Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2008, جريدة النهار, مقالات

الطمع / السبت ٩ شباط ٢٠٠٨

أنت تعيش بقوة الحيازة او الاستحواذ او الأخذ او الملك وهذا كله يبطن الطمع وهي شهوة لا حد لها ككل شهوة تطلق لها العنان او انت ملك الله ولا يهمّك ملك آخر في هذا العالم وعند ذاك يتملّك ما أنت مالك او انت لا يهمّك ما حزت عليه وأن يبقى او يذهب وأنت قائم بما أنت اي أنت وجودك ولا تعتبر ان ما في هذه الدنيا يصنع وجودك او يزيدك وجودا. فالصراع قائم بين كونك مالكا وبين كونك مملوك الله او عبده او ابنه.

          فإما ان يكون الوجود الخارجي الذي بين يديك شيئا او الوجود الذي فيك هو انت. ولك ان تختار بين ما تحوز وبين حضرتك الواقفة امام الله اي المستندة روحيا على فقرها. وقد يصل بك الاستغناء عن هذا العالم الى الاستغناء بالله فتصبح قيمتك آتية منه ولا أحد انسانا قيما ما لم يقل الله ما يراه فيه في اليوم الأخير.

          لا محاربة للطمع الا اذا اعتبر الانسان نفسه قائما بذاته وبالحري قائما برؤية الله له، واذا رآه غارقا في هذه الشهوة فيحزن الله.

          لا يتوهمنّ أحد اني أدعو الناس الى ان يبددوا المال الذي يكفيهم او الا يطمحوا بالأكثر. هناك عيال ويكفي الله من أراد. أما الذي يحب المساكين فليس لي أن أعلّمه وهو يعلّمني. نحن لا نعيش مع الأقل والأكثر، مع الوفرة العظيمة والفقر المدقع. نحن نعيش مع القلب. السؤال هو ماذا في قلبك او هل عندك قلب ليتّسع لله فقط. وحتى يستنزل قلبك الله يجب ان تعطي كثيرا لأن هذه الإمارة (العلامة) الوحيدة للحب. لا يدعو الى الفقر الذي نسمّيه اختياريا الا ربّك. دائما أخشى المال لكوني أخشى الافتخار. انت لست حرا مما تأخذ. أنت حر بما تعطي. ليس اذًا حديثنا عما تكسب وما تخسر ولكن حديثنا عمّا اذا اخترت بأن تحوز لتوجد او الا تحوز ليملك الله عليك.

          في هذه الجدلية يذهب بولس الى أبعد من هذا اذ يقول: «الطمع هو عبادة الأوثان» (كولوسي 3: 5) مع انه ذكر من قبل ومن بعد شهوات أخرى ولم يقل عنها انها عبادة وثن. كان يفكّر في اشتهاء الأموال لا ريب في ذلك، ويخشى ان يصير الإنسان ما يشتهي. كنت أسمع في طفولتي هذا السؤال: «شو بيسوا هيدا» وأفهم انه سؤال عن ثروته. قد لا يعني هذا ان قيمة الإنسان عند هؤلاء ان شخصيّته هي ما يملك ولكنها تُخفي اعتقادا بأن الله قوة وهذا صحيح. ولكن ما بالك بإنسان لا يسعى الى القوّة ولا الى نفوذ الا اذا كان حاملا دعوة من فوق أمره ربه بتبليغها وهذا لا يتطلّب نفوذًا من الأرض. الناس في كل حياتهم لا يحترمون القوي لمجرد كونه كذلك ولكنهم يحبون ان يقووا به وأن يكون مصدر نِعَم لهم. آمن الناس والساقطون منهم دوما ان قيمة الإنسان باستقامته وصدقه ومحبته، ويتحسسون انهم قد يصيرون أفضل بالاقتداء به وقد تصل القدوة اليهم. الانسان السيء الشرير يقول عن الآدمي انه آدمي ويأسف لكونه ليس مثله.

#                     #

#

          الناس يحبون ان تكون ذا طموح. هنا ايضا يجب ان نفرق بين الطموح البناء والطموح الذي يقوي عندك الطمع ان تتخذ مهنة لكونها مصدر ربح طامع. ان اتخذها لكي اخدم هذا طموح شرعي ومقدس. وهنا يفترق المبدع وغير المبدع وأتكلّم هنا فقط على الإبداع الروحي الذي هو الإخلاص. لا إبداع بلا حب فأنت مثلا تبغي ان تصير طبيبا كبيرا لأنك تريد معالجة الأمراض المستعصية وتساعد على الشفاء والمال يتبع هذا في معاييرنا البورجوازية. اما اذا زججت نفسك في دراسة تعرف انها تغنيك فقد تنجح علميًا او لا تنجح ولذلك يترك بعضهم مهنا حرة مهذّبة للنفس ومساندة للمعذّبين ليصيروا تجار عقارات وما الى ذلك. اذًا لم يتخذوها مهنتهم الاولى تعلقا منهم بالخير.

          هناك فنانون ماتوا جوعا. قلة من الشعراء يعيشون من إصدار كتبهم. هؤلاء ممسوحون بالقداسة. أنت تبغي الإنتاج العظيم او تلتمس مالا ولا جمع بين هذين الشيئين الا اذا تثقّف قوم كثيرون ليقرأوا. ولكن ان اشتهيت فلسًا واحدا قبل ان تضع قصيدة تأتي تافهة حتما. لا جمع ممكنا بين الطمع والقيم العظيمة لأن كل ما تطمع به أنت عابده.

#                  #

#

          من المؤكّد انك تحتاج الى الروح الإلهي فيك يفحص نياتك ويرشدك الى كونها جيدة او سيئة. الشر يغطي دائما نفسه برغبة الحسنات. لا تدع نفسك تغرق في هذا الوهم. اي ادع ربك ليعطيك ما نسمّيه في النسك المسيحي روح التمييز. اعرف اي تحرك داخلي يلهمك. هل هذا التحرك من الله؟ اثنان يرغبان في الاقتناء واحد لاستلذاذ الحياة هو وأولاده وآخر ليصير أكثر انصبابا على المساكين. هاتان حركتان في القلب مختلفتان كليا.

