Category

مقالات

2013, مقالات, نشرة رعيتي

فاعلية الايمان/ الأحد 14 نيسان 2013 / العدد 15

«إن استطعتَ أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن». هذا كلام الرب، والسؤال هو لماذا كل شيء مستطاع للمؤمن. المؤمن، في اللغة، من جعل كل ثقته بالله وتاليا من قبل أن فاعليّة أعماله لا تأتي منه بل من الله، وكأنّ الآية تقول ان ما تفعله بالايمان فأنت فاعله بقوة الله.

العلّة التي كان إنسان هذه الأعجوبة واقعا فيها هي أنه كان فيه روح شرير يسمّى هنا أَبكم اي يسبّب له عدم النطق. ويصوّره الانجيل على انه «يُزبد ويصرف بأسنانه وييبس». هذه ظاهرة مرض عقليّ يقول الإنجيل انه تأتّى عنده من روح شرير.

أمام عجز التلاميذ عن شفاء هذا الشخص، يوبّخ يسوع تلاميذه ويتّهمهم بعدم الايمان. الظاهرة النفسية او العقليّة معروفة. يصفها الإنجيلي بعدم الايمان. لا تشفي الآخر الا اذا آمنت. من هنا قوله: «إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن»، اي إن استطعت أن تقبل الايمان فيك فهو قوة الله. انه يأتي منه اليك. انت تؤمن اذا جعلت الله سببا لأعمالك. تكون، اذ ذاك، متلقّيا إياه فيك.

عندما يقول طالب الأعجوبة: «أؤمن يا سيّد فأَغث عدم ايماني»، اي نجّني من ضعف الايمان اذا اعتراني، يكون عارفًا بأن الشيطان يريد أن يُبعدنا عن الإيمان حتى لا ننال ما نطلبه من الله. الشيطان عارف بأن خلاصنا من الايمان. لذلك يريدنا أن نشكّك، والايمان يتطلّب إخراج كل شك. لذلك قال السيّد للروح الأبكم الأصمّ: «أنا آمُرُك أنِ اخرُجْ منه ولا تعُدْ تدخُل فيه».

عندما أَمرَ يسوعُ الروح الشرير أن يخرج من المريض، انتفض انتفاضا كبيرا وخرج، فصار الرجل كالميت. وعلّق الربّ على هذه الحادثة بقوله: «ان هذا الجنس (أيّ جنس؟) لا يخرج الا بالصلاة والصوم»، وفي المخطوطات الأصلية كلمة صوم ليست واردة. يبقى، اذ ذاك، أن نفهم أن الشر لا يخرج من انسان الا بالصلاة. هو متحكّم ويحتاج خروجه الى أقوى منه. فقط إذا اكتسبنا حريتنا في المسيح نتوقع الغلبة على الشرير.

لماذا كل هذا الإصرار على الصلاة من قبل السيّد؟ هنا يجب أن تأخذها بمعناها العميق. اذا كانت الصلاة تعني باللغة العربيّة الوصل، يكون الرب نازلا علينا بكلماته وخارجا منا الى الناس والعالم بكلماته. الصلاة قوة الله اذ «الروح القدس هو الذي يشفع فينا بأنّات لا توصف» (رومية 8: 26). الإله المسكوب فينا هو الذي يدعو ذاته اذا نحن صلّينا. الصلاة حركة منه فينا الى ذاتنا. نحن لا نعطيه شيئا في ذاته. كل شيء فيه. نحن نعترف به فنُوجد. الصلاة التماسُ وجوده وقراره فينا.

الصلاة تُحيي الايمان، تأخذه الى أعماقه كما تتجدد فيه. الايمان فيه تحرّكٌ عقليّ ولكنه فوق ذلك. انه خطفُ العقل الى الله الذي كيانه حُب. اجل، الايمان فاعل بذاته، غير أن محبتنا لله تجعله عميقا. الايمان والصلاة مترادفان، يغذّي أحدهما الآخر الى أن يجتمعا في رؤيتنا لله. واذاوصلنا الى الرؤية في اليوم الأخير لا يبقى سواهما. فاذا كانت الرؤية، تبطل الصلاة ويبطل الايمان.

بعد وصولك الى حبك لله، لا يبقى شيء تقوله. الرؤية هي القول الأخير. هي اللصوق بالرب ذاته. وعند اللصوق، يبطل القول.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الآخرون / السبت 13 نيسان 2013

«لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص» (مزامير 146: 3). الاتكال ان تجعل الآخر وكيلا لك عند الله أو عضدا لك عنده لأنك تعرف نفسك فقيرًا وتخشى عجزك عن رؤية الله وان يكون هو وحده متكأك. أنت تسعى في وحدتك إلى ثنائيّة وهي غير كافية لتتجاوز بها عزلتك. الثنائيّة هي الوجه إلى الوجه واذا كان كل وجه هشّا تكون رميت نفسك في هشاشتين.

تكون قد ظننت نفسك اكتملت في الثاني ولكنه بسبب مما يعوزه من الوجود لا يوصلك إلى اكتمال كيانك. يسندك فقط وقد لا يأتي سنده عظيمًا فتنهاران معًا. نقصانان نحن لا يصيران وحدة. فاما اذا اتحدت بالله بمعرفة محبوبيتك عنده تغدو واحدا فيه. أنت بالمحبة لا تضيف على الله شيئا. تكتمل أنت به. تكتمل نسبيا قبل رؤية الملكوت. ولكن هذه الرؤية هنا سابقة للوجود الكامل عند رؤيتك الله بالموت. عند ذاك، تكون قد أكملت سعيك.

كلّ كمال على الأرض فقط سعي إلى ان يكلّلك الربّ في اليوم الأخير. لذلك لا نبلغ الرؤية كاملة لا قبل الموت ولا بعده اذ لا يسعك ان تكمل الا مع القديسين اذا اجتمعوا إلى ربّهم في اليوم الأخير. الخلاص هو للجميع مجتمعين. قبل ذلك نحن في السعي.

أنت تكمل بالضعفاء اذا احببتهم فانتشلتهم. كل البشريّة مجموعة مهمشة ترى إلى مجدها فقط في اليوم الأخير. وأنت في هذه المجموعة عندما تنضمّ اليها بالحب. أنت منها واليها في الرجاء اعني رجاءك إلى الله. ليست كلمة واحدة في الكتاب تعدك بالمحبوبيّة اذا أنت أحببت. الجواب عن حبك ما قال عنه الكتاب ان له مردودا. قد يردّ إلى الحب البغض الظالم أي الذي ليست ذاتك منبعا له. اذا كنت مؤمنا كبيرا لك ان تنتظر العزلة. ولعلها تنقذك لأن لك نصيبا ان تكون حبيب الله الذي لا يترك أحدًا يموت عطشا أو يحزن بسبب من سراب.

