للعطاء.

الجسد منفصلا عن القلب لا يعنينا. وان نحب الله ولا نترجم هذا عطاء للإخوة غالبا ما كان وهما. ان كنت لا تحب أخاك الذي تراه كيف تحب الله الذي لا تراه. أنت مع الآخر في حضرة الله. ان أقصيت الآخر عن محبتك ليس لك اله. خذ الآخر معك واذهب إلى الله. حتى تصل.

المسيحي السطحي يظن انه يصل بممارسات. هذه قمة الأوهام. أنت تصل بالحب لأنه الغاية والوسيلة معا. ولكن لا تنسَ ان الحب لا يبقى في الفكر وحده، يتجسد بالالتفات إلى الآخرين ان لم تخرج من غرفتك إلى الآخرين لست بمحب. لذلك طلب يسوع إلى من أراد ان يحبه ان يترك أباه وأمه أي ان ينسلخ عن المودات التي تبعده عن الله. دائما يجب ان تذهب عن أشياء، عن ناس لتلتقي المسيح. لا بد لرؤية الله من ان تنسلخ. ان بقي من هذه الدنيا ما يلصق بك لا رؤية لك لله.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الدينونة / السبت في 14 شباط 2015

غدًا في كنيستي يرفع اللحم عن الموائد استعدادًا لدخول الصوم الكامل بعد أسبوع. ويقرأ في هذا اليوم فصل من إنجيل متى موضوعه الدينونة كأن الكنيسة تريد اننا بولوجنا الصوم نطلب التوبة التي ترفع عنا الدينونة. بمعنى أفصح، النفس هي الصائمة والإمساك عن الطعام رمز للعفة المبتغاة. ليس الجسد عندنا مستقلا عن النفس ولا النفس عن الجسد ولذلك إذا ابتغينا التوبة يكون الصوم عندنا رافدها. الكنيسة الشرقية فاهمة عميقا ان النفس لا تكتفي بذاتها بلا إمساك.

ولكننا لسنا مهووسين برفع اللحم. لذلك كان همنا تأمل دينونتنا الجارية اليوم لا غدا فينا. صح اننا نقرأ الإنجيل المتعلق بالدينونة الآتية. الا اننا نؤمن مع بولس ان الله يدين سائر الناس اليوم لأن دينونتنا ليست حدثا آتيا وحسب ولكنها قائمة في مواجهة الله اليوم. الله ديان ليس بمعنى انه يحاسب وحسب ولكن بمعنى انه يفصلك عن الباطل فيك ويشدك إليه.

ليست الدينونة محاكمة بالمعنى الذي يعرفه البشر أي ان يرصفك الله في الصالحين أو الطالحين ولكن الدينونة كانت ليرفع الله عنك الإدانة ويجعلك له. ولذلك لست له ما لم تنكر الشر الذي فيك ونتطهر لترى وجهه. الإنجيل يتكلم عن الدينونة آتية. ذلك ان الرب سيأتي ويدين. ولكن الرب أتى ولهذا لك ان تقول: «تعال أيها الرب يسوع».

لقد ركزت الكنيسة على هذه التلاوة الإنجيلية لتقول لنا ان الصوم كله لا معنى له الا التطهر وانك تدخل فيه لترفض الخطيئة وتقبل البر الذي في المسيح يسوع.

واضحة الكنيسة في كل ممارساتها ان المبتغى قيامة النفس من الخطيئة لتستطيع رؤية الرب. نحن لسنا مهووسين بالخطيئة كما يتصور الكثيرون. نحن البر همنا ونفهمه آتيا من قيامة المخلص إذا حلت فينا.

يجب ان تفهم كل ممارساتنا كالإمساك عن طعام انه سبيل إلى الله لسبب كوننا نطلب الطعام الإلهي. الجسد مستقر لله. لذلك لا نستخف بالصوم قائلين ما الجسد. الجسد مقر المسيح. لذلك نهذبه مع النفس ليقوى في خدمته لها.

ليس عندنا في الكنيسة نظام طعامي. كل جهد موجه إلى انتصار النفس في جهادها لرؤية الله. ولكننا جديون في فهم الجسد، في كونه مقرًا لله ويرتفع الله فيه. نحن نعرف الجسد مدعوا إلى المجد أي إلى مجده في المسيح. لم يكن المسيح نفسا فقط. كان جسدا ومات وقام في الجسد. وليس أحد مثلنا يقيم وزنا للجسد اذا سار وراء الله.

ليس عندنا شيء ضد اللحم. نحن نذهب إلى ما فوق الجسد، إلى رؤية وجه الله. نطلب الروح الإلهي ليسكن أجسادنا ونرى الجسد مقرا للروح القدس.

الإمساك عن اللحم تربية وليس غاية. وفي الحقيقة ان الصوم في البدء ما كانت غايته التقشف بل توزيع ثمن الطعام الذي تمسك أنت عنه إلى الفقراء. لا الخضار تقربك إلى الله ولا اللحم يبعدك عنه. على هذا الصعيد كل شيء رياضة إلى ان يملك الله جسدك. نحن ليست لنا عداوة مع البدن وهو هيكل الروح القدس كما يعلم بولس. اذا كانت الغاية الاتحاد بالمسيح فكل ما كان إليه وسيلة.

ليس الصائم ان لم يكن عفيفا قريبا من الله. أنت في هذا الموسم تدخل اذًا في رياضة كبيرة للنفس أي تبتغي عفتها، استقلالها عن الزائلات في الفكر والمحسوس. نحن المسيحيين نطمح ان نكون إلهيين ليس أقل من ذلك أي أحرارًا من الجسد ومن الخضوع للطعام وللنزوة. كيف يتم استقلالنا من هذا الجسد ونحن فيه هذا هو سؤال حياتنا.

