Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2007, جريدة النهار, مقالات

تعدد ووحدة / السبت ١ كانون الأول ٢٠٠٧

الأزمة السياسية التي تجتاحنا تدعوني الى التكلّم عن لبنان الأساس لأن بعض الأزمة متعلق بالجذور ولا تقتصر على اشتهاء السلطة عند هذا الفريق او ذاك والصعوبة في الكلام على الجذور لا تكمن فقط في ان الإسلام والمسيحية في مواجهة دينية بعد ان اختلط اللبنانيون من كل حدب وصوب اختلاطا سياسيا بحيث لم يبقَ التواجه بين الديانتين هو الأصل الوحيد لأزماتنا ولم يبقَ صحيحا ان التوتر قائم بين مسيحيين ومسلمين اذ الصدامات الإقليمية والدولية انصبت على هذا البلد. غير ان المقابلة بين المسيحية والإسلام عند بسطاء القوم ومفكريه نائمة في النفوس وتبعث من حين الى آخر في ترجمة سياسية.

                      وتبديدا لكل سوء فهم وسيرا في الجيوبوليتيك ما من شك ان الخلاف بين اهل بلدنا ليس مرآة للصراع القائم بين الغرب «المسيحي» والشرق المسلم. فخلافا لممارسات الدول الغربية في القرن التاسع عشر ومنذ القرن السادس عشر تم الاتفاق بين فرنسا والسلطنة على حماية فرنسا للكاثوليك الشرقيين تم في أواخر القرن التاسع عشر كان العثمانيون يتقبّلون حماية روسيا للأرثوذكس ولكن بلا تفاهم مكتوب بين الروس والأتراك ثم مع ظهور البلشفة لم يبقَ من اتصال بين الاتحاد السوفياتي والأرثوذكس وانتهت رعاية فرنسا للموارنة عند انتهاء الحرب العالمية الثانية. اما الولايات  المتحدة فلم يكن يوما لها شعور خاص بالمسيحيين. اميركا كانت بروتستنتية ولا إحساس لها بالكنائس الشرقية القديمة الى ان تمّ احتضان اميركا للمملكة العربية السعودية منذ تأسيس المملكة بعيد الحرب العالمية الأولى.

                      ربما قادت العَلمانية الفرنسية الى عدم التصرف التمييزي بين طوائف هذا البلد وهذا واضح منذ تسلم شارل ديغول للحكم في بلاده وتتالت التصريحات بحياد فرنسا عن الطوائف وآخرها ما فاه به وزير خارجيّتها برنار كوشنير في ايام او اسابيع خلت.

                      واذا كان من ميل خاص للأميركيين غير مقول ولكنه واضح فهو ميلهم الى البلدان الإسلامية -قبل مشكلة إيران الحالية-  لعلمها بأن النفط مخزون في البلدان الإسلامية. الثابت تاليا ان ليس للمسيحيين في لبنان رعاية من أحد وعلى تدخل اسرائيل في الحروب الأهلية عندنا فلم يكن عندها احترام للمقاتلين «المسيحيين» الذين آزرت وهذا وارد حرفيا في الأدبيات الصهيونية التي في مكتبتي.

#           #

#

                      مل يفخر به اللبنانيون التنوّع الثقافي. وهذه مفردة خفرة يراد بها التنوع الديني القائم على السلام. وعندما أتبنّى هذا القول امام الأجانب يجيبون اصطدام الموارنة والدروز مرتين في اربعينات القرن التاسع عشر وكذلك السنة الـ ١٨٦٠ ثم نشبت الحرب الأهلية وكانت ذات طابع طائفي وذُبح المسيحيون في دمشق في السنة  الـ ١٨٦٠ وحماهم فيها عبد القادر الجزائري في منزله الى ان هاجر بعضها منهم الى بيروت واحفادهم معروفون حتى اليوم فيها. فهل السلم الأهلي في لبنان سوى مرحلة بين قتال وقتال؟ مسيحيو دمشق لم تكن لهم اية علاقة باللبنانيين لكون دمشق قلب ولاية عثمانية ولكون مسيحيي لبنان كانوا من المتصرفية. اجل كان للسلطنة إصبع في هذه الحوادث الطائفية ذات الطابع السوسيولوجي ولكن لم يدخل عنصر الحقد الديني في هذه المواجهات ولم يكبحها الايمان في هذه الشريحة او تلك. قال الوزير طارق متري في فصلية «أبجدية» الصادرة عن نقابة المعلمين في عدد تشرين الثاني عندما سُئل: «هل نحن بإزاء طبقية وطائفية ومذهبية في الثقافة»؟ قال: الثلاثة معا. انما ما يعنيني هو حماية التنوّع من ان يأسره الانعزال ويحكمه الصدام، لتتحول غنى «حواريا».

                      معنى ذلك ان التنوّع ليس بحد نفسه مدعاة للفخر ولكن الوحدة هي الفخر. التنوّع ملحوظة اجتماعية تحمل مخاوف التصادم، والوحدة الدينية الانصهارية تحمل خطر الانغلاق اذ ليس في الوحدانية الدينية ضمان دون الانكفاء الحضاري. افهم علماء الاجتماع والسياسة اذا قالوا لنا: فتشوا اولا عن الدوافع السياسية والظرف الديني ليس منشئا للخلافات. أميل الى الاعتقاد مع ذلك انه ينبغي التفتيش عن العنصر الديني الذي يختفي وراء الصدام السياسي. ليس من أمر ينفصل عن أمر في الحياة الاجتماعية. هنا تظهر مشكلة الأكثريات والأقليات وقد تكون اأقلية أعظم يسرا من الأكثرية ويلبس الصراع الاقتصادي بين الشريحتين لباسا دينيا. انا اوافق مبدئيا علماء الاجتماع على القول انك لا تستطيع ابدا ان تفرق بين الأسسباب وان العنصر المجتمعي كثيرا ما يطغى على العنصر الديني.

                      هذا كله يعني في كل مرة انه لا بد لك من فحص العوامل المختلفة وفحص قوتها فاذا قال الدكتور متري انه عليك ان تحمي التنوّع من ان يأسره الانعزال ويحكمه الصدام يكون عليك الا تبتهج تبسيطا بالتنوّع وانه عليك ان تدرس العناصر التي تقود الى الوحدة.

#                 #

#

                      لنسمها الوحدة الثقافية او الحضارية التي بعض روافدها من الإيمان الديني وهذا فيه غنى للجميع ويتجلّى في التناضح الروحي والفكري بين عامة الشعب وبين المؤمنين الأصحاء من كل ديانة عندنا. هذه أمة الأبرار القائمة في كل عائلة روحية النابعة من ينابيعها الصافية والذائقة لجمالات الدين الآخر. هذه الظاهرة قائمة في تقديري في كل الهلال الخصيب وفي واقع تفاعلي يومي في لبنان. هذه علاقتها بالقلوب وبالطهارة الساطعة في كل مجموعة دينية والتي تولي السياسة أهمية نسبية وهي لا تمزج بشكل عشوائي بين ما ينزل عليها من الله وبين المنافع الدنيوية للمنتفعين. وهذا ظاهر في علاقات الصداقة والعائلات التي تتعايش ويتعذر على الصديق اذا كان عميق الود الا يتبيّن المبادئ الروحية التي تنزل نفحات على الواد والمودود. واذا صح ما قاله الفيلسوف برغسون من انك لا تقدر ان تعرف لغة جيدا وتكره شعبها كذلك يتعذّر عليك ان تتنكر للبهاء الروحي الساطع على وجه صديقك المسلم او المسيحي.

                      هنا للنخبة الفكرية دور متميّز لأنها تضع جمالات القلب الذائق في فكر ذائق. وهناك خاصة الخاصة كما يقول الإمام الغزالي القادرة ان ترفع قيم الدين الآخر الى مرتبة العقل. وهذا حاصل بلا تبسيط وفي موضوعية كثيرة. وهذا ممكن تعميمه في تعليم الأديان بصورة علمية مجردة. هذا ما عرضه الإخوة الذين اجتمعوا في اواسط الستينات الى المغفور له الرئيس شارل حلو، اولئك الذين قاموا بأول حوار اسلامي -مسيحي في اواسط الستينات وكانت الندوة اللبنانية جمعتهم.

                      ايا كان المكان الذي تنشأ فيه على معرفة ديانتك وعباداتها هذا لا ينفي استقاء معرفتك، بصورة موضوعية، كل أديان العالم ولا سيما المسيحية والإسلام. هذا الكتاب اذا درس في الصفوف العليا وفي كليات  العلوم الإنسانية وربما في غيرها لا يتضمّن تبشيرا او دعوة وتوافق عليه المرجعيات الدينية القائمة في لبنان.

                      ولعل من اهم ما يتضمّنه معرفة الأ خلاق في كل ديانة وفي هذا الباب يجد الطالب ان الكثير او الأكثر يجمعنا. وهذا يكون جزءًا من الثقافة الواحدة. انا أخطئ ما شاع منذ بضع عشرات من السنين ان ثمة ثقافتين عندنا. فكل منا يقبل على ثقافة عالمية واحدة ذات لون عربي واضح. فالمسلمون والمسيحيون سواء في معرفة العربية وكلهم يقبل على العلوم الطبيعيّة او الانسانية. فهذا مسيحي طبيبه مسلم وهذا سلم طبيبه او محاميه او مهندس بيته مسيحي. والموسيقى العربية من أربابها مسيحيون. واذا أممت بيت مسلم ذي ثقافة أجنبيّة متقدمة تسمع عنده الموسيقى الكلاسيكية. وفن الرسم عندنا كباره من اهل الديانتين. واذا شئت آن تدرس اللاتينيّة في بيروت يكون عظيمها مسلما. وفي التاريخ البيزنطي حاورتني مسلمة تعرف اللغة اليونانية القديمة. ويذهلك ان يكتب سماحة السيد هاني فحص عن مريم ما لم يكتبه مسيحي هنا وفي الغرب. وقد يعلم في الجامعة الحضارة العربية الإسلامية مسيحي لا يصدم اي طالب من طلابه. واذا أحببت ان تقرأ أرقى نص فرنسي اشير عليك بصلاح ستيتيه المسلم.

                      اذا أردتم أن نتقارب في العمق فاقصدوا المسيحيين والمسلمين على السواء. واوّل المتقاربين في هذا المجال اللبنانيون الذين يتعايشون في صدق. هذه القاعدة المعرفية والمتشربة للروح الإلهي قائمة وستقوى. وهذه تنقذنا من السياسة السياسية فتجد نفسك ايا كان انتماؤك على قربى سياسية مع ناس ليسوا من دينك يحيون ملكوت الله في القلوب.

                      هذا هو المكوّن الأساسي لوحدتنا الوطنية على التنوّع.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

العيش الواحد في لبنان / السبت ٢٧تشرين الثاني ٢٠٠٧

                      لبنان واحد ومتعدد الأطياف معا. في هذه الكلمات لن أحدثكم في السياسة حتى تنجلي صعوباتها وتطلع العقول النيّرة والقلوب الطيّبة الى حلها. ليس من لبناني لا يتوق الى تلاقي هذه الأمة في محافظة كل شريحة على تراثها وفيه خصائصها بغية الحلم بوحدة لا تزيل الخصائص ولكنها تتخطاها الى اجتماع واحد بلا ذوبان بحيث تقدّم كل شريحة اجمل ما عندها واجمل ما فيها وبحيث نقدر ان نقول يوما عندنا مع الحفاظ على عبقريات الطوائف واجب تشكيل أمة واحدة وهذه العبارة لا أفلسفها ولكني ألحظها ولاسيما انها في الدستور.

