Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2007, جريدة النهار, مقالات

الأنا والآخر / السبت ٢٢ أيلول ٢٠٠٧

انت في مواجهة مع الآخرين محبة او أنت تردهم اليك والى مركزيّتك والى اشتهائك واذا أفرطت في ذلك تنكرهم في الحقيقة وتلغيهم. الأنا المركزيّة سماها باسكال العظيم مقيتة وبلغته le moi est haïssable. انت كما أبدعك الله ذات حبيبة وهذا من ماهيّتك ولكن ذاتك تقوم في فرديّتك لأن الفرد يقابل الفرد بما يحمل من ذاتيّة ووجود.

                     انا القابضة على الغير لك في النسك ان تميتها ما أمكن ذلك اما الأنا المبذولة فتحييك وتحيي الآخرين بك. ولكن أناك وأنا الآخر لا تجتمعان الا اذا رأيت ان الآخر ضروري لك حتى التنفّس. قلت ضروري ولم أقل فقط نافعا اذ أيقنت انك لا توجد الا بالحب المعطاء الذي قد يبادل المحبوب بمثله او لا يبادل ولكن المحبة في معظم الأحوال تستدعي المحبة لكونها كائنة في كل نفس بالصورة الإلهية التي فيها.

                     انا لست موجودًا وحدي. انا موجود اذا أحبني آخر وكان محررا من الأنا القابضة او المنقبضة. وحتى لا تقبض الآخر او لا تنقبض لا بد لك من جامع لكما يحرركما معا وهذا هو الله. هناك دائما ثلاثة لتكون الوحدة وانا اتكلّم بشريا. والبشر مجتمعين هم على صورة المحبة الإلهية التي اذا تساقطت تبيد الأنا الصارمة، الهدامة لذاتها او للذات الأخرى وعند ذاك يغيب الله.

                     وهاجس الذات ان تنفع الآخر والنفع ان تشتهي له ما يريده الله منه وان تذكره بالحق وليس بما يراه هو نافعا له وقد يصدمه هذا ولا يحس بمحبتك اذا وضع نفسه في موضع منافعه ولذاته التي تبيده وانت تريد ان تجعله في الله. صورة هذا في العائلة اذ لا يلبي الوالد او الوالدة احيانا الولد اذا طلب فقد يطلب ما يؤذيه او يعظم شهوته الى الامتلاك ويرى الأهل ان الحرمان يفيده. كذلك الدولة الساهرة، الراعية لمصالح المواطنين الحقيقيّة تلبي مطالبهم المحقة ولا تلبّي مطالبهم غير المحقة. اذا كان الحكم سليما، صالحا يسعى الى قيام البلد كلا مع إيثار المناطق المحرومة على المناطق المترفة. هذه هي الخدمة المرحلية لكون الحكم خادم الجميع والرعاية هي للجميع. هكذا الراعي الذي يرعى مئة شاة اذا ضلّت واحدة في الجبال يترك الراعي التسع والتسعين ويذهب لاسترداد الشاة الضائعة. هذا هو الحب الشامل. كذا في الرعاية الروحية. المسؤول يهتم اولا بمن شردته اهواؤه اذ البقيّة لا تزال في الرشد.

#                    #

#

                     هكذا التعاطي في الفكر. انت في التقابل مع من عنده فكر لا لتملي عليه قناعاتك ولكن لتأخذ منه وتعطيه بآن. وهذا هو الحوار. انت تواجه المواقف إن حاورت لتصل الى الصواب الذي قد تكون عليه او الى ذاك الذي يكون عليه خصمك في الفكر لأنك طالب الحقيقة التي تحل عليك وتحل على من يحاورك.

                     ويحل عليك الحق او بعض منه ويحل على سواك الحق او بعض منه فتأخذ بلواء الحق أنّى ظهر لأنك لا تريد الغلبة لموقفك بالضرورة فتنقّح ما قلته وترمي ما لمسته سوءًا او خطأ عندك وتستغني بالصواب الذي عند خصمك فتجعله أخا لك. انت تتمسّك فقط بما بدا لك كلامًا إلهي الإلهام أجاء هذا الالهام اليك او جاء الى الآخر.

                     وفي المجال الديني لا تنكر على الاخر عقيدته ولا ينكر هو عليك عقيدتك والا وقعتما في السجال وقد بطل السجال في ذهنيّة المعاصرين ولكنك تستوضحه في ما يؤمن به وتوضح له ما انت مؤمن به وتترك لله حقّه في ان ينير  من يشاء وهذا لا يتحقق الا بالمقابلة السوية الهادئة وبحق كل بشر بإعلان ما يحسبه صحيحا. هذا شرط الحرية عندك وعنده والا تقع ويقع في نظام القمع ان لم نقل في التقاتل.

                     شرط هذا السلام ان الله يهدي مَن يشاء. أن تقبل هذا السر الإلهي شرط دخولك في المحاورة لأن الحرية شرطها السلام. اذا التزمت الحوار لا تسعى الى إدخال احد قسرًا الى ما انت مؤمن به ولكنك تلتمس النور الذي يقذفه الله في القلب كما يقول الإمام الغزالي. انت لا تحرر احدا بشريا ولكن الحق هو الذي يحررنا جميعا وقد جاء في سورة الكافرون: «لكم دينكم ولي ديني» (الآية الـ ٦) وأفهم هذا القول انه يعني حريتك وحريتي ما لا يمنع ان اباحثك في بعض النقاط او في التفاصيل ولا أطلب منك ان تتنازل عن شيء أصيل. كذلك أرجو ان أساعدك على معرفة الأصول عندك وعندي. وشرط هذا التواصل المحمود ان احبك وتحبّني لأن هذا هو السلام اذ المبتغى الا أحرجك والّا تحرجني وان نتلاقى في كل ما نعتبره تجلّيات إلهية فأحترم ما تقول وتحترم انت ما أقول حتى نتفاهم في هذه الدنيا ويكشف الله عن ذاته في اليوم الآخر.

#                   #

#

                     وحتى أكون انا ما انا وانت ما انت لا أطمع بشيء من عندك ولا تطمع انت بشيء من عندي فاذا انا اشتهيت ما عندك لا أبقى انا ذاتي فإن الرب أمدّني بحاجاتي وأمدّك بحاجاتك فهذا كلّه متاع  الدنيا ونحن أحرار من هذه الدنيا وكل ما فيها لتطمع فقط بالنعمة الإلهيّة التي تنزل علينا فينمو كل منا بقدراته ونتمنّى القدرات الروحية التي عند الآخر لأن هذه هي هبات الله من اجل الجميع. انا أشتهي اذًا فضائلك ليتحسّن كياني الداخلي. فاذا كنت مألوها وعطفت علي أتأثّر بعطفك وأصير بدوري مألوهًا. هذه هي الشراكة العميقة التي تجعلني أتشبّه بك وتتشبّه بي لأننا كلينا نطلب المألوهية فنصبح واحدا بالشوق الإلهي الذي فينا. جاء في كتبنا الروحية أن انسانا قرع باب السماء فسمع من داخلها من يقول من القارع قال انا. ولم يُفتح له الباب. ثم قرع ثانية فسئل من القارع؟ قال انا فلم يُفتح له حتى قرع للمرة الثالثة. فسئل ايضا من القارع؟ قال انت. ففتح له باب الجنّة. المعنى انه عندما يوحّد المرء نفسه بالله يدخل الملكوت.

                     على هذا المثال توحّد أناك بأنا أخرى فتصبحان واحدا مع بقاء الذات او الفرادة مستقلّة، ثابتة الى الأبد ولكنها في تداخل والأنا الأخرى. نحن لا نذوب في الآخر لأن هذه حلوليّة ولكن الذات تبطل إن لم تلامس الذات الأخرى بالإرادة والقلب ولكن بلا اختلاط.

                     لا علاقة الا بالاثنينية ولكن بلا انفصال بحيث يراكما الله واحدا في المودة والمودة غير سليمة ما لم تكن إحساسا بالود الإلهي لكل انسان. لا يزيل الله التعدد ولكنه يزيل الفُرقة وتأتي وحدتكما سرا يقترب من الوحدة الإلهيّة. نحن ذوات مختلفة في التوق الى الوحدة. لذلك أحترم طبائعك وتحترم طبائعي ولو حاول كل منا ان يهدي الاخر على هذا الصعيد. فأنا عفوي مثلا وانت قليل العفويّة. انت عظيم الإحساس وأنا ضعيفه ولكنك بدءًا من تكوينك النفسي تحاول ان تتقبّلني وأحاول أن أتقبّلك ولا تتغيّر أصول الطبائع ولكن يجمّل الإنسان ويحلو بالتأثر الخلّاق الذي يقبله. وانت بما عندك تحاول الأسمى ولكن في إطار إنسانيّتك. وهذا لا يفرق بين الناس اذا أرشدوا اي اذا اتّسعت أذهانهم ونفوسهم لاحتضان الآخر.

                     لا يحيا الا الإنسان المحضون. وبذا تصير انت اما للجميع تلد الآخرين بحقيقة الله اذا ربيت نفسك على الا تعطي شيئا غير الله. تفسّر أذواقك ولا تفرضها. تنفتح ولا تبدد ذاتك باستنساخ الآخر. انك وحيد ولو غدوت معطاء. العطاء وحده لا يهدد انسانا ولا يميعه انت وحيد ولا يشبهك آخر ولكنك لست واحدا لأنك في لقاء.

                     تلك هي الأنا المسكوبة، المتطهّرة التي تسعى الى تنقية ذاتها والآخر فتنوجد وينوجد الآخر.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

البعد الأفقي والبعد العمودي / السبت ١٥ ايلول ٢٠٠٧

الرب هو النور الوحيد في عتمات الدنيا. ما عدا ذلك لهو او شقاء. أنا أفهم ان يظن الانسان ان له بلهوه امتدادًا وبشقائه انقباضًا ذلك ان الانسان في سطحية وجوده يذهب أفقيا بسبب من بشرته التعبة وانحصاره في أفق رسمه لنفسه واكتفى لأنه جعل نفسه مركز وجوده.

                     هكذا يكون ابن الحادث او الحادثة، وليد مرضه وحزنه. ينشئه الزمان الذي يعيشه اذ يحسب ان لا شيء خارج الزمان ولا شيء خارج المدى. يقيم في حدود جسمه وحدود ذكرياته والآمال التي تغذي الجسم والتصوّرات او يبيت حصرا في آخر ويسر بعبودية تكفيه متاعب تجاوز نفسه وبيئته وقبيلته.