نحن لا نصوم لنتحرر من الجسد ولكن من الشهوة وهي من النفس. من لم يفهم انه يمسك فقط محبة بالله أضاع كل جهده في الصيام. سؤال الصائم الوحيد هو هل أنا أصوم ابتغاء وجه الله؟ الإمساك عن الطعام وسيلة ممكنة لترى وجه الله وحده. الله حر من أشياء هذا العالم ومنا. أما أنت فموجود به. في أية لحظة تتحرر منه تموت. بلا إله دائم أمام عينيك أنت واقع في العدم.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الله نور السماوات والأرض/ السبت في 7 شباط 2015

نسي الناس ان لله وحده ان يحيي وان يميت. فالحياة عطاء وأنت تتقبلها عندك وعند غيرك وينهيها فقط من أعطاها. انها نعمة أي انها ليست منك وترتضيها ارتضاء شكر والحقيقة عندنا نحن المؤمنين ان ربك في الموت لا يستردها الا بما هي منظورة لأنه في الحقيقة يحفظها عنده بسبب من رجائك للحياة الأبدية. ولذلك حرّم الله ليس فقط قتل النفس ولكن كل اعتداء على الصحة بالإهمال لكون النفس ليست لك ملكا ولكنها عطاء تنميه وترفعه ذبيحة لله.

من هنا ان العناية بالصحة بلا مبالغة واجب ألقاه الله عليك. كذلك العناية بصحة الآخرين ولا سيما الموكلين إلى عنايتك. لا يعني هذا ان لك ان تغرق في رعاية جسدك. واهتمامك ليس فقط خوفا من الموت ولكن قبولا لك من الله. صح انه يحييك ولكنه يريد ان تشاركه في هذا الإحياء. الله ما جعل نفسه بديلا عنك في إحياء نفسك. يعنى بك ولكنه لا يعطل مساهمتك في حفظ نفسك. ليس هو بديلا عنك لصيانة حياتك. هذه جبرية عمياء. الله لا يلغي الانسان.

نحن شركاء الله. هذا ليس شركا. لا تعلوا الله إلى حيث تشعرون انكم لا تقدرون ان تدنوا منه. ما هذا الإله الذي لا تقدر انت ان تقترب اليه حتى لو شعرت بلمسه؟ هل من معرفة بغير نوع من اللمس؟

أقرب الى المسيحيين ان يقولوا انهم يلمسون المسيح. ما ييسر عليهم هذا القول معرفتهم ان له جسدا. في الحقيقة لا فصل ممكنا بين جسد المسيح وذاته. جسده من ذاته. يبقى المسيحيون يهودا ان لم يحسوا انهم قادرون ان يلمسوا ربهم هذا. هذه أعجوبة المسيحية انها تدنيك من الله فيما هي تستبقيك على الأرض بالنعمة.

نحن المسيحيين لا نخشى القول اننا في الله. عندما نقول اننا نحيا بنعمته نعني اننا نحيا به لأن عقيدتنا تعلمنا ان نعمته غير مخلوقة. بكلام أبسط نعمته هي هو أي اذا قبلت نعمته تكون قد قبلته هو. كيف يكون هذا؟ كيف يلامس المخلوق الخالق؟ لا نفهم شيئا الا بالنعمة أي بما يفوق العقل. كيف نكون شركاء النعمة وهي غير مخلوقة؟ ليس عندنا جواب عقلي عن هذا السؤال ولا سيما ان الكتاب يؤكد اننا شركاء النعمة. كيف يتحد المخلوق بالخالق؟ لا أحد يفهم هذا الا بالنعمة. لا يكفي جوابك للبسطاء ان الله على كل شيء قدير. هل هو قدير ان يلامسك؟ اذ ذاك أين أنت؟

هل تبقى حيث أنت اذا لامسك؟ الا يكون قد أعطاك شيئا من الوهيته؟ ما معنى هذا وأنت لا تزال في جوهرك؟ الجواب التراثي غير المفهوم عقليا انه يعطيك ذاته. من هنا عندنا ان النعمة غير مخلوقة. كيف يتم الاتحاد بين المخلوق وغير المخلوق؟ ليس في العقل جواب. نقول ببساطة ان هذا تنازل إلهي بحيث ان الله يبقى ذاته ويعطي ذاته بآن.

هذه جدلية عميقة وغير مدركة ان نقول ان الله فينا وانه يعلونا. كيف يتحد ويضمنا اليه ولا يندمج؟ نجيب فلسفيا هذا جوهره. غير ان العاشقين يقولون انهم يتحدون به ولا يقلقهم السؤال الفلسفي. «الله نور السماوات والأرض» وأنت تقول بالنور لأنه تراءى لك. هذه مكاشفة لا ينقلها العقل. القلب المستنير هو عندنا مركز للفهم لأن الله انسكب فيه. الانسان يبدأ بفهم الله اذا صار إلهيا أي يفكر بما يفكر الله به. هذا فقط بدء بعده تأتي المعرفة أي ذوقنا لله ولكننا نذوقه اذا أحسسنا انه يذوقنا. هذه مسألة حب لا يفهمها الا العاشقون. واذا قلنا ان الله نور لا نعني انه تنازل للفهم العقلي. نريد انه نزل للكيان البشري بالحب. لماذا الله محبوب وليس معقولا؟ نحن لا ننفي ان ثمة ذرات حب في كلامنا عن الله والا لما أمكن الكلام.

العقل بعض من نور. لذلك كان الله فيه ولكن العقل ليس كل النور. النور يرى النور.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

المستغرقون في اللذات/ السبت 31 كانون الثاني 2015

ليس من إنسان مستقر. القديسون وحدهم يعيشون في سلام. سبب ذلك ان أكثرنا يضطرب بسبب ما يحدث حوله. كل مضطرب بسبب ما يحدث فيه. بتعميق أكبر أقول انك في سلام ان لم تجئ من أحداث الدنيا ومن أحداث نفسك، ان نزلت من فوق.