                      انا لا أبحث في الهويات. بعد ان تبيّن لنا بصورة خفرة مع البيان الوزاري الذي وضعه المغفور له رياض الصلح اننا عرب وقيل هذا بأوضح صورة في وفاق الطائف والدستور المنبثق عنه بات هذا واقع تحسسنا وأصل وحدتنا مع العرب ما لا يبطل الوحدة الوطنية. بلا تفلسف قومي لا يلقي احد علينا درسا في عروبة التعاون والثقافة والنضال الواحد ابتغاء انتمائنا الى الحضارة العالمية. لا أقرأ منذ سنين ان احدا يسائل هويتنا اللبنانية الملوّنة عربيا. ومن سمي عربيا في الحديث الشريف هو من تكلّم هذه اللغة ويريد اعلاء شأنها وتبيان حركيّتها في العالم المعاصر اذ تشرع ابوابها ونوافذها على العالم المتمدّن فيما تحافظ على لونها الخاص ومن لا لون له لا إسهام له في مسيرة الحياة. لبنان ليس إزاء العرب ولكنه مع اولئك العرب الذين يحبونه.

                      مرة كنت في موسكو في معية السيّد البطريرك اغناطيوس (هزيم) وانتدبني الى مؤتمر جمع صحافيين  سوفياتا وعربا يمثلون جرائد عربية من عندنا. وسئلت: هل انتم مع السوفيات او الاميركيين؟ فأجبت: نحن مع الذين هم معنا وانتهى المؤتمر بهذا الكلام. نحن اذًا في كل طوائفنا مع الذين هم معنا صادقين. مع ذلك نرعى المودات كما قال ـ على ما أذكرـ ابو فراس الحمداني الذي طالب سيف الدولة الحمداني ان يخلصه من منفاه الرومي ولامه لعدم الاكتراث به. التماس الشاعر الكبير ما نريده الا نكون منفيين عند احد.

                      انا لا انفي حق كل شريحة بموداتها الخارجية اذا لم تأسرها هذه المودات وذاكرتها التاريخية لأن هذه الذاكرة مبنية على تواصل تاريخي وربما كان احد عناصرها التجانس الديني مع هذا الشعب او ذاك ولكنا لسنا ذراع احد لئلا يتخدش شعورنا بالوحدة اللبنانية ولا تفنى فينا العروبة الأصيلة. هذا الحنين الى هذا وذاك لا يشكل هوية اخرى لأن الهويات المتعددة قتالة كما يقول امين معلوف في احد كتبه.

                      واذا نظرت الآن الى المسيحيين فهم كنائس شقيقة وهذه واحدة في الأصل وفي الجوهر ولو كانت منفصلة في الشركة التنظيمية على الصعيد الكنسي. لذلك لا يشكل المسيحيون صفا واحدا بالضرورة على المستوى السياسي. فلكل كنيسة مساهمة ثقافية متميّزة وتاريخ مستقل وليس المسيحيون أمة صغرى ضمن الأمة الكبرى وان اعترف ائمة المسلمين الأحياء منهم والذين استدعاهم ربهم الى رحمته. كلهم اجمعوا على ان هذا البلد لا قيام له بلا مسيحية، كلهم يحزن لهزالة عدد المسيحيين بالهجرة. والحق ان الجميع يهاجر.

#               #

#

                      وقد قال الرسول العربي في «دستور المدينة» بعد ان هاجر اليها ان المؤمنين اي المسلمين واليهود امة واحدة. واذا كان هذا صحيحا آنذاك فمن باب أولى اذا استوحينا هذا الدستور في لبنان ان يقول المسلمون انهم مع المسيحيين امة واحدة. هذا لا يمنع المسلمين ان يوردوا قول كتابهم: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» (آل عمران، الآية ١٠٤). فالمعنى الواضح ان الجماعة الإسلامية ليست خير أمة بتكوينها المجتمعي ولكن بصفتها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر. هي خير أمّة بحركيّتها الى الإيمان والبر والطهارة. والمسيحيون بوصفهم يقيمون الإنجيل هم أيضا أمة صالحة وليس باعتبارهم كتلة مجتمعية تعتريها المعاصي كما تعتري غيرها. ليس عندي اية عثرة اذا استعمل المسلمو عبارة الأمة الإسلامية بمعنى التوحد في ما بينهم بالله. ولكن في الاستعمال الحديث نأخذ لفظة امة بمعناها المدني او الاصطفاف المدني كما قال الرسول في دستور المدينة.

                      كل منا قائم مع الآخرين في حضرة الله. كلنا إلهي او مألوه بهذا المعنى وهذا ينفي العصبية التي حددها ابن خلدون بقوله انها تناصر اهل الأرحام. الانتساب الى الأرحام لا يشكل هوية. والمسيحيون يسمون كتلتهم كنيسة وهي ليست قائمة بهم، لتجمعهم. انهم مدعوون في المسيح. واذا اتفقنا اننا واحد في المدينة الجديدة التي هي مجموعة المدن والقرى اللبنانية فليس بيننا فرق ولو بقيت فروق في العقيدة. العقيدتان ليستا الى تخاصم في هذه الدنيا ان عرفنا الله حق المعرفة وعرفنا الوطن واقعا تاريخيا وارضا نريد ان نلازمها في معيّتنا.

                      ليس علي انا ان اوحي للمسلمين انهم واحد. فالجامع الأزهر اعتبر في التدريس ان التشيّع مذهب خامس في الاسلام. ليس عليّ ان أتدخّل في هذا التقرير. ولكن ما يجمع السنة والشيعة اعظم بكثير مما يفرقهم. والمسيحيون اللبنانيون على مستوى الاجتماع يرونهم كذلك. وعلاقتهم بالمسلمين هي انهم كتلة واحدة تدين بالله وأنبيائه وسنة الرسول.

                      لنقل اذًا على اننا في هذا البلد مرميون روحيا على ان الإسلام واحد والمسيحية واحدة وانه كتب عليهم جميعا ان يجتمعوا على قيم روحية كثيرة واحدة وعلى أخلاق اساسية واحدة.

                      لست انا اليوم معنيا بالحوار الإسلامي المسيحي على صعيد الفكر اللاهوتي او ما يسميه المسلمون علم الكلام. الحوار له قواعده وذهنيّته وروحيّته وان لنا كلاما كثيرا متقاربا في اللاهوت ولو كنا على اختلاف في هذه العقيدة او تلك. هذا لا يمنع التلاقي الوجداني او التقارب الإنساني العميق. والاختلاف لا يقود الى العنف. ولست في حاجة اليوم الى استنباط ما يقرب بيننا في النصوص. ومن كان منا محبا للآخر يتقبّله في أصالته وفرادته وضرورة الأخوة بيننا والتلازم المدني في حكم مدني حسب عبارة المغفور له الإمام مهدي شمس الدين في خطب له كثيرة وفي الإرث الروحي الكبير الذي وضعه في كتاب وصايا. حيث رغب الى أبنائه ان تكون الآفاق اللبنانية وحدها آفاقهم. لا وحدة شعبية في العالم بالمعنى السياسي.

#           #

#

                      من يسود ومن لا يسود تفاهة التفاهات. انا لا اسود أخي في الوطنية. هذا اشتراء الحياة الدنيا  بالآخرة كما يقول في سورة البقرة. او كما جاء في سورة آل عمران: «وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور». وكذلك في الأنعام: «وما الحياة الدنيا الا لعب وغرور». من قال ان الإسلام ليس فيه نسك؟ وفي الإنجيل: «اطلبوا ملكوت الله وبره والباقي يُزاد لكم». وفي المسيحية البداءة والنهاية هي سيادة الله على القلوب. والسياسة التي لا قلب فيها ليس لها إله. ما يهمنا اذًا ليس سياسة المسلمين ولا سياسة المسيحيين ولكن سياسة الله فينا جميعا.

                      يؤسفني ان نتعاطى شؤون هذه الدنيا كأن الله لا يلهمنا شيئا في الحياة الدنيا ولا يسوس حركتنا الداخلية، حركة القلوب في القلوب.

                      لك ان تتعاطى اي دين لك بلا صدام وبلا كراهية والا تحشر أخاك في النار والا تحتكر الجنة لأنك اذا فعلت ذلك تكون قد قمت بدينونة استباقية والدينونة عمل الله وحده. مارس ما شئت من فرائض وآمن بما تريد ولا تغضب على احد ولا تعزله عن قلبك فاذا فعلت لا يكون الله ساكنا فيك ولا تكون في الحقيقة من خير امة أخرجت للناس والنفس المبغضة مائتة قبل ان يقبضها الله.

                      نحن جميعا في حاجة الى تطهر وما من تطهر بالإلهام  المجتمعي فقط. انه توبة الى وجه الله الذي لا يحصر في كتاب. والكتاب بين يديك ليقودك النص الى الحياة التي في الله.

                      على ضوء هذه البركات وعلى حبنا لأهل التوحيد الإسلامي والمسيحي في كل مكان واستلذاذنا الروحيات في كل صوب لا شيء يمنعني ان أستطيب المسلم اللبناني بخاصة بسبب من هذا العيش الواحد الذي يجمعنا واحس انه يؤثرني شعوريا على اي مسيحي أجنبي. البلد ومناخه والفكر الحديث الخلاق فيه واستيطاب الجمالات الروحية اذا انعقدت الصداقات الشخصية والعائلية من الأشياء التي تكون لبنان. ثم عند هذا وذاك تبدد اللغة الانسانية واحدة بما في ذلك لغة الطيبين في الحياة الوطنية. هناك اسلام في الخطابة بما فيها الخطابة السياسية وفي الشعر متأثر بخير ما في المسيحية وهناك مسيحيون كثر يحبون المسلمين بسبب الإنجيل وبسبب الفضائل التي يشاهدونها عند ابرار المسلمين .

                      قد لا تجد مثل هذا في البلدان التي لا اختلاط فيها. هذا تداخل ودي وفكري معا والتعصب تلمسه عند الذين لا عمق روحيا عندهم ولا انتظار لرحمات الله. هؤلاء نرأف بهم ونرجو خلاصهم من الضيق العقلي والوجداني. قاعدة التقارب حتى التناضح واضعها الله الذي قال عنه العهد الجديد انه محبة حتى تنتقل المحبة من كونها كلمة الى كونها وجودا داخليا.

                      هل يأتي جبريل ويبشّر كل نفس عذراء حتى تخرج منها فقط الكلمة الصافية على صورة كل كلمة تخرج من فم الله، حتى يكللنا الرب جميعا بالفرح الأكبر الواحد لنصير مشابهين للإله الجميل.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الرئيس القائم او المرتجى / السبت ٢٤ تشرين الثاني ٢٠٠٧

كتبت هذه السطور قبل أمس وأنا  في حالة ارتقاب لانتخاب رئيس الجمهورية والارتقاب مخيف وقد أسس قبلي الصديق الكبير غسان تويني على الفكر السياسي اليوناني القديم وعلى معلّمنا الفارابي. واذا انتخب لنا أمس رئيس لشعبنا أو أرجئ انتخابه أقدم له تأملاتي بتواضع وقد يكون على المواصفات التي ذكرها رأس الكنيسة المارونية البطريرك مار نصرالله صفير وإخوته المطارنة او يكون دونها او فوقها ورجائي ان يفوق كل توقّعاتنا. فلكوني لا أعرفه حتى لحظة تدبيجي هذا المقال فأنا أتكلم هنا على الذي أتى او الذي لم يأتِ بعد وقلوبنا اليه.