                     والأحداث قد تكون جساما كالحرب او خشية وقوعها. والعوز الدائم وأزمات بلد تشبه الحرب وما من شك ان الإنسان ضحيّة جهله او فقره او غناه ونزاعات في عائلته او مهنته او حزبه. بسبب من هذا او من بعضه يلمس هبوط نفسه وقد يشقى لعدم علمه بها. لهذا كله سمّى الكتاب هذه الأشياء وادي الدموع اذ لا حد للوجع، للإعاقة، لفقدان الأعزة او لغيابهم.

                     كل هذه الشجون جزء من حياتنا وهي تصيب البار كما تصيب الشرير ويخترع الإنسان الفاقد الرباط مع ربه تسليات يحس بعد تعاطيها انها لا تغنيه بشيء. فكما خيّبته اللذات التي استساغها تخيّبه اللّذات اللاحقة. يسعى المرء الى استلذاذ يظن انه يشفي عزلته او يخفف من مرارته. قد يبقى اذا فقد وعيه النير اسير ما استنبطه من تعاطي جسده او تعاطي فكر لا ينقذه من تخبطات هذا الفكر وليس له وهو في وسط الاحداث التي تعذّبه الا ان ينتظر زوالها واذا بأحداث لا تقل عن الأولى مضاضة  تصيبه او هو يرى ان ما هو له يمزقه ويجعله مقيما في القنوط. معنى هذا انه يخلق جحيمه بنفسه وقلّما يعرف الكثيرون سبيلا الى الخروج من الجحيم. ولست أغالي في استعمال هذه المفردة لأني سمعت مئآت من المرات من اختارها اذ  يقول لي المتأزمون في حياتهم العائلية: لقد باتت حياتي جحيما ولا أعرف الخروج منها.

#              #

#

                     كل هؤلاء الناس وضعوا أنفسهم في المجال الأفقي ولم يسمعوا بالمجال العمودي اي بالقوة التي تربطهم بالله. اما الذين لهم إله فيعيشون في راحة وسكينة في الحرب او توقعات الحرب. هم في هدوء في الصحة والمرض، في اهتزاز حياتهم البيتيّة او في ثباتها ولا يرون بأسا اذا حلّت بهم مصيبة او انتابهم مرض جسديا كان ام نفسيا لأن الله مقيم فيهم او هم قائمون به.

                     اعرف أناسا يلوذون بالله ان عاشوا في فرح او عاشوا في ضيق لأنهم ايقنوا ان الله صحّتهم وصمودهم اي انهم تجاوزوا انفسهم وانتقلوا منذ الآن الى السموات. الفقير المؤمن غذاؤه الرب والغني المؤمن ثروته الرب ولا يولي ما له من مكانة في ذاتيّته. انت تطلب من الخالق المخلّص ان ينزل اليك وتستقبله على انه حياتك كلّها على قول بولس: «لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ».

                     انت لا تستطيع تفريغ نفسك من آلامها اذا استعرت ما يعوض عنها من دنياك لأن الدنيا لا تغذيك بالحقيقة. اللذة ليست بديلة عن لذّة ولا ترفيه أعظم من الترفيه الذي انت عليه. كل لذة بحد نفسها فارغة. هي تنسيك متاعبك بصورة موقّتة حتى تحل بك متاعب أخرى لأنك تستقي كل هذا من العالم الذي جعلت نفسك مركزه. اما اذا اخترت إلهك مركزا لوجودك لا تبقى مستعبدا لمرض او قمع او اضطهاد او أزمة في بيتك او في البلد.

                     انت لا تنجو من وطأة أحوال دنياك أكانت من السياسة او من الاقتصاد. فهذه الدنيا على ما نرى مليئة بالحروب ولك ان تطلب السلام ولكنا نرى ان الحروب لا تنتهي وان المرض لا ينتهي وان كل خطيئة تليها خطيئة أخرى اذا انت قبلتها وكل معصية مرة اذ يبقى عندك ضمير في الطبيعة هو يوبّخك ولا يستطيع الا المسوخ ان يخنقوا ضمائرهم حتى النهاية.

                     واذا قررت ان تلازم بعدك الأفقي اي اذا قبلت السطحيّة فأنت متّ داخليا. ربما استطعت ان تؤمن بشيء من القيم وان تذكرها. غير ان القيم في عمقها تؤتاك من الإيمان وحسباني ان القيم مقولة فلسفيّة حاول بعضهم ان يقيمها مقام الله في حين ان ذاتك لا تستطيع ان تعيش الا من ذات الله فلماذا ابدال الوجود الإلهي بمفاهيم ثقافية. الايمان بالله ايمان فعال في القلب اي مغير لهذا القلب او شاف له. ولك مع ربّك مواجهة او تواصل او وصال بين ذاتك وذاته لأن فيه حياة تفعل في حياتك والمفاهيم الفلسفيّة ليست بديلة عنه. ذلك ان الله حي وما عداه أفكار يقبلها عقلك ولكنها لا تنعش نفسك.

#            #

#

                     انا ما ركزّت على الآلام التي تعانيها من جراء ذنوبك او من المرض وأزمات البلد والعالم لست اوحي انها هي وحدها المطل الى الله. اجل في الكتاب آيات كثيرة تدعو المتوجّع ان يستعين الله لأن الكتاب الإلهي يريد شفاءنا. وبهذا قال داود: «من الأعماق صرخت اليك يا رب» والأعماق يعني بها الألم الذي رمينا أنفسنا فيه. ولكن الصالحين يصعدون الى الله من فرحهم ويعرفون انه هو مصدرها. لذلك يقيمون في النجوى ولا يقيمون فقط في الاستغاثة.

                     وعندما نتكلّم نحن المسيحيين عن الصليب المصلوب عليه كل شخص نطلب إزاحته عن أكتافنا من حيث هو وجع  لكوننا نؤمن ان صليبنا الشخصي هو طريقنا إلى القيامة ولسنا نريد بها القيامة في اليوم الأخير ولكننا نريد بها ان الله هو حياتنا وقيامتنا وهذه ينبغي أن نحققها هنا. ان آلامنا الحاضرة اذا قبلناها بالرضاء والشكر والرجاء تحمل الينا طاقة التعزيات لعلمنا ان الرب يفتقدنا بها او يزورنا بها كما يقول القديسون ونعلم ان الله يساكن الألم ان كنا مؤمنين ويسكننا ونحن في الخطيئة ليرفعها عن كاهلنا حتى يتنقّى القلب.

                     الاوجاع محنة تأتي كما تأتي لأن العالم ساقط. هي كما هي ولسنا نعرف دائما اسبابها والله يعالج الانسان كما وصل الي وضعه. يحاوره ويلومه ويؤدّبه ويحبّه بآن حتى يرتفع عنه الغضب ويحل فيه السلام. وبهذا السلام الداخلي يعايش الحرب والجوع والضيقات والمتاعب النفسيّة. قد يأتي الشفاء الجسدي من رحمة الله وقد يلازمك طوال حياتك. السلام هو علاجك مع بقاء المرض. وانت تعيش اي وضع معقولا كان بلغة الناس او غير معقول. نحن في المسيحية لا ندعو الى البطولة ولكنا ندعو الى الصبر والصبر ليس استكانة ولا انهزاما امام الموجود ولكنه اتكال على الله الذي يداويك كما يشاء ويوحي اليك ان المصيبة الكبرى فيك هي الإثم الذي تواجهه انت بالتوبة اي بحضرة الله فيك.

                     الله لا يلغي التاريخ الذي تصنعه الشعوب ولا يلغي زمانك الشخصي ولا المدى الذي تعيش فيه ولكنه يرافقك في زمانك ومداك واذا صبرت هنا تنال هنا تعزيات منه. فتقيم السماء فيك قبل ان تقيم انت فيها في اليوم الأخير. اي ان الله لا يغنيك عن الأبعاد الأفقيّة التي تلازم جسدك ومشاعرك ولكنه يرحمك  بالبعد العمودي ويسهر علي محافظتك عليه.

                     هذا الإله  ليس فكرة مجرّدة كما ترى. انه حق ووجود ومتعة وفرح. هكذا تواجه نفسك وتاريخ امتك وتوجّعات العالم. غير ان هذا لا يتم فيك الا اذا آمنت ان الله هو المرتجى وانه عطاء لك لا ينقطع.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لا تسرق / السبت ٨ أيلول ٢٠٠٧

لا يعطي الكتاب تحديدا للسرقة بسبب كونها معروفة فيقول في سفر الأمثال مثلا: «لا يُحتقر السارق اذا سرق ليشبع نفسه وهو جائع» (6: 30) الا انه لا يعفيه من واجب رد ما سرقه مع الربى. يلحّ على ضرورة رد المسروق. بعض علماء الأخلاق في العصر الحديث ولكنهم يعفون الجائع الحقيقي من المسؤولية باعتبار ان حياته أثمن من مال آخر. طبعا هذا أمر طارئ ان حصل كائنا ما كان موقف قانون الجزاء.

                     على رغم الاستثناء يسمّي ارميا النبي السرقة قباحة ويرى انها تتنافى والعبادة في بيت الله. وهناك غير سفر في العهدين يرصف السرقة مع الكذب والقتل والخبث والمكر والزنى وينهي عنها جميعا بالقوة نفسها.

                     ليس مبتغاي هنا ان اوضح وزن المسؤولية ولو كان من البديهي ان سرقتك للفقير اعظم رهبة من سرقتك لسواه لأن الأذى هنا كثير.

                     واذا شئنا شيئا من العمق لست أؤسس نهي الوصية: لا تسرق على قدسيّة الملكيّة الفرديّة. هذا من الشرع الروماني وتقول  به هذه الكنيسة او تلك ولكن آباءنا وعلى رأسهم باسيليوس الكبير لم يؤسسوا الملكية الفردية ولا سيما اذا وصلت اليك. من إرث حرام او من سعي اقتصادي لك حرام.

