Category

مقالات

2013, مقالات, نشرة رعيتي

استقلال الذات/ الأحد 10 آذار 2013 / العدد 10

كلنا يعلم أن الإنسان مرتبط بعائلته وعمله وبيئته ووطنه والعالم، بالشمس والقمر وكل ما يشغله من ماضيه، بجسده وصحته وأمراضه، بمشاكل الدنيا التي يتحسّسها ولا سيما بوطأة الحال الاقتصادية. إنه وريث ماضيه، متخوّف مِن آتيه او ممتد إليه بالرجاء.

الإنسان يبكي لأنه في عوز، في جفاف العاطفة، في النقصان على أنواعه. انه في حال التكوّن الدائم او الانفراط او كليهما، قصبة تذرّيها الريح عن وجه الأرض. يتّكل على ذويه والأصدقاء لاحتسابه أنه يبقى في عطفهم. يمتد من الآخرين الى ذاته، وقد لا يؤمن كثيرا بذاته اذ يحسب انه قائم برضاء هذا وذاك. هكذا إنسان القبيلة الذي يذوب في الجماعة ويردد ما تقول. الفرد تحميه الجماعة او هكذا يظن. هذا يُعفيه من مواجهة نفسه ورؤية مسؤولياته، ويردد أقوال من يلوذ بهم ويشاركهم مشاعرهم على الأقل تعبيرا. الاندماج بالآخرين قولا او فعلا يريح الفرد. لا يبقى عليه ان يحاكم ذاته اذ قد يكون في ذلك حكم على ذاته. أن يذوب أحدنا في الآخر يريحه. الانسان مغرى بالهروب لأن الرؤية رؤية الذات التي قد تكون قبيحة.

ويهرب الى عائلته أو الى قبيلته أو الى مهنته أو الى حزبه. وبسبب من هروبه الى هنا وهناك لا يعرف له مركز. هذا هو تشتّت النفس او ضياعها. وفي الضياع الكبير تلفٌ لطاقات كبيرة. حتى تجمع أشياء كثيرة في نفسك، يجب أن تعي نفسك واحدة قادرة أن تتخذ في ذاتها أُمورًا من الحياة عديدة.

هذا يعني أنك تجيء من نفسك وأنك تراها واحدة. أما إذا لم ترَ وحدة ذاتك، تتناثر فيك الأشياء وتتصادم الى أن يجمعك الله اليه في احتضان.

ما من شك أن الإنسان الذي في الكون ممتدة قدراته الى كل الآفاق، وتُوحدها المحبة إن هي نزلت عليه. بلا المحبة الإلهية تنسكب علينا تظلّ نفسنا مبعثرة، مشتتة. اذا لم تتمحور حول الرب تبقى مكسورة او مهتزّة. هذا قانون الانهزام لكل نفس اعتراها الضعف على رجاء أن ينهض ربها بها.

الاستقلال عما هو خارج عن كياننا شرط ليقوى كيانُنا بالرب. روحه الساكن فينا يصبح سندا لكياننا. هو الذي «يشفع فينا بأنّات لا توصف». اذا سكن روح الرب فينا، يصير كل كياننا مشدودا الى الرب ويبدأ استقلالنا عن المخلوقات وعلى ما يشدّنا الى هذه الدنيا التي تحاول كل قواها أن تسيطر علينا.

غير أن النفس لا تستقلّ عن العناصر الضاغطة علينا ما لم يسكنها الروح القدس. هذا ينبغي أن نقبله سيّد النفس لتزول عنها كل سيادة اخرى. والروح فينا يحرّكنا بقوته ويطرد عنا كل عدوّ، وتبدأ، اذ ذاك، هيمنة الله.

الله فينا نذوق أنه أَمسى كل شيء في حياتنا.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أبواب الصوم / السبت 9 آذار 2013

ماذا نطلب فيما نقرع أبواب الصوم؟ نمسك لكي يطعمنا الرب رحمته الغنية أي اننا نتوسل إليه رحمة تغذينا. كل جهدنا فيما نسلك الطريق إلى الفصح ان نقتنع اننا قادرون ان نتغذى من الطعام السماوي وان الرب يهيء جوعنا إليه. ينبغي ان نشتهي الطعام السماوي فيلبي الله شهوتنا إليه. لا نشبع الا اذا تقنا إلى الرب نفسه غذاء. هل الحرمان الإرادي من طعام الدنيا إلى اشتهاء «الخبز النازل من السماء» وهو كل غذاء إلهي؟ والله يغذينا بكل كلمة تخرج من فمه وكلامه هو إياه.

دون ذلك أطعمة تدخل إلى الفم ولا تأتينا بالخلاص «لأن الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك». أظن ان أهم ما في الصوم قناعتنا بأن كل ما يدخل إلى الفم يفنى مع الجسد.

تباينت مؤخرا أنظمة الصوم عند المسيحيين. تفاوتوا في كمية الطعام وفي أنواعه ولكنهم اتفقوا على ان أمرا أساسيا في حياة الانسان ان يسود شهواته فلا يأتي منها. المسيحية تنقذك ان أطعتها من الشهوة الضارة وتقيمك في الاعتدال البنّاء. ليس الصوم عندنا نظام حِمية ولكنه سيادة الانسان على جسده واندفاعه إلى الخبز السماوي أي إلى كلمة الله فيحيا منها ويبقى ملازما ربه في كل عمل صالح.