                      اكتب وأنا خائف عليه من أزماتنا وأحاول ان أتجاوز خوفي بالايمان بأن الله لن يترك هذا البلد. واذا صوّر من هو أكبر مني ملامح الرجل فنحن اليه اذا ما جاء أمس او كان سيجيء بالرضاء الإلهي مكافأة لنا. ومن وضع نصب عينيه البهاء الذي ينبغي ان يتمتع به الرجل فلا بد ان يدفعه المقام الى التمتع بالخصال التي نرجوها اليه.

                      كل مقام متعب ولهذا ندعو الرئيس الذي ظهر او سيظهر بكل الحسنات المعقولة عند البشر ولست أغالي اذا قلت ان لبنان سيجمَل بالرئيس اذا كان على الطهارة التي هي صفة كل قائد. ونقاوة الخلق مبتغاة في اي مسؤول اية كانت درجته في سلّم المسؤولية. وسوف يحيطه الأبرار اللبنانيون بأدعية لهم موصولة لأن الرب سوف يمده بنشأة من عنده حتى لا نقع في التفتت وحتى نؤمن بمصير بلدنا الذي يستحق الحياة.

                      ركزت على نقاوة قلبه ولسانه وعمله اذ منها يتحدر كل شيء وفي لغة الإدارة هي رديفة الحكمة. وهنا يحضرني حديث نسكي قديم دار في دير كان رهبانه يستعدون لانتخاب رئيس فقال شيخ بينهم: ان كان من تريدون رجل صلاة فليكمل صلاته في عمقها وبها ينفعنا  اما اذا كان عظيم الثقافة فيملأنا بها اما اذا كان حكيما فهذا ننتخب. والحكمة ليست بهلوانية معهودة في بعض الاوساط لأنها تقوم على الصدق ولئن قامت على اللين ايضا. المسؤول له احيانا بالكلمة الحلال ان يرضي احدا ولكن ليس عليه ان يكسر القصبة المرضوضة لأنك في الحب تشفي كل شيء.

                      غير ان الحكمة الطاهرة عند المسؤول ان يكون مثقفا اي ان يكون عقله قويا ومتجليا بآن. وهذا هو العمق الذي يميز الثقافة عن مجرد تكديس المعلومات فالدماغ ليس فقط خزانة ولكنه حركة بحيث يتداخل فكر الرئيس وأفكار الناس إن كانوا مخلصين والرئيس لا يرث المحيطين به ميراثا ولكنه يختارهم اختيارا ليكونوا على صورة طهارته وصورة حكمته.

#               #

#

                      كيف يتصرف الرجل في بلد متعدد الثقافات والأديان ومذاهبها؟ التعدد الذي يتغنى به اللبنانييون ليس كله حسنات اذ لا قيمة له الا بالتحرك نحو الوحدة والوحدة ليست في ان اكون مثيلك في كل شيء ولكن أن أصبو الى محبتك في النقاش الذي تقوم عليه الحياة السياسية بغية ارتقاء الجميع الى وجه لبنان الجديد.

                      في هذه الرؤية انت اخي ولست مثيلي. كيف نتلاقى على ما يجمعنا في الحق وليس في الخطايا التي تُباعد بيننا. في مقاربات الوجود واذا نأينا عن التباسات الوضع الحاضر وظروفه هناك بشر صالحون وبشر طالحون وهذا في كل طائفة. أليس أساسيا أن تنشأ «الأمة البارة» كما يقول الكتاب المقدس المؤلفة من كل فرد جميل في اية طائفة، وهذه الأمة البارة تخترق كل الطوائف لتكون قلبها المحيي؟

                      الطوائف تتلاقى بالناس الطيبين ولا تقوم الحياة المشتركة بمقابلة كتب مقدسة ولكن بتلاقي الحُسْن والحُسْن من كل شرائح الأمة. لم ألحظ ان شعبنا يتساجل بسبب من كتب ولكن بسبب من التحام القلوب. انت تستقي الخير انّى وجدته وتتعامل. انا لا أعرف حدثا جرى بسبب من مقابلة الأديان. المشاكسة تفرزها المنافع الخاصة او الجماعية ومن تسييس الفكر الديني، والطوائف عند المصلحة تنقلب احزابا. وقد تكون هذه راقية ولن يقنعني احد بأن الاختلاف ينقلب خلافا يصل بنا الى العداء او القتال. انه من نافل القول ان نذكر بأن هناك مَن تَقاتَل في الدين الواحد والمذهب الواحد. انت لا تعادي احدا ما لم تقتلك شهوة السلطة لأن هذه هي عشق الأنا الساعية الى إلغاء الأنا الأخرى حتى الإبادة.

                      وهنا أتوجّه الى المسيحيين الذين اقرأ على أقلامهم انهم في تهميش. ربما كان هذا صحيحا الى حد بعيد ولكنه خطاب سياسي. ان محبة المسيح عند هؤلاء الإخوة تصحح الوضع السياسي او تعطيه نفحات. واذا صارت الكتلة المسيحية عظيمة في حبها للإنسان اي لكل انسان في هذه الأمة فهذا يغير الوضع السياسي. المسيحي دائما ينطلق من المسيح لا من حساباته. تهمه نوعيته الخلقية التي تغيّر كل شيء. انا لا أنكر على الجماعة المسيحية في المقولات او الاوضاع السياسية ان تضرب التهميش وتحل العقد المرتبطة به. السياسة لها رتبتها في الحياة ولكن هناك حياة الحياة التي هي الخالق العظيم الذي نرتقي به في الصالحات وطيب الأماني لكل مخلوق.

#                   #

#

                      ليست مهمة الرئيس ان يرفع وضع المسيحيين وحدهم وهذا ما لم يفعله رئيس، ولكن عليه ان يرفع الغبن الذي يحل في كل شريحة، كما ليس عليه ان يحيد عن ابناء دينه ليتظاهر بالعدل. هو رجل العدل لكل قوم ولكل فرد.

                      ومع العدل له ان يتحسس وضع المسيحيين في الشرق العربي بحيث يرفع عنهم كل ظلم او تجاهل اذا حلّا وبحيث يبقون خميرة كما اوصاهم بذلك المعلّم. وكما أسهموا إسهاما كبيرا في بناء الحضارة العربية من بدئها حتى عصر النهضة وربما الى ايامنا، يريدهم الطاهرون في الاسلام اليوم ان يظلوا عاملين في تقدم الشعوب الإسلامية او في هذا التناضح الحقيقي في الهلال الخصيب.

                      ومن باب تدعيم المسيحيين رفع شأن الموارنة الذين يحملون في عروقهم وأعصابهم التعلق بلبنان. لا أريد مقارنة بعد ان تلبننت عائلاتنا الروحية كلها منذ عهد الرئيس فؤاد شهاب بخاصة. هذا لم يبقَ موضوع نقاش او شك. ليس لي انا ان أصف حسنات الموارنة. انا منتصب في الصلاة من أجلهم حتى يُبعد الله عنهم كل شقاق في المجال الوطني ويحميهم في التقوى التي أعرفهم عليها منذ طفولتي. وهذه يشددهم فيها مقدسون ليسوا قلائل. غير ان دعائي من أجلهم هو ان يتراصّوا في الحق والبعد عن الفرقة لنحلو جميعا بما يصيرون اليه من بهاء.

                      هل كانت هناك مارونية سياسية أصابت شرائح من أديان مختلفة ام لم تكن؟ ليس المجال للتحدث عن هذا، ولكني لم اسمع برئيس تحزب للموارنة. هو رئيس لبنان وكلنا حوله اذا جاء، وشخصيته إن كانت قوية لها ان تملأ الفراغ الذي أحيط به وليس عندي صيغة لإحقاق ذلك. الأقوياء لا يحتاجون الى صيغة.

                      ايها الرئيس المنتخب امس او الآتي احكم بهذا او بما تراه صحيحا فيما قلت بهذه السطور، ونحن وراءك لنشدّ أزرك ونجمّل أنفسنا بالخصال الحميدة التي نرجو ان تتسربل بها. تكلل بمجد لبنان حتى نفرح بك كما نفرح بلبنان. كن عاليا جدا جدا فيحاول اهلنا ان يقتدوا بك وينجوا من خطاياهم فيصبح بلدنا عروسا يختارها الجمال.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

خيبات / السبت ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٧

الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر ليتفجّر رأسه. هذا حساب تقديري او ترجيحي ما لا يجعلك تيأس من الأعجوبة. وما من خيبة في هذا الدنيا الا لكونك تحب ان تأخذ النقاوة بيتها في كل نفس. واذا لم تجدها كاملة في ذاتك تراها تطلع من الجانب الخير في نفسك وهي تحاول ان تضرب السيئات ولا تفلح.

                      والخيبة تبدأ بأهل بيتك. كنت تحس في طفولتك ان أباك قوي، مثال الرجال واذا أدركت شيئا من الوعي تعرف ان صورته في نفسك اجمل من واقعه ولكنك تبقى محبا لأن هذا في الحشا ولا تستطيع ضد أحشائك شيئا ولكن عقلك لم يقتنع بأبيك. وكذا تكشف ان امك ليست مثل مريم كما كنت تظن في مطلع شبابك وانها امرأة عادية. ومثل ذلك اخوتك وأخواتك ولكنك أسير الحشا. غير ان تحليلك يرتطم بالمشاهدة الصارخة فتحزن ثم تفرح للطهارة اذا بدت من الشخص عينه وتنتقل بآن من خيبة الى خيبة ومن غبطة الى غبطة على رجاء قيامة القلوب جميعا من سوئها اي على رجاء دفق الحياة الرلهية في كل النفوس لأن المعلم قال لنا: «ان ملكوت الله في داخلكم».

                      في المجال العلمي الخيبة كبيرة في لبنان. المحزن ان الشعر والأدب تتحكم فيهما الدعاوة الى حد فتهدى كتاب قيل عنه العظائم وتقرأه وتراه تافها. الكاتب لا يعرف العربية والركاكة تتموج من صفحة الى صفحة ثم تلحظ احيانا ان فلانا يكتب لك اهداء فيه إطراء كبير وتحس من طرف اللسان انه لا يرفض معونة مالية ليغطي ثمن الورق والطباعة وان ناقدا اذا نقد لا يصل الى الأعماق ولا يطلع عليك بجديد وينشر مراجع لم يقرأها وقد يأتيك بمرجع الماني لم يطالعه قطعا ولكنه كان مذكورا في كتاب فرنسي. قال لي مرة قسطنطين زريق: لا يحق لك ان تذكر مرجعا لم تقرأه كله ومباشرة. هكذا يكون الصدق في الكتابة. ومن ضعف الجدية ان شاعرا فتيا طلب اليّ ان اكتب له مقدمة لشعر واضح الإباحية فقلت له: يا صاح، كيف يمكنني وانا مسيحي ملتزم ان أقدّم لهذا الكتاب؟ لعلّ أعظم خيبة عندي تأتي من ان ثمة من يعرف موقعك وما تدين به من قناعات ومع ذلك يطلب اليك غير المعقول وكأنه لا يعرف انك انسان تحاول ان يكون ظاهرك مثل باطنك.

#                #

#

                      الصدمة كثيرا ما أتت من انك ترث بعض البشر فهم حولك وقبلك وهم معك في تعاون ويعاملونك بما وصلوا اليه من وجدانيات مختلفة وتلحظ ليس فقط ان وجدانياتك سليمة على قدر البشر فلا تكتشف لغة بينك وبينهم. انت عندك مرجعيّة في نفسك وهم بلا مرجعيّة ولكن عليك ان تعايشهم وفي الحقيقة انكم لا تلتقون. المجتمع الذي حولك معظمه ناس يتراكمون ويعيشون باللفظ وانت عندك الكلمة تحمل معناها وهم لا تهمهم المعاني ويقولون ما يفيد منافعهم على الأرض. وليس همهم ان تلتقي فيهم السماء والأرض.