          كل الطمع هو تسطيح الوجود الحق. طبعا هذا يطرح مسائل لا نهاية لها. على سبيل المثال تبغي الزواج بامرأة فائقة الجمال. هذا طموح كله التباس. فأنت حوّلت كائنا بشريا الى سطح وجوده. في هذه الحال هذه رغبة شرعية ولكنها ليست كاملة الشرعية لأنها تجزئة اي اعرف انك اخترت نصف الواقع او أقل. هذا تشييء لا يعطيك انسانا كاملا واذا لم تجد مضمونا مرضيا في هذه المرأة قد تؤذي حياتك كلها. اذا مدحت امرأة على أناقتها مثلا الا تسمع منها كلاما ظاهره متواضع فتجيبك مثلا هذا صدفة… وواحدة من رفيقاتك دلتني على هذا الثوب فرأيته أنت كما رأيته اي انها على كذبها تتمنى ان تكون عالية الشأن روحيا او ذكاء وكأنها تريد ان تعرف عمق نفسها.

#              #

#

          ميل آخر أحب ان أشير اليه وهو الطمع السياسي في بلدنا. في البلدان الراقية يريد كل حزب ان يصل الى الحكم لكي يطبّق برنامجه والعضو العادي لا يشتهي ان يصل هو شخصيا الى الحكم ان لم يكن من اللامعين. الإنسان ينتمي الى حزب لكونه يؤمن بعقيدته التي يظن انها منقذة للبلاد واذا رأى أن الحزب فسد يتركه لأن الأعضاء الذين يسيطرون على المكتب السياسي يكونون قد حولوه لمصالحهم المحازبين. تكون العقيدة قد استخدمت في الطمع.

          ماذا عندنا نحن؟ انا لست أقول ان ليس عندنا شيء من هذا ولكن السائد ان الفرد الذي ليس خاليا من الأفكار يطمع بالحكم وهو عالم انه وحده لا يستطيع ان يغيّر شيئا وان ثلاثة او أربعة في كتلته لا يقدرون على الكثير. ماذا يدفع المرشّح اذًا الى النيابة؟ ماذا يريد ذاك الذي يعرف شيئا من التشريع او الذي لم يبلغ صعيدا علميا يوهله ان يفهم البيان الوزاري.

          هذه هي بدعة الثورة الفرنسية في شرعتها ان تقول ان كل مواطن مؤهل للترشيح. هنا الطمع بالوصول قد لا يكون مقرونا بحب المال اذ لا شك عندي ان بعضا من النواب طاهرون والبعض من الوزراء كذلك ولكن هذا طمع بالسلطة التي يرى الروحانيون انها أخطر شهوة من شهواتنا. ليس هذا الوضع الذي أناقش فيه أهمية الأحزاب وفاعليّتها. ولكن كثرتها لا تغني الأمة وتزيد في الصراعات وقد لا يكون بين بعضها فروق كثيرة لا في العقيدة ولا في أسلوب العمل. وأظن ان ما قاله غبطة البطريرك صفير في ان البلد يكفيه حزبان حسب احساساتنا الوطنيّة قول يحتاج الى تأمّل.

          في لبنان طمع طوائفي في الحكم. هذا يمكن تسميته الطمع الجماعي او الجمعي. وبعض الطوائف في ممارساتها الدنيوية  غدت أحزابا. كيف لا يكون متفرقا بلد يعترف دستوريا بضرورة انتمائك الى واحدة من ١٨ طائفة وكيف تلغي الطمع وتجعله عطاء؟ كيف تميز بين الانتساب الأرضي وانتسابك السماوي او الأخروي؟

          قال غير قوم من غير المسلمين ان طائفتهم دين ودنيا. السؤال الكبير هو ما معنى واو العطف. اي ميزان انتخابي او في ممارسة الحكم يجعلك تقول: «وللآخرة خير لك من الأولى» (الضحى، الآية 4) اي سياسي يسقط الآخرة على الأولى ويكيف هذه بما تقتضيه الآخرة؟

          أحببت الآخرة او ملكوت الله كما يقول الإنجيل فليست دنياك كلها سوى مرور  الى الملكوت الذي هو في دواخلنا كما يقول لوقا وتخرج انت الى استعمال الدنيا من داخلك وهكذا لا تكون طماعا بها ولكن تكون طامحا الى سيادة الله عليك اي فقيرا اليه ان كنت هنا فقيرا او غنيا او رئيسا او ملكا. اذ ذاك تعطى هذه الدنيا وتزاد وتبقى عاريا منها ومتسربلا النور.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الخبز / السبت ٢ شباط ٢٠٠٨

طلب أربعة اولاد من أبيهم أن يشتري لهم «لوبيا» ليأكلوها ظهرًا فحسب ان ثمنها ٢٨٠٠٠ ليرة فاعتذر واشترى لهم لحمًا. ثم أسمع كل يوم من معاونيّ في المطرانيّة كم تصاعد ثمن هذه المادة الزراعية او تلك بحيث أتصوّر ان الكثر من عائلاتنا تحت عتبة الفقر. كذلك سمعت على الشاشة خبرا يقول ان اية عائلة لا تستطيع ان تعيش بأقل من مليون ليرة حين أعلم ان بعضًا من أهلنا لا يصل معاشه الى نصف مليون ليرة.

حسابيا اذًا العدد الكبير او الأكبر من اللبنانيين في حالة الفقر المدقع وان مفردات مثل الديموقراطية والنور والحرية باتت أكاذيب بمعنى انها مفاهيم مجرّدة وأحلام تأملناها في المدارس او استكبرنا بها على العرب ونحن لسنا سوى بدو بدّلوا الخيمة بالفيلا والجمل بالكاديلاك. وهذه هي العلامة الفارقة لعروبتنا.