أنا ما قلت ان دعوتك الوحيدة ان تحيد عن كلّ وجه اذ ليس فيه كامل العزاء. شرعي ان تسعى إلى إقامتك في محبوبيّتك أي ان تقيم بالحب الذي تعطى ولكنه ليس شرعيا ان تكتفي بهذا أي قد تجد نفسك منفيا إلى «صحراء الحب» كما يقول فرنسوا مورياك أي ان يحكم عليك بعض الذين ترجو محبتهم بالانعزال. حقك ان تطلب الانتباه اليك وأريد بذلك انضمام الناس إلى محبّة الله لا اليك. تصير عظيم الوجود لو سعيت إلى تلك الوحدة الصافية الإلهية التي تجمع نساكها إلى ربهم.

#   #   #

حزننا اذا بقينا على هشاشة بشرتنا كوننا لم نبلغ السماء. هذا في حد نفسه حزن جميل لأن التقوى هي استباق الفردوس هنا في الحب الإلهي.

المشكلة اننا لن نبلغ الملكوت هنا الا مع الأطهار عنيت بهم الذين يحبوننا بالرب بلا شرط فينا. وقوّة سعينا في الرؤية التي اليها نتوق ودربنا التوق حتى نموت. والأطهار قلّة عزيزة وعنيت بهم الذين يطوقونك بالحب الإلهي الذي لا يستند إلى أي شرط فيك ولكنه يأتيك من مجانية المحبة الأخوية التي هي انعكاس للمحبة الإلهية المجانية بطبيعتها.

يلفتني في الانجيل ان الرب يسوع عندما تكلّم عن المحبة قال انك تعطيها وما وعدك مرة انك تعطاها. هو كان يعرف التعزيات البشريّة التي كانت له من الجماعة التي احتاط بها ولا سيما من بطرس ويوحنا ويعقوب ولكنه ما أراد ان نتكئ على التعزيات. كل تعليمه من هذه الزاوية انك تعطي بلا حساب أي بلا توقع لمردود. أنت تتكون من المحبة التي تعطيها أمل الاخذ لأنك موجود فقط اذا أعطيت واذا أعطيت لا يعني انهم اخذوا. لذلك قال: «بدّد اعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد» (مزامير 112: 9). المحبة ليس فيها شرط في الآخر. أنت تعطي بلا حساب أي لا تتوقع المبادلة ولا تتوقع الوفاء. قلبك هو الذي يعطي اذا انفتح للعطاء وليس في أقوال الكتاب ان قلبك مفتوح لتأخذ. قد يبادلونك العاطفة واذا انزعجوا منك أو يئسوا أو جافوك بسبب ما في أنفسهم من جفاء تبقى مصرا على العطاء لأنك بهم تعطي ربك وتنتظر اليوم وغدا وحسبك ان تعايشه لأنه هو وحده العطاء.

والرد على هذا القول أعرفه اذ قد يقال انك يا فلان تطلب الصحراء الكاملة في قلوبنا. أنا لا أطلب الصحراء الكاملة. أنا أراها تحققت في القديسين وهم قد أعطوا مجانا لأنهم كانوا يرون إلى وجه الله على كل وجه وإلى وجهه هذا المرتسم أعطوا وأبوا ان ينظروا إلى القباحة وتروّضوا على انّ كل وجه بشريّ كامل الجمال اذا أنت قرأت عليه بهاء المسيح.

#   #   #

كلّ قلب بشري معرّض ان يصبح وكرًا للأفاعي كما يقول فرنسوا مورياك. أنت لا تحب الأفاعي ولكن القلب البشري الذي يبقى على صورة الله ولو حوى الأفاعي. تعليمنا ان صورة الله المشوّهة في كلّ منّا لا يزول عنها الحب الإلهي الذي يحضنها. واذا أنت بقيت على الرجاء فهو رجاء إلى الله الذي ينزل إلى النفس لأنه يحبّها وليس لأن فيها جمالات باهرة اذ لنا ان نتروّض على هذا الأمل الصعب ان كل نفس ذائقة الموت حبيبة الله إلى ان يتوفاها.

عليك أنت ان تتربى على ان ربّك يحبّ كلّ نفس. وما من شك انه يؤدّبها لكونه يحبّها على الدوام. عليك ان تحب كلّ نفس ولو سقطت وربما كان عليك ان تزداد لها حبا اذا امعنت السقوط.

لعل صعوبتنا في الوجود ان كنا من المؤمنين ان نرى السقوط دائما فينا وفي الناس. ولكنا نكون قد بلغنا قمة السذاجة لو احسسنا ان هذا الوجود فردوسي. الفردوس تسكنه نفوس من بلغوا الجهاد الأعظم أي جهاد النفس، الذين عرفوا ان النفس مسكن الله دون بهجة هذا العالم.

لعل ذرورة الجهاد الا ترى نفسك شيئا وان ترى الآخرين معك اذا احببتهم أي ان تروا أنفسكم أحباء الله. وليس عليك ان تحسب محبة الله لأحد. المهم ان تؤمن بها لأننا بها نحيا. وأنت أمام المحبة الإلهية فقير اليها. وهي التي توجدك وتربيك على ذاتها.

اما اذا ظننت انك صرت شيئا فتخسر كل شيء. واذا بطل ايمانك بأن النعمة تحييك وتغفر لك خطاياك تصبح عدما أو شبه عدم. ليس عليك ان تفهم كيف يستخدمك الرب لمجده. أنت معطى وهو يستخدمك لمجده كما يشاء. «انما الدين عند الله الإسلام» بعميق ما في هذه الكلمة من معنى. تعال واسبح في بحر الله فيعلمك… كل شيء ويستخدمك لمجده كما يريد.

هو يرى علاقتك بمجده وأنت لا تعلم. قال المخلّص لك ولأترابك: «تعالوا إليّ أيّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم». لا تخشَ اذا العبء الذي ألقي عليك. قد تقع على الطريق كما وقع الذي حمل صليبه إلى الجلجلة. لا بدّ له ان يوتيك بمن يسعفك على طريق الآلام لأنه يريدك قائما معه في اليوم الثالث.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

مسيرة صيامنا/ الأحد 7 نيسان 2013 / العدد 14

من أجمل ما في صيامنا انه في أيامه الطويلة يبقينا في عمق الروح القدس وعمق روحنا. اذ نستطيب بقاءنا في هذا الجهاد الطيب قاطفين منه أطايب الروح. من جمالات هذا الموسم بقاء كل يوم منه حاملا ارسالا من الروح القدس الى كل منا بحيث يحمل كل يوم الكلمات الجميلة إياها ويطيب النفس بالنعمة الواحدة المستمرة. وهذا يوضح ان القصد الإلهي ان نأكل كلمات الرب كما أمر الرب حزقيال قديما.

عندما يقول السيد: «أنا الخبز النازل من السماء» يريد انه حقا غذاء لنفوسنا بمعنى انه يسكب نفسه في نفوسنا وعقله في عقولنا لنصير معه واحدا كما وعدنا في صلاة الكاهن العظيم التي رفعها الى الآب في العشاء السريّ. والخبز السماويّ يعني اولا كلمته. كذلك يعني القرابين الإلهية. مسيرتنا مع يسوع المبارك مسيرة الى الوحدة معه ووحدتنا به مع جميع البشر.