كلنا في الدنيا. قلة ليست من الدنيا. انها من فوق. هذه وحدها لا تضطرب. عندما قال يسوع لتلاميذه: سلامي لكم، سلامي اعطيكم أراد ان يقول هذا سلام الله فيّ اعطيكم. ما كان من الناس فقط فيه هموم الناس أي الخلل الذي فيهم. قول يسوع لتلاميذه السلام لكم كان بعد قيامته أي عند تحرره من الموت. ما دمنا في الموت الروحي ليس عندنا سلام. وأنت اذا سلمت على الناس بعبارات السلام لا تعطيهم شيئا من عندك. تبلغهم سلام الله اذ قبل ذلك ليس فيهم قرار.

عندما تقول لإنسان السلام لك أو السلام عليك أنت لا تعني انك تعطيه سلامك اذ ليس هذا فيك. أنت تريد انك تبلغه سلام الله. ولكن لا ينتقل إليه بمجرد قولك. يجيئه من الرضاء الإلهي.

السلام نادر جدًا ولا يتوفر في الحقيقة الا عند القديسين. ولكن على المرء ان يسعى. في الحقيقة لست مصالحا الله الا في اليوم الأخير أي في آخر الأزمنة أو قبيل انتهاء حياتك لكونك تحت الخطيئة وهي عداوة الله. لست أعرف إنسانا في واقعه لا يعادي الله. انه قد لا يريد ذلك. ولكن كل خطيئة ترتكبها عمدًا عداوة لله لأنك في كل خطيئة تعلن نفسك ضمنا إلها اذ تعترف بنفسك حرا منه ومن كلمته.

مشكلة الإنسان الوحيدة هي الموت وبتعبير آخر هي الخطيئة. الموت الجسدي وحده ليس المشكلة الكبرى. فناء النفس في أحزان المعصية هو الموت. حزن المعصية فينا اكتشافنا عجزنا عن القداسة. بلا معصية نحتمل كل شيء. كل مسعى للاستقرار خارج الله ضرب من المحال لأنه اضطراب. الصعوبة الحقيقية عندنا اننا لا نصل إلى الله أو لا نسعى. بلا إله بماذا يتغذى الإنسان؟ ان التشديد على الإنسان وحده في الثقافة الغربية منذ القرن الثامن عشر كان بدء هلاكه. وجد الإنسان في نفسه أشياء جميلة ولكن هل كانت كل الإنسان؟

الإنسان وحيدًا، مستقلاً عن الله هو العزلة. كيف يأتي بنفسه من نفسه؟ اذا وجد نفسه مصحرا ماذا يفعل؟

كيف تتغلب على الموت وأنت في قيد الحياة، أي كيف تكون لك الحياة الحق مهما تقلبت عليك الأحوال الصحية أو النفسية؟ أين تكون في الحقيقة؟ من أي شيء يأتيك سلامك: من اللذة أم من المال؟ المشتهون الكبار يقولون ليس من فرح يأتي من اللذة. الفرح يأتيك من هذا الذي لا يعتريه فساد اذ كل ما يفسد يزول. هل سمعت المستغرقين في اللذات يتكلمون عن الفرح؟

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

زكا العشار / السبت 24 كانون الثاني 2015.

قصته في الإنجيل قصة المال وجباة المال وكل الذين يلتمسونه. لا أعرف خطيئة حذر منها يسوع كما حذر من خطر المال. هل انه رآه أشد من الأخطار الأخرى؟ قال عنه إننا نعامله كرب يسود علينا. ربوبية الملك الذي نملك عندما يقول السيد: «لا تعبدوا ربين الله والمال» تعني في اللغة البسيطة انك تعتبر المال مساويا لله.

كشف يسوع الناصري كيف يرى سلطة الخطيئة على الناس. هي شبيهة بسلطة الله علينا ان آمنا. لها قوة الله ان قبلناها لكوننا نؤلهها لنملك. اذًا الخطيئة بديل الله لمن شاءها.

العشارون جباة عند السلطة الرومانية ولكن يعشرون حسب شريعة موضوعة أي يجمعون من المواطن عشر دخله الأساسي. منهم كان متى الذي صار رسولا للمسيح والضريبة هم يحددون مبلغها اذ لم يكن في ذلك الزمن محاسبة تدل الجباة على دخل المواطن اليهودي. وكان شائعا انهم يحتفظون لأنفسهم بقسم من المبلغ الذي يجبونه. ما كانت سلطة تراقب الأرقام. الوضع كله كان يدفع الجابي ان يكون ظالما اذ كان وحده الذي يقرر المبلغ. ولانعدام الرقابة على الجباة كان المعتقد السائد انهم يسرقون من مال الضريبة.

من هؤلاء الكبار كان الرجل القصير الذي اسمه زكا وكان لفضوله يريد ان يعرف هذا النبي الجديد الذي تكلم عنه جميع الناس. كان هذا في أريحا. كيف لزكا ان يرى يسوع والجموع تزحمه؟ صعد إلى جميزة على الطريق التي كان الرب يجتازها. كان مشتاقا إلى رؤيته. فضول أو حب؟ المهم في النص ان زكا لما لم يتمكن من رؤية يسوع لازدحام الجموع صعد إلى جميزة ليراه.

فلما وصل يسوع إلى الشجرة قال للرجل: «اسرع سريعا يا زكا، لأني سأقيم اليوم في بيتك». كيف أراد يسوع نفسه ضيفا هكذا؟ المهم قول الإنجيل ان الرجل نزل مسرعا واستقبل الرب بفرح. هذا الرجل الخاطئ زكا كيف جاءه الفرح بالمعلم؟ كيف تاب فجأة؟ هذا سر رؤية الانسان ليسوع. رؤية يسوع تبدأ عند الخطيئة وتنقلب حياة جديدة. دخلت إلى هذا الإنسان الحياة الجديدة اذ قال: «سأعطي الفقراء نصف أموالي». تحول قلب الرجل. رأى يسوع هذا فقال: «اليوم وصل الخلاص لهذا البيت». وقمة الكلام قول الرب: «ابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالكين ويخلصهم» ما قال: جاء ليبحث عن الذين تهددهم خطاياهم بالهلاك. قال ان الذين حسبوا هالكين ما بقوا هالكين بسبب من محبته لهم.