اذا سألت عن المسؤول الجواب هو الحكومة. هذا هو المتصالَح عليه في الديموقراطية الماسكة بزمام الأمر. لا مانع عندي ان تقول العرب مجتمعين لأنهم أشقاء وأنهم يرجى اليهم ان يبعثوا بشاحنات مواد طبيعية. هذا يعني تعريب الأزمة ربما. ولكن التعريب افضل من الجوع. واذا تبرّعت الدول الأجنبيّة بمقدار من الأطعمة تدول الأزمة. ولكن أولادي في حاجة الى طعام بتدويل او غير تدويل.

يذهلني اني لا أقرأ في السجال الحاصل في البلد موضوعًا اقتصاديًا والشعب لا يأكل سياسة. هل يقبل اي فريق من ان يحوّل النقاش السياسي الى نقاش اقتصادي؟ على الأقل هل أحد مهتم بالتوازي  بين هذين النقاشين؟لنفترض ان هناك أعجوبة دستورية لإجراء انتخابات نيابية بلا رئيس دولة. هذا يتطلّب  ما لا يقل عن شهرين إعدادًا وتنفيذًا. كيف يأكل في هذه الفترة من لا يأكل الآن؟ ان لم يكن من حلّ فأقلّه ان المتصارعين في هذه الحلبة الجماعية يقبلون ببلد مهدّم. مهدم بلا قتال بل بجوع. وعندئذ لا تبقى الا نخبة الفريقين التي عندها ما تأكل ويأخذ الحكم من لا يحتاج الى من يحكمهم. تكون أطروحته السياسيّة قد غلبت على الفريق الآخر ويكون قد امتلأ فخرًا وهو يبقى ويهاجر مَن يهاجر حتى لا تموت عياله جوعًا.

الا تستطيع الحكومة القائمة ان تجمع خبراء الاقتصاد وهم كثر لاقتراح تدابير إنقاذيّة؟ الا تقدر المقاومة ايضًا ان تجمع خبراءها ليجلسوا جميعا على طاولة معاشية ويكون بعض من حوار عائد لإطعام المساكين ويكون الفريقان قد أثبتا حقا حسن النيّة تجاه الشعب الفقير ويضمحلّ هذا النقاش (الثاني في المرتبة) حول شرعيّة المتولّين الحكم او عدم شرعيّته. وينتخبون رئيس جمهورية يعنى بإطعام من هم تحت عتبة الفقر.

«بدنل ناكل… جوعانين». قولوها حيث شئتم. اكتبوها حيث شئتم. أليس الرغيف أفضل من السياسة؟

#                  #

#

اذا أجمعنا على تجويع الناس او قصّرنا في مكافحته اسمحوا لي أن أشكّ في نيّات من ساهم بهذا. في السياسة لك الّا تشك وأن تعتبر الأمر لعبة ولكن اذا كان أطفالك في خطر حقيقي وتعذّر عليك شراء الحليب أعذرك إن شككت ولا يهمني ان يأتي الحليب من هذه الجغرافية او تلك. كنت أظن أن المحاور إلغاء. انت لا تلغيني ان ساهمت في إطعامي ولكن هناك أوقات تصبح فيها السياسة تفاهة او شيء من تفاهة لأنها لا تتعلّق او تتعلّق قليلا بالعيش وكثيرا ما كانت ايديولوجيا اي تنظيرًا وتجريدًا وفي ظلّها يموت من يموت ويعيش من يعيش. لماذا لا تقولون: تعالوا نعيش.

انا لا أعتقد ان أناسا اذكياء يحبون البلد بصدق عاجزون ان يتمموا فيما بينهم ميثاق القلب الى جانب المواثيق المكتوبة. هناك في الموضوع اذًا خطايا. انا بالتحليل الموثق المتجذّر كثيرا في المعرفة لي ان أشك. ولكن هذه الخطايا اذا وصلت الى حد تجويع الناس من أية فئة أتى أصير شاكا باللعبة السياسية كلها بحيث تصير اللعبة حقًا تلاعبًا بالبلد الى حد الخراب كما اني واثق من ان مَن لا يساعدنا على تجاوز الخراب وبقدره ان يفعل سيدمره الله تدميرا كبيرا. آسف ان الكثيرين لا يرون اننا امام الموت او جاورناه او لامسناه ونناقش أرقاما الشرعية هنا وهناك ونحن اذًا عائدون الى جعل السياسة في أول مقام عندما يصير الخبز في أول مقام. اين كلمة الله امام فقدان الخبز. السياسة لا تعوض عن غياب الخبز.

أفهم أن يكون في السياسة احتجاج ولكني افهم ان بين ما تعالجه الأجور وبأن الأغنياء هم في خدمة الفقراء وان ما هو خارج عن هذا الملف هدفه رفاهية العيش عند الجميع حتى يحب البلد أبناؤه ويعيشوا روحيا من هذا الحب. اذ ذاك، يصبح الطعام وسيلة للنمو الروحي وطريق اتحاد بين الشرائح المجتمعيّة اي انماء سبيل لتعزيز الروابط بين الكل. وفي هذا تعزيز للكرامة التي تحق بعدل لكل مواطن. ومن هنا ان السياسة الخارجية او الداخلية مرتبطة بالعز المرتبط بدوره بالشبع.

اذا أشبعتم الإنسان مجرد كلام سياسي يتقيأ وتمنعون عن أنفسكم نيل الحب من المواطنين. ويمكن امتداد الحب بين قوم كانوا متخاصمين لأنهم اذا افترقوا في الجزئيات فهم ليسوا مفترقين في محبة الله. لست أعلم بدقة مَن يحب لبنان ومَن لا يحبه. ولكني أعرف أن مَن أحبه يحييه ويحيي الآخرين.

البلد ليس مساحة جغرافية. هو الحب. وهذا يحيي اية فسحة في الأرض. ونصرّ على ان هذا البلد نهائي لأننا ننشئه نحن بحبّنا اياه. لذلك لا يحبّه من جعله تابعًا او نابتًا من شيء آخر. طبعا لا نهاية الا لله. لذلك اذا أحببنا البلد كما يحبه الرب لجعله تواقًا اولا لأبنائه الفقراء ثم الى كل أبنائه. فليمتحن كل منّا قلبه ليحس اذا كان يحس انه يحب البلد اي في أدنى مقام الا يزرع فيه بذار تفرقة تذهب الى حد خطر الفتنة. ولكن انتظروا ان يصرخ الجائع ولا تنتظروا أن يكون متسوّلا امام أبوابكم. الكرامة أهم من الخبز اجمعوهما عسى تكونون صادقين.