مؤسسة الصوم وجدت منذ البدايات لتجعلنا في حركة الى القيامة. لولا الفصح ما وجد الصوم الأربعيني المقدس. الصوم فيه حمية ولكن جوهره أن ننتقل من طعام الأرض الى الطعام السماوي يوما بعد يوم بالصلوات المتاحة لنا والإمساك عن كل ما هو غير إلهي لكي يصبح المسيح ذاته طعاما. هو أراد ان يصبح طعاما لنا. وكما يتحول الطعام الى جسدنا يصير السيد واحدا مع كياننا بحيث يصح قوله: أنا أنتم وأنتم أنا. لقد قال المخلص المبارك: «أبي يعطيكم الخبز السماوي الحق لأن خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي الحياة للعالم» (يوحنا 6: 32 و33).

معظم الشرّاح يقولون ان المُراد بهذا هو القربان المقدس. هذا صحيح ولكن المراد الأول هو المسيح نفسه المعطى لنا بكلامه اولا ثم المعطى بجسده ودمه الكريمين. نحن نتقبل المسيح مباشرة بالروح القدس وفي صوَر مختلفة بالكلمة الإنجيلية والخدم الإلهية وإلهام روحه القدوس، ذلك الذي يعطي كل إنسان اذا قرأ الكتاب العزيز أو شارك في صلواتنا أو أحب الفقراء وزار المرضى وافتقد الفقراء.

الصيام ليس فقط حمية عن طعام. وهو قبل كل شيء اتحاد روحنا بيسوع وان نقبل كل نعمة منه وان تطابق سيرتنا كل كلامه.

الحمية وسيلة لتذكرنا بأن طعامنا الحقيقي هو الخبز النازل من السماء. نحن نمسك عن خبز الأرض لنتوقع نزول الطعام الإلهي في قلوبنا.

كل ما نقوم به بمحبتنا ليسوع يوصلنا الى وجهه المبارك. كل أشياء الدنيا مجرد وسيلة لنرى وجهه. «ليرتسم علينا نور وجهك يا رب». اذا لم ينزل علينا هذا النور نبقى في عتمات خطايانا.

الصيام موسم غفران الرب لنا لأنه موسم توبتنا. نحن طلاب وجهه والباقي نعطاه زيادة. الصوم مسيرتنا الى الفصح وفي الفصح تزول خطايانا ونرتقي الى وجه السيد. نوره ينزل علينا كل يوم. في كل يوم نتوق الى الفصح. ونعطى العيد جزئيا يوما بعد يوم حتى لا يبقى فينا أثر للظلام.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الزمان الآتي / السبت 6 نيسان 2013

غالبا ما صممت مستقبلك وفق مصالحك التي تراها الآن غير مالئ هذا المستقبل بما ينزل عليك من إلهام في الآتيات. مستقبلك، اذ ذاك، مدى أناك كما تبدو لك اليوم اذا كنت لا تتوقع شيئا من الله. في الإيمان عندنا كامن الرجاء لأنه توقع مستقبلات تأتي بها النعمة.

تأمل بغير محله الظن ان المستقبلات أفضل من الحال التي أنت عليها اليوم. حسن أمورك لا يأتي من تقادم الزمان ولكن من تحسين يومك بالأبديات. لا قدرة لك على الهروب من واقع إلى توقع الأفضل.

الزمان الآتي غالبا ما كان مثل يومك. انهما من نسيج دنياك أو مما يجعل الناس دنياك وهم أحباؤك أو مبغضوك ان لم تجعل مستقبلك مدى لحقيقة نازلة عليك تكون لنا جميعا خلاصا.

ان لم تقدك آلامك الى وجه الله تكون حياتك مبددة في ضبابية العالم. الثابت ليس العالم ولكن ما ينزل عليه. اذا صح قول الكتاب: «كل انسان كاذب» يبقى ان تتعاطى الكاذبين كما هم لأنهم جزء لا يتجزأ من دنياك والا كان عليك ان تخرج من العالم كما يقول الرسول.

نعيش رجاءنا النازل علينا من فوق في هذا العالم ولكن لا رجاء لنا منه لأنه ليس منا ولا نحن منه.

عيروني بالتشاؤم. اذا انت رأيت الناس كما هم تدفعك الرؤية ان تشاهد عند بعض قباحة. ولكن ما مشكلتنا مع الأنقياء القلوب الذي عصمهم ربهم عن ملامسة القباحات وأقامهم في الرؤية الوضاءة؟

اذا كنت محدودا فقط على مدى الأيام وغدوت ثاقب الرؤية تشاهد قباحة الوجود. هذا ليس بخطأ. الخطأ ان تخطفك رؤية القباحات حتى يستحيل عليك الرجاء. والرجاء عندنا ليس انجذابا إلى خيالنا. انه الاختطاف إلى وجه الله الذي ينحت وجوهنا على رسم وجهه ويؤلهنا بذلك النحت. كل شيء وجهه وما يرتسم منه علينا.

عندما يقول يسوع الناصري: «ثقوا اني غلبت العالم» هل يريد فقط انه غلب بشاعته كما يقول المفسرون ام انه واضع جماله هو بدل البشاعة؟

كلمة عالم في هذا السياق تعني العالم الساقط ولا تعني خليقة الله لأن الله يكون قد غلب نفسه لو غلبها. هذا العالم عند خلقه كان على جمال الخالق ثم انبث الشر فيه فقبحه. مع ذلك ارادالرب الا تستحوذ عليه القباحة فترك فيه شيئا من صورته ليتمكن ابدا من رؤية الرب ولو مشوهة. غير انه كان قادرا ان يعرف أصل الصورة ويقدره.

الله لم يخلق العالم على صورته. خلق الانسان وحده على صورته بمعنى ان الانسان شبه الله لأن الانسان حر مثله، هكذا فسّر بعض آبائنا. ما معنى انه مثيله الا بمعنى انه محب وهكذا فسر بعض. واذا تكلم بعض من المتأملين في هذا الشيء قالوا ان الانسان حر مثل الله أو محب مثله. الحقيقة في لاهوتنا انه حائز كل صفات الله ما عدا الخلق ولكن الخلق ليس صفة. انه فعل. الحقيقة انه ليس عندك من صفة حميدة الا اذا كانت على شبه الصفة المماثلة لها عند الله حتى تتحقق الانسانية ليس في الفرد وحسب ولكن في تعاضد الجماعة وسعيها معا إلى الوعود الالهية التي سمعت بالانبياء ومع المخلص.