المهم ان يتعلم الانسان من صومه ان الطعام يزول مع الجسد. «ليس ملكوت الله طعاما وشرابا». كل حياتنا ضرورية لنتعلّم فيها ان ملكوت الله برّ وقداسة. ماذا تتعلم من الإمساك عن الطعام؟ هذا هو الأمر الاهم في فترة الصيام. ماذا تتعلم لخلاصك؟ كل شيء في المسيحية ارتقاء إلى الله أو ليس بشيء. كيف نتدرج من «نظام حمية» إلى ان نحمي أنفسنا من الخطيئة ونشاهد وجه الله واذا لم ندرك هذا الوجه نكون تهنا في الباطل.

يذهلني هؤلاء المسيحيون الذين يتساءلون عن أهمية الصوم وهم لم يختبروه وقال لهم الاطباء تؤذون أنفسكم ان اكلتم لحما كل يوم أو معظم أيام الاسبوع. يطيعون الطبيب لو نصحهم الا يكثروا من استهلاك اللحوم حرصا على صحتهم ولا يكترثون لإمساك ينفعهم جسديا وروحيا. ثم هم يقيمون فارقا بين دعوة يسوع إلى الصيام الواضحة في ترتيب الكنيسة لهذا العمل الروحي العظيم.

#   #

#

الابتعاد عن الصوم بذريعة ان الرب يسوع لم ينظمه ولكنه دعا إليه بالمبدأ هو استخفاف بكل وجود الكنيسة القائمة بأمر المسيح وبأنها تتولى شؤون الخلاص على الأرض.

ادعاء البعض ان الصوم غير ملزم لأن الرب يسوع لم يحدد له نظاما أو أياما ادعاء مرفوض لأن المخلص يترك لنا المبدأ لنبني عليه وهو لم ينظم الكنيسة بكل تفاصيل إدارتها بل ترك هذا للتلاميذ وخلفاء التلاميذ أي للزمان اللاحق لتأسيس الكنيسة ولموته وقيامته والعنصرة. الكنيسة حية وتدبر الأزمنة في حكمتها بما ينفع المؤمنين وليست هي قانونا جامدا أو ذات شكل متحجر. يسوع اعطانا كلمته الحية ولم يضع أنظمة وما يسمى قانونا كنسيا ليس كالقانون الوضعي قابلا للتطور الدائم فهناك في الكنيسة ما يتغير وهناك ما لا يتغير. ما كان في الكنيسة إلهيا حقيقة هو ثابت. ما كان ذا طابع تاريخي محض قابل للتطور.

ليس من حياة بلا شكل. كيف تغير الشكل اذا اقتضى الامر ولا تضرب الحياة التي يحملها؟ ان دقة الاشكال الكنسية يجعلها وارثة للإله ووارثة للتاريخ بآن. فلا تضرب ألوهية المؤسسة اذا تجاوزت شيئا من تاريخها. التاريخ ايضا يحمل الله. الأبدي يطل على الزمني فلا تعدل الزمني إلى درجة طغيانه على الأبدي. من هذا المنظار لا تقدر ان تعدل نظام الصيام بحيث تلعب بالأبدي الذي يتضمنه. هذه هي حكمة الكنيسة ان توفق بين الثابت والمتحرك فلا يطغى الواحدعلى الآخر. فإذا رأت الكنيسة مثلا ان في الصوم عنصرا ثابتا اذا زال تزول به المؤسسة كلها لا تقدر ان تذهب بالتطوير إلى اللانهاية.

امر تطوير المؤسسات دقيق جدا. لقد درس العلماء الأرثوذكسيون امر التطوير في نظام الصوم واعرضوا عنه. أنا كنت حاضرا هذه الجلسات في جنيف إعدادا للمجمع الكبير الذي كان مكلفا درس تعديلات في الأنظمة الأرثوذكسية. رفضنا آنذاك المس بنظام الصوم. الشعور الذي كان سائدا عند المجتمعين من أساقفة وعلمانيين ان الصوم في شكله الارثوذكسي الحاضر كان أمرا استطابه المجتمعون.

لا شيء يمنع ان يتغير الوضع الآن وللكنيسة المستقلة الحق في تعديل الأنظمة العامة. وقد قمنا بهذا أثناء الحرب في لبنان ولكن المؤمنين بقوا محافظين على نظام الصيام كما هو متبع في كنيستنا.

أي مقاربة لوضع الصيام وانظمته لا تكون سليمة ما لم تقترن بنهضة روحية قائمة على الكتاب الإلهي والتراث. الحديث عن تطوير الصيام ينبغي ان يقوم على فهم للصيام عميق فلا يأتي نظاما طعاميا بديلا عن النظام القائم بل مقرون بنهضة روحية شاملة.

الصيام شهوة للفصح، للنور المنسكب علينا بقوة. كل اقتراب من هذا النور العظيم يقتضي إمساكا عن الزلات واندفاعا إلى الضياء الإلهي الذي اذا تسربلناه نكون قد غلبنا العالم. الصوم جهد يدلنا على انسكابنا غير المشروط في هذا الضياء الذي يزيل كل عتمة عن ثنايا النفس ويدعوها إلى ان تكون مشروع نور كبير.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الأطعمة للجوف/ الأحد 3 آذار 2013 / العدد 9

يعلن الرسول الحرية المسيحية الواعية بقوله: «كل شيء مُباح لي». وحتى لا يفهم المسيحيون أن هذه استباحة كل شيء، دقق في هذا المعنى بقوله: «لكن لا يتسلّط عليّ شيء». الإنسان يمارس شهوات شرعية مثل شهوة الطعام في اعتدالها، ولكن يدرك أن بطنه ليس له سلطة عليه. لذلك أتى بهذه القاعدة العميقة المعنى: «الأطعمة للجوف، والجوف للأطعمة».