ما معنى ان الخاطئ تمحى خطيئته؟ المعنى ان الرب لم يبق محاسبًا له اذا تاب أي لا يرى خطيئته في ماضيه اذ لم يبقَ له حلف مع الخطيئة ويراه الآب إنسانا جديدا لانه غير عقليته. هذا معنى لفظة توبة في الأصل اليوناني أي اكتسب عقل المسيح. يراك الله في خلقك الأول قبل السقوط. ليس عند الله سجل حسابات. عنده فقط سجل توبات.

عندي شعور فيما أقرأ الكتاب المقدس بجملته ان للرب ميلا خاصا، فريدا إلى الخطأة اذا تابوا ربما لأن مؤلفي الأناجيل يحسبون أن الأبرار هم له. تحس ان كتبة الكتاب يميلون إلى الخطأة اذا تابوا ربما لأن الأبرار مقيمون دائما في الملكوت.

أظن ان أهمية زكا العشار عندنا، اننا نحس أنفسنا قريبين اليه وان كلا منا لم يبق يائسا من توبته مهما عظمت خطيئته لأن بهاء يسوع أنه يشعرك بأنه قريب منك في عمقك البشري حتى ينسيك خطاياك فلا تبقى حزينا بها ولكنك تنتقل إلى الفرح الذي نزل عليك بالتوبة.

دائما شدني الخطأة الكبار اليهم اذا تابوا لأنني اعرف ان الرجوع كان مستحيلا وان قدرة الله وحدها تجعله ممكنًا. التوبة الحقيقية سر. لا تعرف أنت كيف ذهبت عنك الخطيئة وكيف عاد اليك وجه الله. كل لقائنا بالله سر.

دائما كان يذهلني ما كنت أحسه عند قراءتي كيف ان الأبرار يفرحون حتى التهليل برجوع الخطأة وما كانوا يتكلمون الا قليلا عن بقاء القديسين في الطهارة مع ان هذه ليست من المسلمات. هذا سر الله مع محبيه. هذا سر عشقه لنا.

دائما كان يلفتني في أدب التقوى عندنا ان كبار الكتاب ما كانوا يمدحون الراسخين في الطهارة كما كانوا يتهللون لرجوع الخطأة. ربما لأن كل كاتب في القداسة يشعر نفسه خاطئًا.

الصلاة المألوفة عند المؤمن في كنيستي هي هذه: «ارحمني يا رب، يا يسوع المسيح، أنا الخاطئ». هذه نصر عليها اذ نعتبر هذا الدعاء أساسيا في معركتنا مع آثامنا. هذا الدعاء يتعلمه أولا كل من باشر في حياة الصلاة عندنا. وهو يتضمن اعترافين أولهما الاعتراف بيسوع مخلصًا ثم الاعتراف بنفسك خاطئا. بعد هذا يمكنك الدخول إلى سر المسيح.

وصلاة العشار هذه نتلوها على السبحة الأرثوذكسية التي لا يعرف عنها الكثيرون ويقول الأكابر عندنا انك اذا تلوتها تكون قلت كل شيء. وقرأنا من قال: ان دعاء اسم يسوع (يا يسوع المسيح ابن الله ارحمني انا الخاطئ) فيه كل الصلاة وكان بعض يقولون انه يغنيك عن كل صلاة أخرى. ولكنا لم نهمل نحن من أجله أي صلاة تعلمناها. وبقيت صلاة العشار حبا لنا كبيرا لاسيما لعلمنا ان الرهبان في كنيستنا يتلونها مئات المرات في اليوم على سبحة القماش التي يحملون. وفي أيامنا اتخذ بعض الشبان السبحة عن رهباننا وباتوا يحملونها ويتلونها. ورأيت بعضا منا يتلونها وما كانت معهم سبحة. هذا كان جديدا في أرثوذكسية هذه البلاد والجديد فيها كثير.

أية كانت معرفتك بالروحانية الأرثوذكسية تبقى صلاة العشار ملجأ أمينا لك في ضعفك وفي توبتك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

أسبوع الوحدة/ السبت 17 كانون الثاني 2015

الحديث عن الوحدة المسيحية في هذا الموسم كالحديث عن حريق لم نعطَ معرفة اطفائه. يؤلمنا جدا ونتوق إلى إطفائه والإطفاء بيد الله. والمحزن اننا صادقون في اللوعة والجرح قائم ولا أحد يتمسك بالانقسام كما لا أحد يعرف الدواء. هل الصلاة المشتركة للوحدة دليل عجزنا عن وضع مدماك في بنائها؟ كيف نكف عن الدعاء؟ هل نعطاه في الزمان الحاضر أو القريب ان صلينا كثيرا؟ كل ما في الدين طبعا رجاء ولكن الرجاء ليس عندنا أحلاما لأنه قائم على الوعد الإلهي.

نطلب الوحدة من الله لأنها رجاء أي لأنها قائمة فيه وليست معطاة في الراهن الكامل. في رؤية تقوم على المحبة هي محققة في المسيح وفي المتقدسين عند كل فريق. الطاهرون يرونها ولو ممزقين أي انها دائما في القلوب تسبق راهنها. ما يعزيني باستمرار ان أرى في هذا البلد الأرثوذكسيين الأتقياء يحبون الكاثوليك وهؤلاء يحبون أولئك. ذلك لأن الأتقياء من كل مذهب يعترفون بالأتقياء من كل صوب، لأن الانقسامات التاريخية ولو عرفها العارفون لا تصل إلى القلوب.

ما يعزيني حتى البكاء ان الطاهرين في كل كنيسة يحبون الطاهرين في الكنائس الاخرى وكل يرى نفسه واحدا مع الفريق الآخر بحيث يحس ان الآخر في قلبه والقلب يشفي فروق العقول. بمعنى حقيقي وعميق لسنا مفترقين لأننا في حسّ المسيح وعقله واحد وهناك السكنى. غالبا ما سنبقى ممزقين حتى نهاية الدهور ومع ذلك يجب ان نجتهد في سبيل وحدتنا.