#          #

#

الازمنة كلها متشابهة بخيرها وشرها، بالعنف والحب وبهذا المعنى ليس شبيه تحت الشمس وان كان كل شيء باطلا. لعل الباطل كتب علينا لكي نرجو ان ينزل الحق علينا من السماء. هذه هي مأساة الانسان ظنه انه قادر ان يخلق نفسه بنفسه وان يحرث الأرض بما فيها من قوة. كل الكفر ان تجعل الله عاليا جدا حتى لا تحس به منعطفا عليك. في الكتاب حديث عن سمو الله وعن تنازل الله في المسيح يسوع. والنازل هو الذي سما وتسمو انت به. «ان الذي نزل هو الذي صعد» إلى اعلى السموات وعطاؤه الينا انه يجلسنا على العرش معه عن يمين أبيه لأن تأنس ابن الله يقودنا إلى تألهنا والا كان التأنس بلا معنى ولا قصد.

فرادة المسيحية انها ما كانت حركة من الألوهة إلى البشر الا لتقذف البشرية من تحت الى فوق. وهاتان الحركتان تحققتا في المسيح يسوع. الحديث عن الله رابضا فوق الجبل حديث في الديانة الاغريقية القديمة وفي اليهودية أيضا.

في المسيحية هذا الإله مع بقائه في الأعالي تجسد وصار مثل واحد منا حتى لا تبقى الهوة قائمة بين الله والانسان إلى الأبد.

كل السؤال المتعلّق بالرباط بيننا وبين الله هو هذا: هل الله مع بقائه في الأعالي ينزل الينا بحركة نسميها النعمة بعد ان نزل في الجسد بابنه الوحيد؟ وهل بالحركة العكسية نصعد بدورنا اليه لنجالسه على العرش فإن لم يكن العرش مقصد الله ومقصدنا في آن لا يكون الملتقى قد حصل.

الألوهة هل هي فوق فقط أم تحت أيضا، هذا هو السؤال وأجابت المسيحية عن هذا السؤال بقولها: «ان أحدا لم يصعد إلى السماء الا الذي نزل من السماء ابن البشر الذي هو في السماء». ليس في الامر حركة مكانية لأن الله ليس في مكان. الامر كله انعطاف نعمة.

وهذا ليس حلولا في الجوهر لئلا نقع في فرط الألوهية وتاليا تعددها في الشرك. هذا حلول حب والحب لا يكسر الله ولا يعدده. الحب يذيع قوته ولا ينفرط. الحب وحده يكشفه واحد يمده ولا يعدده. الله ينتشر بعطائه ويبقى منقبض الجوهر. النعمة تنتشر وتبقى فيه وتلازمه. فاذا انتشر يظل الله في ذاته. حبه ينتشر. لا يفنى في الزمان. هي تمتلئ منه وبذا يرعاها ولو بقي جوهرها لها.

الأزمنة تتوالى باستقلالها التاريخي وإبداعها والله فيها وهي ليست اياه ولكن نتاجها منه. وهو يأخذ الأزمنة اليه ويجمع اليه في اليوم الأخير البشر وما جاد به عليهم في كل أزمنتهم وبهذا المعنى ينهي التاريخ ويتممه بمصالحة الجميع في جسد المسيح البشري.

وإنهاء التاريخ إكليله في المجد الذي ينزله الله عليه واذا دخل التاريخ في مجد الله يعني التقلب الزمني ونرث الملكوت «المعد لنا منذ انشاء العالم».

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

مشلول كفرناحوم/ الأحد 31 آذار 2013 / العدد 13

كفرناحوم إلى الشمال الغربي من بحيرة طبريا هي في الجليل الذي كان المسرح الأساسي لبشارة يسوع. كان السيد آنذاك في بيت لأحد الأتباع. أتى الناس إلى الرب بمن سمي مخلعا اي مشلولا بلغة اليوم.

كان الرب يعلّم. كان التعليم نشاطه الأساسي وكان يرافقه الشفاء عند وجود مرضى.بعد ان نقب الأربعة حاملو المريض السقف دلّوا المريض بسرير. السقف في ذلك المكان كان من خشب فوقه طين ويسهل نقبه. توًّا قال الرب لهذا المريض: «يا بني مغفورة لك خطاياك». هو ورفقاؤه ما كان همهم هذا الأمر. الأولية عند يسوع كانت المغفرة.

قال الكتَبَة: «هذا يتكلّم بالتجديف. لعلّهم كانوا في هذا القول صادقين لكونهم لم يعرفوا ان يسوع يحمل قوة الله ويعبّر عن فكر الله. قالوا: «من يقدر أن يغفر الخطايا الا الله وحده؟».

كلام كهذا فيه جرأة لأن اليهود لم يكونوا عالمين ان هذا هو ابن الله ولم يعرفوا ان بشريا يمكن ان يكون ابن الله. كان طبيعيا ان يظنّوا ان في هذا القول تجديفًا كاملا. التجديف كان في هذا ان يسوع وهو عندهم بشر محض. قبل مجيء المسيح إلى العالم وقيامته من بين الأموات لم يكن ممكنًا أن يؤمن يهودي بأن الله له أن يأخذ صورة إنسان. اعتبار ان الله له أن يتّخذ شكل بشر كان يفوق كل عقل يهودي. هذا ما قاله أحد صراحةً في العهد القديم. لذلك كان من الطبيعي أن يتهموا المخلّص بالتجديف. وكان طبيعيًّا أن يعرف يسوع هذا. «لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم؟ سألهم: ما الأيسر أن يُقال مغفورة لك خطاياك أم أن يُقال قم واحمل سريرك وامشِ؟ لم يجب هو كلاميا عن السؤال الذي طرحه. أجاب بإتيانه فعلاً، بأمره المريض أن يقوم ويسير تأييدًا لقوله: مغفورة لك خطاياك.

أكّد السيد سلطانه على شيئين: على الجسد أولا وعلى الغفران ثانيا. والغفران شيء جديد لم يعرف اليهود في نظامهم الديني ان بشريا حامله. إذًا لا بدّ عندهم أن يكون الناصري قد استحدث شيئًا في الفكر اليهودي (إذا لم يكن مجدّفًا) وهو ان الله يفوّض بشرًا غفران الخطايا.

هذا ما قاله يسوع عن نفسه. أيكون هذا البشري نازلا من عند الله؟ هذا لم يشاهده أحد في هذا الشعب من قبل. لم يعرف اليهود فكرة ان الرب فوّض نبيًّا أمرًا كهذا. قوّة الله عندهم لم تكن تنتقل إلى نبي. هل يسوع الناصري نبي؟ أعجوبة يسوع أتت دعمًا لقوله انه يغفر الخطايا. كان هذا صعبًا عليهم لأنهم ما كانوا يعلمون ان الله قادر أن يفوّض إنسانًا قدرةَ الشفاء.