ثم يوضح بولس أن الطعام خادم للجسم وليس مطلقا. واذا جعلته عظيم الأهمية، مطلقا، تصير عبدًا وتُعرّض نفسك للزنى. علاقة الجسد والشراهة تمتد الى الزنى أحيانًا. لذلك بعد أن ذكر الرسول الأخطاء الناتجة عن الشراهة، يقول قد يُسبّب هذا انحرافًا في السلوك، انحرافًا عن العفّة.

وهنا يجب أن نذكر أن الجسد للرب ويكتمل بالعفّة. على هذا يستند بولس ليقول ان الجسد للرب والرب للجسد.

ثم يسمو بالتأمل ليؤسس هذا التعليم أن أجسادنا هي أعضاء المسيح ويقول: «أفآخُذ أعضاء المسيح وأَجعلُها أعضاء زانية؟». كيف وصل الرسول الى هذا التأكيد؟ يتكّل على تعليمه القائل ان أجسادنا هي أعضاء المسيح. فإذا اتصلنا بزانية نكون قد جعلنا أعضاء المسيح التي فينا أعضاء زانية.

هذه الوحدة بالزانية يؤسسها على أننا أخذنا أعضاء المسيح وجعلناها واحدة مع أعضاء الزانية اذ نصير معا في الخطيئة جسدًا واحدًا، وبنى هذا على قول سفر التكوين عن آدم وحواء انهما جسد واحد.

يرى أن الاقتران بين الذكر والأُنثى يجعلهما جسدًا واحدًا أفي الشرعية كان هذا أَم في الانحراف. ولكون الاقتران بزانية زنى، يُحذّرنا منه حتى يصل الى التأكيد: «ان كل خطيئة يفعلها الانسان هي في خارج الجسد. اما الزاني فإنه يخطئ الى جسده». هذا أقوى تأكيد عند بولس على قدسية الجسد. بولس لا يقبل ثنائية الجسد والروح. كلاهما مقدّس، والخطيئة الى النفس كالخطيئة الى الجسد.

ثم يكشف الرسول صحّة تعليمه بقوله: «ان أجسادكم هي هيكل الروح القدس». المعمودية مع الميرون عندنا تُوضح بصورة جلية قداسة الجسد. ويقوّي الرسول هذا التعليم بقوله: «ألستم تعلمون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس الذي فيكم؟».

قداسة الجسد مكشوفة للمسيحيين بنوع خاص لأن المسيح اشتراهم بدمه. وهذا نالوه فعليا وشخصيا بالمعمودية والميرون. كيان المسيحيين تَقَدّس بدم يسوع على الصليب، وهذا انسكب عليهم بالمعمودية.

ينتج من هذا أنهم مَدعُوّون الى أن يُقدّسوا الله في أجسادهم وأرواحهم بالروح القدس والعمل الصالح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الوحدة الداخلية / السبت في 2 آذار 2013

ان تستوحد، لغة واصطلاحا معا، هي ان تلتمس وحدتك بالله. هو الذي يهبك وحدتك به. فان انعزلت عنه لا تظن انك قد وصلت الى وحدتك. خارجا عن ربك انت مبعثر او مشتت او في كثرة داخلية اي توزع باطني. وانت لا تصير الى كل هذا الا لكونك خشيت اللصوق به، ذلك اللصوق الذي يجعلك متحدا به عن طريق المحبة.

المحبة تفترض اثنينية ذاتك وذات اخرى. الاثنينية طريقك الى الوحدة التي هي تجاوز العدد. وحدانية الحب تجعل الاثنين واحدا في اللامنظور وغير المحكي. المحبة هي المقولة الواحدة التي تتجاوز انت بها العدّ حتى يصح قول الحكمة: «نحن روحان حللنا بدنا». في الوظيفة امسى الروحان روحا واحدة… ولكنهما تتوقان الوحدة. ليس المهم تعدد الكيانين بعد ان توحدا في الحب. المهم الحركة الوظيفية وان ترى ويرى الناس انكما امسيتما فكرا واحدا بمعنى التحرك الروحي الواحد.

من هذا القبيل يواجهنا السؤال: ما هو التوحيد في الله. شغلني السؤال كثيرا حتى اهتديت الى هذا ان وحدة الله في ذاته وانه يفيض كيانه علينا بسبب من حبه لذاته وللكائنات التي أبدعها. لا يسوغ ان ننسب اليه ان محبته مبدعة ان كانت هذه فقط صفة فيه. يجب ان تكون ذاته هي المحبة ليبدع. المعنى المتحدي هو هذا: ان الرب لا يتصف بالحب. انه هو الحب لأن الحب عند الخالق كيانه وعند المخلوق فيض هذا الكيان.

هذا لنقول ان الحب داخلي ويأتي من النفس وتتكون هي به. ليس هو تراكم ناس جمعتهم المصلحة. هؤلاء يتشتتون او يتخاصمون في العصبة التي تبدو جامعة لهم. التلاقي في مدى واحد لا علاقة له بالمحبة. هي تلاقي قلوب قد يكون اصحابها بعيدين بعضهم عن بعض. والتلاقي الكبير كثيرا ما يصل الى الوحدة والى التوحيد حتى الانصهار. وهذا يسكبه الله على قلوب تتقارب واذا تقاربت كثيرا يصبح هو وحدتها.

#   #

#

استهللت هذا المقال بعنوان «الوحدة الداخلية». المتراكمون بعضهم على بعض اي المتلاقون في مكان واحد ليسوا متحدين بالضرورة. الوحدة تنبثق من القلوب اذا تقاربت واذا عظم التقارب يصير وحدة. هذه نعمة من الله يهبها من يشاء ولا يقوى شيء عليها.