كل دارس عنده وصفة لحل المشكلة والأقربون من الحل ليسوا بالضرورة أهل السلطة. قد يكون بابا رومية أو أي رئيس آخر صاحب حل ولكن لا تتصوروا انه يستطيع كل شيء في دائرته. المتقاعسون عن التوحيد كثر ولو كان الكثيرون منهم حسني النية. ولكن الكسل يحكم الكنيسة كما يحكم العالم.

في احساسي المجتمعي الراهن ان جرح الانقسام قائم في جسد الكنيسة وان جل ما تستطيعه في الواقع المؤلم ان تشاهد وتبكي. واجب الصلاة من أجل الوحدة قائم على عواتقنا والمحبة في أدنى مستواها الا تؤذي الآخر بكلام غير مسؤول وجدل تجاوزناه حقا من زمان. هذا لا يعني انه يجب ان تقبل الراهن. والأهم في الراهن المعيش ان تحب الآخر من كل قلبك على ما هو عليه من جهل وتعصب أحيانا لأن المحبة وحدها الدواء.

المحبة ان كثرت وتعمقت تملي على القلب ما يجب ان يقول. غير انها جدية لأنها تجهل كبرياء الطوائف. ان تنكسر طائفة في ادعائها التاريخي صعب عليها ولكنه خبرة أساسية للخلاص. المحشورون في طوائفهم بعد ان خسروا الرؤية خطرون على الناس وعلى طوائفهم. من قال لك الا تتمسك ولكن من قال لك ان تخسر الحرارة في محبة الآخرين؟

أنا متأكد كل التأكد ان القداسة ان عظمت في كل فريق منا قادرة على اتمام الوحدة اذ الله يلهم، اذ ذاك على الأذكياء من اللاهوتيين ان يتفاهموا. اللاهوتيون يريدون الوحدة. لا تشكوا بهم. ولكن العقول المثقفة تكون بطيئة أحيانا. ارحموا أصحابها وأنصتوا إلى ما هو حق عندها.

صلّوا وثابروا على الصلاة في مسعانا هذا لأنكم ان طهرتم أنفسكم بالأدعية الطيبة يستجيب الرب لكم. أنا ما قلت ان تنسوا الدراسة. صلّوا وادرسوا. هذان توأمان.

لا تنحصر صلاتكم في أسبوع الوحدة ولا تنقطعوا عن الدراسة. هذا يعني بتعبير آخر ان العقل والقلب معا هما في سعينا إلى الوحدة.

صح ان المستقبل في هذا لله أيضًا ولكن هيئوا المستقبل بالمحبة وتعميق التأمل اللاهوتي.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

حبنا لله / السبت ١٠ كانون الثاني 2015

هل العالم حاضر يا رب اليوم أو غدا لاستقبالك أو يتلهى بنفسه حسب عادته ويضجر؟ ما كفر هذه الدنيا الا استلذاذ ذاتها لكفرها بما هو فوق؟ هذا هو الكفر ان نقيم الله في البعيد كي لا نشغل أنفسنا به. الكفر هو القول بأن السماء فوق فقط وان الأرض لا تحتاج إليها. هل تكون السنة جديدة بلا إله؟ دائمًا كان هاجسي هو هل الإنسان طالب الله أم ما هو حول الله؟ قد يكون الدين فقط لكثير من الناس أمور الله ولكن ليس الله ذاته أي عقائد وعبادات هي صور عنه. هل الرب محبوب حقًا بذاته قبل ان تصوره العبادات والمراسم؟ هل يهمك الرب مجردا عما حوله قبل ان تهتم بما حوله. الله والعالم، أنا والله، الله في الأديان هذا هاجس جميع الناس. ولكن الله بلا نسبة إلى أحد أو إلى شيء هل هو شغلي الشاغل؟

أعرف ان الله ينتسب ولكنه ينتسب بسبب من محبته. هل أنا أنتسب إليه ولو لم يكن محاطًا بشيء أو ما بدا معطيا لي شيئًا؟ صحيح ان الله متصل ولكنه يريدك له ولو أحسست انك لم تأخذ شيئًا. هل تراه لك كليا وحده بما أعطاك وبما لا يعطيك؟ هل تعرفه في فقرك، في عرائك. كتب الكثير في القرن الماضي عن حوارنا معه. لا أذكر انه كتب الكثير عنه وحده بحبه الأبدي لذاته ولنا في عرائه. أعرف ان الله جعلك غاية له في محبته ولكن هل عرفته غاية لك وما كان مسعاك ان تطلب شيئا لنفسك؟ مرة بعد المرة اطلبه لنفسه، لا تسأل شيئا لذاتك. اشكره هذا حسن، سبحه. هذا أحسن. انس نفسك في الصلاة وكن إليه لأنه المحبة الكاملة. لا تفكر ان صليت دائما في حاجاتك. فكر في حاجة الله إلى حبه إياك. الفلاسفة يقولون ان الله لا يحتاج. العاشقون يعرفون انه يقرب نفسه إليك. هو حر ان يربط نفسه بك ولو لم يكن بطبيعته محتاجا إليك. الله في محبته له منطقه. هو ليس حصرا فوق. انه هنا «معنا هو الله فاعلموا أيها الأمم وانهزموا لأن الله معنا».

هل تحس اذا جاء إليك انك بحاجة إلى شيء آخر؟ هل تعتقد حقا انك به تعيش؟ هل تحب الله وحيدًا؟ وحيدًا عن كل شيء آخر. هل تذوق ربك لحلاوته؟ المؤمنون الطيبون يقولون انه عظيم. أنا لا أنكر عليهم حقهم بهذا القول غير اني لم أتعرف كثيرًا إلى أناس يقولون انه قابل عشقهم له. يريدون ان يتحدثوا عن حبه هو لهم أي غالبا ما ينظرون إليه في وظيفته هذه. كثيرا ما بدا لي ان الكثرة توظف الله في مصالحها، في صحتها وصحة أولادها. أنا لا أنكر ذلك ولكني لا أحب كثيرًا ان تجعل الله موظفا عندك.