                      كثير من الناس أكتشف بعد فترة أنهم أتفه مما ظننتهم. وربما كان عندي بعض من الكبرياء ما يجعلني أتحمّل بصعوبة الأغبياء ولكن لا بد من التقائهم لأنهم بعض ممن انت عنهم مسؤول. فترى نفسك مضطرا ان تغيّر لغتك وتنزل الى مستواهم في الكلام والفهم. ولا تستطيع ان تقصيهم ان شعرت انه لا بدلك من هذه المخالفة وتبقى حيث انت مقيم وغالبا ما لا يصبون الى الحقيقة التي هي مالكتك واذا عظمت الثقافة عندهم تضطر ان تقضي كثيرا من وقتك معهم لتخلصهم وما جاؤوك هم للخلاص ويصلبونك على ما هم عليه وتحيا انت على رجاء انبعاثك منهم بعد ان حاولت النزول اليهم فلا انت تنزل في الحقيقة ولا هم يصعدون. ولكنك تسعى الى ان تحفظ نفسك من الشرير الى ان تكشف النعمة الحقيقية في اليوم الأخير.

                      لعل الخيبة الكبرى عند رجل يتعاطى الشأن الكنسي العام ان اناسا يصدمونك وهم لم يروك إطلاقا والعدوانية ظاهرة في كلامهم. ولست تفهم محبتهم ولا سبب غضبهم. طبعا تنقل اليهم صورتك وطبائعك وتكون عندهم حاجة يقضونها تتعلق دائما بمنافع لهم في الأرض. وعلى ذلك يجب ان تحفظ هدوءك وطول أناتك لئلا يستفحلوا في خطيئتهم وقد يتركونك او يعودون اليك وصورتك هي هي قبيحة عندهم او على شيء من القباحة ويبقى بينكم حديث أحيانا ولكن لا يدخل اليهم معنى ولا يصغر فيهم السوء ولكنهم من مجتمعك ومفروض عليك لقاؤهم  وكثيرا ما تحس اذا ما كثروا انك وحدك في بيئة مفروض فيك انك على اختلاط في العمق ومع ذلك ليس من اختلاط وكأن محبتك لهم لا يشعرون بها او كأن ضياء عينيك التقى بعتمات عيونهم الى ان يمسح الله عنا كل دمعة.

                      وعلى رغم توالي الخيبات يوما بعد يوم أعاشر كل يوم عددا قليلا من الأبرار. وكنت مع قوم منهم عشرات من السنين ولم يحدثوا فيّ خيبة واحدة. الى جانب العزاء الإلهي المباشر هؤلاء هم تعزيتي وملكوتي وما ذلك الا لأن البركات نزلت عليهم وهي تصدر عنهم ولا تنثني السيئات في طيات قلوبهم وينسونك الأشرار والأغبياء الى ان يعود هؤلاء اليك ويجرحوك واذا كان المسيح جريحا الى الأبد «فالعبد ليس افضل من سيّده» كما قال هو. وتدخل الصدمات في روزنامتك اليومية حتى ترقد الرقاد الأخير.

#                #

                      ويبقى لبنان وطن الخيبات والتعزيات معا. عندنا حب الغريب والجار والغيرة على طهارة الاولاد والسعي الى ارتقائهم العلمي وخصال حميدة كثيرة وجميلة نحن شعب طيّب ولو كنا خالين من هيكليّة حضارية. نتعايش على اختلافنا على الأغلب في مودة. والحب عندنا لا يخدشه التنوّع الديني ونرتفع ذوقيا بجمالات لبنان ولكن لا أعرف مما تتولد السياسة. لماذا فيها سقطات كثيرة جعلتني في السنة الأخيرة -بلا تعميم- اقول ان بين اهل السياسة من لا يحب لبنان.

                      اليوم (الاربعاء الماضي) قلت لمحدث عندي: النائب الطاهر هو من وقف في المجلس ليقول كلمته ويعرف انه بذلك يخسر نصف ناخبيه. انت تحمل ولايتك في صدق من اجل اعمار البلد ورقيّه وجعله يتنطح لأن يكون من العالم الاول وتتراجع عن موقف بدا لك الخطأ فيه من حيث لا تتحزّب لنفسك ولا لرفيقك في الكتلة النيابيّة. انا أفهم التحالفات الكتلوية التي تخدم البلد وافهم الانفصال عن زملائك اذا كان انفصالك هذا التصاقا بلبنان.

                      في الحد الأدنى تحرر من الكيد والحزبية الضيقة الهدامة لكيان البلد وافهم ان ولاية واحدة كافية لأن تجعلك انسانا عظيما بناء للتاريخ. واذكر كلمة معلّمنا الغزالي: «لا يعرف الحق بالرجال ولكن الرجال يعرفون بالحق». اذا كان وجه كل انسان هباء تذرّيه الريح عن وجه الأرض اذا لم تكن معالم الوجه الإله عليه فاترك وجهك الذي صنعته مصالحك الى الوجه الإلهي. اذا كنت صرت انت حامل الحقيقة فلا تخشَ احدا ويخشاك معظم الناس وقد تبقى فقيرا. كثير من الفنانين ماتوا فقراء وبقوا في التاريخ. الذين يتركون مؤسسات استغرقت معظم ثروتهم يظلون احياء في ذاكرة البشر والذين لم يتركوا للناس شيئا لا تُذكر عطاياهم.

                      امام كل هذه الجراح يبقى المشرقون الذين أشرق الله عليهم بنوره. صلِّ لكي يأتي اليك هؤلاء لتفرح وتقرع باب الملكوت منذ الآن فيتحول هو اليك. وقد لا تقل الخيبات ولا تصغر ولكن يعظم فيك الفرح.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

إبداع الله وإبداعنا / السبت ١٠ تشرين الثاني ٢٠٠٧

«في البدء خلق الله السموات والأرض». لم يكن هذا فيضا إلهيا بمعنى امتداد الذات الإلهية حتى لا نقع في الحلولية. ولكنه كان فعل محبة كما قال أوغسطين وأراد بذلك ان يصنع الله مخلوقات تكون حاملة حبه او دالة عليه. انها قوة خرجت منه. ألقى الرب وشاحه على العالم واحتضن العالم ولا يزال هذا يعيش من الدفء الإلهي. بهذا المعنى كان الخالق دوما في حالة تنازل ترتفع به البريئة الى بارئها. هناك لحمة ما بينهما لا ندرك طبيعتها وهي في قابليّتنا الكينونة وليست في تصوّرنا العقلي.

                      على هذه الصورة نحن مبدعون. والفرق بين إبداعنا والإبداع الإلهي هو انه لم يأخذ مادة ليصنع منها الكون. اما نحن فنأخذ من مواد الطبيعة والفكر والخيال ونرتبها ترتيبا جديدا لم يقم به آخر وعلى صورة التشبّه بالله نسمّى مبدعين. الحجارة القديمة موجودة وتبني بها قصرا جديدا.

                      بعد حب الله اياك بالخلق الاول يحبك باستمرار وينشئك نشأة جديدة وتصبح خليقة اقوى وأبهى وتنير بالنور الذي قذفه في قلبك فتنشئ الآخرين اذا وعوا محبوبيتهم. لا يوجد الإنسان الا اذا أَحبه آخر. ما عدا ذلك هو لحم وعظام وتشوش فكر وعواصف قلب. غير ان كل حب في الدنيا ناقص اذ تشوبه شوائب المحب وشوائب المحبوب. اما اذا شعر المحبوب بأن مَن أَحبه صافٍ، براق، يعطي نفسه ولا ينتظر مقابلا اي اذا احس بأن المحب مسكوب يفهم ان هذه العاطفة إنْ هي الا جسر للحب الإلهي وانه تاليا حبيب الله من خلال خلقه. واذا أفنى ذاته بالمحبوب يكون الله نفسه مسكوبا في مخلوق اختاره مخلوق آخر.

                      والانسان لا يحب عبده ولكنه يحب ابنه. هذا يبدأ من البدء. لذلك رفعنا الله من منزلة العبيد الى منزلة الأبناء. ان يكون الإنسان ذا لحم ودم وفي الوقت ذاته ابنا لله لا يغيّر شيئا في فعل الحب الإلهي. فعلاقة الألوهة بنا ليس فيها جنس لأن الرب ليس فيه جنس. الألوهة تعمل فينا على صعيد آخر.

                      الانسان ليس عبدا لله لأن صاحب العبيد مسيطر والمحب لا يسيطر. الله يشتاق ويشدّك بالشوق اليه فاذا قبلته ترد عليه باشتياقٍ ظاهره بشري ولكن قوّته نازلة عليك من فوق.

#                     #

#

                      واذا زرع الله تاريخيا في البشرية كلمات منه فما هي الا تعبير لإدارة الفهم البشري الى عمق الله. واذا سمعت من الله كلمات فهذه لا يسوغ النطق بها لأن اللسان ليس قعر العمق بل سطحه. الكلمة التي تنزل عليك تربية اي ارتقاء الى فوق. عند ذاك لا فرق بين الله القائل والكلمة المقول او لا فرق بين كلمات الكلمة والأذن التي تنتصت والقلب الذي يعي.

                      على هذا الأساس تبني الصداقة. هذه لا يمكن ان تكون تبادلا اذا كنت وصديقك في علاقة الرق لله. انت حر وهو حر. والحر فقط يعطي والحر الآخر يأخذ، وتعطي الآخر كل ما فيك، واذا اعطيته فقط قسما مما عندك فأنت عبد للقسم الآخر الذي لم تعطه.

#                     #

#

                      ما يصح في الصداقة يصح في الزوجين. كل منهما اذا أحب الآخر من منظار إلهيّ اي في العطاء المجاني ينشئ الآخر. وهذا ما عبّر عنه بولس أن تكونوا أزواجا «خاضعين بعضكم لبعض في خوف الله» (أفسس 5: 21). هذا هو التراحم بتعبير آخر. العلاقة هي دخول الشخص في الشخص، هو تقبّله وانسكابه فيه. هو عمل الانسكاب ليموت الواحد في الآخر. عندئذ لا تنطرح قضية من يأمر ومن يأتمر. وما من ريب ان هذا التلاحم بين روحين وجسدين هو التحام الله بذاته لأن الله اذا كان غائبا في العلاقة لا يكون هناك الا اتحاد بيولوجيّ وسكنيّ وماليّ. الوحدة ليست تراكما. هي موسيقى. في الحب كل يُمَوْسق الآخر ويبدو متجليا ليس في كل واحد منهما على حدة ولكن في الاثنين في وحدة الكيان التي تتغذى كل يوم بالعطاء.

#                     #

#

                      الصعيد الأخير الذي يفرض عليّ نفسه هو علاقة الدولة بالمواطنين. الدولة ليست فوق والمواطنية تحت. هذا نظام الرق. الدولة ليست الا المواطنين مرتبين او متناغمين حسب بناء معيّن فرضته الدساتير والقوانين. طبعا الرئيس والوزراء والنواب ليسوا في حالة عشق مع اهل البلد لأن في الدولة عنصرا قسريا ولو لم تكن فيه نكاية. غير ان الذهنية القانوية والإجراء القانوني لا ينفيان الرحمة ويتطلّبان سهر المسؤولين الدائم والسهر لا يأتي الا من الحب.

                      كان دوستويفسكي يقول: الدولة يجب ان تصبح كنيسة. والمعنى عنده أن تقلّ القوة الإجبارية لحساب المحبة. انا طبعا أتوق الى ان يصبح اللبنانيون عائلة واحدة مع مراعاة الأنظمة حيث الموالاة والمعارضة وشرطيّ او عسكريّ ومدنيّ ما لا ينفي الانتماء الديني الذي هو بيئة حرارة. لا بد من أنسنة العلاقات بين طبقات الشعب والحكم بلا عشوائية ولا فوضى.