فاذا انسكب الرب برضاه على ناس يلهبهم حبا ويصيرون نفسا واحدة على تعدد اجسادهم. الوحدة ليست حزبا اية كانت طبيعته او مضمون قوله فالتفسخ كان دائما يكمن في وحدة الحزب او الثورة. اذا تاقت الكثرة الى الواحد تصبح روحا واحدة ويزول العدد وقوة العدد. البشر ليسوا واحدا بسبب من تجمعهم لأن كل انصهار من هذا النوع مؤقت اذ لا عمق فيه وما من دائم الا الحب والحب لا يصدر من تراكم الناس وتلاقيهم ولكن من روح علوية جاءتهم وجعلتهم واحدا.

فالتنظيم اي تنظيم لا يؤلف وحدة وجود او وحدة تعاون. هو قسري بطبيعته لأنه املاء. وما من تنظيم في التاريخ المعاصر لم ينفرط. ان آية جماعة لم تتحد حتى تصير كنيسة او شبه كنيسة يجذبها الخصام. الطوابير السياسية او العسكرية لا فعل لها الا اذا سيرتها أوامر. هذه هي الطاعة الكذوب في الانسياق الى الخوف.

هذه الدنيا لا تقوم لها قيامة الا بالعنف اي بالبغض وتستمر الشعوب بالحروب انتصرت او انغلبت اذ في بدء الانسانية كان القتل وبقي الحاكم الرئيس للعالم. الخطيئة فاعلة في كل مكان حتى يظهر من يدعو القلة الى التوبة. والمجتمعات تتمزق باستمرار. لذلك قال داود النبي: «نجني من الدماء يا الله، إله خلاصي». متى يعي الانسان ان لا حياة له الا اذا جلس حول مائدة الرب. النخبة الروحية القليلة هي الخالصة والنعمة التي تحمل تخلص البشر اذا احبوها.

واذا صفا هؤلاء بالاسترحام والتوبة يبدأ الكون الجديد الذي تنحته النعمة وحدها ويحييه اللطف الإلهي النازل علينا من الروح.

#   #

#

النعمة تدعونا بإلحاح الى ذاتها واذا عانقتنا فنحن الى روح جديدة في كل انسان والى عالم جديد يكونه الأبرار. اما الاشرار فيبيدون انفسهم ويدمرون العالم.

العالم الجديد ينشئه الله بحبه لخلائقه. هو لا يريد ان يبقى وحده. فالله يمد نفسه الى خلائقه لينشئ بهم كونا جديدا. وما لم نهتد الى هذا الكون نبقى عتاقا حتى نهترئ. واذا تجملنا كثيرا يصبح كل منا انسان الله اي حبيبه. غير ان هذا يفترض ان نجدد انفسنا من الداخل. الانسان داخله. ومن داخله تستمد بهاءك وأهل الداخل يصيرون امة الله ويعمرون الكون الجديد. ليست الاشياء الظاهرة مهمة عند هؤلاء. هم ساعون الى عمقهم الذي الله ساكنه.

المسعى ان نصير جميعا متكونين من داخل نفوسنا اذا الله سكنها. هذا معنى قولنا اننا امة الله التي تكونت حجارتها كلها من الرب الذي يبني عالم القلوب.

ما من عمارة روحية لهذا العالم بمواد العالم. وخارج الكون الداخلي ليس من شيء. ولكن ليس من عالم داخلي فيك الا هذا الذي ربك بانيه. وتبنيه مع الذين يحبون الله. هؤلاء يعملون مع ربك ليبنوك. فأنت تبنيك يدا الله وهما نعمته. والله لم ينته خلقه في اليوم السادس. ما كان هذا الا اشارة لاستمرار الخلق. وهذا لا يعني مجموعة الناس والخلق وحسب. ان هذا يعني خلق ربك لقلبك. والقلوب اذا تحابت تصبح الكون الجديد.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الفرّيسيّ والعشار/ الأحد 24 شباط 2013 / العدد 8

حكايةٌ نظَمها يسوع تُسمّى المَثَل. حديث رمزيّ عن تعليم للسيد استعمله الرب كثيرا. هو كلام عن رجُلين صعدا إلى هيكل سليمان ليصلّيا. «أحدُهما فرّيسيّ والآخر عشّار». الفرّيسيون حزب دينيّ له مناهج صارمة. هم خُلاصة الأتقياء من حيث الممارسة الدينية، متشددون سلوكيا ولكن كان يرى السيد أنهم خبثاء او مراؤون. لا ينفي عنهم التقوى من حيث انها تعني الحرص على تفاصيل الشريعة. غير أنه كان يرى أن وراء كل ذلك رياء. «الويل لكم ايها الفريسيون المُراؤون» كلام شهير أَطلقه السيد عليهم.

اما العشّار فكان جابي الضرائب. والضريبة لم تكن مبلغًا محددا لكل شخص من قبل الدولة. كان الموظف يحددها كما يشاء فيعطي الدولة منها ما توجب ويحتفظ بالباقي، ومن هنا كان الناس يشُكّون باستقامته.

وقف الفريسيّ في الهيكل يصلّي بمعنى أنه يدعو كما يشاء. هذه كانت عندهم الصلاة الفردية التي لا نزال نحن المسيحيين نستعملها الى جانب الصلوات الطقسية (سَحَر، غروب، ساعات). في الكنيسة، ولا سيما في الأديرة، صلوات نصّها ثابت (صلاة المساء، الساعات الأولى والثالثة والتاسعة والغروب وصلاة نصف الليل والصلاة السَحَرية)، وفيها نص متغيّر. طبعا هناك هيكلية ثابتة كل يوم ونصوص موافقة للمواسم والأعياد مرتبطة بمعاني الأعياد.