نحن لا نريد ان يصبح لبنان متكئا على بلد او مجموعة بلدان لأن الاتكاء هو التوكّل والتوكّل تواكل في اللغة البشرية اي كسل واتباع. ليس الأمر في أن تختار بين محور ومحور. الأمر كله ان نختار البلد او الا نختاره لأن الحب على الصعيد الوطني ليس فيه شرك.

ابتدئوا اذا مما تأكلون وتشربون وتلبسون ثم على أساس هذا اكملوا في التعاون على مستوى الإنتاج والحكومة تأتي نتيجة لمساعيكم لا مبدئا لها. ليست الحكومة كل الدنيا كما يظنّ اللبنانيون. وليست هي البلد وإن لم يستقم بلد بدونها. في هذا التلاقي بين الدولة والمجتمع تقف الحكومات والمؤسسات على أقدامها. المهم ان تعرفوا مقاييس الأشياء وتراتب الأشياء وهذه كلها تعابير للحق  والبلد هو الحق او يكون أكذوبة يجب محوها. نحن نؤمن ان لبنان قادر على الحق وقادر تاليًا على محبة أبنائه في بنيان شامل.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

بين الصداقة والمحبة / السبت 26 كانون الثاني 2008

الصداقة ارتباطك بآخر على وجه التخصيص وهي متبادلة في الصدق وموفورة المودة بلا منفعة في هذه الأرض. وهي سر اي لا تعرف كيف حلت وقد جاء في الأدب الفرنسي: هذا صديقي لأنه هو هو وأنا أنا. وهي متسعة للمحبة الإلهية عند الاثنين وليس الا شرط الفضيلة المستمرة عند الصديقين وما فيها الا الصدق فهي تحمل قوة ديمومتها. بهذا المعنى وان بدت ثنائية الا ان الله سميته ام لم تسمه هو في وسطها ويعززها ويغذيها حتى يبلغ الاثنان بلورية كاملة.

وهي قائمة في البشر لأن احدًا منا لا يعيش في العزلة لكونه يحتاج الى التكامل، الى مشاركة تقويه فيلحظ انه موجود ليس فقط بصفاته ولكن بصفات الآخر الذي يقويه. هي مشاركة حياة وتعاون. انت تحتاج الى ان يرعاك احد وان يقوّيك ويصفيك ويقيمك من الموت الروحي اذا انتابك. هي اذا قوّة قيامية بسبب من الفرح وذاك الذي تتقبّله. الفرح من الكيان الفصحي الكامن في كل إنسان.

والصدق فيه مكاشفة لكونك تلتمس المساعدة وان تتحرر وتعلو وليس فيها نكث لعهد العطاء حتى لا تتقوقع وتعود الى صحرائك ولا تقع في يأس. أرسطو القائل: «يا أصدقائي ليس من صديق». لا، هناك ناس صادقون يبغون إصلاح نفوسهم ويختارون الأعزة يرفعونهم. ما من شك ان الأصدقاء ليسوا على الود الواحد ولكن هناك من تحتاج اليه احتياجك الى الزوج والود درجات واما من طفح عندهم الود والطهارة معا فهم قلّة لأن الفضيلة قليلة وصعبة. واذا ضعفت في الآخر فتزول العلاقة ويكون اختيارك خاطئا.

اما اذا ثبتت الصداقة فيعني انها نازلة من السماء وما هي بمودة عابرة. وهنا يأتي الكلام عن المحبة التي ليس فيها تخصيص وهي تجمع الشمل كله او هدفها اي انسان أعطاك ام لم يعطك، رد لك خدمتك ام لم يردها. هي مجّانية إطلاقا اي قد لا تؤسس على مقابلة او مبادلة. وتحب فلانا لأنه يحتاج اليك او بالحري لأنه يحتاج الى العطاء الإلهي الذي فيك. وقد تخدمه وتذهب ولا تعود اليه الا اذا عرفت انه في حاجة اليك وانت له لأنه مجرد انسان يبكي او يتوجّع او هو معزول وأنت له مخلص لأن الله انتدبك لعمليّة خلاص في وقت مناسب ثم ينتدبك لإنقاذ غيره. تمشي انت في صحراء الوجود لتفتح يديك لإنسان متروك وانت تفتقر اليه اذا اعطيته وقد تفتقر ماديا بصورة كاملة او شبه كاملة لأن الوجود هو لذاك، عندك لأنك بهذا انت معطي الله او مقرضه كما يقول الكتاب. هذا هو العطاء الكامل لأنك تمحى وتقيم الاخر حتى هو لا يمحى في قساوة القلوب. وهنا لا فرق عندك بأن يكون على دينك او دين آخر او بين ان يكون مزينا بالبهاء الإلهي او بقباحة الشيطان لأنك قررت ان ترى الله فيه. العقائد مختلفة والمحبة واحدة لكل الناس لأنك بها جعلت نفسك صديق الله.

#         #

#

الهبة المجانية كثير الحديث عنها في الأناجيل. نقتطف من لوقا، مثل هذا قوله: «احبوا أعداءكم وأقرضوا غير راجين عوضا، فيكون أجركم عظيما وتكونوا أبناء العليّ، لأنه هو يلطف بناكري الجميل والأشرار» (6: 35). وهنا عندنا نقطة لاهوتية وهي ان العطاء المجاني يرفعكم من مرتبة العبيد الى مرتبة الأبناء. والنقطة التابعة لها ان الأشرار هم ايضا أبناء لأن التساوي في قيمة الناس هو في رؤية الله لهم ووضعهم كأبناء يأتي من مجّانيّته.