حضور الله في جسد هذا النبي الجديد (يسوع) كان أمرًا مستَغربا. من هو إذًا هذا الذي يتصرّف وكأن الله فوّضه قدرة إلهية؟ أليس دور يسوع الناصري في شفاء المرضى شيئًا خارقًا، جديدًا؟ إزاء هذا هل من مخرج سوى الإنسان؟

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

باب السماء / السبت 30 آذار 2013

ينقضي عمري بين خيبة وخيبة. أجل هناك تعزيات ولكن قليلها يأتي من البشر. للبشر منافعهم من دنياك أو استعلاؤهم عليك. وقلما تستطيع ان تغير الشائع. وقد تكتشف أشياء ضدك في ما يبدو مودات. فالكثير من الدنيا منسوج من نفاق. «أهكذا تنقضي دوما امانينا» إلى ان يوارينا ربك عن هذا الوجود وبعد عبور الوجود نصير «نسيا منسيا» وفي هذا رأفة من ربك ورحمة.

وحسنات الناس قليلة وتبدو لك ممزوجة في كذبهم. وفي أحايين كثيرة لا تقدر ان تفرق بين كذبهم والصدق وتحيا مقدرا صدقهم ومنتظره وتبقى لك نخبة صغيرة جدا تعزيك لأنها لله وأنت تسعى ان تكون له. يقول داود: «كل انسان كاذب» ويكملها بقوله توا: « بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطاني»؟ ما علاقة الكلمتين؟ اذا كان كل انسان كاذبا لا انتظر شيئًا حسنًا من انسان. ولكني أنا أعرف نفسي مؤمنًا أي انسانًا من نوع لا كذب فيه، صادقًا ليس فقط في ما أتصرف ولكن في عمق كياني وألمي – وهذا ليس بمشكلة- ان أرى الناس على سلوكهم وأبقى صامدًا في حضرة الرب أو بسبب من حضرة الرب على لساني وفي عينيّ.

لم يبق لي ألم من كون بعض من القوم يكرهني – وأنا لست أتكلم هنا عن نفسي- ولكنها القاعدة. وليس لي ان أقول ان في هذا حسدًا فمن أنا لأدين ومن قال ان عندي حسنات تستدعي الغيرة؟ الناس هكذا. المحبون منهم قلة وأنت تتعامل وهذه القلة إلى ان يأخذك ربك من موت إلى حيث لا تسمع شيئًا من الكذب. حسنة السماء الكبرى ان الله صادق ويراك على ما أنت عليه ويقرئ السماويين صدقك وتنسى كذب أهل الأرض.

أتوقع ان يتساءل من يعرفني من قرائي عما يراه حزنًا في كتابتي. الله يفرح من يشاء ويرفع الحزن عمن يشاء. ولكن الرب لا ينشئ فيك فرحًا غير مؤسس على الحقيقة ويطيب لك ان تفرح في البشرة التي أنت عليها ولكن بشرة الناس من تراب وكثيرًا ما كانت رائحتها رائحة تراب إلى ان يرفعك ربك إلى الملكوت. وضعنا في هذه الأرض ان نجاور فيها القذارات إلى ان نغادر هذه الأرض في  موت. «كل انسان كاذب» لأنه يحاول ان يخفي القذارات فيه ليبيض صفحته عند الناس. أما كيف يراه الله فهذا هاجس الكبار في حياتهم الروحية. وهم يتكلمون على هذه الرؤية يحيون بها.

#   #

#

قدرك في هذا الوجود ان تحيا وحدك او مع قلة من الطيبين الذين يفرحون لتقدمك على معراج الحياة الروحية، هذه مقولة غريبة عن الأكثرين واذا اتقيت ربك أنت وحدك. الناس يتقون بعضهم بعضا ويرجئون استرضاء الله اذ يحسبون انهم يعيشون من خيرات الأرض. قد يختلط بسبب من هذا الاختلاف فيك حزن اذ لا ترى الملكوت مقبلا على الناس ومعظمهم لا يهتم له ولا يحزنون لأنفسهم كما لا يحزنون من أجلك لأنهم «استوفوا أجرهم».

لا تنتهي الخيبات ولكنك انت لا تفنى في صدمة حلّت ولا تتوقع دائما فناء الصدمات. انت مشلوح على خشبة الصليب التي وعدت بها وكثيرا ما يطلع لك في هذا الشليح تعزيات. واذ ذاك تنتقل من قيامة الى قيامة. انبعاثنا مع المسيح يتم عند صلبنا كما كان له. ونعانق صليبنا لعلمنا انه درب قيامتنا. حياتنا في المسيح تأتي من تعب العالم ثم من صلاتنا اي تبدأ بصليب يجعله المؤمن مكانا لقيامته.

وهذا درب الحياة كلها اذ لا حياة الا من موت لك في دنياك واعني بهذا زوال المجد العالمي وزوال كل افتخار ونكران كل مجد. يكللك ربك بمجد منه اذا رأي رأسك قابلا للإكليل. والسقوط يزيل عنك كل مجد ويجعلك في قاع الهوان والذل.

«لا حياة الا من موت» تعني رفضك للمجد اذا أتى وسعيك فقط الى المجد الإلهي وما في دنياك الا المجد الباطل نؤتاه من الفخر الزائل. أحس كثيرا ان الناس لا يؤمنون الا بدنياهم لكونهم بدلوا دينهم بدنياهم بمعنى انهم احسوا انهم يفيدون من دنياهم لأن آخرتهم مرجأة او يرجئونها وتاليا لا يتمتعون بها الا بالأمل وليست هي في قبضتهم.

حزن الكثيرين انهم لا يلتمسون شيئا من السماء في أولاهم ويحسبون ان الدنيا فارغة من بركات السماء او انها تفتح باب السماء قليلا.

الملكوت ان لم يكن منه شيء فيك لن تراه. لن يكون لك في الآتي ما لم يبدأ معك وفيك هنا. ألم تقرأ قول الكتاب «ملكوت الله في داخلكم» (لوقا 17: 21) أنت سماوي الآن او لن تكون. المسيح أتى وآت.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

من إنجيل اليوم/ الأحد 24 آذار 2013/ العدد 12

«أراد يسوع الخروج إلى الجليل» الذي كان المسرح الأساسي لبشارته. هناك وجد فيليبس فقال له اتبعني، فصار من الاثني عشر. هذا كان من بيت صيدا اي من الجليل، من جوار بحيرة طبريّة.

يقول الكتاب انّ بيت صيدا كانت مدينة أندراوس وأخيه بطرس. بعض التلاميذ كانوا يجمعون بعضهم بعضا الى يسوع وكان الاعجاب ينتقل. فيليبس بدوره وجد نثنائيل.

هذا يبدو أنه كان منكبّا على دراسة الكتب المقدسة اي العهد القديم. ولكون فيليبس كان يعرف أن هذا العلم هو علم التوراة، قال ان هذا الذي كتب عنه موسى في الناموس (أي كتُب موسى الخمسة) والأنبياء قد وجدناه، وسمّاه يسوع بن يوسف، وهذا اسمه الرسميّ لأن الإنسان يُنسب الى أبيه او المظْنون أباه. وكان يُعرف باسم يسوع الناصريّ بالنسبة الى المدينة التي عاش فيها.