                      في المنطق نفسه، في الطوائف التي تقوم على انتداب مسؤولين روحيين كما في المسيحية او تلك المرتبطة بالعلماء كما في الإسلام، لا بد بين كل المؤمنين من علاقات محبة تشفي كل العلاقات الأخرى.

                      في بلدنا عبيد كثيرون في بعض المجالات، في المال، في السياسة، في  الحياة العائلية، في ارتباط بعض الزعماء والتابعين. هذا لا ينتهي الا اذا أحلّ الله نعمته على هذا الشعب وتستضيف القلوب طوعا ربها. شرف انسكاب الله في النفس ان يؤمن الانسان انه قائم بالرضاء الإلهي وانه مستقل عن كل انسان آخر. أخذْنا استقلال البلد ولم نأخذ بالقدر الكافي استقلال الأشخاص لأننا عبَدنا الأقوياء والقاهرين. من هذه المقهورية يجب ان نسير الى الخلق الثاني الذي يتم في روحنا المتجددة ابدا والمحبة ابدا. اذ ذاك ينتشر الإبداع الكوني ويضمّنا الملكوت الى عمقه.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الى نواب الموالاة والمعارضة / السبت ٣ تشرين الثاني ٢٠٠٧

هذه الزاوية ليست سياسية بالمعنى التقني والدقيق. تطوف حول الوطني احيانا او تخترقه. ولكني فيما نقترب من المواعيد التي قد يحف بها الخطر أحببت ان أخاطبكم ببساطة وبما لي من محبة وتقدير لبعض منكم وقلت البعض لكوني لا أعرف الأكثرين.

                      انا الذي أحسّ بقوّة الله فيّ اعترف اني خائف بهذا الخوف الذي يعتري البلد جميعا المرمي على المجهول وانتم بعض من مسؤولياتكم ان تنقلوا شعبنا من الجهل الى المعرفة ومن الخلل الى الاستقامة. وهذا الاضطراب ضارب الجميع وعلى الرغم من تدنّي مستوى المعيشة الذي أخذ يفتك بغالبية الناس الا ان القوم يخشون اولا ان يتدهور لبنان كله بحيث يتساوى في المخافة الميسور والمحروم.

                      البلد اليوم محوره انتخاب الرئيس قبل ان تتوالى المواعد الأخرى وتنحل العقد المستعصية. هناك من يريد إرجاء الموعد ليتغير تركيب المواعيد حالما بنصر يؤمنه تقديم موعد على موعد وهناك من يريد التتابع المقرر في نصوصنا.

                      انكم لقد ابتدعتم الديموقراطية الوفاقية وهاتان كلمتان متنافرتان في علم الدستور. الديموقراطية قائمة على الخلاف والاختلاف والتنافس الذي ينتهي الى قرار يذعن له المجلس لأن المجلس يؤلفه القانون ولا تؤلّفه اللحمة المرادفة للتوافق. الوفاق نتيجة النقاش ولا يبدأ به. في القبائل شيخ القبيلة يلاحظ الوفاق ويعلنه. وعند انتقال القبائل البريطانية الى مفهوم الأمة اجتمع البريطانيون في مجلس تباينت فيه ااراء لاحظوا انك في هذه الدنيا لست على حق ناصع الهوية قائم على مواجهات فكر ابتغاء للوصول الى تشريع وموقف من الحكومة ليسا هما الحق المطلق والكلام البشري فيه خصومة لأن كل عقل له إقباله على هذا المشروع او ذاك ولا يدعي احد انه يحمل تفويضا من السماء.

                      والمتعاهَد عليه ان النواب مستقيمون ومحبون للبلد ونحن العاديين نفحص مزاعمهم ونقبلهم او نرفضهم بعد انتهاء ولايتهم بناءً على اقتراب ما نراه قريبا من الحق او القانون الوضعي اذ ليس في هذه الدنيا اذا اختلفت أديانها الا القانون الوضعي. على مستوى القانون الوضعي او الدستوري كل توافق كامل يعني ان أمورنا تجري في الدهاليز .

#           #

#

                      نحن أمام أطروحتين متعارضتين بصورة كاملة من الناحية النظرية او القانونية. هل ننتخب رئيسًا حسب الأصول الدستورية ثم هو يأتي بحكومة تضع مشروعا لقانون انتخاب المجلس ام «نشقلب» هذا الترتيب فنأتي بحكومة انتقالية تفترض ان الحكومة الحاضرة تستقيل وتشرف الحكومة الجديدة على انتخابات جديدة تأتي برئيس.

                      تعقيد الأطروحة الثانية ان عندنا حكومة صفها كما تشاء من حيث شرعيّتها وميثاقها ولكنها لا تذهب الا اذا ارادت ويصفها رئيس الجمهورية انها غير شرعية وغير دستورية وغير ميثاقية. هي اذًا غير موجودة بنظر القانون. فكيف يطرد فخامته هيئة غير موجودة، كيف يطرد العدم؟

#              #

#

                      أما وقد خرجنا على كل معقولية قانونية لا بد من ان يُدعى النواب الى المجلس في الموعد المعين. وبعد دخولهم يُغلق الباب من الداخل حسب قول الإنجيل: »اضطررهم على الدخول«. وجلوسهم على مقاعدهم شرف لهم ورجاء لنا حتى لا نموت في انفجار معنوي. لا يسوغ إطلاقًا، على الصعيد الأدبي، أن يتخلّف مسؤول عن محفله. في كنيستنا المطران الذي يغيب عن المجمع المقدس بلا عذر يُطلب الى المحاكمة. انت لا تستطيع الغياب لكونك تهرب من موقف قررته في تحزبك. انت تحمل حزبيّتك الى الندوة البرلمانية وتطرحها. هذا هو الفرق بين الحضر والبداوة حسب تقسيم الناس عند ابن خلدون.

                      سأماشيكم في ما يبدو فيكم بداوة. احيانا افهم انكم دخلتم التسويات واحيانا افهم انكم متشددون. البلد مهزوز منذ ان أوجده الانتداب. تسيرون حسب إيقاعه، لا مانع. في هذا السياق قرأت منذ أيام ان حزب الله أسلم أمره للبطريركية المارونية اذ نسب اليه انه يتبنى من يتفق عليه المسيحيون وفي اللسان اللبناني هذا يعني الموارنة. انا أرفض في داخل نفسي ان تتنحّى اية طائفة عن الإسهام الفعلي في اختيار الرئيس، اي من الرؤساء الثلاثة. كيف مَن جاهد في سبيل إلغاء الطائفية يتكلّم لغة طائفيّة؟ غير اني افهم ان المآزق تقودك الى تسوية هي الخيار الوحيد في ما سماه العرب حلف القبائل.

                      غير ان هذا الموقف الشيعي يفترض ان يقبله الموارنة. ولست أعلم من مراقبتي وسائل الإعلام المرئي لماذا يستصغر الموارنة أنفسهم ويقاربون اليأس في حديثهم عن أنفسهم. أفهم ان ثمة تغيرات ديموغرافية حصلت ولكني لا أفهم ان يتراجع الموارنة عن ديناميّتهم. لا مانع ان يقلدوا من ارتفع من الطوائف.

                      في هذه العاصفة واللاحضارة فلنحتكم الى البطريرك صفير اذا قبل الاحتكام اليه. ان نوعا من الانكفاء عن السياسة او الاستعفاف عند صاحب الغبطة مؤذ للبلد. واذا خشي نيافته ان يعيّن واحدا خوفا من «الفوضى الخلاقة» فليسمِّ اثنين او ثلاثة او اكثر بقليل حتى لا ينقسم الزعماء بعضهم على بعض وليعتبر هذا في العمل السياسي غير المنصوص عنه ترشيحا ويكون هذا تفويضًا من الأمة في هذا الذي نعيشه اي فيديرالية الطوائف الى ان يكتمل انتظامنا الديموقراطي.

                      هنا تنتهي السياسة ويلزمنا الرب بحيث يذكر غبطته الكبار الذين سمتهم الأخبار أنهم اولاده ويدعوهم بقوة محبته ورعايته ان يبقوا أخوة. متى يصير الموارنة أخوة؟ يقول لهم هذا ليس في البهو ولكن أمام المذبح ويتقبل وعدهم في حضرة الرب ان يكونوا متحابين ومتضامنين اذا وصلنا الى وضع «لتفصيل كلمة الحق باستقامة» (بولس الرسول).

                      ليس من صلب الديموقراطية ان يتفق الموارنة. لماذا يقولون عند بدء الصيام الكبير في احتفال كنسي انهم تراب والى التراب هم عائدون ولا يقبلون في السياسة انهم كذلك. الا يقدر البطريرك ان يقول لهم: انتم لستم بشيء بلا نعمة الله؟ يجب الا تضمحل الكنيسة المارونية بسبب من اختلاف زعمائها المدنيين. هي أهم من الكتلة المارونية السياسية فهذه زائلة. والمسيح الساكن كنيسته ومنها الجماعة المارونية باقٍ الى الأبد. ولكنه لن يبقى في لبنان اذا المسيحيون لم يريدوا ان يصيروا جسده. اذا تجلت عند الموارنة هذه الرؤية يكونون هم ايضا معنا وجه المسيح.

                      واذا تعذّر ذلك لرفض المرشحين الموارنة المثول امام مذبح الرب ويكون البطريق غسل يديه بالنقاوة كما تقول المزامير عند ذاك يجتمع كل النواب وهذا واجبهم الوجداني. ويمثل كل وجدان من وجداناتهم في حضرة الرب ولا حاجة عند ذاك الى نقاش حول النصاب. انهم في القاعة ويكون الرئيس بري قد آقفل الباب من الداخل. أريد أن اعتقد ان احدا من المجتمعين يحب لبنان في حريته ولأجل سلامته فيتزكى امام الله وامام التاريخ.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الرئاسة المقبلة ولبنان / السبت ٢٠ تشرين الأول ٢٠٠٧

بكركي متمرّسة سياسيا منذ المثلّث الرحمات البطريرك اسطفان الدويهي، ورئيس طائفة غير اسلامية باللغة المألوفة عند اليونانيين في السلطنة العثمانية يدعى إثنارخوس اي رئيس الأمّة بالمعنى المصطلح عليه في تلك الفترة. كذا رئيس أساقفة قبرص عند الروم وهذا تغير مضمونه في مناخ الحداثة التي نحن فيها او اليها حيث نتجه الى التمييز بين الروحيات والزمنيات. وهذا موضوع واسع في الكثلكة الأوربية حتى ظهور العلمانية في مطلع القرن العشرين في فرنسا.

                      ولست في معرض إلقاء دروس في اللاهوت الذي أحمله من كنيستي وان أغبط هذا الرجل الدمث والحكيم الذي هو البطريرك صفير والذي حاول مثل أسلافه الكبار ان يمسك بزمام أبنائه من كل جانب  في زخم حبه للبلد كله. ولا تنظير لي لهذا التحرّك الشامل حيث أهل الأرض يستنجدون بالسماء كما قال غبطته مؤخرا بعد ان تعب من بذل جهود منهكة في هذا البلد المستحيل والتوّاق بآن الى وجود كريم.