وقراءتي هذه راسخة في قوله توا بعد هذا الكلام: «كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم … ستعطَون في أحضانكم كيلا حسنا مركوما مهزهزا طافحا لأنه يكال لكم بما تكيلون». فإنكم ان أعطيتم يعطيكم الله بلا حساب. يعاملكم بما بما هو أفضل مما عاملتم الآخرين. الانجيل يضرب الحساب.

لذلك يصل الى القول: «الإنسان الطيب من الكنز الطيب في قلبه يخرج ما هو طيب». انت لا ترى اذًا بعيني الحكمة البشرية القائلة ان انظر الى ثروتك وأعطِ ما استطعت ليبقى لك شيء تقول الحكمة الإلهية فيك انظر الى قلبك المحب وأعطِ لكل ما يأمرك به القلب وليتدفّق قلبك اذًا واذا كنت غير متعلّق بدرهم واحد تدفعه الى الاخر وتعطي لتنجي قلبك من الموت الذي جانب من جوانبه البخل. والبخل هو الحفاظ ان كل ما عندك اساسي لك. غير ان لا شيء في الدنيا اساسي الا للآخر ويكافئ الله الحب بالحب واذا كنت في الأساس غير مخصوص بالحب الإلهي لأنك ابن ككل ابناء يخصك الله -ان أعطيت- بمحبة شخصيّة لك والله حرّ بأصدقائه. في هذا المعنى ليس الله معشوق عابديه الأكابر ولكنه عاشقهم بدونه وقد يصل محب الله الى درجة لا يراه الله فيها معشوقا وحسب ولكنه يراه جوهر العشق على ما قاله القديس أغناطيوس الأنطاكي (+117) عن المسيح: «ان عشقي مصلوب».

لقد استعار الكتاب المقدس لفظة رحمة ولفظة رحيم من رحم المرأة فالجذر واحد والمعقول يؤخذ من المحسوس فرحمة القلب هي السعة التي تنجب اولادا كثرا واذا كنا جميعا أبناء الله بعد ان اعتقنا من عبودية الخطيئة فنحن مرحومون بطبيعة الله بلا كيل ولا تفريق وبلا دينونة. ولذلك يقول آباؤنا النساك الذين جاهدوا جهادا حسنا موصولا متعبا يقولون جميعا انت لا تدخل الى السماء بجهدك ولكن برحمة الله اي انه هو الذي يتقبّلك بعطف منه لأنك صرت بالمحبوبيّة التي ناتها من عائلة الآب.

لذلك لا يعد الله عليك خطاياك ولكنك تعدها انت لتتوب اليه ولتخشى وترتدع. اذ ذاك لا تبقى انت بشريا محضا من تراب. الرب يعرف انه خلقك من تراب ولكنه لن ينظر الى ترابيّتك بل الى ما صدر منه اليك اي النور المخفي فيك والله يرى ما يريد ان يرى وعيناه عيناه. ويأتي يوم على طريق خلاصك ان تقول له: «بنورك نعاين النور».

#            #

#

أي سر كل هذا؟ الأناجيل تحدثت عن الرحمة واللطف الإلهي والتواضع والوداعة عند يسوع الناصري الذي هو وجه الله الينا. إنسان واحد وهو يوحنا الإنجيلي قال: «الله محبة» وكأنه يقول في قراءة اولى: ان كل صفاته تجمعها او تلخّصها المحبة في قراءة أخيرة عليا أقول ان الله في جوهره وليس فقط في صفاته هو محبة- هو محبة في ذاته او حركته في ذاته- وكل ما عندك انت من محبة للآخرين، للبعيد والقريب، مصب فيك لهذه المحبة وعند ذاك تكون متألها اي الهيا.

قبل ذلك ليس عليك هنا الا ان تحب. تضم الى صدرك عدوك وصديقك بالمحبة الإلهية الواحدة. تستنزل عليهما ربك ويستجيب لك اذ ليس عنده الا ما كان في جوهره ولا يبقى من فرق في قلبك بين السماء والأرض، أو بالحري جعلت ما كان في قلبك من هذه الأرض أي سماء ويكون ملكوت السموات قد دخلك وعند اعترافك بأن الخالق ملك عليك يمنّ هو عليك بالملك ويجعلك في نعمته جالسا عن يمينه على العرش لأن المسيح لم يجلس عن يمين الآب الا لتجالسه.

هذا يتطلّب منك طاعة ومن الرب حنانا. دعوة من هذا الحنان الى الطاعة ومن الطاعة الى الحنان.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

القوة والضعف / السبت ١٩ كانون الثاني ٢٠٠٨

              مفهومان كاملا الغموض لأن ما كان قوة او ضعفا عندك ليس كذلك في عيني. فقير سامي الفضيلة لا شيء عند معظم القوم بعد ان وضعوا قدرتهم في المال وثري يحقق شؤونا كبيرة في هذه الدنيا يدعى زعيما وهذه التسمية صحيحة اذ كثرة المال تستدعي كثرة القوة. ولا أحد يهتم للقوة الا لكونها طاقة الغلبة والغلبة في آخر تحليلها محو الآخر لأن السلطة في ارض محددة صورة الله في السماء وفي هذا الموقف قناعة انتزعت من الأمر الواحد بالطغيان على ما كان له قوة اصغر من السيّد الأقوى الذي صار يحمل الملك بانتقاص سلطة الذين كانوا يزاملونه.