كانت الناصرة محتقَرة ربما لأن بعضًا من أهلها كانوا من الأمم أي وثنيين. ربما بسبب من هذا قالوا: أَمِنَ الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟ جواب فيليبس كان: تعال وانظر. لستَ في حاجة الى مناقشة عن هذه المدينة او تلك. تعال وانظر هذا الشخص الجديد في أقواله وأفعاله. الخبرة تدحض كلّ ظنّ. الآراء المسبقة قد تُضلّل. تعال واختبر هذا الرجل. «لم يتكلّم إنسان مثل هذا الانسان» هذا ما قاله بعضُ يهود. أي لم يظهر إنسان بهذه الجاذبيّة الروحيّة التي تشدّنا اليه. اليوم، وبعد انتقال يسوع الى السماء، «تعال وانظر» تبقى حقيقة راهنة اذ لا يُشبّه إنسان بمثل هذا الإنسان. لم يسلك أحد بهذا البهاء الروحيّ الذي كان عليه يسوع الناصريّ. ولذلك اذا أردت أن تصبح إنسانا سويّا عليك أن تحاول السلوك الذي سلكه، وأن تردد الأقوال التي قالها. أنت لك هذا اذا شئت.

القول الذي يحدّ كلّ قول: «إنكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر». صورة المسيح مستلقيا على الدرجات الواصلة بين السماء والأرض هي صورة الوسيط الوحيد بين الله والناس. وهذا مضمون دور هذا القائم في السماويات والأرضيات. هذه رسالة المسيح الكبرى أنه الرابط الوحيد بين الإلهيات والإنسانيات، بين السماء الهابطة على الأرض والأرض الناهدة الى السماء. المسيح في طبيعته كائن سماويّ وكائن أرضيّ. هو مخلّص الأرض كلها لأنه سماويّ كليا. هو الذي جعل الأرض مسكنًا للسماء فأهّل أهل الأرض أن يصعدوا وراء مسيحهم الى فوق. السماء بكل ما فيها من نِعم الروح القدس تهبط على الأرض لتجعلها سماء.

هذا الالتحام بين ما هو لله وما هو للإنسان جعله المسيح وحده ممكنا فسكن روح الرب الإنسانية بالمسيح يسوع.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أحد الأرثوذكسية / السبت 23 آذار 2013

الأرثوذكسية لا تعني، لغة، طائفة من طوائف لبنان. هي كلمة يونانية تدل عند معتنقيها الأصليين على الذين يؤمنون انهم في ديانتهم على استقامة الرأي أو على سلامة ما استلموه من الأوائل ولا يقابلهم باليونانية الهراطقة اي الذين انحرفوا عن الرأي المستقيم ولكن يقابلهم الآخرون كما نقول في اليونانية ايضا. من يسمون انفسهم الارثوذكسيين اذا أصروا على استعمال اللغة لا نسميهم في اللغة اليونانية بما يقابل الكفار بالعربية بل نطلق عليهم اسم الآخرين. فالمسيحيون اذا كتبوا في التاريخ ربما نعتوهم بالانحراف عن الإيمان القويم ولكنهم في الاستعمال الكنسي المألوف عندنا يقولون عنهم آخرين. لعل في هذا احتراما للناكري العقيدة المظنونة سليمة.

أنت اذا نعت إيمانك أو مضمون إيمانك بأنه عقيدة فتريد انه هو العقيدة بأل التعريف المطلقة والا فلست بجدي. لمجرد استخدامك لهذه اللفظة تكون مخطئا للموقف النافي لها.

يلفتني في هذا البلد إصرار الناس لسبب وطني ان يؤمنوا (بتشديد الميم) جميع الناس على عقائدهم و«صلبانهم وبيعهم» كما فعل المسلمون الأوائل باحترامهم حرية الآخرين وهذا إقرار بحق حريتهم اي بحرية بقائهم في الخطأ لا اذا احببنا ان نسند هذه الحرية إلى كون هؤلاء هم حسب المصطلح القرآني كلهم ملة ابراهيم بناء على فهمنا الآية القرآنية «كنتم خير امة أخرجت للناس». ربما بني هذا الموقف على انك ان كنت على النصرانية أو اليهودية أو الإسلام المحمدي لست مختلفا عن الآخر لكون ابناء ابراهيم كلهم واحد. هل هذه فكرة التساوي ضمن النعدد التي اظنها -بعبارة عصرية- مقولة قرآنية.

يزعجني اعتراض بسطاء الناس أو المتعصبون بتفاهة على قولنا: هذا مستقيم الرأي وهذا آخر. الكنيسة التي انتمي اليها عندها هذه اللياقة في الاستعمال الأدبي الا تسمي الآخر منحرفا أو هرطوقيا. في اليونانية لفظة هرطوقي لا تحمل الشتم أو السباب. المراد بها الآخر.طبعا انت مضطر ان تقول ان هذا الذي لا يقول قولي هو آخر. لي ان اضمه إلى صدري بالمحبة الأخوية ولكنه مضموم وليس هو أخًا في حين ان المستقيم الرأي هو انا حسب قول المتصوفة المسلمين. «أنا من أهوى ومن أهوى أنا، نحن روحان حللنا بدنا».

لماذا هذه اللياقة بغير محلها الا استطيع ان اسمي الآخر آخر. يجب ان اقول اننا واحد ونحن ليس عندنا معيار واحد نقول به اننا واحد.

أفهم اني واحد مع كل انسان ولكن هذا هو محبة. ونحن مختلفان اذا قلنا شيئين مختلفين. من قلل من أهمية الاختلاف فكأنه يقول ان الاختلاف ليس بالاختلاف وانا اقول له اني احب من اختلفت معه بالقدر عينه الذي احب فيه من كان واحدا معي في العقيدة لأن الحب معطى لمن يؤمن مثلك ولمن لا يؤمن مثلك. بولس الرسول لم يميز في المحبوبية بين الذي كان على عقيدتك ومن لم يكن عليها.

الا نستطيع ان نفهم اننا نضجنا بالمحبة حتى لا نشعر ان علي ان اقتل المختلف. اما آن الأوان لأخذ القريب والبعيد في ضمة واحدة إلى صدري. ستبقى البشرية مجموعة ناس بتصادم عقائدهم وهم قادرون ان يحبوا بعضهم بعضا لأنهم هم الباقون امام عيني بعظمتهم وهوانهم.

هل نحتاج إلى تصنيف البشر في عقائدهم حتى تتفاوت محباتنا لهم. فاذا كان لون الوجوه لا يستوقفني لأحب الناس ولا تستوقفني لغاتهم وأحزابهم. لماذا أقف عند التباين بين عقائدهم. اما قصد يسوع الناصري بقوله: «تحب قريبك كنفسك» انك انت امامي وحسبي ان أراك لأحبك ولا أسألك عن قناعاتك الروحية لأضمك إلى صدري لأني لا أضم إلى صدري الا ربك الكامن فيه.