غير أن المؤمن اذا وَجَد كنيسة مفتوحة، واذا لم تكن صلاة تُتلى فيها، يقول دعاءه المنفرد. فهناك صلاة الجماعة المسمّاة خِدمة (سَحَر، غروب وما الى ذلك)، ودعاء الفرد اذا دخل الى الكنيسة خارج أوقات الصلاة. يدعو كما يشاء وتأتي صلاته منقولة عن الكتب ولا سيما السواعي او ما حفظه عن ظهر قلب أو ما يقوله من قلبه. هذه تسمّى الصلاة الفردية.

الفرّيسيّ والعشّار المذكوران في المَثَل كان كل منهما يتلو صلاته الخاصة كما تصدر عن قلبه او مما حفظه.

وقف الفرّيسيّ وتصرّف حسب أخلاقه كما يُصوّرها الإنجيل. أخذ يتفاخر ويستكبر ويُقيم فارقًا بينه وبين العشّار ويرفع نفسه فوق كل الناس قائلا: لستُ مثل هذا وذاك من الخطأة. يعطي نفسه شهادة حُسن سلوك (لست كالظالمين الفاسقين) من حيث إنه لم يرَ في نفسه خطيئة. ويعترف بفضله أنه كان يصوم مرتين في الأسبوع (الاثنين والخميس، ونعرف هذا من التاريخ لا من العهد الجديد)، ويقول: أُعشّر كل ما هو لي، مع أن التعشير لم يكن يلحق كل ما يكسبه الانسان (الخضار مثلا لم تكن تعشَّر).

اما العشّار والخاطئ فلم يجسر أن يرفع عينيه الى السماء، بل يقول لله: ارحمني انا الخاطئ. وهذا الكلام صار نواةً لصلاة اسم يسوع: «يا رب، يا يسوع المسيح، يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ» المشهورة في العالم الارثوذكسي، ويتلوها الرهبان ومن تشبّه بهم على مسبحة من صوف. هذا كان يقرع صدره ويقول: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ».

هنا يوضح السيد أن العشّار ذهب مبرّرا عند الله دون الفريسيّ «لأن كل من رفع نفسه اتّضع، ومن وضع نفسه ارتفع».

الغفران يأتي من أنك تعترف بخطيئتك وترى نفسك صغيرا. هذا شرط أن تصبح عظيما في ملكوت السموات.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزجر / 23 شباط 2013

صعوبة العلاقات البشرية تأتي من ظنك انك تمتلك الحقيقة أو تمتلك السلطة. ولاية الملوك المستبدين أي قبل النظام الدستوري متأصلة بالإيمان بالحاكمية الوحيدة لأولي الأمر، تلك التي تنفي الشورى ولا تأتي منها. الشورى ان آمنت بها تنفي ايمانك بعصمة فرد وتكشف ان سياسة شؤون الناس تكليف موزع يمارسه غير واحد. وهذا متأصل بعمق في المسيحية التي يتلقى المؤمن فيها الحقيقة اذا اشترك مع الآخرين بالسعي اليها. هذا مكشوف جدا بالعبادة الارثوذكسية القائلة: «لنحب بعضنا بعضا لكيما نعترف بآب وابن وروح قدس». وقد رأى أوغسطينس هذا لما رأى ان الايمان شرطه الحب.

الآخر اساسي اذًا لتفهم وقد اكتشف المربون المعاصرون في أوربا اهمية التلميذ في كشف الاستاذ للحقيقة التي يعلم. الآخرون معك وفيك لترى وتدرك ان الحقيقة لا تنزل عموديا ولكنها تتجلى بالمشاركة. الله وحده هو الحقيقة وانت تتلقاها منه مع الآخرين اذا أحببت ربك وأحببتهم. هذا ما رآه افلاطون لما رأى إلى علاقة حب بين المعلم والتلميذ. في سياق المحبة انت تدرك. وكثيرا ما احببت انت مادة التعليم لكونك وددت من يلقنها والمعلم يحبك تلميذا ان تلقنتها حسنا. التعليم جماعي بمعنى انه ينكشف بالتعلم وهذا بدوره يصبح تعليما.

في معاهد اللاهوت في روسيا القديمة اختصاصات كما في فروع المعرفة الاخرى. فعندك مثلا العقائديات وعندك تاريخ الكنيسة والطقوسيات. وجرت العادة ان كل استاذ اذا قرأ كتابا في مادة تعليمه يلخصه ويبعث بالملخص إلى كل زملائه فيفيد استاذ العقيدة مثلا من تقرير زميله استاذ التاريخ وهكذا بالتبادل. وتكمن أهمية هذا الحراك بأن استاذ مادة معينة يفيد من الأبحاث في مواد زملائه فيتكامل ويغني تعليمه اذ ليس لأستاذ قدرة ان يقرأ كل شيء.

في الحياة العادية شيء كهذا. فأنت تفهم الكثير في صناعتك أو همك الفكري والآخر يفهم قليلا لأن أفقه العقلي أو العملي آخر. أو أنت متفوق في مجال وزميلك في المجال نفسه عادي. كيف يكون اللقاء العقلي بينكما وانتما على تفاوت في مستوى الإدراك؟ وقد تكونان على التماع واحد ولكن يستعلي احدكما على الآخر.