                      امام هذا اللقاء بين السماويات والأرضيات سألت مرة الصديق الكبير المرحوم الأب يواكيم مبارك كيف يلتقي عندكم شأن السماء وشأن الأرض؟ قال لي ما كنت لا أفطن به في تنشئتي الأرثوذكسية، قال: «الرعاة يهتمون بآلام الرعية» ففهمت، عند ذاك، أن ثمّة لقاء شرعيا بين المستويين. هنا وقف حديثنا اللاهوتي حتى فهمت ان تاريخ الموارنة الحديث تنادي فيه السماء الأرض كما تنادي اللجة اللجة على قول داود النبي. كذلك أدركت أن التلازم التاريخي في هذه الجماعة بين الأمر الإلهي والأمن الزمني هو التلازم بينهم وبين لبنان ولذلك قولهم ان بكركي صرح وطني هو من تراثهم لأن قوة الموارنة مرتبطة بازدهار لبنان جميعا.

                      هذا لا يعني ان همّ لبنان حتى التضحيات الكبرى ليس من احساس الطوائف الأخرى بسبب تربيتهم على لبنان منذ ١٩٢٠ ولكن يعني هذا وطأة الآلام على الموارنة تجعلهم يشعرون ان لبنانيّتهم تكليف يكاد يكون إلهيا.

                      لذلك ليس تجاوزا ان يحمل هذا البطريرك هذا العبء وأقولها في نفحة كنسية وليس فقط بسبب من نظام الملل الذي تركته لنا السلطنة ومارسه الانتداب بطريقة او بأخرى. ومع ان معاهدة فرساي قررت تجزئة الامبراطورية المقهورة انما لم تبعثر تراثها والسلطنة عرفت شعوبها وخصائصها ضمن مشاعر هذه الشعوب.

#               #

         #          

                      بين يوم وضعي هذه السطور وظهورها اليوم أجرؤ ان أقول بتواضع وخفر ايها السيد الجزيل الطوبى والاحترام انحُ منحاك ولا تترك طائفتك منقسمة على مستوى زعامتها الدنيوية. انا موقن ان أبناءك متعبون ويريدون العيش الكريم ولا تهمهم السياسة. لا احد من الفقراء تهمه اصلا الا في سعيه الى إطعام بنيه وتربيتهم وأمنهم. بنوك، سيدي، أهم من زعمائهم ولا يناصرون هذا او ذاك الا من اجل العيش الذي وعدوهم به. وغير اعضاء كنيستك وراءك في السعي الى حرية لبنان وتركيز حياته الوطنية اذ بلا هذا يبقى جبالا وسهولا وبحرا بعد ان يكون خرج من التاريخ. نحن لسنا فقط مدى. نحن زمان وحركة زمان.

                      اعرف دقّتك في عدم رغبتك ان تناضل نضالا سياسيا وتحافظ فقط على الوطن في اساسياته. حاشا لي أن أوحي اليك بمسلك محدد وأنت أكبر مني وأسنّ ولكن أتمنّى ان تُخرج لنا من المارونية ذلك الدسم القادر ان يقوّينا في الهزالة التي نحن فيها قائمون. هنا إمارات (إشارات) تدل على ان كبار القوم لن يواجهوك بصدّ وكأنهم لا يرفضون لك موقفا فصلا ليقينهم بأنك لست مارونيا سياسيا بل ماروني وطني. المهم ان يقبل الكبار من رعيّتك هذا التوصيف وان يقدّموا لك ما هو أعمق من التحيات والتماس الدعاء.

                      انا أفهم مخاوف بعض والمجروح ترحمه. ولكني أتمنّى ان يحيط بك الزعماء الزمنيون من طائفتك. وشعوري عندما احاول ان أقرأ بين سطور الأخبار ان المواطنين جميعا وعلى رأسهم المسلمون يقولون في سرهم لك: «يا سيد، تشدد فنحن غرقى والبلد على قاب قاسين او ادنى من الحريق»، واذا فكروا بأولادك المختلفين يقولون هم لك آية من كتابك: «اضطرهم (اي الموارنة) على الدخول» اليك والى عشقك لبنان ولا تدعهم يتفرقون، واذا فتشوا عن رئيس «معقول» فليذكروا ان الحضسن أفضل من الأحسن وان لبنان حاليا لا يستطيع ان يختار الا انسانا جيدا من الموجودين.

#                 #

#

                      المتفوقون من الموارنة كثر واذا صلحت النيات وتجلّى الإخلاص لا بد ان يتفقوا على اثنين او ثلاثة ببركة السيد البطريرك وان عف عن تسمية واحد لأنه يأبى ان يخلط السياسة بالدين. مع ذلك اي راغب في الرئاسة ان كان قديرا، صلبا، مثقفا، نشيطا حسب التوصيف البطريركي لا بد ان يجمع عليه زملاؤه ويسترضوا رئيس كنيستهم وهو غير متحيز.

                      المهم ان يريدوا جميعا بأن ينجو لبنان وان يأتي هذا الرجل عاشقا للبنان، عارفا بتاريخه وحاضره وممتدا الى مستقبل بنّاء وان يكون في القوة نفسها محبا للشعب السوري جارنا العربي الوحيد. ولم اسمع منذ أشهر بشخص لا يدعو الى ازدهار الشعب السوري وصداقته. وفي هذا لا يزايد فريق على فريق. وفي هذا كلنا لا يزال متمسّكا بميثاق ١٩٤٣ والطائف الذي يكمله. من لا يريد الاستقلال لهذا البلد ومن لا يبغي سيادته الكاملة. ووثيقة الوفاق الوطني لم تعطل الأساسي في ميثاقنا الاول ولبه الاستقلال عن الشرق والغرب. هذا يرتب علينا حقوقا ويلزمنا بواجبات. وقبل كل شك يلزمنا بنهضة البلد من كل جانب ولا سيما الجانب الاقتصادي الذي اذا نما يجعل الناس في الرجاء ويدفعهم الى البقاء في البلد حتى لا يقال عن بلدنا فقط انه جميل ولكن يقال انه فاعل وحيّ.

                      اذا اضعنا فرصة النجاة في الاستحقاق الرئاسي نكون رمينا أنفسنا في المجهول الكامل وصراع مخيف لا يعرف احد عقباه. لا بد بعد هذا من بقاء خلافات نتجاوزها بالحرية والديموقراطية ومحبة بعضنا بعضا وهي اللحمة الاساسية عندنا لأن القوانين والمؤسسات على أهميّتها جافة بلا محبة. وهذا شعب لا تجوز فيه القسوة ولا يسوغ التباعد. وقد أثبتنا في الخلاف القائم أنه لم يبقَ من صدام حقيقي بين الطوائف لأن البلد يريد ان يعيش.

                      اذا لم يتيسّر لنا الإتيان بالرجل الأمثل فليكن بالأقل صالحا على المستوى الخلقي وفهيما للسياسة وتعقيداتها ومثقفا بثقافة عالية. اذا آمنا ان احدًا لا يريد ان يبيع البلد ويقوى على تماسكه ورؤية مصالحه فمثل هذا موجود في الطائفة المارونية ولا بد ان يراه الناخبون فيما هم يخلصون للدستور.

                      وبعد انتخابه تسير عجلة السياسة القويمة بانتخاب حكومة وسن قانون عصري لانتخاب مجلس النواب وقيام مؤسساتنا على الطهارة والعلم معا على ان يقرر كل منا ان يصبح مواطنا أصلح مما كان لأن المجتمع المطهّر هو أساس الحكم والحكم دافع لهذا المجتمع الى ما فيه رقيّه في التحرر من كل آثار التخلّف والعصبيّات الطائفيّة والقبليّة.

                      وفي هذا للاسلام والمسيحية دور عظيم بحيث نرضي الله ليس فقط في العبادات ولكن في المسلك الاجتماعي والسياسي لأن هذا ايضا من الدين وليكن المعلمون الروحيون والمرشدون والوعّاظ دعاة للوحدة الإنسانية المتينة في ما بيننا ولنختلف في شؤون الأرض في هذا التفصيل او ذاك وبدل ان نبني حياتنا الوطنية على الطائفيّة الشخصيّة المتوترة فلتُبنَ على السلام الداخلي الشخصي وعلى السلام بين الجماعات ولنحقق الايمان في الحياة الوطنية الواحدة كما نحققه في داخل النفس وليسُد الوطن نفَس روحي واحد فيه احترام وتقدير للمواهب التي عند الآخر ولنقتبس من الآخر كل جمالاته التي هي انعكاس للجمال الإلهي.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان الأبيض / السبت ١٣ تشرين الاول ٢٠٠٧

انكفأت عن قادة لبنان الى لبنان عليّ اتعزى. انكفأت الى الأرز الذي نصبه الله كما يقول المزمور ١٠٣ في حين ان كل الأشجار الأخرى نصبها البشر. هكذا يعلينا الكتاب الإلهي ويمدح جمال نسائنا في نشيد الأناشيد ويكشفنا هدفا لمطامع اسرائيل. انت لا يسعك ان تناقش في ما اذا كنا موجودين او غير قائمين على هذه التلال والجبال بعد ان ذكرتنا التوراة حوالى سبعين مرة كائنا ما كان منظور هذا الذكر.

                      لست اعلم اذا كان المهاجر الذي قرر عدم العودة لصيقا بالوطن. لست أدين احدا فهناك اولاد يكبرون ويتزوجون ويلازمون الأرض التي ابتغوا الإقامة فيها. انه لشيء عظيم اذا مت ان تضجع مع آبائك. تكون تشرقت اي طلبت ان تُدفن تحت الشمس في بلدك. واذا كنت مسيحيا تذكر ان أشعياء يسمي المسيح الشرق. وقبل انشطار الكنيسة في القرن الحادي عشر كل الكنائس كانت الى الشرق ومنه لبنان. ان كنت تحبه تسافر هنيهة طلبا للعلم او الرزق ثم تعود الى النور اذا التمسته عيناك ورغب فيه قلبك وتنتظر ان يلتصق لحمك بترابه عندما يقرر الرب استردادك الى الملكوت ولكن قبل ولوجك السماء يحجب وجهك ترابنا. الصوت الإلهي يناديك من تحت ترابنا. من عندنا تنطلق الى كنيسة السماويين.

                      لست متعصبا لجمال الطبيعة عندنا ككل اللبنانيين ولكن لا شك عندي وانا المسافر الكبير اننا في طليعة البلدان الجميلة ولكن بيوتنا راسخة في التاريخ في الساحل ومصوغة في الجبل كالماس في الخاتم. يسحرك بهاء الكثير من قرانا حتى نعيد الأشجار التي احترقت ونقول بذا اننا محبو الخضراء والجنات التي تجري من تحتها الأنهار. ولكن يعذّبني ان السياسة عندنا ليست جنة واننا في حاجة الى زمن غير يسير حتى تصير حياتنا الوطنية على صورة القديسين. يؤلمني هذا البعد بين الطبيعة عندنا وهذه التشنّجات الجارحة التي تحزّ في كياننا البشري. لماذا بتنا هكذا على اللاوعي وعلى غير الاخلاص وهنا لا اتحدى احدا ليقيني ان فينا قوما طاهرين عندهم من كلمة ما تجعلهم مؤهّلين لخدمة البلد كما كان الفلاسفة يحكمون أثينا في ايام أفلاطون.

                      البلد لا يمشي من ذاته. لا يتحرّك الا بالمعرفة والمحبة اللتين لا تلازمان بالضرورة المقامات العلى. والعلم وحده بلا محبة يولد من أحشائه الخير كما يولد الشر. والكثير منا انفعالي بدءًا من قيادة السيارة الى رجل السياسة التي هي اصلا فن قائم على الصدق والتقوى والنزاهة الكاملة. ليس صحيحا ان السياسة تلطخ آليا صاحبها، انه اذا تعششت فيه المعصية تأتي أعماله سيئة ويقدر ان يفسد البلد.