              هناك عطش الى السلطة لأنها تؤمن القدرة الدائمة على النصر وعلى محق الآخرين وان قضت التقاليد بمصاحبة الأول لمن يبدو انه يقيمهم على شيء من الزمالة او التعاون. ولذلك يجب حفظًا لماء الوجه ان يكون عندهم بعض الأراضي لأن الشيء المحسوس هو وحده علامة من علامات الوجود. ولكن السلطة مخيفة اذ المتسلّط عليهم يمكن ان يتمردوا عليه حتى الثورة اي القتل ولذا كان لا بد من موازنة سياسيّة تعفي الأكبر من إبادة الأصغر معنويا او جسديا. فصار هاجس الجماعة ان تتحوّل الى دولة اي الى بنية قانونية فيها حاكم ومحكوم ومسؤولية عن الجماعة ومشاركة الجماعة كلها في سياسة البلد وهذا عن طريق مندوبين لا يرفضون القيادة الأولى ولكنهم يجعلون بينها وبين القيادات الأدنى نوعا من المعادلة او لونا من الموازنة يحس كل من موفدي الأمة موجود فيها ظاهريا كان ام فعليا وفي الحالتين يغذي كبرياء القوم ويحول عاديا دون سفك الدماء. هذه روح «الشرعة الكبرى» Magna Charta التي كانت اولى محاولات الديموقراطية في القرون الوسطى (سنة ١٢١٥) بعد ان اندثرت ديمقراطية اثينا على عهد أفلاطون وبعد ان انهار نظام الشورى في الإسلام او نظام المبايعة عند أهل السنة والشيعة. المشكلة الأساسية كانت دائما كيف نضع حدا لسفك الدماء. هيكليّة تعاون مقونن أكان هذا على صدق او غير صدق.

              قبل الثورة الفرنسية (١٧٨٩) وفي العهد الأموي كان هذا ملكا والملك في فرنسا كان يعني التملّك. كان هذا ايضا في لبنان في العصر العثماني اذ الأرض كلها للسلطان ويوزعها على الناس حسبما يشاء. ويسمّى هذا إقطاعا لأنه اقتطاع الأرض على من رضي عنه الحاكم.

              القوة اذا في السياسة ويستغلّها احيانا من كان له سلطة قانونية في الكنيسة مثلا او في شركة او مصرف او معلم في صف ثانوي. بكلمة اخرى يجب ان يسكت الناس لتبقى الدولة او المؤسسة لواحد.

#                #

#

              الى هذا القوة البدنية التي أسخف تعبير عنها: «هذا بيشيل جرن الكبة». إعجاب بالعضلات على تفاهتها يمزقني تمزيقًا لأن العضلات ليس فيها ميزة، لأن الإنسان كيان كامل ولا تستطيع تجزئته، لأن كل ذرة فكر في الدماغ وكل اختلاج قلب في الخير اعظم بكثير من كل لحمك وعظامك اذ ليس من مقارنة بين اية خلية فيك وحركة محبة في داخلك ومع ذلك ذهول مليارين او أكثر في العالم بسباق كرة القدم ولو كان اللاعبون من أغبى خلائق الله. الى هذا الجمال وهو من أتفه ما فينا. هو مجرد تناسق للخلايا الظاهرة على الوجه والقامة وهذا تابع لناموس الوراثة وليس لك فيه شيء. قد ينفعك وقد يضرك.

              ما الأفضل؟ إنسان خلاب حتى السكر ام انسان قبيح حتى انزعاج اذا كان هذا القبيح مكللا بالمجد الإلهي او أقلّه برجاحة العقل؟ فالجمال معطى والذكاء جذوره معطاة. فقط النعمة الإلهية لا تأتي من أبيك وأمك بل تنزل عليك بمجانية العطاء الإلهي. ما الفقر، ما الغنى، ما الجمال، ما القباحة، ما الذكاء او ضعفه كل هذا باطل الأباطيل حتى يضمّك الرب الى صدره وانت مفلوج او مقعد او سليم ولكنك طالع الى السماء على درجات التقديس وقد لا يعرفك أحد ويعرفك الله وليس عندك هاجس الطعام او الشراب اذ «ليس ملكوت الله طعاما او شرابا». وليست كارثة عند المفلوج الذي يتقدّس كل يوم بالكلمة ولا يعرف اذا كان يأكل عند المساء او في الغد.

               الا يكون لك طمع بشيء لأن كل الأشياء المخلوقة لا تؤلّهك، الا يكون لك اشتهاء للحياة لأنها قد تؤذيك، ولا يرتكز صميم حياتك على احد بما فيهم الأقربون وأن تمتلئ من الرب بأن هذا يجعلك انسانا حرا أسير محبة الله اياك فقط ومتلقيا قوتك من فوق. ان تقدر ان تصير من عائلة الآب غير مطرود منه، محبا للجميع ولكنك غير ملتصق بأحد هذا بدء حريتك.

              على هذا اقول انه كان لي صديق ممن أسسوا حركة الشبيبة الأرثوذكسية معنا منذ خمس وستين سنة وشكل البطريرك القائم آنذاك مني ومنه ومن ثالث بعثة روحية الـى اوربا للاشتراك بمؤتمرات دينية للشباب ولما انتهينا الى باريس اتصل هذا الصديق بالأديب الكبير فرنسوا مورياك وكنا نحن بفضل هذا الأخ نتأدب على قصص مورياك. فأعطى هذا رفيقنا موعدا في بيته الريفي في جنوبي فرنسا حيث كانت له كروم كثيرة وفيما كانا يتمشيان بينها ومورياك يسميها كان صديقنا هذا انطلاقا من اسم يعرف اين وردت ويتابع هو النصوص المقولة عنها. فسأل صديقنا مورياك: لماذا كل هذه الكروم فأجابه مورياك ان اردت ان تكون حرا فلا بد من ان تكون غنيا كبيرا او فقيرا كبيرا. تأمّلت في هذا الكلام طويلا واقتنعت ان خيار الفقر الكبير يمنحك حرية كبيرة اذ يجعلك حرا من كل سؤال ومن اي التماس لمحسوبية ومن اي هم للغد.

#                   #

#

              لا يقبل كل انسان الموت او المرض او الفقر برضاء. هذا يحتاج الى رحمة «تفوق الوصف والعقل». ولكن من قبل هذا كله انما يكون قد قال: انا احمل الله وحده وارتضيته لي خبزًا نازلا عليّ من السماء حتى اذا اكلته لا أموت ابدا. انت قادر ان تعيش سماويا في إطار ترابيتك.