                     ما يجعل ملك الآخر ممنوعا عليك هو انه لا يسوغ اغتصابه وليس لك ان تحكم في حلاله وحرامه. هذا الملك يعطيك اياه صاحبه حبا وحنانا ورأفة في واجب مشاركة. الآباء الذين كانوا أشداء في دعوتهم الى العطاء لم يحللوا النهب ولكنهم بقوا على لغة الدعوة فقالوا انك مؤتمن على المال الذي تحوزه وهذا الإئتمان قالوا انه تفويض من الله اي انك مسؤول عن استعمال مالك لمصلحتك ومصلحة الكثيرين حولك ولهم فيه عليك حق. غير ان هذا الحق انت تستجيب له فتوزّع مالا لله الذي كلّفك هذا التوزيع لكونك غدوت في منعرجات حياتك وظروفها حافظا هذا الرزق.

                     آباؤنا لم يناقشوا مصادر المال الذي بين يديك ولم يناقشوا اذا أوتيته شرعا او بخلاف الشرع. هم كانوا ينطلقون من ملاحظة للموجود ويدعونك لإشراك المحتاجين به. ما عندك يصبح حلالا اذا قررت العطاء. اي ان الذي تبدده على المساكين يزكيك اذ جعلت نفسك دائما في استعداد للعطاء.

#                    #

#

                     من هو الذي السارق يسرقه؟ في كثرة الأحوال هو فرد او مؤسسة او الدولة. الذ يمتنع عن دفع ضرائبه قد يعلل النفس ـ وسمعت هذا الحديث عن بعض ـ اني لن أعطي دولة مقصرة في القيام بواجبها تجاه البلد او يسرقها بعض من موظّفيها. لا نستطيع ان ندخل في هذا المنطق فلعلّك باستقامتك معها تعلمها ان تحق الحق وان تتفانى بخدمتك. ليس مقبولا ان تقول انا اسرق السارق كما ليس مقبولا ان تخون المرأة زوجها نكاية بالخائن. انت في السلوك مرتبط بكلمة الله التي تعرف انك بالنهب والسلب تؤذي من سلبت وتؤذي نفسك ثانية اذ استسلمت لضعفك وربما علمك الاختلاس وما اليه الكسل والبطالة. والمال لا ينتقل من يد الى يد الا مقابل عمل او كان إحسانا.

                     منطق الذي يسرق مؤسسة يعمل فيها يأتي من قول هذا انها لمؤسسة غنية ولن تفتقر اذا انا احتفظت لنفسي بمبلغ يزاد على راتبي فإن راتبي قليل. والمؤسسة قائمة على عدة اشخاص يديرونها. واذا كان عدد من الموظّفين يقول قولك

ويسعى سعيك الباطل فأنت مؤذٍ لكثيرين لا تراهم ولكنهم في الوجود.

                     الأفراد ليسوا يقيمون ـ على مستوى الملك ـ توازنا بين المالك ومن يشتهي ملكه فتخول المحروم ان يغتصب. والحائزون على شيء من المال هم عند المحرومين حارمون. المسيحية ليست مقرونة بأحكام يطبقها المؤمنون قسرا. المسيحية قائمة على الطوعية وهذه طوعية مقرونة بأمر صارم من الله.

                     في الديموقراطيات الليبراليّة الراقية ضمانات مختلفة تقوم الدولة بخدمتها ولعل اهمها في ما يعنينا اليوم ضمانة الإنسان العاطل عن العمل بحيث يحصل على حد ادنى من مستوى معيشته. هذا هو التضامن من في البلد او الكفالة الاجتماعية. وهذه كما تمارس تشجّع مبدئيا على الأمانة. واذا كان الى هذا ضمان الشيخوخة لا يحتاج الإنسان الى ما هو أكثر من هذا ليحيا في شيخوخة كريمة.

#              #

#

                     في احوال كثيرة لا تأتي السرقة من حاجة ولكنها تأتي من طمع اذ قد يكون الميسور سارقا. والكتاب يقول ان الطمع عبادة وثن. لقد رأى يسوع الناصري الى المال على انه عبادة لرب آخر. واذا استثنيت الجائع على ما ورد في سفر الأمثال. تتوفّر في السرقات عوامل طمع يكون المال فيها طمأنينة وجود. السارق الممتهن ليس فوقه سقف. يرفعه الى اللانهاية لأنه جعل حياته قائمة على الارتياح المادي الذي لا حد له. وهذا كله مرتبط بالملذات التي نتوخّاها. واللذة تستدعي اللّذة.

                     وهذا كلّه إشارة الى اننا وقعنا في المادية العملية التي في طياتها طلب اللامحدود والاقتناع بأننا نوجد بما في أيدينا ولا نوجد بقلوبنا. ولذلك كان الشفاء من الطمع ان نتحوّل عما نحوزه الى اعتبار القيمة في وجودنا المحب المعطاء اي الى الذات العميقة التي يصنع الله عافيتها. فتكون وانت فقير فوق ما يملك جميع الناس لأن الملك لا يحددك والله يحددك بمعنى انه يغنيك بنعمه.

                     قد تبقى تواقا الى الحصول على شيء ان كنت معوزًا. اذ ذاك هذه شهوة مبرّرة ولكنك مع عوزك تبقى حرا من عوزك وراغبا في وجود لك قيم وصافٍ وحر.

                     هذا لا يمنعك ان تناضل في سبيل اترابك المحتاجين طلبا للعدل وشيء من الارتياح الاقتصادي الذي هو حق لجميع الناس. بعد كل الاختبارات الايديولوجيّة التي سقطت في القرن الماضي لم يبقَ احد يؤمن بالقول الكامل وان كان علينا ان نسعى اليه دوما لأن هذا العدل هو التحقيق الأسمى للمحبة.

                     هناك اذًا بعد اجتماعي لجهدنا في هذا المجال لا بد ان يرفع الضعفاء الذين يشتهون مال الآخرين. ليس يعني هذا ان الفضيلة ينالها الناس جميعا بسبب من التنظيم القانوني للمجتمع. غير اننا نقدر عند ذاك ان نقول مع بولس: «جاهدت الجهاد الحسن اكملت سعيي وحفظت الإيمان». الى هذا كانت التربية عنصرا هاما في حفظ الناس من الرذائل وكان الله دائما عونا للطامعين به، الجاعلين اياه ثروة قلوبهم.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الألم / السبت ١ ايلول ٢٠٠٧

منذ بضع سنين أخذ الجسم البشري يسحرني بتركيبته العجيبة الخلابة. اجل كل جسم حيواني يجذبك بتركيب هو غاية في تعقيد يأخذك الى الدهشة ولاسيما ان الحياة- وهذا ثابت- لا تأتي بالتفاعلات الخيميائيّة في اي مختبر في العالم. آلة لا يحركها محرك منظور،  تبقى بقوّة التنفّس وتحوّل الأطعمة بالدم الى كل عضو من أعضاذنا فننمو زمنا لا يعرف احد في الدنيا سر نهايته ووقتها.

                     وفيما كنت أتأمّل في هذا مؤخّرا لاحظت ان كل نتاج الطبيعة الذي يؤكل انما هو مناسب لتركيبنا الخيميائي اذ يتحوّل الينا. أليس ان الذي صمّم جسمنا آلة هو اياه الذي صنع طعامنا وشرابنا؟ هل هذا هو كلّه نتيجة صدفة؟ ولكن اذا أخلّ في أبداننا عنصر خارجي كان الألم. وهذا الألم سبب تساؤل وجداني، كياني. لماذا الألم؟

                     اذا كان الألم مؤذيا للإنسان والى حقيقة مصيره هل أمكننا القول ان الله سبب أوجاعنا؟ هذا يعيدنا الى سؤال بسيط هل الله سبب الألم ومريده؟ الفكر العبري الظاهر في العهد القديم لا يرى الى الفرق بين ما يعود الى الطبيعة وما يعود الى ررادة الله، يضع السببيّة كلها في الله. فكر العهد الجديد ان ثمّة فرقا بين مشيئة الله ومعرفة الله. ان معرفته الأزليّة لا تحدث الأشياء. تقرأها. على سبيل المثال ليس الله يريد في الإنسان خطيئة. هذه من صنع الإنسان وفي مسؤوليّته والا كنا آلات يحرّكها الخالق ولا يبقى الإنسان حرا وقد ترك الله للطبيعة نواميسها وليس في الله تعسّف بحيث يوجع فلانا ولا يوجع ذاك. نحن لا نعرف حكمة الله من هذا القبيل. جل ما نعرفه ان الله يساعد الإنسان المتوجّع فيخفف عنه أوجاعه بالنعمة التي يغدقها عليه. انه الى جانب مخلوقه في الصحة وفي انحرافها. انه معه في موته وما بعد موته اذ ينشله من الموت بآمال القيامة ويجعله في محنه انسانا يتطلّع  الى الخلاص. يترك للطبيعة هوية تحركها.

                     الله سبب الحرية التي تأخذ مجراها في كل صوب. الطبيعة ولو سرت بإشراف الله عليها نبقى في سرها. والسؤال هو كيف نواجه حرية الطبيعة اذا آذتنا. في صميم هذا الأذى نتوجّه الى الله ليرفع عنا وطأة الأسباب الفاتكة فينا اي اننا نطلب الشفاء ونسلك على الرجاء ونسلم وضعنا الى الله ورأفاته عسى يتدخل ليعيد الينا العافية ولكنا لا نقول مثل العامة: لماذا فعل الله بي كذلك. انت بالإهمال احيانا  يتأذى جسمك  وتتأذى نفسك او ان هناك عوامل تحل بك وتحاول ان تسيطر عليها بما اوتيت من علم وما أوتيت من صبر  والصبر ليس إذعانا للمرض او استسلاما للقدر ولكنه مصالحة مع الله. ولا شيء في الكتاب يدل على ان الانسان المريض او العاجز اعترته الخطيئة اكثر من سواه. الأبرار يتألّمون ايضًا وهذا عطاء لهم من ربهم. لك انت ان تستخرج من أوجاعك رسالة الهية اليك وان تقرأ في ما حل بك تذكيرا لك من فوق حتى تدخل في عافية روحية تنمو فيك وتتجدّد وسط المحنة التي تذوق.

#            #

#

                     ما كان موقف السيّد من اوجاع الناس؟ هو الذي قال في مجمع الناصرة انه وجد في سفر أشعياء ما اعتبره قد قيل عنه هو: «روح الرب عليّ لأنه مسحنى لأبشّر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية» (لوقا 4: 16-18). يرى يسوع الناصري ان مهمّته مزدوجة: تبشير وشفاء. وهذا يؤكّده غير موضع في الكتاب مثلا قوله: «وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى 4: 23).