وتفسد الكبرياء اللقاء فمن أصعب المواقف في الوجود الاعتراف بالآخر اما لاقتناعك بأنك وحدك الفهيم أو لاقتناعك بأنك دائما الأكثر فطنة أو الأعظم معرفة أو لضعف سلاسة عقلية فيك تجعلك عسير الاقتراب من الآخر. ادعاء العصمة كثير الانتشار عند كبار المثقفين الا اذا كان المثقف بالغ التواضع ويسعى إلى الحقيقة فقط لا إلى الظهور.

اما من انغلق روحيا فكثيرا ما ينغلق عقليا ويعسر عليه التلاقي فيجف في الانغلاق حتى ينتهي عقليا اذ لبسه التحكم. والتحكم لا يأتي من النطاق العقلي ولكن من نطاق الروح التي انكفأت إلى نكران الآخر كوجود فكري. هذا التسلط العقلي إماتة للآخر بلا سلاح. كل قصة العالمين أو من يدعون العلم مع الآخرين هي بالضرورة قصة قايين وهابيل. كل من الأخوين قدما للرب تقدمة. «فنظر الرب برضى إلى هابيل وتقدمته، اما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدا… وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل فقتله. فقال الرب لقايين: «أين هابيل أخوك؟» قال لا اعرف أحارس انا لأخي» (تكوين 4: 6-9).

كل ما يطلبه الله لانسان عن أخيه ان يقرّ بأنه اخوه اي حارس له. فإن لم تكن كذلك يعني انك تتركه في الغاب، غاب هذا المجتمع وتعرضه لافتراس الوحوش فيه. في النهاية تقتله أو تجعل الناس يقتلونه. الإبادة المعنوية للآخر كإبادته الجسدية، وليست اقل فتكا.

الإبادة المعنوية الكبرى تمارس بالتسلط. التسلط ان تنتحل سلطة ليست لك. والسلطان لله وحده. وفي الناس هو تفويض منه استحقوه ام لم يستحقوه. لقد قتل بيلاطس المسيح بسلطان الهي اعترف به المسيح نفسه. كلمة «اكسوسيا» اليونانية في العهد الجديد لا تدل على السلطة القسرية القائمة في النظام السياسي ولكنها تدل على قوة المحبة. الإنسان يأتمر بالمحبة التي ترعاه. خارجا عنها ليس من علاقة بين البشر الا علاقة الموت. انت حارس لأخيك واذا تملصت من هذه المسؤولية فأنت دافعه إلى سلطان الوحوش في الغاب الذي هو الافتراس.

كل ما بين الناس عنف اذا رأوا ان جامعهم هو المال أو الحكم السياسي. اذا فهمت علاقة الرجل بالمرأة علاقة قانونية فهي من طبيعة الحكم السياسي اي قسرية. اما اذا فهمت علاقة محبة فهي عطاء ولا حساب فيها. عندما يسألني احد الزوجين عن حقوقه أدرك انهما على خلاف واذا طرحا السؤال على الأب الروحي قبل قرانهما ادرك ان هذا القران خطأ عند انطلاقه.

من ابواب التحكم الزجر الذي يأخذ شكل الصراخ مرات كثيرة فاذا لم يفهمك مخاطبك بكلمة هادئة يعني هذا انك تريد لك سلطانا من خارج معنى الكلمة، من خارج مجال المعاني وليس من خروج عن المعاني الا بالعنف كائنا ما كان شكله.

وفي المخاطبة العادية بين اثنين أو في جماعة هذه مخاطبة تتم بالعنف الذي هو دائما انتقال إلى خارج ملكوت المعاني وفي هذا دائما علاقة قسريةوهذا ليس بتواصل. في هذا الانعدام للعلاقة الوجدانية هذا فرض صاحب العضلات على من ليس له عضلات أو فرض الصارخ حدته على من حاول قمعها أو تهذيبها.

وهذا يظهر كثيرا في التقاء بدني خلا من الإنسانية اللميس اي من العقل المنفتح، المعطاء على اساس: «أنا ربكم فاعبدوني» مخاطبكم يقرر انه ربك وانك عبده ويسكتك من خوف اي يقتل فرادتك فالثنائية بينكما ويقرر حكم ربوبيته.

وقبل ان تفنى وجدانيا يدوسك ويعلن وجوده وحده واذا صمتّ امام هذه العنجهية يحتاج إلى ما يبدو إماتتك الكاملة ليكشف انه حي وفي الحقيقة انه مات سفيها وقمت أنت بالفرح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزجر / السبت 23 شباط 2013

صعوبة العلاقات البشرية تأتي من ظنك انك تمتلك الحقيقة أو تمتلك السلطة. ولاية الملوك المستبدين أي قبل النظام الدستوري متأصلة بالإيمان بالحاكمية الوحيدة لأولي الأمر، تلك التي تنفي الشورى ولا تأتي منها. الشورى ان آمنت بها تنفي ايمانك بعصمة فرد وتكشف ان سياسة شؤون الناس تكليف موزع يمارسه غير واحد. وهذا متأصل بعمق في المسيحية التي يتلقى المؤمن فيها الحقيقة اذا اشترك مع الآخرين بالسعي اليها. هذا مكشوف جدا بالعبادة الارثوذكسية القائلة: «لنحب بعضنا بعضا لكيما نعترف بآب وابن وروح قدس». وقد رأى أوغسطينس هذا لما رأى ان الايمان شرطه الحب.