              ربما الى معنى كهذا أشار بولس ان «لغة الصليب» (الصليب بمعناه الفكري) حماقة عند الذين في سبيل الهلاك. واما عند الذين في سبيل الخلاص، اي عندنا، فهو قدرة الله. والمعنى الظاهر للنص ان ما اعتبره اليهود والأمم ضعفا هو قوة. ثم واجه المعتبر قوة عند الناس وقال: «فقد ورد في الكتاب: سأبيد حكمة الحكماء وأزيل فهم الفهماء. فأين الحكيم واين عالم الشريعة (اليهودية) واين المامك في هذه الدنيا؟ ألم يجعل الله حكمة العالم حماقة؟ فلما كان العالم بحكمته لم يعرف الله بحكمة الله، حسن لدى الله ان يخلص المؤمنين. ثم يتابع منطقه حتى يقول ان المسيح ازاء الوثنيين واليهود فقدرة الله وحكمة الله لأن الحماقة من الله اكثر حكمة من الناس والضعف من الله اوفر قوة من الناس» (١كورنثوس 1: 18-٢٥).

              لست اساجل هنا احدا ولكني استشهدت بهذه الرسالة من بولس لأبيّن فقط ان ما يبدو ضعفا للناس جميعا قد يكون عند الله قوة. واتخذ بولس رمز الصليب صورة عن التناقض بين الفكر الإلهي والفكر البشري المحض والعطاء الإلهي والعطاء البشري.

              عندما تفتش عن القوة والضعف وكلنا في هذا التساؤل الصعب تذهب الى الكلمة وتسألها ما قالته وتحاول بعد ذلك بتواضع ان تطلب ما يسميه بولس «فكر المسيح» وتجد ان فكرك هو ان تمحو الأنا الفارغة بتقوقعها عملا بذلك الذي قرع باب الملكوت فسئل من الداخل من القارع فقال انا ولم يفتح له ثم سئل ثانية من القارع قال انا فلم يفتح له وسئل ثالثة من القارع فقال انت اي الله السائل موحدا قلبه بقلب الله وربما كان هذا مفلوجا او مقعدا او فقيرا ولكنه ادرك السلامة على عتبات السماء.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الموعظة الحسنة / السبت ١٣ كانون الثاني ٢٠٠٨

لا أعرف لماذا كانت هذه العبارة في سورة النحل تشدّني اليها؟ هل لكوني احترف الوعظ منذ خمسين سنة وأعرف ان ثمّة واعظين سيّئين وخطباء كبارا؟ الكلمة لا تعطى لكل الناس فقد تكون فقط كلمة بشر او كلمة نازلة من فوق اذ لا يكفي ان تكرر ما أتى به السلف فتبقى الكلمة غريبة عن أعماقك وغير واصلة الى ما كان الله لامس عقلك به وسكن فيه.

                      اشتهي لو لم يتكلّم معظم المتكلّمين الذين يؤتون الناس الضجر او الضلالة. الخطابة الدينيّة فيها علم ولكن لبّها تقوى الخطيب والإشعاع الذي لا يظهر منه والا ذهب الكلام سدى. وقلب الخطيب وعقله يجتمعان لتنزل الكلمة الصائبة الراشدة والسامع يعلم توًّا انه كان للخطيب قلب اي كانت كلمة الله ساكنة فيه ونافذة.

                      اجل يبقى السؤال هل من يسمع او هل من يفهم لتوغل الكلمة في صدره. هذا سؤال موجع عند الواعظ التقي ولا تعزية له اذ لا يعلم أأغلق الله على قلب السامع ام فتحه لتستقرّ الكلمات النازلة، وفي هذا يصدق الكتاب في قوله: «ان واحدًا يزرع وآخر يحصد» (يوحنا 4: 34). وهذه هي الحرفة الوحيدة في العالم التي لا عزاء بشريا فيها اذ لا تستطيع ان تعرف ان الكلمة وصلت ام لم تصل ولكنك تحت نيرها وعليك تبليغها.

                      هكذا مهنة الكتابة جميلة. في الأدب الديني لا تعرف من يقرأ ولماذا قرأ لا تعرف انه فهم واذا فهم لا تعرف انه يتوب لكن «وضع النير عليك». لعلّ التعزية الوحيدة – كما في الموعظة الحسنة- ان ما تكتبه يرفعك الى الله اذ تكون قارئ نفسك. ولكن من طلب تنقية نفسه ليس مضطرا الى الكتابة اذ يخاطبه الله مباشرة ويستجيب ويخلص. غير ان ثمّة فنونا اخرى تشعر فيها انك معذّب ان لم تترجم نفسك. يجب ان تخرج نفسك بالريشة او التأليف الموسيقي او العزف لتنوجد ولا تستطيع ان تبيت في العدم. وهناك من محاك ولا يستجيب لك دائما ابناء جيلك وهذا عرف في الموسيقى وفي الرسم. انت تعبّر لأنك تحتاج ان تحيا.

                      ويأتي الكتاب عظيما او يأتي تافهًا وليس ما يضمن ان الصالح يُقرأ او انه يصير فيك موعظة حسنة او يغير فيك فاصلة من فواصل الأخلاق. هذا يشبه مثل الزارع في الإنجيل حيث لا تقع الحنطة دائما في الأرض الخصبة ولكنها تقع على الحجر او في الشوك فتختنق. هناك ادب الموت او يكون القارئ قد مات وهو حي وتبتلع هواية الحضارة كل شيء حتى بت أتساءل لماذا قمت بدراسة الأدب او ما يشبه ذلك؟ لماذا هبط عليّ شيء من الإلهام؟ من أحرقني صار فيّ عاصفة لألقي كلمات على من اشترى كتابي ليقرأه او يضعه في مكتبته. وقد يطالعه ابنه او حفيده او يتآكله الغبار.

#                    #

#

                      ما شغلني كثيرا في هذه الهموم ان العامة قبل ظهور الطباعة في القرن السادس عشر ما كانوا يقرأون وكانوا أدنى الى الأميّة. وكانت المعابد وحدها أماكن الفكر الديني فتصل الى الآذان الأناشيد ويفهم الناس منها ما يفهمون وكان حفظة القرآن وهنا ايضا يفهم من استطاع. حضارة شفهية لا تقدر ان تعطي ما تعطيه حضارة كتابية. كان هناك المرشد او الشيخ الروحي ويتتلمذ قلبك عليه. وقد يكون هذا الفتات الذي يسقط بين يديك خير طعام لأن الأب الروحي يقود بنقاوته.