المسيحية قائمة على ان الله يحبنا. طبعا فهمها ان هذا منطلق لمحبتنا اياه. ولكن ما معنى ان نحبه؟ لست أذكر انه تكلم في الكتاب عن عشقنا له. هو قال: «من أحبني يحفظ وصاياي». لست أذكر ان الدين انفعالات في الله. هو طاعة. وهذه تكلف. ليس لي شيء على العشق الإلهي عند المتصوفين. هذا صادق وليس شعرًا وكم كنت اتمنى ان القائلين بالعشق يدعون إلى الطاعة. ذلك ان هذه هي المحك لصدق العلاقة بيننا وبين الرب. مرات كثيرة اشك في صدق العلاقة معه ان غالى القائلون بمحبته. اتمنى لو تكلموا عن طاعته. اخشى في استعمال عبارة محبتنا لله الا نكون قد وصلنا إلى الطاعة. الحب لله كلمة غير دقيقة أحيانا في الواقع الباطني.

المحبة لله تعني لي أولا الفقر إليه بمعنى انه الملجأ الوحيد وبوضوح أكثر اننا نحن له أكثر مما هو لنا. هذا تمييز يعرفه العاشقون. انه امتحان صعب ان نعرف اننا لله محبون. فما أيسر الكلام عن الحب. اعطى يسوع الناصري تعريفا عن ذلك بقوله: «من أحبني يحفظ وصاياي». العاشقون له تكلموا عن الطاعة أولا. كانوا يخشون الكلام في العاطفة لأنها تخفي أحيانا المحبة الفاعلةز

قد يعني الإلحاح على طاعة الله انك لا تهتم بالعاطفة نحوه. هذا غير صحيح لأن الذين تكلموا عن حب الصديقين له كثر ولكنهم آثروا الحديث عن الخضوع له لأن هذا ليس فيه لبس.

ان تحب الله وحيدا تعني انك لا توظفه لصحة أولادك أو لحصولك على مال. ان وصلت إلى الإحساس بأن الرب يكفيك وان كل شيء آخر زيادة تكون قد بلغت الكمال. ولكن حذار ان تظن ان محبتك للرب تعني انفعالا عاطفيا. هي قبل كل شيء طاعة لأنك في هذا تمتحن قلبك. ان تحب الله وحيدًا تعني انك تحبه ولو ظننت انه تاركك، وتعني انك له في المرض وفي الصحة واذا افتقرت من بعد غنى وبكلام أبسط اذا نظرت إلى وجهه وليس إلى منفعتك منه.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الظهور الإلهي/ السبت 3 كانون الثاني 2015

جاء من التاريخ وهو قبل التاريخ. ولد من مريم وهو خالق مريم. لأنه كان في البدء أي قبل بدء الخليقة. علاقتنا معه جاءت منه وأرادها منا أي من طريقه إلينا في الحب. نحن لسنا نعرفه إلا حبا.

أهم ما أراه في هذا الصباح انه مخلصنا من التفه، من الخطيئة. أليست الخطيئة هي التفه؟ أليس الوجود هو الحب والله مبدعه في تاريخ الفكر؟ اذا كان المسيح غير ما أعرفه في الحب فأنا غير موجود. أي ما عندنا من الخير والحق هو مكونه أو مترجمه. ذلك ان ارمياء قال: «روح أفواهنا مسيح الرب». كل عظمة في الدنيا، كل جمال ترجمته ولا يثبت جمال الا اذا استطعت ان تعيده إليه. واذا كنت أنت حاملاً جمالاً حقا فأنت منه مصبوغًا بصبغة الماء.

هناك على نهر الأردن سمع صوت الله يقول عن المسيح: «هذا هو ابني الحبيب». أنا لست هنا في وارد التفسير. جل ما أقوله ان الله في كتبنا ما سمى أحدا ابنا آخر. دعانا جميعا بعضنا مع بعض أبناء من باب الحب لا من باب اندماج بجوهر الله. هذا يكون شركا فنحن آتون من الله بالحب لا بجوهر أقنومنا البشري المخلوق. غير ان في المسيحية هذا الأمر اللافت ان يسوع الناصري دعي في كتبنا صادرا عن الله صدورا ونحن لسنا كذلك. نحن صنع يديه أي نحن مخلوقون بمعنى انه كان زمن ما كنا فيه.

كيف نكون مستنيرين بنور الرب ونحن مخلوقون؟ السرّ هو ان الله يعطيك نفسه فقط في محبته ولا يقسم جوهره. هذا سرّ لا يسوغ النطق به أو التأمل فيه. وفي التعريف الأرثوذكسي الأكثر وضوحًا أنت تتقبل النعمة الإلهية وهي غير مخلوقة ولا تصبح في الجوهر إلها ولكنك إله في مساهمة النعمة وهذا لا يفهمه إنسان.

ان ما حصل في نهر الأردن أعني سماع صوت الاب: «هذا هو ابني الحبيب» وظهور الابن في الجسد أي انكشاف الله للبشر في شكلهم كان التبيان الفصيح لعلاقة الله بنا. لقد أحبنا الله في المسيح لأنه جعلنا أبناء. وبهذا يقيم كل إنسان مؤمن به مسيحا آخر في وحدته مع يسوع الناصري.

أنت الإنسان تظهر ببشرة جديدة ان صرت مع المسيح أي بالمسيح ومنه. قبل ذلك أنت ابن امرأة. بعد ذلك أنت ابن لله. واذا ظهرت للناس يرون الله فيك. الله ظهر في كل مكان بما في ذلك الوثنية. ثم ظهر بالأنبياء وأخيرًا في حبه بيسوع المسيح.