                     ولما ارسل اليه يوحنا المعمدان «اثنين من تلاميذه وقال له أنت الآتي ام ننتظر آخر فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون» (متى 11: 2-5). سؤال يوحنا يعني أانت المسيح المرتجى؟ وجواب السيّد لم يكن نعم انا هو ولكنه كان: هذه علامات مجيء المسيح فافهم. الملكوت اذا تحقق بعد المجيء الثاني ملكوت عافية.

                     بخلاف ذلك قبول الألم مشاركة في آلام المسيح. هذا لا وجود له في كلام الوحي. الفكرة الوحيدة المنتشرة بخاصة في تعليم بولس اننا بالمعمودية نصطبغ لنصير الى موته فندفن معه بالمعمودية للموت اي نسير الى موته حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن ايضًا في جدة الحياة (راجع رومية 6: 1-4). مشاركة آلام المسيح هي إماتة الشهوة ولا تعني إطلاقًا اوجاع الجسد او النفس. اما ان تتحمّل ما يعتريك ويعذبك فيبدأ من بعد الآلام بغلبة الرجاء والفرح. قد تؤتى عطفًا الهيا في ما تتعذّب ولكن هذا لا ينشئه العذاب. هذا ثمرة النعمة التي تمنحك تقديسا ان صبرت وربما وهبتك شفاء اذا رأى الله انه ينفعك روحيا. الألم بحد نفسه قوة سالبة وايمانك برفعه من هذه المرتبة الى رؤية المصلوب في طريقه الى القيامة.

                     المسيح المصلوب هو رب المجد كما قال الرسول. آلامه هو التي انسكبت حبا هي مجده كما يعلم إنجيل يوحنا وهي صارت سبب خلاص لنا لأنه هو الفادي اي الجاعل ألوهيّته في جسده. فإنه عند دخوله مملكة الموت يواجه الموت بحياته الإلهيّة وانت لا تفدي أحدا ولا تفدي نفسك. هو يخلّصك وسط التأوّه والتنهّد بحياته هو . قد يقرع بانحدارك الجسدي باب نفسك فإن فتحت له يدخل اليك ويتعشّى معك كما يقول سفر الرؤيا. فعند دخوله يحول النقصان الذي حل فيك الى كمال وما كان سلبيا الى إبداع في كيانك الروحي.

                     لا تفتعل ألما كأنه شرط لافتقاد الرب اياك. هو يأتيك متى شاء وكيفما شاء.

                     لقد رتّبت الكنيسة بعد توصية يعقوب الرسول سر مسحة الزيت الذي يطلب شيئين العافية والتوبة فالأولى ثمرة الثانية كما ان الخبز المادي صورة عن الخبز السماوي فمن كان له الأكثر له الأقل.

                     لقد بنت الكنيسة مؤسسات استشفاء رحمة بالناس ما في ذلك شك ولكنها اعتبرت انها بذلك تبذل للمرضى اهتمامها بهم في العلاج حتى اذا تعافوا يشكرون الله.

                     المهم ونحن امام الإنسانيّة المجروحة ان نقف مع الجائعين والمسلوبي الحرية وإطعام الجائع وتحرير المظلوم، ان ننظر ليس فقط الى إنفسنا ولكن الى البشر جميعا القريبين والبعيدين ليتلقّوا التفقّد الإلهي ويتعافوا روحيا وحسيا ونتشارك واياهم بالتطلّع الى رحمة الله والمحبة الإنسانسة الواسعة. متى يأتي ذلك اليوم الذي نستطيع فيه ان نقول: «وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت» (رؤيا 21: 4).

                     الا وهبنا الله ان نتوق الى هذه الرؤية.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان اليوم وغدا / السبت ٢٥ آب ٢٠٠٧

ماذا يعني لك ان تعيش في بلد كثير المعطوبيّة؟ في المبدأ انت منه وهو اليك. واذا أردنا بأنك منه وهو اليك ان الجماعات أمست في هذه المحنة أقرب بعضها الى بعض فحقيقة ذلك نسبيّة لأنها ناتجة من حالات طارئة. هي كذلك بسبب الضديّة وما هي كذلك في العمق بسبب من القناعات المؤسسة على شعور وحدة قائمة او وحدة نبنيها. فالجماعات عندنا هي ما يبدو منها فقد قال الخبير الأب لوبره Lebret قديما: «لبنان ليس عالم الكيان، انه عالم الظهور».

                     وهاجس اللبناني غير الاستثنائي ان يبدو امام الآخر. لذلك يصطنع لنفسه الصورة التي يريد الآخر الذي يهمّه ان يراها: مجتمعنا تتشابك فيه الصور، الأقنعة ولا تتلاقى فيه الوجوه اذا اردنا بالوجه صورة النفس.

                     هل التجمّعات اللبنانية تعد نفسها دائما لتخطي ذاتها وتاريخها ومكاسبها وطموحاتها للقاء الجماعات الأخرى التي تقوم بعمليات مماثلة علنا ندرك شيئا من الوحدة بحركة الواحد الى الآخر فتلتقي في وحدة الحركة ان لم ناتقِ على ارض واحدة.

                     وهذا يعني ان كل شريحة دينيّة او سياسيّة راغبة في إعادة النظر في ما مارسته قبل تفحص ذاتها اليوم لتلقي مما تعتبره تراثها ما يجب استبعاده عن رؤيتها لنفسها. هل ترتضي كل شريحة ان الأخرى تسائلها سرا او جهرا اذ يعرف كل فريق منا على وجه الدقة ما يفكّر به الآخر ويعرف آلامه ويجب ان يعرف اذًا ان الآخر مجروح وانه هو قد يكون الجارح ولكنا نختبئ وراء المقولة السطحيّة التي أشيعت منذ القرن التاسع عشر: «الدين لله والوطن للجميع». اعرف ان النيّة عند كاتبها كانت طاهرة ولكن المقولة تتضمّن التباسات كثيرة وقد تعني اللامبالاة بالأديان التي لا يمكن ان ننساها ونعرف انها تترك في النفس صدمات نجهر بها او نسكت عنها ولا نحب ان نذكر ما يصدمنا في الدين الاخر ونشرح الصدمات في حلقات خاصة، الأمر الذي يستدعي، بالضرورة، الحوار ايضًا وايضا والدراسة المعمّقة ونزولا الى أعماق المحبة. هذا من اجل الحق الذي يحررنا وان نحيا في سلام في معيّة صادقة ولا نقع في تلك الدهرية التي تعني إقصاء الايمان عن الفكر والسلوك.

#            #

#

                     ان تجاوز الطائفيّة الى الوطنيّة لا يتمّ على مستوى الدعوات الكلاميّة التي نقرأها في الأدبيات اللبنانيّة منذ ما قبل الحرب العالميّة الاولى ولا نتوجّه الى الأسباب السيكولوجيّة او الايديولوجيّة التي تجعلنا ورثة العتيق العتيق. ليس صحيحا ان اوربا حرة من الطائفيّة الدينيّة ولو تحرّرت من ترجمتها السياسيّة بالعلمانيّة. ففي الحياة الوجدانيّة وحتى تاريخ قريب كان ثمة مجتمع كاثوليكي ومجتمع بروتستنتي وقد كان هذا واضحا في المانيا بعد ان وحّدها بسمارك واشتد هذا في فرنسا مع حركة شارل موراس الشوفينية ومع كل القوميات الملتصقة بمذهب مسيحي في البلقان. ولعلنا لم نكن على هذه الحدة في العلاقات الإسلامية المسيحية.

                     غير اننا نحن اللبنانيين نحب الاختباء ونخشى المصارحة في الحياة اليوميّة، في البيت وفي الاجتماع الوطني وكأن معظم القوم «خشب سندة» اي كأن الحديث لا يصل الناس بعضهم ببعض وكأن الحقيقة في ما لا نصرح ولهذا كثرت عندنا محاكمة النيات. يكون الأمر كذلك عندما يكون المقول هو غير المعني بحيث انك تحتاج الى تحليلات مفذلكة لتصل الى الباطن المكتوم الذي يقيم الآخر علاقته بك، كأنك لا ترى سوى الشجرات الأمامية (اي الحكي) التي تخفي أدغالا مظلمة.

                     لذلك كان العيب المنتشر بصورة مريعة التذاكي الذي هو الالتماع بالكلام بالكلام الذي يصبح، عند ذاك، قناعا.

#             #

#

                     لست أعلم اذا كانت هذه الطبائع التي عليها الكثيرون هي التي تلد اهل السياسة عندنا ام ان ثمّة تفاعلا بيننا وبينهم يذهب على الخطين. لست هنا ارجم أحدا بحجر ولكن لا مفر من السؤال: هل ان الدولة هشّة لأنها صورة شعبنا ام انها هي المثال الذي نحتذي به. ما من شك ان الانسان العادي والخائف بسبب فقره او عدم أمانه ينجذب الى القوي ليقلّده. وما من شك ان الناس على دين ملوكهم ويقولون عند تعبهم اذا كان أمراء السياسة هم هكذا فكيف نكون افضل منهم ولهم في الدنيا متع ونفوذ والبعض عندهم مال ويعطى النواب تعويضات يرثها اولادهم وأراملهم من بعدهم مع ان  الكثير منهم يجني اموالا من مكتبه او المصارف.

                     واذا رأيت العظيم في قومك يهدر ما يهدر حتى استعمل المصطلح الجاري فأنت مغرى بالتشبيه بالعظام، والمعتبرين كذلك. فاذا كان الجالسون على الأرائك لا يحاسَبون فتحاول انت ان تستشفعهم لئلا يحاسبك أحد. في القانون الكنسي الذي يعود الى القرن الرابع عندنا ما مفاده ان الاكليريكي الذي لا يعرف بمخالفته الأسقف يجب ان يكشف خطيئته للأسقف ويطالب محاكمته عنها. بسبب التغاضي الكبير في لبنان عن الارتكابات ينمو عدم التقيد بالقانون او المطالبة بتطبيقه ليأس الناس من المراجع الادارية او القضائيّة ولإيمانهم بأن التعامل  يكون على قاعدة التفريق بين الست والجارية.

                     هناك قناعة بأن اهل الحكم طبقة مميّزة وان الطبقيّة عندنا ليست بين الفقير والغني ولكنها بين الحاكم والمحكوم.