الآخر اساسي اذًا لتفهم وقد اكتشف المربون المعاصرون في أوربا اهمية التلميذ في كشف الاستاذ للحقيقة التي يعلم. الآخرون معك وفيك لترى وتدرك ان الحقيقة لا تنزل عموديا ولكنها تتجلى بالمشاركة. الله وحده هو الحقيقة وانت تتلقاها منه مع الآخرين اذا أحببت ربك وأحببتهم. هذا ما رآه افلاطون لما رأى إلى علاقة حب بين المعلم والتلميذ. في سياق المحبة انت تدرك. وكثيرا ما احببت انت مادة التعليم لكونك وددت من يلقنها والمعلم يحبك تلميذا ان تلقنتها حسنا. التعليم جماعي بمعنى انه ينكشف بالتعلم وهذا بدوره يصبح تعليما.

في معاهد اللاهوت في روسيا القديمة اختصاصات كما في فروع المعرفة الاخرى. فعندك مثلا العقائديات وعندك تاريخ الكنيسة والطقوسيات. وجرت العادة ان كل استاذ اذا قرأ كتابا في مادة تعليمه يلخصه ويبعث بالملخص إلى كل زملائه فيفيد استاذ العقيدة مثلا من تقرير زميله استاذ التاريخ وهكذا بالتبادل. وتكمن أهمية هذا الحراك بأن استاذ مادة معينة يفيد من الأبحاث في مواد زملائه فيتكامل ويغني تعليمه اذ ليس لأستاذ قدرة ان يقرأ كل شيء.

في الحياة العادية شيء كهذا. فأنت تفهم الكثير في صناعتك أو همك الفكري والآخر يفهم قليلا لأن أفقه العقلي أو العملي آخر. أو أنت متفوق في مجال وزميلك في المجال نفسه عادي. كيف يكون اللقاء العقلي بينكما وانتما على تفاوت في مستوى الإدراك؟ وقد تكونان على التماع واحد ولكن يستعلي احدكما على الآخر.

وتفسد الكبرياء اللقاء فمن أصعب المواقف في الوجود الاعتراف بالآخر اما لاقتناعك بأنك وحدك الفهيم أو لاقتناعك بأنك دائما الأكثر فطنة أو الأعظم معرفة أو لضعف سلاسة عقلية فيك تجعلك عسير الاقتراب من الآخر. ادعاء العصمة كثير الانتشار عند كبار المثقفين الا اذا كان المثقف بالغ التواضع ويسعى إلى الحقيقة فقط لا إلى الظهور.

اما من انغلق روحيا فكثيرا ما ينغلق عقليا ويعسر عليه التلاقي فيجف في الانغلاق حتى ينتهي عقليا اذ لبسه التحكم. والتحكم لا يأتي من النطاق العقلي ولكن من نطاق الروح التي انكفأت إلى نكران الآخر كوجود فكري. هذا التسلط العقلي إماتة للآخر بلا سلاح. كل قصة العالمين أو من يدعون العلم مع الآخرين هي بالضرورة قصة قايين وهابيل. كل من الأخوين قدما للرب تقدمة. «فنظر الرب برضى إلى هابيل وتقدمته، اما إلى قايين وتقدمته فما نظر برضى، فغضب قايين جدا… وبينما هما في الحقل هجم قايين على هابيل فقتله. فقال الرب لقايين: «أين هابيل أخوك؟» قال لا اعرف أحارس انا لأخي» (تكوين 4: 6-9).

كل ما يطلبه الله لانسان عن أخيه ان يقرّ بأنه اخوه اي حارس له. فإن لم تكن كذلك يعني انك تتركه في الغاب، غاب هذا المجتمع وتعرضه لافتراس الوحوش فيه. في النهاية تقتله أو تجعل الناس يقتلونه. الإبادة المعنوية للآخر كإبادته الجسدية، وليست اقل فتكا.

الإبادة المعنوية الكبرى تمارس بالتسلط. التسلط ان تنتحل سلطة ليست لك. والسلطان لله وحده. وفي الناس هو تفويض منه استحقوه ام لم يستحقوه. لقد قتل بيلاطس المسيح بسلطان الهي اعترف به المسيح نفسه. كلمة «اكسوسيا» اليونانية في العهد الجديد لا تدل على السلطة القسرية القائمة في النظام السياسي ولكنها تدل على قوة المحبة. الإنسان يأتمر بالمحبة التي ترعاه. خارجا عنها ليس من علاقة بين البشر الا علاقة الموت. انت حارس لأخيك واذا تملصت من هذه المسؤولية فأنت دافعه إلى سلطان الوحوش في الغاب الذي هو الافتراس.

كل ما بين الناس عنف اذا رأوا ان جامعهم هو المال أو الحكم السياسي. اذا فهمت علاقة الرجل بالمرأة علاقة قانونية فهي من طبيعة الحكم السياسي اي قسرية. اما اذا فهمت علاقة محبة فهي عطاء ولا حساب فيها. عندما يسألني احد الزوجين عن حقوقه أدرك انهما على خلاف واذا طرحا السؤال على الأب الروحي قبل قرانهما ادرك ان هذا القران خطأ عند انطلاقه.

من ابواب التحكم الزجر الذي يأخذ شكل الصراخ مرات كثيرة فاذا لم يفهمك مخاطبك بكلمة هادئة يعني هذا انك تريد لك سلطانا من خارج معنى الكلمة، من خارج مجال المعاني وليس من خروج عن المعاني الا بالعنف كائنا ما كان شكله.

وفي المخاطبة العادية بين اثنين أو في جماعة هذه مخاطبة تتم بالعنف الذي هو دائما انتقال إلى خارج ملكوت المعاني وفي هذا دائما علاقة قسريةوهذا ليس بتواصل. في هذا الانعدام للعلاقة الوجدانية هذا فرض صاحب العضلات على من ليس له عضلات أو فرض الصارخ حدته على من حاول قمعها أو تهذيبها.