هو ظاهر دائما بالذين يحبهم. هم يترجمونه. اتخذ كل واحد منهم لسانا له. لا تنحصر سكناه في الكتاب المقدس. انه جعل كلا من أحبائه كتابا له. لذلك تقرب أنت كل إنسان بالقدسية التي تقرب فيها ربك بكلمته. أنت لا تنقل إلى الناس كلماتك بل كلمة الله التي حلت فيك. اذا سمعوك يجب ان يحبوها وما لم يصلوا إلى هذا غالبا تكون أنت قد أخفقت. يستحيل عليك ان تظهر للناس ظهورا إلهيا الا اذا لبست المسيح أي اذا اتحدت به من عمق كيانك. ان تحدث عنه لا يكفي ليصل بك إلى الناس. ينبغي ان يحسوا انك اتخذته مخلصا لك ومرشدا كل خطوة في حياتك. اذا استطاعوا ان يحبوا الله من وراء عشرتهم لك تكون أتممت قصد حياتك. قبل هذا أنت في سعي. تكون قد وصلت اذا اتحد الناس بالله لأنك شهدت له أمامهم. بهذه الشهادة اليومية يكون الظهور الإلهي تم تفعيله فيك.

تفهم من هذا ان ظهور الرب للناس ما انتهى عند نهر الأردن. هذا كان تبريكا لكل الظهورات. يظهر يسوع فيك ان أنت أحببت الناس. عند ذاك هم يفهمون ان الرب يحبهم.

الله يظهر للناس بالناس. صح انه يبدو لهم بالكتب المقدسة. ولكن هذه الكتب انما ألهم الله بها قديسين ليكشفوها للبشر. الكتاب لغة اختارها الله لنفسه ولكنه يخاطب البشر بهذه الكتب أو اذا ناجى القلوب.

يظهر بالطريقة التي يختارها في كل ظرف حسب حاجة الناس. نحن أتباع يسوع الناصري نؤمن ان الله خاطبنا به ويخاطبنا اليوم بالإنجيل وبالأطهار. هذا شأنه واذا عرفت صوته لك ان تصغي. هناك ظهور إلهي خاص بكل إنسان اذا أحس بصوت الله. طهر نفسك لتسمع.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

السنة المطلة / السبت في 27 كانون الأول 2014

ما نفعها ان لم يطل الله عليها أو بالحري ان لم يطل هو على كل واحد منا. الجدّة منه وفيه فالسؤال إلينا جميعا كيف نفتح أنفسنا لينزل الله إليها. لا ينجو الإنسان اذا ظل يظن انه يجيء إلى نفسه من خارج نفسه. الأحداث لا تطل عليك ان لم تفتح في نفسك نافذة لتتقبلها. فأنت الحادث الدائم وما من شيء آخر. أنت المتجدد. فالجديد تاليًا انك مولود اليوم في النور. لا شيء يطل عليك الا النور ان أردت الا تبقى عتيقًا. لك ان تنعتق من ماضيك أو مما عتق من ماضيك فأنت جديد أو عتيق وليس السنة.

هل تريد ان تصبح إنسانًا جديدًا، غير مدين آليًا لماضيك فلا تصير عتيقًا بماضيك، هل تصر على الكسب أم ان تكون؟ معنى السؤال هل ترى انك مكون مما هو خارج عنك، من المال أو من الأحداث أم ترى انك مؤهل بنعمة الله ان تصنع الآتي مع الله؟ السؤال الحقيقي هو هل أنت حتما وريث ماضيك أم عمل النعمة التي تنزل عليك بالرضاء الإلهي؟ لذلك كان السؤال هل تتكل على أحداث ترجوها لكي تعطيك شيئًا من الوجود أم تلتمس هذا الوجود من ربك مع الجهاد؟ وهل تؤمن ان العتاقة ليست بتقادم الزمان ولكنها شيخوخة نفسك وارتضاؤها ذاتها على حساب تجدد ينزل عليها من فوق؟

في الحقيقة ليس من سنة تطل ولكن النعمة الإلهية ان دعوتها لتترجم لك الرضاء الإلهي. أنت لا تدعو السنة، تقدم نفسك للرضاء فإذا انسكب صرت إنسانًا إلهيًا وكل شيء آخر يزاد لك.

ان كنت مؤمنًا لا تنتظر السنة الآتية ولكن النعمة. الأيام لا تطل. البركات تأتي. الزمان ان لم يكن مكان الله ليس بشيء. ما يريده الله منك ان يدخل إليك. هو عارف انك بهذا تكون. السنة الجديدة تنتظر منك توبات. هذا وحده جديدك لأن التوبة ليست تكرارا لتوبات. انها خلق. بمعنى حقيقي هي خروج عن مألوف الزمن بحيث لا تكون آتية منه ولكن من النعمة. ليس لك تحرر من وطأة الزمن الا بانسكاب النعمة عليك.

الأحداث أحداث. انها متشابهة ولكن النعمة فيك يمكن ان تكون جديدة ومجددة. هي لا الحدث الإطلالة لأنها وحدها الفرح. لا تنتظر حدثًا يغير حدثًا بل عليك ان ترجو تجديدا لنفسك، انقلابا تسميه توبة. ليس المبتغى فقط العودة عن أخطاء الماضي ولكن رجاء مستقبل وضاء. هذا يعني ان المرجو موعد مع الله. انه وحده يجدد النفس.

ماذا ينفعك زمانك ان لم تنتظر الله فيه؟ أنت والله فيك صانع زمانك. لا تنتظر فقط السنة الآتية، اصنعها. اذا أطل الله عليك بطاعتك لك سنة جديدة أي مجددة فيها الأيام بالنعمة. اذهب والنعمة في فمك وعلى يديك. اربط مصيرك بالمحبة. انها منقذتك دائمًا.

