يأتي وقت المقال وليس عندك شيء. من أين يأتي المقال؟ هناك زاوية جريدة مبسوطة أمامك وقراء ينتظرونك. مشكلة كاتب الصحيفة انه مضطر واضطراره الا يكون تفها لأن هذا حق القراء عليه. ماذا تكتب ولا تكرر ذاتك؟ لماذا لا تكرر ذاتك ولو لعبت لعبة تغيير الكلمات أو تغيير رصفها؟ اظن ان كاتب الصحيفة تحديدا هو المضطر على فكر ينتظره الناس أي انه مضطر بحياة داخلية فيه ولا يستطيع ان يرصف كلمات.
هو لا يستقبل كل كلمة تأتيه لكونه رسولا.
ليس عندك شيء اذا لم تطلب شيئا من فوق. فقد لا يكون في داخلك شيء اذا أردت الكتابة لأن هذه لا تفتعلها. هي تنزل ان كنت كاتبا حقا. الكاتب تستكتبه قوة من خارجه. من هذه الزاوية لا يكرر نفسه. أحيانا تراه يردد ما قال. في الحقيقة تنزل دائما الكلمات جديدة أو تأتي كلماته القديمة بوهج جديد. الكاتب الحق يخلق لأنه يجيء من الخالق أو من غير نفسه ولا يقول أبدا الشيء عينه أو قل انه يأتي به بوهج جديد. ان لم يكن ثمة التماع غير مسبوق فليس من كتابة.
ليس للكاتب ان يقول من أنا، ماذا اعرف. عليه ان يقول: هؤلاء القراء ماذا ينفعهم ليصير كل منهم إنسانا سويا. في الحقيقة ليس من سوي لأننا انحرفنا بعد الخلق. أنا افهم ان الكتابة حب. بعد هذا كل شيء صناعة. عندما تقول هذا ملهم عما أنت تتكلم؟ إن كنت مؤمنا تعني ان الله يحرك له نفسه. فالقارئ الكبير لا ينتظر ما كان دون الله. انه لا يكتفي بالعادي، بالمكرر. اذا كنت تحب قارئك يأتيك جديد القول أي الذي يجدد روحك. دون ذلك مجرد كلام. الناس ينتظرون منك ما يشبه لغة الله. نحن المسيحيين نقول اننا نأكل جسد المسيح. ماذا يعني هذا الكلام بعد ان صعد المسيح إلى السماء؟ انه يعني ان السيد قادر بالحب ان يجعل نفسه بعضا عنك أو ان يجعلك بعضا منه. هل يكون مأخذا علينا ان قلنا ان علاقتنا بالله علاقة حب؟ أنا لا افهم من يتأذى من هذه العبارة. هذه لغة الحب؟ هل هناك ما كان فيه احترام أكثر من الحب؟ عند الروحانيين أنت حبيب الله والله حبيبك. هذا لا يعرفه العابدون الصغار. أحد القديسين عندنا وهو من القرن الرابع أراد ان يفسر للضعاف عبارة عبادة الله التي كانت تعثرهم لحسبانهم انها عبودية. قال: «ماذا يعمل العاشق غير ان يستعبد نفسه للمعشوق؟» عندما قال يوحنا الرسول: «الله محبة» أراد انه وحده يحب ووحده يستحق المحبة والناس به متشبهون. لا يقدرون وهم في الجسد أي في الأنا ان يحبوا بصورة كاملة مطلقة. الناس ما داموا أحياء خاضعون للجسد أي لكل ما يفنى فيهم.
افهم ان يدعي الكاتب انه غير خاضع للسلف اذا وجد شيئا جديدا في الفكر أو التعبير. كذلك افهم من احس انه يأتي من الاسلاف ولو كان على شيء من الابتكار. أنت كبير اذا اتيت من الله، من عمق معناه أو من صورة كلامه. لك ان تدعي بعض الاستقلال عن اسلافك ولكن ليس لك ان تظن ان الله برحمته لم يكن لك ساترا أليست كبرياء عظيمة الا ترى نفسك مدينا لله في الكتابة؟ للنقاد ان يقولوا ان أتيت مبدعا. انه لكبرياء ان تهتم انت لهذا. قل حقيقة الله التي فيك وامشِ. من تكون لتهتم بكونك مبدعا أم غير مبدع؟ من يحكم في نفسه؟ اطرح كتابتك على ورق وامشِ. يفهم من يفهم ويحب من يحب وأنت تنطوي في رحمة الله. الله لا تهمه الكتابة الجميلة. يهمه خلاص الكاتب. ويبقى الاثر المكتوب رحمة من الله.
ربما كتبنا للانفراج. المهم ان تأتي الكتابة نافعة للناس. ليس الاصل فيها فنها. السؤال هو هل هي نازلة من عند الله؟ هذا لا يعني انك تقول دائما قولا تقيا. ولكن لا تهمل بهاء النفس عند القارئ. عند انعدام الحب «الحرف يقتل» ككل آلة قتل.
أنت، كاتبا، لست هدية من الجمال. أنت لست عظيما ان لم تكن هدية من الله. نحن الكتاب المؤمنين عندنا مشكلة مع الجمال الأدبي. نخشى ان يصبح عبادة. اذا أحببت الله يحررك من عبادة الجمال، يعطيك الكلمة، كلمته.