                     على رغم كل ذلك نحن شعب مسكين وفينا طيّبون كثيرون. انا شاهد على فترات زمنيّة تعود الى ما قبل الحرب العالميّة الثانية حيث كنت تجد الكثير من المستقيمين والطاهرين وحيث كنت تستدين مبالغ طائلة بالليرة العثمانية الذهبيّة بلا كتابة سند وكنت ترد الدين. انا شاهدت ذلك في الاوساط التي كنت أعيش فيها وكنت أرى الدقة والاستقامة في العمل الصناعي وقلة الرشوة في الدوائر وقناعة الناس بنزاهة القضاء. واتكلّم هنا ايضا كشاهد ما يعني ان الشعب اللبناني ليس فاسدا في جوهره وان خطايا دخلت اليه ويمكنه التخلّص منها ان ساعده اهل الحكم.

                     طبعا تتطلّب هذه الطهارة اليوم شجاعة كبيرة وتقشفًا كثيرا اذا تألفت حلقات من الطاهرين وضغطوا على الوضع السياسي وحضهم على التقوى العميقة المسؤولون الروحيون في كل الأديان.

                     الحث على نقاوة القلب والعيش امر لا يحتمل ارجاء ان لم نتوقّف حصرا على الأزمة السياسيّة الحالة فينا اليوم. فلكل زمان صعوباته وما يبدو مآزقه. ولكن الانسان ليس أسير المأزق. ماذا ينفع الإنسان لو حللنا كل المشاكل العابرة مهما قست وخسرنا نفسنا. انت تحيا بالله في الضيق والفرج، تحيا مصلوبا او قائما  من بين الأموات. ونرجو الرب ونحن في الجراح ان يرفع عنا النير الذي وضع على اعناقنا ليزداد تعلقنا بالكلام الذي نزل على من اصطفاهم ربهم فكان بهم  الينا وكنا اليه.

                     نحن جميعا ومعا خلاص لبنان اذا اردنا ذلك  فالله يريد ذلك. متى نتعلّم ان الباطل باطل وان الحق حق. مرة قالت لي امرأة عجوز: «ان كان الكذب ينجّي فالصدق ينجّي اكثر وأكثر». هلا سمعنا الى هذه الحكيمة المصطفاة!

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الكذب / السبت ١٨ آب ٢٠٠٧

قالت العرب: «أعذب الشعر أكذبه». هل المراد بهذا الكلام ان الشعر هو الهروب من العادي الذي يجسّده النثر الى إحساس ينشئ كلمات اخرى. الشعر ليس كذبا لأنه ليس تشويها. انه بناء آخر ولو كانت الحجارة واحدة. هو في الحقيقة محاولة نجاة من واقع يؤلمك ولا ترتضي السكنى اليه اذ تكون، اذ ذاك، قابعا في ما يشبه الموت.  تخرج من الألم او تحاول في الإبداع الذي يعطيه التماس الفرح. ما من إبداع في الكذب الأدبي. الزخرف هو الكذف. القلق الذي لا بعده سلام يجعلك مختبئا فيه. هذا في الأدب.

                     أما في الحياة فالكاذب كثيرا ما ينجح بالاختفاء ولكنه لا ينجح بالاستمرار. بهذا المعنى قال فولتير: «اكذب، اكذب يبق دائما شيء من هذا». قد يصدقونك الى حين ولكن لا يصدقك كل الناس. لذلك كان الكاذب في الأخير محكوما عليه بالوحدة فيعتزله القوم الذين يلتمسون الشفافية لكون الكذب يؤذيهم او يؤذي مصالحهم ويرون كيف تمزقت شبكة العنكبوت وكيف انهار صاحبها ليس لأنهم بالضرورة أصدق. الكذوب لا يحب ان يكذب عليه لأن فيه إرادة الحياة. ليس هناك جماعة كذابين. الكذب لا يربط كاذبا بآخر.

                     الكذب يغري للكسب، لتغذية النفوذ. ولذلك يعرّض له الإنسان اية كانت مهنته او موقعه في العائلة. ولكن لا ضرورة له في اية حرفة. الديبلوماسي نفسه يحمل رسالة من دولته ويفاوض ويدافع عن موقف بلده ولكن لا شيء يضطره الى مجافاة الحق ولاسيما اذا امتهن ديبلوماسيّة مكشوفة كما هي الحال احيانا في ايامنا. كذلك المحاماة يعيشها الكثيرون في صدق كامل. المحامي يدافع عن وجهة نظر وعن الجانب القوي في موقف موكله واذا جانب الحقيقة يفضحه الخصم او القاضي. لا تستطيع انت ان تنفي واقعا ثبت او يمكن إثباته. تستعين القانون او تشرح الظروف بحيث ينجلي الوضع.

                     المبالغة في وصف الحسن للبضاعة وأساليب أخرى في التجارة كتحريف سجلات المحاسبة كل هذا يقع تحت عنوان الكذب الى جانب السرقة. انهما متلازمان.

#                 #

#

                     في بلدنا لا بد من ان يطرح السؤال حول الصدق عند رجال السياسة. أجيب توًا اني اؤمن بأن منهم من كان صادقا وكذا في بقية انحاء العالم. طبعا هذه فضيلة صعبة المنال حيث السياسة شأن الزعيم او النافذ الذي يشتهي ان يجدد قعوده على مقعد بعد ان احتله فترة طويلة او قصيرة. هذه شهوة السلطة التي ترهبني اكثر من اية شهوة اخرى. تضعف الرغبة فيها في وجود الأحزاب التي تختار هي مندوبيها الى مجلس النواب. ولكن في القبلية التي تتخذ اسم الديموقراطية – والقبيلة فردية- حظنا في الصدق قليل.

                     هناك أنظمة سياسيّة او تركيبات مجتمعية تضعف حظ الصدق. المؤكّد ان من انتهك العفة في الانتخابات يكون قد ارتكب الرشوة التي هي استغلال حب الناس للمال وتاليا قبول إفسادهم. من ينقذنا من هذه الآفة.

                     مرة سألت أحد أبنائي الروحيين ان كان يكذب. أجابني: نعم ولكني لا اؤذي احدا. قلت له: على الأقل تؤذي نفسك لأنها تقزّمها بخسارتك الشجاعة. المواجهة هي حق لمن تتعامل واياه. له حق في الصدق. ان تواجه هو ان تجعل وجهك اي داخلك امام وجهه اي داخله لأنك تقوي شخصيتك بالصدق وهو ينميها بمعرفة الحق الذي قال الناصري انه يحرر. بالصدق تتقبّله وهو يتقبّلك واذا اخطأ فله عليك حق عتابك ولعلك تشفيه من خطأ وقع فيه. اخرج دائما من نفسك لأن الآخر بات هو مركزك وانت توجد به وفيه ويحل النور عليك وعليه.

                     انه لمقلق جدا الا تكون متأكدا ان الآخر لا يصدقك. يختل التعامل اذًا ولا تعرف اين تقف واين يقف الآخر ويبدأ الشك بالنيات وتتهدد مصالحك وقد تصل الى اليأس من الآخر وربما تعمم شكك على جميع الناس وتعوزك اذ ذاك، قوة كثيرة ونعمة الهية فائقة لتستمر في الطهارة وتشعر ان الطهارة تؤذيك في حياتك الخاصة او العامة.

                     السؤال الذي يطرح نفسه احسب ان لنا جوابا عنه في ما قاله صاحب الرسالة الى العبرانيين حيث قال: «فاذ قد تشارك الاولاد (اي البشر) في اللحم والدم اشترك هو (اي المسيح) كذلك فيهما لكي يبيد بالموت الذي له سلطان الموت اي ابليس ويعتق اولئك الذي خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية» (2: 14 و15).

                     القصة كلها هي الخوف من الموت وهذا الخوف هو العبودية. فالسارق يسرق خوفا من جوعه وجوع اطفاله او في ظنه ان ما عنده لا يكفي وانه يعيش على مستوى الموت. كذلك الكذاب يكذب خوفا مما يشبه الموت. التلميذ مثلا يخالف الواقع الذي يسأله عنه المدرس خشية عقابه. الذي يخون زوجته هو دائما غارق في سرد حكايات لا أساس لها لكي تطمئن وترضى عنه. يخشى عقابها كائنة ما كانت صورته. قبولنا للموت هو اعلى مستوى روحي يمكننا بلوغه. اما اذا وصلنا فمعنى ذلك اننا احرار من الخطيئة.

                     انها اذًا لحرب دائمة نخوضها على الخوف بحيث لا نخشى تأديب احد في اية مؤسسة نحن فيها ونرضى بالطرد من اجل الحقيقة. وليس من نصف صدق وقد عبّر عن ضرورة كماله المسيح المبارك بقوله: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا وما زاد عن ذلك فهو من الشرير» (5: 37) فلا تسوية بين النعم واللا. وهذا المعنى يؤكّده بولس الرسول بقوله. «امين هو الله ان كلامنا لم يكن نعم ولا» (٢كورنثوس 1: 18).

                     اجل لك ان تتكتم والا تكشف الحقائق لفضوليين ليس لهم الحق بمعرفتها. اما حيث يقضي التواصل او المسؤولية في مؤسسة انت فيها فهناك المكاشفة وعند ذاك تبدي ما يجب ابداؤه. اي اخفاء يضر بصيت واحد من الناس او مصلحته فهو من الشرير. هناك حكمة تربوية احيانا في الإخفاء اتقاء صدمة عنيفة. هناك ارجاء حكيم لكشف امور. ولكن روح التصرف يبقى ان الحقيقة هي حياتك وحياة الآخرين ليكتمل كيان الجماعة الشاهدة الله.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الحسد / السبت ١١ آب ٢٠٠٧

دائما في مطالعاتي للآباء النساك كنت أتساءل انى كان لهم ان يكتبوا عن رذائل لم يرتكبورها ويصنّفونها وبعد تحليلهم الداء كانوا يقدمون الدواء فتأخذ منهم ما تستطيع وتستشفي. غير ان الآباء عالجوا ناسا كثيرين جاؤوا اليهم مسترشدين. ولعل الفضيلة ترشدك الى معرفة الرذيلة بسبب من التناقض.

                      انا لست ناسكا ولكني سأحاول فيما احلل نفسي واوغل في رؤية الشر ان أفهم شيئا من رذيلة الحسد والتدقيق فيه لا يطرحك فيه ولكنه يساعدك على الخروج منه ولعل دوري ان اذيقك مرارته لتتقيأه ان لذعك بعض الشيء او لامسك كثيرا.