قال بولس لا بد من الانشقاقات بينكم (1كورنثوس 11: 18) وعلى هذا انتم مجتمعون في المحبة التي أنزلها الله عليكم بمجانية محبته. الفرقة بين الناس ليست ناتجة بالضرورة من سوء نياتنا. انها ثمرة اختلاف العقول وهذا الاختلاف معقول فينا على استمداد أنفسنا من العقل الإلهي.

لن تتوحد الأديان. انها تعابير وتجملها تعابير وهذه لن تذوب احداها بالاخرى ولا تعاد الواحدة إلى الاخرى. كل قولة قائمة بذاتها وهي شبه كيان مستقل في العقل. والعقول تبقى متصادمة أو مختلفة ولو تآلفت احيانا. اذا لم تقل قولي لك ان تحب الله واجتمع اليك في المحبة اذا اجتمعت اليه وهذا اهم من ان نجمع على قول واحد. ولكن في الكنيسة القول واحد لأن الإيمان واحد.

كانت الكنيسة في المجامع تسعى إلى ان تأتي العقيدة واحدة في تعبير واحد لأن الكلمات الواحدة تؤكد المضمون الواحد. فإذا انت تلوت دستور إيمان واحد معي تبدي ان لنا عقيدة واحدة. لذلك نصر على ان نعبر عن الإيمان بكلام واحد للتأكد من سلامة الإيمان.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الغفران للناس / الأحد 17 آذار 2013 / العدد 11

حتى يغفر لكَ الآبُ السماويّ زلاّتك يشترط أن تغفر لجميع الذين آذوك. الغفران غفرانان: عموديّ ينزل من الله الينا اذا استغفرناه، وأُفقيّ اذا غفرنا للناس وهذا في إنجيل متى شرط لغفران الرب لنا زلاتنا.

هذا مقطع من العظة على الجبل يعرج فيها متى من الغفران الى الصوم. هذان أمران يبدوان متلازمين. فإذا انتقل السيد الى الحديث عن الصوم يكلّم اليهود عن صوم طوعيّ كانوا يمارسونه ويقع الفريسيون منهم بالرياء فتصبح وجوههم عابسة، منقبضة ليدلّوا على أنهم صائمون ولا سيما أن هذا صوم طوعي.

جاء يسوع ليقول: «اذا صُمتَ فادهَن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية». غالبا يشير السيد الى صوم تطوّعيّ. هذا يراه الآب أنه صلة بينك وبينه. لا يستعظم الإنسان بعمل تقويّ تطوّع له. هذا عمل خفيّ منك للآب الذي يراه ولا يعطى فيه فضلٌ لك. اليوم، وإن انتقلنا من الصوم الطوعيّ الفرديّ الى صوم الجماعة ولا سيما الصوم الأربعينيّ المقدس، تبقى الصلة بيننا وبين الله.

ولكن بعد أن صار الصوم تركيبا كنسيّا يبقى أنه صلة وجدانية بينك وبين الرب وليس عليك أن تتبجّح به. ولكن في الأوساط المؤمنة، لك اذا قُدّم لك طعامٌ غير صياميّ أن تقول انك صائم فلا تأكل. واذا دعتك الى الطعام عائلة مؤمنة، لا تذهب الى وليمتها إلا اذا كنت عارفا بأنها متقيّدة بنظام الصوم، اي لا تقبل وليمة من عائلة غير مصلّية وغير متقيّدة بقواعد الصوم. وفي كل حال، زمان الصوم تتقيد فيه بقواعده ويكون واضحا لمن يدعوك أنه يحترم التزامك بقواعد التقوى.

توا بعد هذا الكلام يجيء كلام الرب عن حُب المال، ويقول السيد: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… اكنزوا لكم كنوزًا في السماء» بالإيمان المستقيم والعمل الصالح. وينهي المقطع بقوله: «حيث تكون كنوزُكم هناك تكون قلوبُكم».

المال تتعاطاه من أجل المعيشة، ولا تحبّه. «أَحبب الرب إلهك من كل قلبك». هذا وحده تحبّه بحيث تحبّ كلامه ووصاياه وتعمل بها. قلبك ليس لهذا العالم وغناه ومجده. قلبُك الله وحده يسكنه و إياه تسمع وإياه تطيع ولا تجعل في قلبك شريكا له. اجل انت مدعوّ الى محبة كل الناس.غير أن هذه ناتجة من محبتك لله. إن لم يكن الرب موحّد قلبك وقلوب الآخرين، تكون في حالة عبودية للناس. انت مُحبّ لكل إنسان لكون الرب ساكنا فيه، لأن الله يجعلك أخا له لكونك فهمت أن الله أب لك وأب له.

في الأخوّة البشرية المرتكزة على الله، ليس أحدنا عبدًا للآخر. نعرف الآخر المختلف أخا لإيماننا بأن الله أبونا جميعا. أنت اذا غفرت لأخيك تدفعه الى الشعور بأن الله أبوه وأبوك معا، فتنكشف لك بآن أُبوّة الله وأُخوّة الآخر.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الرجل والمرأة في الله / السبت في 16 آذار 2013

لماذا تصوم؟ لأنك فقير الى الله وفي المصطلح المسيحي لأنك جائع اليه طعاما حسب قول ابنه: «أنا هو خبز الحياة. من جاء اليّ لا يجوع» (يوحنا 6: 34). هل كلام القرآن: «أنزل علينا مائدة من السماء تكون عيدا لاولنا ولآخرنا» (المائدة 114). رأى ماسينيون المستشرق ان هذين القولين مترادفان. هذا التعييد الدائم حوّله النساك الأوائل الى صيام دائم فيه شبه الانقطاع عن الأكل لحسبانهم انهم يغتذون من الذكر. لم يعرفوا التفريق القائم في اللاهوت الغربي بين الطبيعي وفائق الطبيعة. يذهلك اذا قرأتهم ان تفهم انهم لم يقبلوا المألوف وانهم لم ينظروا الى مدى إمساكهم وقونه على انهما من الخوارق.

دائما يذهلني لما أقرأهم انهم لم ينظروا الى الطبيعة البشريّة وقدرتها مع انهم اوصوا بعدم الغلو. ولكن اذا نظرنا نحن المعاصرين الى ما تمموه نراه غير قابل للتصديق. بالمقاييس العلمية كان يجب ان يموتوا ولم يموتوا. بمعاييرنا اخترقوا كل قواعد العلم حتى لنتساءل لماذا قاموا بكل هذا؟ هل كان كل هذا التقشف ضروريا؟

اذا كنت تعرف ان كل ديانات هذا الشرق نشأت بعبادة الجنس (أفروديت، عشتار، عشتروت) تفهم ابتعاد آبائنا عن هذه العبادة وتفهم تشديد الأوائل على العفة ومراقبتهم الشديدة لوظائف الجسد. لماذا كانوا مثلا يقولون انك ان لم تقمع الشراهة لا قدرة لك على بلوغ اية فضيلة؟ ألم يقل فرويد هذا في تحليله النفسي بلا رجعة منه الى اي دين؟ قال آباؤنا قبل علماء اليوم ان كلّ اللّذات متماسكة. عرفوا بخبرتهم الروحية ما كشفه العلم المعاصر. بهذه الخبرة قالوا ما قالوه عن ترابط اللذات وعندما كافحوا لذة الطعام او حاربوا غلوها كانوا يكافحون كل اغراء جسدي لارتباط الكل بالكل.