اجعل كل يوم من سنتك مجددًا بالنعمة. لا تنتظر اليوم، اقتحمه ليكون بك مليئًا من الله. المهم ان يطل الله عليك، ان يكون هو ساكنًا كل يوم من أيامك. لا تخشَ الأحداث السيئة. يمكن ان تكون تذكرة بالله.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الله تحت / السبت 20 كانون الأول 2014

المسيح في العالم منذ نشأة العالم باعتباره فكر الله. ونحن لا نعيد لحدث ظهوره من مريم إلا لنذكر انه ظهور الله. والمسيحية كلها في هذا تقول ان الله بمسيحه سكن في العالم جسديًا. كنا نعرف قبل مجيء المخلص أن الله معنا، لكن مع المسيح رأيناه معنا وساكنًا فينا. في اليهودية كنا ندرك أن الله فوق، ومع يسوع فهمنا أنه معنا وفينا، أي بالمسيح ألغيت المسافة بين السماء والأرض، لذلك إذا سألت الطفل المسيحي هل الله فوق يجيبك لا أعرف. أنا أعرف أنه في قلبي.

عندما نقيم الميلاد لا نعيّد لحدث مضى ولكن لاستمرار هذا الحدث. المسيحية كشفت أن السماء ليست فوق بل إنها فيك. إنها أنزلت الله على الأرض، بعد ذلك صرنا نصعد إلى السماء. في اللغة المسيحية نقول إننا في الله وأن المكانية كلها لا معنى لها.

يصير الميلاد حدثًا دائمًا إذا وعيت أن يسوع يولد فيك عند رضاه وتفهم أنه أبطل المسافة بين الأرض والسماء أي كل بعد عن الله. طبعًا عليك دائمًا أن تقول أن الله فوق لئلا تقع في وحدانية جوهرية كافرة ولكن إن لم تحس أن الله فيك لا تكون انقطعت عن اليهودية الكامنة فيك. يسوع كان حدثًا ليبقى. والسر في هذا أنه فيك وإنه غير مندمج بآن لئلا تقع في الحلولية والعيد يدعوك أن تسلم له لإيمانك أنه الكل وإنه كذلك لأنه واحد مع الآب.

هذه هي حلاوة الحياة في المسيح أننا نعرف أنه واحد مع الله وواحد معنا أي أنه مكان اللقاء بيننا وبين أبيه. من لم يعرف المسيح في حياته ماذا يعرف عن الله؟ الرب يعرف الذين هم له. الله مع العاشقين.

المسيحية معية ولكنها ما ألفت أن ثمة هوة بينك وبين الله في الطبيعة. بمعنى أنك مخلوق وهو خالق. ولكن المسيحية ردمت هذه الهوة بالحب لأنها جعلت الخالق ساكنًا في أحشاء امرأة.

الله فوق ومعنا. هذه هي اليهودية والمسيحية معًا. الله فينا هذه هي المسيحية وهذا هو معنى التجسد. المسيح في الإنسانية توقًا منها وإذا أرادت الخلاص فحقيقة منه ومنها.

المسيح صار إنسانًا فردًا بمعنى أن له كيانًا يميزه عن كل بشر. وهو صار في الإنسانية بتجسده ومع كل إنسان بحبه ولاسيما في موته وأنت مدعو به وفيه أن تصبح إنسانًا كاملاً تبلغ «قامة ملء المسيح».

كان التجسد التعبير الأخير لحضوره في العالم وما كان البدء إذ البدء كان الكلمة أي هو. والتجسد لا يعني تحول ابن الله إلى كيان جسدي، ولكنه يعني ضم بشرية الإنسان، كل إنسان إليه بالتجسد والحب الهادي بالتجسد.

عليك دائمًا ألا تنسى أن المسيح فوق لكي تعرفه إلهًا وأن تدرك أيضًا أنه معك لعلمك أنه يحبك. هو ما صار إنسانًا إلا ليقول لك ذلك. طبعًا قال هذا بموته وقيامته الفصحية والأخيرة وكفتنا.

حق وجميل أن تذكر أن المسيح إنسان لتحبه حقًا ولتعرف أنه قريب. المسيح جعل بين الله والإنسان ملامسة أي ما هو فوق الإيمان، ما هو حب. هذا لم يكن معروفًا بقوة حتى مات يسوع على الخشبة. هناك نطق أنه المحب وهناك فهم البشر أنه واحد معهم وواحد منهم. عرفوا أن الله ليس فقط فوق وأنه تحت. الإقامة تحت لا تأخذ شيئًا من حبه.

وإذا نزل يسوع إلى أسفل هذا يعني أنه ساكن جميع الناس وأولئك الذين قيل لهم إنهم تحت. أنت لا يمكنك أن تستحيي بمقامك لأنك حيث كنت يكون المسيح معك. أنت لست كبيرًا بأحد. أنت كبير به.

أنت تفهم أن يسوع مع الضعفاء، الأغنياء منهم والفقراء لأننا كلنا ضعفاء. إنه مع المرضى، كل المرضى والمكسورين في عقولهم أو همتهم والذين يهملهم ذووهم وأصدقاؤهم ومع الذين يضطهدهم ذووهم وغير ذويهم أو مع الذين لا يحبهم أحد ولو أحبوا. إنه ليس مع المفتخرين بقوتهم أو جمالهم أو علمهم. هو مع الذين لا يقولون شيئًا عن أنفسهم ولا ينظرون إلى أنفسهم كما في مرآة. هو مع الذين لا يحس بهم أحد، مع المطرودين إلى الصحارى، مع الذين أبعدنا عنهم قلوبنا فألقيناهم في العدم. اذهب إلى الذين صاروا في العدم وأعطهم الله. هم لا يتوقون إلى شيء دونه. اذهب إلى الذين حرمناهم حبنا لأنهم صغار. دائمًا كن مع الصغار. هؤلاء هم من اصطفاهم الله فجعلهم حصته. الرب ليس مع الذي اعتقد نفسه موجودًا. إنه مع من حسب أنه عديم وأنه ضائع، وفي ضياعك إن لم تجد ربك لا تجد شيئًا.

Continue reading