                      فيما كنت اسعى الى تحديد الحسد او مصدره في النفوس المصابة فيه لفتتني الآية القرآنية في سورة النساء: «ثم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله» (الآية ٥٤). هذا هو جوهر هذا الإثم، انت لا تطيق الخير في سواك فتتحرق لوجود مواهب فيه أجمالا كان ام ذكاء ام تقوى ام غنى ام وجاهة  في الدنيا. لا تتحمّل نفسك فقيرا الى هذا ولا تتحمّل الآخر موفور البهاء بأي فضل من العلي.

                      تعليل ذلك انك كاره للآخر ولا تريد له حسن الوجود وحسن الطلعة الروحية او الفكرية وكان عليك ان تسر بحسناته لأن الحق المنتشر او الجمال او الفطنة تنبئك بمجد الله فيه وبكرمه العميم والله حر في ان يوزع نعمه حيث يشاء ولعل له قصدا باختيار هذا او ذاك وان يخصه بعطاء منه واذا سطعت عليك  أنوار الموهوبين فخذها. قد لا تنزل عليك من فوق رحمة تستنزلها. ماذا يمنع  ان تؤتاها بالوسطاء الذين فوضهم ربهم توزيع المغانم الروحية؟

                      الا ان «لسان العرب» يتوسع بتبيان المضمون للحسد «الحسد ان تتمنى زوال نعمة الحسود اليك» ثم يوضح الناموس الحسد ان يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنّى ان تزول عنه وتكون له دونه؟ مجموعة مشاعر متقاربة فتارة ترى في الآخر حسنة وتغتاظ لسكناها اليه. وطورا تغتاظ لكونك عاجزا ان تحصل عليها. وفي كل حال انت رافض للبركات التي عند الآخر بسبب من كرهك له او بسبب من انغلاقك دونه او من انغلاقك دون كل الناس او معظمهم.

#              #

#

                      هنا ندخل في آلية الحسد. هو قرين الغضب او النميمة او كليهما اذ يجب ان تقتل الآخر في صيته او صورته عند الناس فتلفق ما ينفعك تلفيقه لتدمر المحسود اذ المهم الا تظهر حسناته لئلا تزول انت وينتج من ذلك انك تفتش عن اصغر ضعف فيه او بعض من نقص تافه لتركب عنه «صورة منحوتة» فتذيعها وتحاول إقناع الناس بها اذ القاعدة ان يجتمع الحساد في عصبة رهيبة. غايتها ان تقتل الموهوب. لا يجوز ان تقف انت امام العصابة.

                      لذلك كانت النميمة عنصرا في القتل المعنوي هاما. تذهب احيانا بصورتك الحقيقيّة الى الأبد ويثبت النمّام كلامه ويظن انه به يحيا غير ان غباءه اقنعه انه اكتشف الحقيقة اذ ابادك ولم يبدك واستطاع ان يجمع حوله بعض الأغبياء. الحسد دائما يفضح والمرتكب لا يريد ان يفتضح فيهاجم ويظن انه قوي لأنه أخذ يضربك بلسانه او التعامل.

                      لا يزول الحسد الا باهتدائنا الى اننا جميعا واحد وبأني لا أستطيع ان أقول انا الا اذا قلت لك انت. اي لا يزول الحسد الا بالـ «نحن». اجتماعي اليك هو حقيقتي، هو كياني بل الكيان هو كيان الجماعة المتحابة التي يعترف كل واحد فيها بحرية الله ان يهب ما شاء لمن شاء. والمواهب موزّعة بالمحبة الإلهية الحرة ابدا. وحتى تعترف بالآخر لا بد لك من ان توقن انه حبيب الله وانه يحيا كما تحيا انت بالاختيار الإلهي وما اعطي لك ان تعرف شيئا عن حركة الله الى خلائقه حتى يبين الأبرار فتقبل اليهم واذا رأيت الله فيهم تراه بعدئذ فيك. واذا اهتديت ترى الحسد منافيا للعلاقة الشركوية التي تربطك بالبشر وبالكون. وتفهم، عند ذاك، ان مجد الشمس شيء ومجد القمر شيء وكلاهما فيهما مجد.

                      الحس الشركوي الذي أشرت اليه ادركه بولس في رسالته الى اهل غلاطية لمّا دعاهم الا يغاضبوا بعضهم بعضا ولا يحسد بعضهم بعضا. قبل ذلك حذّر العهد القديم من الحسد الأفراد. العهد الجديد بلسان بولس يخشى على الكنيسة ان تتصدّع اذا تعاطينا الغضب والحسد وفي قراءة شاملة للعهد الجديد الكلمات المعطوفة بعضها على بعض هي الحسد وفي قراءة شاملة للعهد الجديد الكلمات المعطوفة بعضها على بعض هي الحسد والقتل او الحسد والخصام فتجتمع هذه المفردات بشكل عضوي في النفس. فاذا كان الغضب في النفس قرين البغض فما من شك ان الانسان الحاسد لا يعرف المحبة.

#           #

#

                      لذلك قال الرسول: «المحبة لا تحسد» (١كورنثوس 13: 4). يستتبع هذا القول ان الحسود يعشق نفسه عشقا آثما وانه يتعذّر عليه ان يتحرّر من وطأتها ليتقبّل عطاء نفس اخرى اليه فاذا سادته النفوس الطيّبة يحيا بها. وان لم يتقبّل القلب القلوب الأخرى بترحاب يقسو  حتى التحجّر.

                      طبعا قد لا يحسد احدنا باستمرار شخصا آخر اذا ادرك ان هذا الشعور يعطبه. وقد يعرف الشوق. هذا الصعود والنزول يجتمعان في قلب واحد ويذهب الإنسان مع كل ريح. ولكن هذا يعني ان المحبة الكبيرة الشاملة لم تسكن هذا القلب وانه لا يعبد الله عبادة خالصة.

                      فالله وحده يعصمك عن القنل المعنوي الذي قد يلازمك طوال حياتك. غير ان النعمة ممكن حصولها في كل حين. ان زوال الحسد مستحيل بلا عبادة لله كاملة فلا تملأ القلب بالأصنام. فإن لم يكن لك إله غيره يكون كل الناس محبوبين لديك. وقبل ان يكون هذا تكون مثل اليهود الذين أسلموا المسح حسدا. انت دائما تسلم من لا تحب. فاذا اخذك الله في حنانه وكشف لك ان بهاء الآخرين هو منه تعود من الله الكاشف الى حقيقة احتضانك الناس بلطف وفرح بما اغدق الله عليهم من عطايا.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الزواج في رؤية مسيحية / السبت ٤ آب ٢٠٠٧

كدت أعنون في الرؤية المسيحية لو لم تكن بيننا بعض الفروق التي لا تمس جوهر السر مثل تأكيد الكنيسة الكاثوليكية على صحة العقد شرطا للزواج ومثل صمت العلماء الأرثوذكسيين عن العقد وإيغالهم في الحديث عن السر. وكذلك عدم اعتبار الإنجيليين الزواج سرا من أسرار الكنيسة. على ذلك كله لا أجد فرقا في العمق بين المسيحيين اذا خرجوا من القوالب التعبيريّة الى رؤية الزواج كما نستطيع ان نستخرجها من العهد الجديد. قد يعيش الكثير من المعاصرين بلا رؤية. هذا شأنهم. غير ان الكتاب الذي على أساسه يتزوجون في الكنيسة يجب ان ينكشف في حقيقته. وفي هذه السطور سوف أحاول ترجمته.

                      اذا استعرت كلاما من رابعة العدوية وهي تخاطب الله: «أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاك». أرى ان الرجل يمكن ان يقول لزوجته: «احبك حبين  حب الهوى وحبا اذا جعلني الرب قادرا ان أعطيه وسماه بولس حب المسيح لكنيسته اي للأمة المقدسة التي تؤمن به».

                      حب الهوى هو الذي يصدر عمن سماه بولس الرسول الإنسان الطبيعي كما هو مركب بناء على رؤية الله للإنسان على انه ذكر وأنثى كما ورد في بداءة سفر التكوين. «ذكرا وأنثى خلقهم» وفي ايضاح لهذا الكلام «يترك الانسان أباه وأمه ويلزم امرأته ويكونان كلاهما جسدا واحدا». ورجوعا الى المفهوم الانجيلي يصير كلاهما كيانا واحدا.

                      هل هذا هو مجرد حب الهوى؟ في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس فوق الانسان الطبيعي (وفي النص اليوناني الانسان النفساني) الذي هو على صورة آدم يأتي الإنسان الروحاني الذي هو على صورة آدم الثاني اي المسيح الذي نشأت منه الانسانية المتجدّدة بنعمة الله.

                      فالانسان المنحدر من آدم الاول جدنا جميعا بما فيه من قوة لجذب الجنس الآخر قادر ان يحب حب الهوى بما يستطيع ذلك من مجانسة بين الرجل والمرأة. مرة جاءني رجل يشكو علاقته مع زوجته وقال لي: ليس بيننا مجانسة. ما كنت اعرف قبل ذلك استعمال هذه اللفظة في هذا الباب حتى فهمت في هذا الحديث ان حب الهوى منقطع بينهما ففهمت توا ان الزوجية الراقية روحيا لا تنتهي عند حب الهوى وانها تحتاج الى قوة من العلى.

                      ثم بت أكتشف حقيقة ذلك لما صرت أسمع: انا اريد الطلاق اذ بطل الحب بيننا. حب الهوى لا يكون وحده اساس علاقة يجب، حسب الاتجيل، ان تبقى. ان تبقى تعني يجب ان تبقى بسبب الأمر الإلهي بحيث تتجاوز انت حب الهوى الى المحبة التي أحبنا المسيح بها لما بذل نفسه هنا وجعلنا خلائق جديدة اي نتكوّن به.

                      هذا ما نسميه في رتبة الإكليل عند الأرثوذكسيين «العرس السري الطاهر» لأن الاندفاع الجنسي القائم في كياننا يجب ان يرتفع الى نعمة الله الجامعة لكائنين وبدونها لا يجتمع مؤمن بمؤمنة ويجتمعان على صورة محبة الآب لابنه وهي متبادلة منذ الأزل حتى نتسامى على الترابية التي فينا الى عيش روحي يصحح النقص الذي تحمله كل علاقة بشرية محضة معرضة للهشاشة بسبب الأنانية او الانغلاق او سؤدد الشهوة والاغراء الذي يدفعنا الى كسر الوحدة الزوجية.