وهذا يظهر كثيرا في التقاء بدني خلا من الإنسانية اللميس اي من العقل المنفتح، المعطاء على اساس: «أنا ربكم فاعبدوني» مخاطبكم يقرر انه ربك وانك عبده ويسكتك من خوف اي يقتل فرادتك فالثنائية بينكما ويقرر حكم ربوبيته.

وقبل ان تفنى وجدانيا يدوسك ويعلن وجوده وحده واذا صمتّ امام هذه العنجهية يحتاج إلى ما يبدو إماتتك الكاملة ليكشف انه حي وفي الحقيقة انه مات سفيها وقمت انت بالفرح.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله/ الأحد 17 شباط 2013 / العدد 7

في إنجيل يوحنا يقول الرب: «انقُضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أُقيمه» (2: 19). قال هذا عن هيكل جسده (راجع 3: 21). في الحقيقة لم يُقم الرب هيكل أورشليم من الخراب الذي حلّ فيه عند الفتح الروماني لأورشليم السنة السبعين، فبات هيكل الله جسد يسوع في كيان روحيّ.

الأشياء العتيقة قد مضت. ها كل شيء قد صار جديدًا. الهيكل يزول مع اورشليم ولم يبقَ له وظيفة أو فائدة. انتقل مدلول الهيكل الى جسد يسوع اي صار هو الهيكل الحقيقيّ المتكوّن بالتجسّد الإلهي. ثم أَخذت عبارة «هيكل الله» تعني الكنيسة، وظلّت تعني كيان المسيح في الجسد. في الرسالة الثانية الى أهل كورنثوس التي نحن شارحوها اليوم تعني أنكم اذا اجتمعتم في الله تصبحون معا هيكله. وهذا ليس من حجارة، فهيكل أورشليم زال لأن الله جعل الانسان هيكلا له ثم قال «سأَسكُن فيهم» أي اليوم وغدا، و«فيهم» تعني انه سيسكُن فينا مجتمعين اي اذا أحببنا بعضُنا بعضا.ينتج من كونه ساكنا فينا أنه يُرافقنا في الطريق «وأَسيرُ فيهم». ثم قال «وأَكون لهم إلهًا» اي كلّما افتقدتُهم يعرفون أني سائر معهم في كل شؤون حياتهم. «وأَكون لهم إلهًا» اي إذا رحمتُهم وافتقدتُهم يُحسّون أني إلهُهم. واذا عرفوا ذلك يكونون لي شعبا عارفا أني له وأنه لي. واذا اجتمع شعبي إليّ بمعرفة وصاياي يفهم أني أنا إلهُه وأنه هو شعبي الذي اخترتُه بحبّي له ليس لأنه يستحقّ ولكن لأني اخترتُه أنا بمجّانية محبّتي. يَنتُج من هذا أن شعبي يجب أن يَعتزل الخطأة بمعنى أنه يطلب من الخطأة التوبة (لا تلمُسوا نجسًا). عند اليهود النجاسة كانت الامتناع عن بعض المآكل (الخنزير) والأعمال (مُخالطة الوثنيين مثلا). عندنا نحن النجاسة ارتكاب الخطيئة. فإذا عملتُم هذا «تكونون لي بنين وبنات». فإذا أَدركنا هذا نبقى على الطهارة التي نلناها بالمعمودية ونُطهّر أنفسنا بالتوبة ونُلازم التوبة بحيث نجعلها دائمة فلا نسقط يوما ونتوب يوما ولكن نبقى مع الرب بحبّنا له وحفظْنا وصاياه. ويدعونا بولس أن نُطهّر أنفسنا من كل أدناس الجسد والروح. ودنس الجسد عند بولس هو السقوط بخطايا نفعلها في الجسد والنفس معا.

وأخيرًا يقول «نُكمل القداسةَ بمخافة الله». لفظة نُكمل تعني نُحقّق القداسة بالتوبة التي لا رجوع عنها إذ يجب ان نحبّ القداسة التي تبدأ عنده بمخافة الله.

إن المسيحية حافظت على فكرة خوف الله. هذه لم يشطُبها العهد الجديد ولكنه أَكملها بحُبّنا لله. عند تقديم الكأس للمؤمنين يقول الكاهن: «بخوف الله وإيمان ومحبة تقدّموا». المحبة والخوف يلتقيان. أجل الخوف موروث من العهد القديم ويبقى لأنه يُربّينا، والمحبة أَعظم منه وكشَفها لنا العهد الجديد وهي تكمل كل الفضائل. الرب يسوع يحفظنا في مخافة أبيه ويُكلّلنا بمحبة الثالوث القدوس الذي يحفظنا من كل إثم.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنطاكية مدينة الله العظمى / 16 شباط 2013

أنا لست اخترع «مدينة الله العظمى» وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الإسم أن «التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل أنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا اننا ناخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوربيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

#   #

#

مسبقًا أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم أحد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآن ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

#   #

#

ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمالي سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

هذا ليس افرازا جغرافيا ولكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

أوروبا الشرقية كلها آتية اعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

وإذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوربيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوربيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم ما كنا نحس، اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة عن الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنطاكية مدينة الله العظمى / السبت 16 شباط 2013

أنا لست اخترع «مدينة الله العظمى» وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الإسم أن «التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً» (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل أنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا اننا ناخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوربيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

#   #

#

مسبقًا أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم احد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآن ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

#   #

#

ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمالي سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

هذا ليس افرازا جغرافيا ولكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

أوروبا الشرقية كلها آتية اعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

واذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوربيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوربيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم ما كنا نحس، اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة عن الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

Continue reading