يؤذيني جهل المسيحية عند الذين يتهمونها بأنها ضد الجسد وهي ضد استفحاله او تفلته من كل قيد. أليس الجسد برز بالدرجة الأولى في الفن المسيحي؟ أليست العناية الطبيّة بالجسد كانت فائقة في البلدان المسيحية الراقية. اما الاستغراء في الجسد فليس حكرا على البلدان المسيحية. أليس كتاب الأعاني كتابا يستغرق قارئه في الجسديات وهو ليس لمؤلفين مسيحيين؟ أليس قول الدعاة ان الشرق روحاني والغرب جنسي قولا اقله انه قليل الصدق او غير دقيق.

عند هذا لا بد ان نقول اننا لم نستورد عبادة الجنس من الغرب. ألست تستغرب ان الغزل طاغ على الشعر العربي منذ القرن السادس الميلادي وان ليس له أثر في الألفية الميلادية الأولى في آداب الشعوب المسيحية.

واذا عدنا الى العبادة ففي الوثنية الشرقية (فينيقية وبلاد ما بين النهرين) وفي ممارسات الحب في هذا الشرق عينه كزواج الأخ بأخته في مصر القديمة لم تعف شعوبنا أكثر من غيرها. في الواقع الأدبي الذين أبدعوا الغزل هم الشعراء العبران ومن بعدهم ظهر الغزل العربي «والشعراء يتبعهم الغاوون» (الشعراء 224).

التغني بالجسد بدأ في هذا الشرق لما كانت اوربا في أدبها عفيفة. الكتابة المتهتكة عربية قبل الف سنة من اليوم ولم تشرف عليها سلطة او رقابة في حين ان المسرح كانت الكنيسة الكاثوليكية تكافحه في الغرب.

#   #   #

من الخرافات الواردة على لسان النقاد المعاصرين ان الكنيسة كانت دائما ضد الجسد. الحق ان الكنيسة ضد الزنى وليست ضد الحب الانساني الكامل قائما بين الرجل والمرأة. لست اعرف تعظيما للزواج كذلك الذي أعرفه في حفلة الزواج في الكنيسة المسيحية. صلاة الإكليل عندنا شعر. لك ان تفهم الزواج عقدًا ولكن هذا هو الحد الأدنى من الترابط بين الرجل والمرأة. بعد هذا تسمع في حفلة الإكليل انه صورة عما نسميه الرباط السري (اي القائم في سر الله) وهذا السر منعكس في لقاء العروسين.

ليس في المسيحية عقد بحت. كل شيء فيها سر إلهي اي عهد بين الله والانسان والعقد الله مبدؤه او عاقده. ليس في المسيحية نطاق ديني إلهي محض ونطاق مدني بحيث يكون كل شيء إلهيا وانسانيا معا. كل هذا بنيناه على صورة الإله المتجسد واذا قلنا ان الانسان جاء من الله نقصد انه جاء على صورة ما سيكون المسيح عليه اي إلهًا متجسدا.

نحن لسنا على صورة المسيح في تأنسه الإله وحسب ولا علـى صورته البشرية وحسب لأن هذه مثل صورتنا. نحن على صورة الإله المتجسد اي مؤهلون لاكتساب النعمة الإلهية الأزلية. على مثال المسيح نحن من الله جئنا واليه نعود وولكنه هو اتخذ جسدا ونحن كنا في جسد. وكما عاد هو الى ابيه بجسد قيامته نعود نحن اليه بالموت اولا بالقيامة الاخيرة ثانية. وموتنا بدء تذوق لقيامتنا.

#   #   #

الرجل والمرأة واحد ولكن في الله. ليس اني انكر وحدة وحدة الجنس فيهما. غير ان هذا لا يتجلى في عمقه و مداه الا اذا كان في الله. ليس من فاصل عندنا بين الصعيد الطبيعي والصعيد الفائق الطبيعة. الرب رابط هذه الطبيعة بما يتعداها، بما يرفعها الى ان تصبح لغة الله وأداة الله.

يتكلّم علماء النفس عن التكامل بين الجنسين. الحقيقة انه ان لم يكن تكاملا في الله قد يصبح خصومة او عداوة حتى الانفكاك. يتكلم العلماء عن توتر بين جنسين. المهم ان نعرف ان التجاذب بين الجنسين يهدده عداوة بين الجنسين يبدو كثيرا في الحياة الزوجية.

التجاذب الطبيعي لا تسنده قواه وحدها اذ هناك بين الجنسين رغبة التسلط فالانشداد الطبيعي قرينه التباعد الطبيعي الذي يصل الي التنافر حتى القتل. الرجل ليس ضمانة للمرأة ولا هي ضامنة له في طبيعتها. كل شيء هنا تربية في الأقل وروحانية في الأكثر. الإنسان ليس بآلة. انه يكونها ان لم يحركه الروح. يبدأ الانسان جسدًا اي كيانًا طبيعيا ويجعل الله فيه بعد ذلك دعوة.

الانسان ثمرة الله بالدعوة او ليس بشيء. يصعد من هذا التراب. وترابه يتوهج بضياء إلهي اذا أشرف الله عليه وقبل هو هذا الإشراف.

#   #   #

الانسان اسم يطلق في الدعوة على الرجل والمرأة اذا اجتمعا. وقد عرّف سفر التكوين الانسان على انه الرجل والمرأة معا. نية الكاتب في هذا السفر ان يبين ان الرجل والمرأة اذا كانا معا هما الانسان الكامل. ولكن الخطر الاعتقاد انهما يصيران ذلك بمجرد اجتماعهما. انهما يجتمعان للحب او للحقد. ليس من حب منبثقا من مجرد الطبيعة. الحب يأتي من القلب وهو ليس بذاته فقط. ينشئه الحب الإلهي. اذ ذاك يصبح القلب سليما لسكنى الله فيه.

هذا ليؤكد للمرة الأخيرة ان الرجل والمرأة اذا ظنا انهما يصيران معا بحسب الطبيعة يكون هذا رؤية ناقصة. الله يجعل الذكر انسانا بحبه للمرأة والمرأة انسانا بحبها الرجل. الله يبقى خالقا بعد الخلق اي مجددا له. نحن في حضن الله دائما او نموت من قلة الدفء.

الدفء في الله وحده. قبل بلوغنا الله حقا كل شيء صورة. ما من شيء الا بتحقيقها في هذا العالم منذ الآن ان رأينا انفسنا قائمين في حضن الله.

Continue reading