                      مرة دخل علي رجل وزوجته وبادراني بالقول: نريد ان نطلّق. أجبتهما لا يكفي ان ترغبا في ذلك لأن الزواج ليس عقدًا ثنائيا. قالوا: من هو اذًا الطرف الثالث. اجبتهما بل الطرف الاول هو الله الذي أكلّمكما باسمه ويجب ان نعرف فكره في الحالة التي انتما فيها. لم يفهما شيئا من هذا الكلام ولكنه عندنا نحن المسيحيين هو كل الكلام.

                      لهذا نقول ان الزواج ليس مجرد عقد وان كان لا بد من العقد انطلاقا. ليس عقدا. انه عهد والعهد الله واضعه والعهد الذي تقطعه انت لامرأة مبني على كلمة الله ولك ان تقرأها بدءا من حب الهوى. والحياة في الله تبدأ بالسيطرة على الشهرة  وما قلت بإزالتها اذ بها تكتمل المجانسة ولكني قلت السيطرة عليها بالنعمة التي تنزل من فوق فتتحمّل بهذه النعمة مشقات الحياة واختلاف الطبائع والخيبات التي تكشفها لك حياة زوجية هي ناقصة بواقعها ومتلفة احيانا كثيرة للصبر بحيث يتعذر ان تأتي المجانسة النفسية كاملة في اي بيت واذا كان رفيقك الحقيقي هو الله تحمله في قلبك وتقدمه كل يوم لهذه المشاركة التي ارادها الله ان تبقى بينك وبين الزوجة التي أمرك ان تحبها حتى الموت. ان تحب يعني انه يجب ان تحب. بهذه المحبة التي وهبك الله اياها لما آمنت بمحبة المسيح لكنيسته وذلك عملا بقول بولس: «ايها الرجال احبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وبذل نفسه عنها». بكلام آخر يجب ان نحب حتى الموت شخصا عاهدته على ان تبقى رفيقا له طوال حياتك ورفيقا به ورحيما وغفورا لأنك قبلت ان ندخل في حلف ثلاثي معه ومع الرب.

                      مرة كتب إلي شاب: انا قررت ان أترك خطيبتي. أجبته. «بنات الناس لسن قطع غيار في سيارة». بعد هذا تصالحا. الزوجية اهم من الخطوبة وانت لا ترمي زوجتك في الشارع وتعذر نفسك ان المحكمة الروحية مستعدة لتحكم لها عليك بتعويض مالي او ما يشبه ذلك. لا ترميها لكونك التقيت بحسناء فتية او لأي سبب آخر. تكون، اذ ذاك، قد فهمت الزواج على انه رابط يبقى ما بقيت الرغبة وعندنا انه يبقى في مشيئة الله الذي قال: «ما جمعه الله لا يفرقه انسان». اساس ذلك ان الزواج قرار إلهي وتاليا عيش إلهي لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب البشري فيك او في الآخر.

#             #

#

                      افهم ان هذا غاية في الصعوبة عند التأزم الكبير. ولكن المعلم قال: «من اراد ان يتبعني فليكفر نفسه ويتبعني» وأفهم ذلك انك مدعو ان تتبعه حتى الصليب لأنه الموضع الأخير الذي  وصل اليه المسيح في حياته في البشرة.

                      الزواج ليس اختبارا تختبره واذا اخفق ترميه جانبا. عند الكثيرين الحياة العائلية صليب ثقيل وعليك ان تتحمّله لتصل هنا الى قيامة «بالروح والحق». انت روح تحيي به شريكتك في هذا الوجود الأرضي وذلك في تجاوز دائم لحب الهوى وإدراكك ان الآخر أهل لذاك الحب الإلهي الذي ينزله الله عليكما.

                      واما ان ترى المحكمة الروحية نفسها مضطرة الى تسوية الاوضاع او الفصل بينكما -وهذا قائم في كل الكنائس- فهذا ما يراه الارثوذكسييون من باب التدبير وليس يتضمّن نكرانا للمبدأ القائل «ان ما جمعه الله لا يفرقه انسان». هناك أمور حياتية صعبة لا بد من مواجهتها بتدبير عملي. وعلى افتراض انك لم تتزوج ثانية وصالحت امرأتك وعادت اليك فنحن لا نقيم اكليلا آخر وكأننا قلنا انه على رغم قرار المحكمة فالزوجية قائمة وتود المساكنة بناء على البركة الاولى.

                      لا تنكر اي كنيسة مبدأ ديمومة الزواج مع وجود احكام هي من باب هذه الدنيا يختلف بين كنيسة واخرى لإيماننا بأن الزواج حركة إلهية قامت لتمجيد الله في هذا العالم وتطبيق قراره الأزلي بالحب الزوجي وتكاثر الجنس حتى يأتي ملكوت الله.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الحشمة / السبت 28 تموز 2007

اكتب على بعض من يأس في هذا الموضوع لان الحشمة زالت عن الكنائس او معظمها بمعنى ان الاكثرية الساحقة من النسوة بتن غير حساسات لوجود مشكلة في ما يلبسنه. هل هذا تغيير في القيم؟ أميل الى هذا الاعتقاد. احد اصدقائي الواعي روحيا لما شكوت له الامر قال لي: انسان اليوم له علاقة اخرى بجسده. لم افهم هذا الكلام ولا اريد ان اعتقد ان نساءنا اللواتي اعرف عفّتهن العميقة يتصرفن كعارضات ازياء ويحولن تاليا بيت الرب الى مشهد لعرض الازياء.

لا اود هنا ان احصر المسألة بقدسية المعابد كأن الناس يقولون العري ان منعناه في الكنيسة نبيحه في المجتمع. ليست الكنيسة شيئا آخر عن المجتمع وليست اقدس من اعين الرجال الذين ادركوا ان استعفافهم امر الهي يجب على المرأة ان تساعدهم عليه لان الانسان رجل وامرأة ولان احدا منا ليس مستقلا عن الآخر ويتكون به. هذا هو منطوق الحياة منذ ظهر سفر التكوين.

سوف اعرض اذا عن انحصاري في باب الاكاليل لاستعراض الموضوع في عمقه. فالمرأة ليست وحدها في الوجود. انها مع الرجل ولكنها مع الرجل القيم او المفروض انه قيم اي الذي لا يستبيحها ولكنه يودّها او يحترمها والمودة عازل كما هو الاحترام وكلاهما يظهر المرأة على انها كائن كامل من حيث انها روح وعقل وجسد معا وهذه الثلاثة قوى متكاملة التعبير وكل تجزئة بينها وقوع في الشيئية. ان تكشف المرأة على انها، بخاصة، جسد يعني انها استغنت عن تكامله بالعقل والروح. لا شيء يقنعني اذا ما لبست المرأة العري او نصف العري هي ليست واعية على ان هذا ما يهمها وانها لا تسعى الى التوازن بين كل عناصر كيانها ولكنها ساعية الى تسلط جسدها على ذاتها اولا وعلى الناظرين اليه منهم.
لا تحل هذه المشكلة الا اذا فهمنا ان الجسد لغة. عندما كنت ارى الى اندره مالرو وزير الثقافة عند ديغول كنت الحظ ان يديه تتكلمان كلسانه او اكثر. بالمقابل ليس ثمة من يستعمل يديه بل نقاوة عينيه وهما تتكلمان بما يفصح عن اعماقه. جسد المرأة ماذا يخاطب في الرجال؟ الجواب الشفاف انها هي التي تقرر صورة الخطاب. في الكشف او التستر تبيان بأسلوبين مختلفين. المرأة لغة وليست تقنعني انها لا تقول شيئا بالتعري او شبه التعري. السؤال هو ما هذا الشيء الذي يتكلم فيها. لماذا تستعمل هذا الجزء من بدنها او ذاك لتقول.

•••
جسد المرأة وجسد زوجها خطابان من داخل كيانهما وعلى صلة مباشرة بين روحين وعقلين حتى يصيرا كيانا واحدا كما يرى بولس في رسالته الى اهل افسس. الجسد هو احد هذه الامكنة الثلاثة التي تتمّ فيها الحركة الانسانية القائمة على الحب الزوجي. واذا انقطعت الصلة بين العناصر الثلاثة نكون مع روح محض وعقل محض وجسد محض. ولكن اذا تم التواصل بصورة سليمة تكون الواحدة الزوجية في الرضاء الالهي وصحة الوحدة البشرية المبنية على علاقات متكاملة بحيث ينسكب الحب في الجنس والجنس في الحب. ان النظرة الى هذا التكامل تفرض التوحيد البشري ضمن العهد الزوجي. اما اذا انفصل الجسد بالتعرية او نصف التعرية يكون موهوبا لعيون غريبة عن هذه الوحدة فيتم اختلاط بلا اساس زوجي وتكون المرأة اذا ارتضت هذا الوضع قد اباحت نفسها وقامت بخطاب غير سليم. تكون معنويا وعاطفيا وصورة قد تزوجت بواحد غير زوجها او بواحد لن يكون زوجها وتكون قد خرجت على الخطاب المباح وكسرت وحدة شخصيتها.

قد لا تفكر هي بهذا ولذا وجب لفتها الى ان اقصى الحشمة مبتغاة منها لتحفظ الزوجية القائمة او الزوجية الآتية ان كانت عزباء.

وقد تختفي وراء اعذار مثل ان الزي هكذا وان لا اذى بكشف هذا الجزء من البدن لان الناس الفوا هذا الامر. موقف كهذا في الحقيقة موقف كاذب لان البشرية منذ مطلع التاريخ كان لها احساس بكل المواضع المثيرة وستبقى الى الابد هكذا. انت لا تستطيع ان تلعب بالطبيعة. نحن هكذا مركبون. هي تعرف انها تغري بطريقة او بأخرى وتعرف بالتأكيد انها تخالط عيون الرجال.

السلوك المخالف لهذا التحرر كما يروق بعضا ان يسموه هو الحشمة. في لسان العرب جاء تحديدها الحياء والانقباض. الحياء يقود الى الانقباض الذي هو ان تلملم المرأة نفسها ولست اشير هنا الى حجاب معين ولكن الى روحية الاحتشام الذي هو تطبيق للعفة التي هي في اللغة الكف عما لا يحل. ولكن في عمق المعنى هي نقاوة القلب واعتبار الانسان الآخر، امرأة كان ام رجلا، اخا او رفيقا او صديقا ولا علاقة به الا على مستوى المودة والتراحم. وانت تلتزم الصديق التزاما روحيا وليس الجسد عنصرا منه الا اذا سعيت الى الزوجية. في حال الاستعفاف لا ينقصك شيء من الفهم والاشتياق، وبذل النفس والجنس لا يزيد هنا شيئا ولكنه يعبر عنها في التعاهد الزوجي.