#                  #

#

                      انا عشير لبنان من قبل الاستقلال وكدت أموت في مظاهرة طلابية في طرابلس صباح الحادي عشر من تشرين الثاني السنة الـ ١٩٤٣ تحت دبابة فرنسية قتلت احد عشر من رفاقي المتظاهرين عند اعتقال الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح ورفاقهما. وعرفت بسبب من عملي آنذاك قضاءً نزيهاً الى حد كبير وادارة معقولة في هذه الفترة وبعدها.

                      عند منظر الدم ولمسي لأعضاء رفقائي المتقطعة اهتديت الى لبنان رافضًا للإنتداب وآمنت اننا قادرون على الحرية ومستحقون لها. وعملنا لها لما كانت تتهدد وصرنا اليوم أكثر من اي يوم مضى مصرين عليها ليصبح كل منا بشرا سويا ونهدي مواطنينا وغير مواطنينا الى الحق.

                      بعد تلك الأيام صرت أتردد على جريدة لسان الحال وصرت أكتب فيها كل سبت وكان جبران حايك يعرف اني واياه كنا نذكر معا انطاكية عاصمة ولاية سوريا الروماني ومركز كنيستها حتى اليوم. وكان ذكر انطاكية يعني لنا النهضة الروحية في كنيستنا. قال لي جبران مرة: ما هي انطاكية؟ لم أفهم سؤاله. اجاب هو عن سؤاله بقوله: انطاكية هي اليوم بيروت. فهمت انه يعني نهضة الفكر العربي التي كانت العاصمة اللبنانية تحتضنها وانها المدينة الاولى في نشر الكتاب العربي كما لاحظ ذلك طه حسين وما كان أدباء العرب من العراق الى القاهرة الى السودان الى الخليج يتهمون لبنان بأنه انعزالي. الروح اللبنانية كانت تعني آنذاك لبعض الابتعاد عن العرب وكنت اعرف ان العروبة بدأها موارنة باريس وان الموارنة ثم ارثوذكس جبل لبنان سبقوا غيرهم بسنوات في تحدي الصهيونية. هل كان انعزالية ان تجبه الفكر الصهيوني فورا بعد مؤتمر بازل السنة الـ ١٨٩٧؟

                      هذا الشعب حي قلبه وحي عقله بانتظار إحياء الدولة. متى ينتهي الطلاق بين الحكم والأمة؟ متى يصير الحكم على صورة الشرائح الطيبة من عائلاتنا الروحية جميعا؟ طبعا انا لست أؤمن ان اللبنانيين جميعا قديسون ولكنهم محبو السلام ويسعون الى تنشئة اولادهم ونموهم حتى يأتوا روحيا على جمال جبل لبنان، على مداعبة الشمس لجبالنا عند الغروب فوق ضريح جبران او فوق قبر ميخائيل نعيمة في الشخروب.

                      من يعرف كل هذا لا يستطيع الا ان يشتهي الراحة لأهل لبنان والازدهار، لأن في هذا خدمة للعرب جميعا. كنت أحاضر مرة عن المسيحية العربية في الخليج وكانت القاعة قاعة للدولة ويقدمني شخص رسمي وكان ذلك امام خمسمئة شخص كثرتهم الساحقة من الإمارتيين فلم يجد تعريفا لي الا اني من وطن جبران ونعيمة وأمين الريحاني. هذا لم يخطر بباله ان المسيحيين انعزاليون. كذلك في المغرب لمست مع كبار من أساتذة الجامعات ترحيبا بي كلبناني.

                      اما اليوم فكلنا خائف على البلد بعد اقتناعنا انه يقوم على دولة فيها مقومات حكم سليم. والحديث منذ تولي الرئيس الياس الهراوي كان عن دولة القوانين والمؤسسات اي في العلاقة الموضوعية العادلة بينها وبين المواطنين. وهذه العلاقة في خلل مبين ويحس اللبناني انه متروك الى قدره وعمل الدولة عينا في التغلّب على القدر وإحكام العقل. هذا الشعب يحتاج الى رعاية، الى حضن، الى ثقة بالمستقبل القريب، الى الا يتعرّض الى الجوع. هذا كله يحتاج الى التضحيات من قبل اهل السياسة والى نوع من تخفيف حدة الحزبية طلبا لشيء من الرحمة. هل انا حالم لو قلت اننا في حاجة الى اتخاذ اهل الحكم والنواب البلد الى صدورهم التائبة وان يلتقوا على هو ممكن وبنّاء بآن؟

                      والقضية قضية ايام اذا كنا مصرين على انتخاب رئيس لأن إرجاء الموعد اذا لم يحدث فراغا لا بد له ان يحدث قلقا كبيرا حتى درجة اليأس. والناس هم المهمون ولاسيما الفقراء منهم. الى هذا لن يرضى الموارنة وربما عائلات روحية اخرى مسيحية ام غير مسيحية ان توضع الرئاسة في مهب الريح. انا افهم ان يتمسّك الماروني بمقام الصلاحيات فيه قليلة ولكنه يرمز الى منطق تاريخي.

                      في اليومين الأخيرين جمع السيد البطريرك صفير المجروح من اجل البلد أقطاب طائفته وأرجو أن يكونوا قد اتفقوا على صالح لبنان (مقالي مكتوب قبل اجتماعهم). وبالتأكيد لا يرغبون او لم يبقوا في موقع من يملي خيارا. ولكني اوصي في المحبة ان يراعى جانبهم اذا هم اتفقوا حتى نصل الى فكر ديموقراطي علماني لا نأخذ بعين الاعتبار الطابع السياسي للطوائف.

                      واذا لم يتم هذا الاتفاق فلندع الله جميعا ان يتم تحت قبة المجلس. ان رغبة البطريرك في ان يكون النواب جميعا هناك هي رغبة حكيمة تتخطّى بعض الاعتبارات الاجرائية فينتخبوا رئيسا قويا طيّبا فهيما مثقفًا غير تافه ومن بعد هذا لا نكون عند نقطة الصفر ولكن تسير عجلة الإنقاذ. من الممكن ان تبنى الدولة من جديد مع رئيس جديد وتتعهد السلطات الثلاث التي تضع يدها على مؤسسات البلد فتساعد هذه الدولة على تكوين مجتمع صالح نسبيّا ولكنه في حاجة الى خمسين سنة او اكثر من التربية الأخلاقية ليتفاعل والدولة في شكل خلاق يبنيه ويبني الحكم معا.

                      أرجو ان ترفع قلوبنا ادعية بارة لبدء مسيرة الإنقاذ حتى نبلغ قيامة لبنان الأبيض.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الرئيس المرجو / السبت ٦ تشرين الاول ٢٠٠٧

سوف يدرس المجمع المقدس الأرثوذكسي الوضع اللبناني في دورته العادية المنعقدة بعد يومين في دير مار الياس شويا (ضهور الشوير). نرجو ان يلهم الرب السادة المطارنة إلهاما حسنا ليقولوا كلمتهم لكل اللبنانيين لأننا كنيسة تخاطب جميع الناس. قبل ذلك أبث تأمّلاتي الشخصية التي لا تقيد احدا سواي.

                     قبل ولوج موضوع الرئاسة منذ صدور الثوابت الإسلامية قبل الطائف أكّد المسلمون نهائيّة لبنان وأخذنا عنهم بكل فخر وصارت معتقدًا من هذه الدنيا. فوطننا نهائي ما دمنا له. ولن يجتزأ الا اذا تغاضى عنه بعض منا الى ما يقسم ويفتت الكيان لتقوم الأنا الطائفيّة او التحزّب الضيق المقيت. ولن يثبت احد على لبنانيّته ما لم يؤمن بأن لنا مقوّمات وجود ووحدة على تنوّعنا وفي تنوّعنا وان عرضنا التعدد البالغ الحجم الى معطوبية تبدو في هذا الجيل او ذاك.

                     قبل الاستحقاق الرئاسي الكثيرون قائمون على صلاتهم من اجل هذا الوطن الصغير القادر على الكبر والعطاء الرسالي وكأن هذا البلد لا تحييه الا النعمة الإلهية مسكوبة علينا جميعا وعلى مختلف شرائحنا لأن البشرة فينا ضعيفة والخوف يجتاحنا بين حين وحين. أذكر لقاءً دعا اليه المثلث الرحمات المطران ايليا الصليبي في دار مطرانية بيروت وكنت حاضرا فيه وذلك السنة الـ ١٩٧٥ جمع كبار الزعماء. قال فيه المرحوم الشيخ بيار الجميل مؤسس الكتائب للزملاء المسلمين: نحن المسيحيين نخاف فأجابه المرحوم تقي الدين الصلح ولكن الخوف ضعف فرد عليه الشيخ بيار: أزيلوا أسباب الخوف حتى لا نضعف.

                     اليوم الخلافات السياسية لا تقوم على أساس طائفي لأن الطوائف مندمجة في هذا التيار وذاك. اليوم سيسنا مخاوفنا اي دولناها بعض الشيء ودخلنا في الشك في الآخر وهذا سيبقى كثيرا او قليلا من بعد الاستحقاق الرئاسي. ولكن الثقة تستعاد بالأفعال وتتدرّج انت اليها في الحياة المشتركة او المشاركة الفعليّة التي تبدأ بايمانك بإخلاص الآخر. انا اريد ان اؤمن بأن اية ذرة من الإخلاص تقوية عند الطرف الاخر حتى نؤمن بعضنا ببعض. وهذا يعني ان نبدل ما في انفسنا رحمة وصدقا.

#                  #

#

                     وهذا له مدى طويل، اي يتطلّب توبة كل منا الى الآخر وتصديقه في ما يقول والا يفتري عليه كذبا. قد يكون للتصديق مراحل اي قد يكون فيه درجات يكتمل بعدها وقد يحدث ما يحل العقد فنخرج منها سالمين فيتوحّد البلد على سلامة القلوب. ولا اريد ذلك شعرا او خيالا او وهما اذ الأوطان تبنى من حب الى حب ويبدو ان بلدنا هكذا ينبني. وهذا لا يمنع التوق الى عقلانية التجزئة والتوتر المستبد.

                     وقد نمر بمرحلة خلاصية تستتبع مراحل أخرى ما يساعد على تفكيك العقد الواحدة بعد الاخرى اذ تنمو طهارة القلوب بالأفعال الناطقة الدالة على التغير او إرادة التغيير. هل تكون وقفتنا امام الاستحقاق الرئاسي اذا ما تم في الإخلاص ايذانا بتلاقيات اخرى تنشء جميعا الوحدة.

                     ان نقول قولا واحدا في كل شيء فهذا غير مطلوب في الديموقراطيات وغير ممكن في تعدد العقول وتاليا الرؤى. الديموقراطية تقوم على تنازع وبديلها طبائع الاستبداد كما يقول عبد الرحمن الكواكبي. تداول الحكم هو عينا الاختلاف البناء لأن احدا في السياسة لا يستطيع ان يجزم بما هو حق او موافق. ما تزعمه انت صوابا اقول عنه انه خطأ. والخصومة الديموقراطية تفترض ان احدا لا يحتكر الصواب فأنا اقبلك وإن كنت على خطأ. وليس في الديموقراطية توافق. ومن اراد ان يفرض عليك ما يراه صوابا انما هو مستبد تحديدا. فما من صواب الا في الوحي.