•••
ليست المرأة وحدها هي المكلفة الحشمة. الرجل يضا يخترقها في الحاظه وبعض من تعابير اهتمامه. القضية لا تنتهي عند الملابس ولا تبدأ بها. الاغراء الذي قصده الاستغراق بالآخر في غير موضع الحلال هو ايضا من باب كسر لقاعدة التعفف. يبقى الرجل مستورا في ظاهره في كل احوال الطقس. اما المبدأ فهو ان تفرق بين الزوج وغير الزوج وبين الرجل والمرأة، ذلك انها في الستر الالهي وفي الخطاب الانساني الشرعي حيث يكتمل اي منا بالآخر ولكن على قاعدة الانفصال الجنسي.

•••
ان المبادئ التي بنيت عليها ما سلف يجعلنا احرارا من “تبرج الجاهلية الاولى” (الاحزاب، 33) وتلك الدائمة في تاريخ الناس والتي تدفعهم الى عبودية الازياء وما هو اعمق من هذه العبودية رغبة الاغراء. وفي كلام بطرس: “لا تكن زينتكن زينة ظاهرة من ضفر الشعر والتحلي بالذهب والتأنق في الملابس، بل الخفي من قلب الانسان، اي زينة بريئة من الفساد لنفس وادعة ومطمئنة. ذلك هو الثمن عند الله”. (1بطرس3: 3 و4).

متى تنزل كلمة الله في القلوب لتتغلب على هذا التنزه في التبرج الشديد ومعرفة قداسة الانسان الآخر الذي يحتاج الى الوقار يحيا به فيكتمل الفرح بالآخر في عفافه والرزانة. هل نكون جميعا في رؤية الله ايانا انقياء ولنا في هذه النقاوة مكوث وسلام.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الطفل / السبت 21 تموز 2007

الطفل شعر، اذ الشعر كلمات خصوصية لا تقال بشكل آخر، حسب تعبير بول فاليري. وللطفل تصورات من عالم يختلف عن العالم الذي نظن نحن البالغين اننا نعرفه، اذ الوليد الصغير فيه اشياء كثيرة تتكون من داخله ونحن نأتي من الخارج كما علّمنا ارسطو الى ان يلتحم في الصغير الداخل والخارج في سر ليس لنا اشراف على كنهه.

بسبب من ذلك نعيش مع الطفل في غربة الى ان يجعلنا نتدرج الى فهمه ويتدرج الى فهمنا ولا يتم لقاؤنا متى شئنا ذلك.

هو يصور عالمه لانه لا يأخذه فقط مثلنا من الحواس. وكثيرا ما كان لنا في اللقاء حدس بحيث اننا نحيد عن العقل الصرف لنصل الى نفس الوليد. والأم في موقع افضل لان الحدس في ما يتعلق بابنها اقوى مما هو فينا وهي معه في مخاطبة لا نقدر عليها ولكننا نتوق الى هذا اللامفهوم لنكمل به عقولنا تواصلا للاجيال لكن الوصل يبقى مقطوعا زمنا يطول او يقصر حسب مواهبنا ومواهب الصغير.

مع ذلك هناك اطفال يرشدون قبل الوقت المتوقع ونسميهم فائقي المواهب. هذا لا يعني ان هذا الموهوب صغير بالغ مع ان هذا يبدو مرات كذلك. مرة قال لي احد الناس اريد ان تعرف ابنتي التي لها من العمر ثماني سنوات. جاءت وجالستها وحدها فطرحت عليها اسئلة بالعلوم الطبيعية واسئلة بالفلك والفكر المجرد (سموها فلسفة اذا شئتم) واجابت عنها جميعا ولم افهم حتى اليوم كيف جمعت هذه العلوم بتلك الثقافة.

واذهلني غير مرة مكرم غسان تويني وبصورة واضحة لمّا كان في الحادية عشرة من عمره ودار حديثنا على شكسبير وكنت قد نسيت الكثير منه اذ كنت قد قرأته في آخر الثانوية وغابت عن فكري تفاصيل منه. كيف تكون هذه الاشياء؟ كيف ننمو؟ لماذا يعطى هذا ما لا لا يعطى ذاك؟ هل من اشياء مودعة عند هذا وغير مودعة عند ذاك؟ نحن امام هذه الظواهر في دهشة واذا كان الطفل شعرا فمن الطبيعي ان تكون امامه في دهشة كما انت مع الشعر.

أنا أفهم الا يقول قولي او كل قولي ذوو الاولاد الصغار لكونهم منهمكين بامور اطعامهم والباسهم ونظافتهم الى ما ذلك. والمعاشرة اليومية، الرتيبة تبطل الدهشة. الخطر في غيابها الكامل الا نلمس عطايا الله في الكائن البشري في كل احواله. الخوف اذا غاب الانسان عنك في طور من اطوار نموه ان تغيب تجليات الله في خلقه. وكل مرحلة من مراحل الوجود البشري كتاب مستقل عن الكتاب الذي يليه وما سبقه. لذلك كانت رؤية الطفولة التماسا لجانب من جوانب الحضرة الالهية. سر التلاقي بين الله والانسان لا يكتمل عند قراءتنا نحن البالغين لله. ولهذا نحتاج الى الصحوة الدائمة في تأمل المخلوق العاقل صغيرا كان ام كبيرا. هذا هو الكتاب الحي الذي عليك ان تتروض على مطالعته.

هناك توازن دقيق بين قوة العقل وقوة الحدس، بين الفكر والشعور. هذه كلها تلتقي بموازين في هذه السن او تلك او في ملكاتنا تطغى الواحدة على الاخرى في الاشخاص المختلفين. وما قلته عن الطفل اقوله عن الراشد. فلماذا الذكاء لامع عند هذا ومتوسط عند ذاك؟ ولماذا القلب كبير هنا وجاف هناك؟ ليس عندي من جواب عن هذه الاسئلة في نطاق المنطق. كل ما عندي ان اشكر لله الالتماع او عدمه لان الرب اب لجميع الناس اكانوا اغنياء ام فقراء في اي جانب من جوانب شخصيتهم اذ الفرق كان في المحبة فقط والبسيط العقل او هزيله قد يكون اعظم حبا من كبار المثقفين.

الاطفال ايضا قادرون على الحب الكبير ولك انت ان تنميه بما امكنك ولعل هذا باب المحبة الواسع. هو باب الانفتاح على كل شيء ومنه الانفتاح على العقل. في الطفل يمكنك معرفة التماس بين العقل والقلب. كل هذا مرتبط بسر الهي غير قابل للاختراق.

والاهم م كل ذلك ان نرى علاقة الطفل بالله. هو ككل انسان في عناية الله ورأفته ومحبته. والله يعمده اذا اتخذنا المصطلح المسيحي اي يضمه اليه والى كلمته وروحه. وكائنة ما كانت ديانة الاهل فالطفل محضون الله ككل ابن آدم. وهناك انضمام الى الخالق عبر عنه المسيح بقوله: “دعوا الاولاد يأتون الي ولا تمنعوهم لان لمثل هؤلاء ملكوت السموات” (متى 19: 14). المعنى الواضح ان ثمة حركة من الاولاد الى الله. كيان الولد مشدود الى الكيان الالهي. ذلك ان الانسان مخلوق على صورة الله واذا كان الله هو المثال يفترض هذا الكلام ان ثمة رباطا بين الصورة والمثال، وان الانسان كبيرا كان ام صغيرا، هو في حركة الى الله ولو لم يفهم الولد هذه الحركة التي فيه.

ما من شك في ان المؤمنين يربون اولادهم على وجود الرب وعلى انعطافه عليهم ويلقنونهم معلومات من الكتب الموحاة ويقصون عليهم القصص الديني الذي تحتويه هذه الكتب ويربونهم على العبادات وتلاوة الصلوات، وقلب الطفل وعقله يلتقطان شيئا من هذه المعرفة فينمو الولد بحكمة ويستوعب على قدر ما يستطيع وينشد ما يمكنه ان ينشده ويتطبع بما يقدر ان يتطبع به في صلاة الجماعة ويدنو من الخالق ضمن ملكاته البشرية فلا يبقى مجرد كائن طبيعي بل يتدرج الى ان يصبح كائنا روحانيا على عمق ما نعرفه نحن.

ولهذا يعطى ما نسميه في المسيحية اسرار المدخل الثلاثة وهي العماد والميرون (المسحة المقدسة) ومناولة جسد المسيح وهذه كانت عند البالغين المتنصرين قديما درجات الانضمام الى الكنيسة اذ لا يولد الانسان مسيحيا بل يصير مسيحيا. وفي ما ينمو يفهم ما حل به في الطفولة ويتقبل الايمان فيكمل.

وعندما يقول السيد: “لمثل هؤلاء ملكوت السموات” فكأنه يقول: “ان لم تصبحوا كالاطفال بالطهارة لا ترثون ملكوت الله. يتخذ الطفل نموذجا هو نموذج من حيث قلبه لا من حيث عقله. فالعقل يستوعب القلب كما العقل يتقبل نقاوة القلب فيكمل ولو لم يكتمل الانسان الهيا في هذه الارض.

المسيرة طويلة وفيما انت تعيش تعظم الالوهة فيك ولو لم تفهم كل شيء منها ولكنك تسير اليها واذا حن الله عليك تسير فيها. ليست القضية قضية نضج عقلي ولكنها قضية قلب. واللاهوتي المتفقه بالعلوم الدينية ليس بالضرورة اعظم من غير المتفقه لكن المتنقي اكبر من الذي يتعلق بخطاياه. هذا لا يرى الله هنا او يراه بمقدار ما تحل عليه النعمة وتطهره.

نحن مدعوون من هذه الوجهة الى ان نصير كالاطفال وهذا سر عظيم يكشفه الله لنا بحكمته وعلى قدر طاعتنا لهذه الحكمة. الطفل صورة لما يجب ان نصيره حتى نلقى وجه الله يوما بعد يوم قبل ان نشاهد وجهه في الاخير.

Continue reading