#                  #

#

                       غير اننا قد نعيش مرحلة يضطرنا فيه التأزم الى توحيد المواقف حتى تصل بنا مؤقتا الى التوافق وهذا قد يكون سهلا اذا دخل كل النواب المجلس في الوقت المحدد بسبب حبهم للوطن وقاموا بواجب الانتخاب لرئيس ينتخبونه من موارنة لبنان وتتوفّر فيه الشروط التي تحدث عنها العقلاء في هذا البلد ويقيني ان هذا الرجل لن يكون متصلبا في كل ما اتّخذه من مواقف مع من زاملهم. لن يكون متصلبا ولكنه يكون صلبا اي قويا على عدالة ويكون محبا للبنان حتى الشغف، متحيزا للبنان ولا يغازل غير اللبنانيين ولو أغروا. لست اظن ان احدا يدعو الى انسان غير استقلالي او غير سيادي فالأخلاقية المشترطة فيه لا تداعب توجه قلبه الى ما هو غير لبنان وشعوري ان الآلام قادتنا الى التمسك بسيادة لا تنفي تعاملا طيبا والإخوة العرب القريبين منهم والبعيدين اولئك الذين يحترمون كياننا صادقين.

                     اجل ليس في البلد من يلم بكل شيء في كل مجالات الحكم لكونها من خصائص الوزراء كل في نطاقه. اما الرئيس فيرى كل الأشياء ولو على غير اختصاص وعنده نفحات تؤهّله ان يراه اللبنانيون حكما موجها وأبا لكل المواطنين فلا يفرق بينهم ولو كان ذا فكر سياسي واضح. لذلك لا يكفي ان تفصل  ثوب المواصفات  فنأتي بمن نضعه في الثوب. ليس هكذا تسير الأشياء. انت تتذوّق الرجل اولا فتأتي به اذا كان عظيم الأخلاق وذا ثقافة واسعة انسانية وسياسية معا. انت لا تعطي علامات لكل مواصفة ثم تجمعها ولكنك تؤمن بشخصه اي بطهارته وصلابته وعلمه وانه لا يعيش على الهوى.

                     ما هو الأعظم بين الموارنة والمناسب للظرف الذي نعيشه هذا هو السؤال. ما من شك في ان ثمة غير واحد. بمن نحن مقتنعون، من هو الأبهى والأعقل والأكثر اتزانًا والأطهر والأقرب الى قلب الله وذوق اللبنانيين ولو اختلفنا عنه بهذه الجزئية او تلك من فكره على ان يكون ملتزما بالحق وكلية لبنان. ما هي التزاماته التي نفترضها فيه يوم الانتخاب. اتمنى الا يأتي التوافق قائما على حسابات فئوية لئلا يدخل النواب منقسمين الى المجلس.

                     هل لنا ان نحلم بدخول ممثلي الأمة جميعا الى المجلس. يبقى موضوع النصاب الذي ليس عندي اهلية دستورية للتحدث عنه. ربما لم يفت الوقت للمذاكرة الفقهية في هذا الموضوع ولكنه موضوع تفسيري يبقى النظر فيه للمجلس اي يعني هذا تشريعا والجلسة ليست للتشريع. ألهم الله السادة النواب ليتفقوا منذ الآن على الرجل التماسا لفك العقد المتبقية. هذا يحتاج الى عملية حب كبيرة ينعم الله وحده بها.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

جولة اوروبية / السبت ٢٩ ايلول ٢٠٠٧

منذ صباي أحلم بالحج الى هذا الدير البنديكتي في قرية   Chevetogne في بلجيكا المتخصص بدراسة الكنيسة الارثوذكسية وهو على تصميم واضح ان يحترم بقاء الارثوذكسيين في كنيستهم. درس من اجل المعرفة التي تقود الى المحبة والتزام المحبة التي تقود الى المعرفة. الدير معروف بمجلّته التي تتابع بخاصة قضايا الشرق المسيحي اللاهوتية وهي مفتوحة لعلماء الكنائس المختلفة وقد نأى هؤلاء من زمن طويل عن السجال وانت تبحث في شؤون كنيسة اخرى بكل موضوعيّة وحب.

                     كل الرهبان لاتين معظمهم أوربي ووجهتهم الشرق. لذلك رأوا ان ينقسموا الى مجموعة تتبع الطقوس اللاتينيّة ومجموعة اخرى تؤدي الطقس البيزنطي وذلك في كنيستين مختلفتين اذ لا بد من هذه الثنائية المعمارية لكي يأتي الفن المعماري مناسبا للعبادات.

                     كان من الطبيعي عندهم ان ألازم الخِدم الإلهية في الكنيسة البيزنطيّة وشهادتي وفرحي كانا في انهم يتقنونها من كل جانب كما تقام في موسكو بلا اي انحراف او ضعف في الأداء. لغة الصلاة هي السلافيانية التي هي اصل اللغات السلافية. يستخدمها كل الشعوب الأرثوذكسية التي اشتقّت لغاتها من هذا الأصل اللغوي القديم. تلاوات الكتاب المقدس بالفرنسية. اما الترتيل فاسلافياني وذلك بلا لكنة إطلاقا.

                     الكنيسة مزيّنة بالايقونات على اختلاف المدارس التي أنشأتها. وما يدهشك بخاصة الحركات الليتورجيّة المختلفة متناغمة واللباس والبخور والسجدات بحيث يستحيل عليك ان تعرف الهوية المذهبية لهذه الكنيسة ان كنت من العالمين.

                     يحضر الى هذا المكان مؤمنون كاثوليكيون من بلجيكا وهولندة في الأعياد وبعض الآحاد. ويدهشك ان يتحمّل الكاثوليكي الغربي صلوات طالت في عيد رفع الصليب (١٤ ايلول) اربع ساعات في الليل ما عدا القداس في اليوم التالي. ولا شك عندي انهم لا يفهمون اللغة السلافية ولكنهم يسعون الى الجو الروحي الذي يتجاوز الكلمات.

                     كان شعوري وشعور بعض الحجاج ان هذه العبادات كانت منتشَرا للملكوت او استهلالا للملكوت.  هل من فرق جوهري بين إطلالات الملكوت هنا واكتماله فوق؟ هنا في وسط الصلاة تحس بالقربى الكبيرة بين مسيحي شرقي ومسيحي غربي. بطريقة ما غير مدركة عقليا تلمس ان الذي ينزل الى أعماق الصلاة الأرثوذكسية يلتقط فيها عمقا لاهوتيا يؤنسه التقابل العقلي بين المذاهب. ليس كل شيء في معرفتها. انت تذوق بفضل هذه الممارسة ان هذا الراهب الكاثوليكي الاوربي دنا منك دنوا كبيرا وينبسط هذا في حديثه كما انبسط في عبادته.

                     الى هذا البناء العبادي الفريد في جماله عندك بناء آخر وهو البساطة اول جانب منها الإقرار بضرورة الاستزادة من العلم في مكتبة ضخمة بكتبها المرتبطة، بخاصة، بتذوّق الشرق الأرثوذكسي.

                     وكان الأقرب الى نفسي في فضيلة البساطة ان العلماء ومن كان دونهم علما يقومون جميعا بالعمل اليدوي من تقديم الطعام على الموائد واعمال التنظيف. الكل خادم والكل يسعى الى المعرفة ما استطاع والجميع يرتلون واهم من ذلك كله تساوي الأفراد في الفقر وإكرام الضيف والتسابق في الإكرام كما يقول الرسول.

                     هذه أشياء هي مداخلهم الى الله ونوعية عيشها عطاء من الله. عندما تعايش هؤلاء الإخوة بضعة ايام تلحظ ان الكنيسة تتروحن بهم وبأمثالهم. ليس انهم بالضرورة الأقدس. فالقداسة ليست حكرا على أحد. ولكن ما يؤثر فيك ان ثمّة من عاهد الله على ان يكون له فقط. انا لا أنزّه احدا في الدنيا كائنا ما كان مقامه عن الضعف البشري. نحن من تراب. ولكن يجذبني الشهيد الحي الذي قدّم نفسه وجسده او صمم ان يقدمهما في ذبيحة حية وان ينقطع او يصمم ان ينقطع عن الملذّات الشرعية في هذه الدنيا ليكون كامل الانصراف الى تحقيق الملكوت في كيانه ويرجو التحقيق الكامل للملكوت بعد القيامة.

                     احزن ان انكسرت الرهبانية في كبير او صغير فلا بد ان تلتصق الترابيّة بنا ولكن ان تسطع القداسة في بعض حتى اؤمن بواقعيّتها فهذا يساعدني على ان اتغلّب على ضعفاتيي وأبقى على الرجاء.

#               #

#

                     بعد هذا انتهينا الى دير  Bose   في شمالي ايطاليا، عند سفح جبال الألب فيه رجال ونساء يشتركون في الصلوات والخدمة، في الزراعة، في رسم الأيقونات البيزنطيّة على أكمل وجه، في الفرح. دير كبير بأجنحة مختلفة تحوطه البساتين ووسط الكل كنيسة أبدعت طقوسا يرتفع فيها الإنشاد باللغة الايطالية. المجموعة كاثوليكيّة تتقبّل اعضاء من كنائس أخرى لا ينفكّون عن مذاهبهم وتجمعهم حياة قائمة على المزامير وتلاوة الكتاب وأناشيد هم ألفوها وتستلهم الكتاب بحيث يحس كل المشتركين بعمق مسيحي واحد. الشركة كما يسمون انفسهم مرتبطة بالأسقف المحلي تستقبل مؤمنين يطلبون الخلوة في هذا المكان الفردوسي الذي يتعاطى فيه البعض اللاهوت والترجمة وكل هذه المعرفة تتغذى من ينابيع الروحانية المسيحية الشرقية مأخوذة من السريانية واليونانية والانتاج الارثوذكسي الحديث بحيث يتروض عندهم من شاء على التراث الأصيل الذي يعطى بعلم ومحبة.

                     وتقيم الجماعة مؤتمرات لدرس الكنيسة القديمة اليونانية اللغة والكنيسة الروسية وذلك منذ خمس عشرة سنة يحضرها علماء من الكنائس كلها، مؤتمرات تباركها القسطنطينية وموسكو. والغرب علم لا تحيز فيه الآن وليس من محاولة لاقتلاع احد عن عقيدته اذ المعرفة العليا لا تحزب فيها فتكون مكان لقاء للقلوب والعقول.

                     المؤتمر الأخير دار بين الـ١٦ والـ١٩ من ايلول على «المسيح المتجلي في التقليد الروحاني الأرثوذكسي» تناول المجتمعون حادثة التجلي، في مجالات التفسير الكتابي للحادثة الإنجيليّة، في الليتورجية والايقونوغرافيا البيزنطية والوعظ في بيزنطية وروسيا وتكلم الدكتور رامي ونوس اللبناني البلمندي عن التجلي عند القديس يوحنا الدمشقي وتحدث غير واحد عن التجلي في الغرب وعند سمعان اللاهوتي الحديث وعن رؤية النور الإلهي عند غريغوريوس بالاماس وجبل آثوس وعند الكتاب الروسيين وخصص اليوم الأخير للروحانيين الأرثوذكس المعاصرين وكان مسك الختام الحديث عن معنى التجلي في العالم الحاضر.

                     تعلم كل منا من الآخر وصلينا معا واهتدى كل منا الى ربه على ضوء هذا الكلام. وحدة عميقة ربطت في الدعاء والتأمّل الفكري بين أساقفة أرثوذكسيين ورهبان غربيين وعلمانيين من الكنيستين ولو دخل مراقب ليفحص الفكرين ما كان ليجد بيهما فرقا ولم يأتِ احد على ذكر الفروق.

                     جولة على هذين الديرين البلجيكي والايطالي كانت زادا سماويا لكل الحاضرين. صلاة بلا فكر لا تكفي وفكر بلا صلاة عقيم وتشددت الوحدة بشهادة الرهبان للرب في ضيافة القلوب للقلوب.

Continue reading