                      غير انه مع الطباعة نشأت مشكلة كبيرة وهي تعدد الثقافة والعلوم، مع أبوقراط كنت فيلسوفا (حكيما كانوا يقولون) وطبيبا معالجا. بعد هذا صار الطب فروعا لا تحصى. مرة كنت في بوسطن طلبا لعلاج ومررت بفرع العيون وقرأت أسماء اختصاصات لم اسمع بها في لبنان ويخيّل اليّ ان من يعرف هذا القسم لا يعرف ذاك. تقسّمت المعارف وانهارت المعرفة الواحدة او الموحدة بحيث يكون خطرا عليك ان تعالج أنفك بلا مراجعة الطبيب. وهذا في كل علم. فاذا أخذنا اللاهوت وطرحت سؤالا على أستاذ الكتاب المقدس تراه لا يعرف شيئا في تاريخ الكنيسة. كيف التوحيد بين معرفة الجزئيات ومعرفة الكل؟ كيف تطرح مثلا على كاهن دكتور في فرع اللاهوت سؤالا يتعلّق بخلاص نفسك وهو لا يفهم فيه شيئا لأن سؤالك لا يدخل في اختصاصه؟ وفي كل العلوم خطأ كبير في تجزئة المعرفة ما يعني انه ينبغي ان يواجه التعدد بشيء من الوحدة. هناك لا بد من تعاون العلماء في ميدان فلسفة المعرفة.

                      هل ان الانترنت يواجه هذا المسألة؟ ما من شك انه يعطيك اجوبة موضوعة فيه وتحار بدقة معلوماته. عندي هذه الآية ويعطيني أعواني أجوبة عما أسأله ولكني أحس بالحاجة الى معارف موضوعة في كتاب  لأن الجزئي لا يعوض عن الكامل ولأن المعرفة العلميّة لا تقوم مقام المعارف الإنسانية والأدبيّة. ولأن شيئا لا يعوّض عن الشعر بعامة والشعر الصوفي بخاصة.

                      هذا يطرح طبعا كل موقع الأدب والوجدانيات امام الإنسان الذي لا يحب ان يستقيل عن نفسه المحبة وعن التواصل بين تراثه وتراثات الشعوب الأخرى المستقلّة عن العلم المحض الذي أخذ يجدد النزعة العلموية التي ظننا اننا تجاوزناها في القرن الماضي. هل يقدر الإنسان ان يبقى على بشريّته الفاهمة والمتوازنة بلا نصوص الروحية في العالم كلّه.

#              #

#

                      غير ان الخطر الكبير يكمن في المسموع والمرئي الذي يلتهمنا التهاما كبيرا اذا بقي المشهد الوحيد او الأهم في ما نراه ونسمع كل ليلة وهو موجّه سياسيا بحيث ان غير المطّلعين على الواقع السياسي في العالم معرّضون الى فكر آحادي وضعفاء القدرة على التمييز والى جمع الأطفال حول ما لا ينبغي ان يشاهدوه وليس عندي القناعة ان معظم الأهل يرسلون أولادهم الى النوم او عندهم الشجاعة ان يقاوموهم اذا أصرّوا على المشاهدات بناءة كانت ام هدامة.

                      ولعلّ السقوط كامن ايضًا في ان الاذاعات هذه تغنيك احيانا عن قراءة الصحف وتاليا عن التحليل السياسي المميّز بين المواقف المختلفة. هذا اذا لم أشر الى الإعلانات التي يقال عنها انها فواصل وهي ليست كذلك احيانا وفيها من الممتعات التي تسر المشاهدين بما فيهم البالغون.

                      هناك انضباط عند كلّ منّا ليقصر مدّة المشاهدة ويزيد من مطالعة الصحف الجيّدة التي تمدّه بثقافة سياسيّة وتقود بعضًا الى مطالعة المجلات الديبلوماسيّة في اللغات التي يتقن.

                      امام هذا التعدد الإعلامي في المرئي والمسموع لا بد من شيء من التقشف محافظة على المحاكمة الصحيحة في كل هذا المجال.

                      كل هذا يقودني الى الإقرار بأن شيئا لا يغنينا عن الكتاب ويقال في ان اللبنانيين هم آخر من يطالعون في العالم العربي. يتنزهون بين المجلات القيّمة والمجلات الرخيصة وعلى كل هذا يؤثرون النزهات والمطاعم والسهرات الثرثارة وعندهم ان المال يغنيهم عن كل شيء اي يغنيك عن الدماغ وتحريكه بالدرجة الأولى. ما يفتخر به شعبنا هو ما يسمّيه الحضارة والحقيقة انها حضارة اللذة. ويذهلك اذا مررت بشوارع اية قرية اصطياف ان المطاعم  مليئة بالزبائن وهؤلاء أنفسهم يحدثونك عن فقر البلد اي ان هذا الانكباب على المطاعم ليس نصيب الفقراء.

                      انا أشعر بعد ان أقرأ صحفًا من بلدنا ومن الخارج اني بعد مطالعتها لا تغذيني كما يغذيني الكتاب وان رأسي يمتلئ من الكتاب ولا يمتلئ من وسائل الإعلام بالقدر نفسه وترى اللبناني يعرف كل شيء عن السياسة ويعرف القليل القليل عما عداها.

                      خلاصة الكلام في هذا انك تعيش فكريا وربما روحيا من الكتاب وليس فقط من الأدب القصصي الذي قليله كان عظيما في الزمن الذي نعيشه. هذا لا يعني اني أوصي احدا ان يهمل القصة او الرواية ولكن المعرفة أوسع من هذا. والكتاب يعني انه لا بد لك من ساعتين في اليوم حتى الأربع لتصبح ناضجا مليئة شخصيّتك المعرفية والوجدانية احيانا ولكن اقرأوا كل شيء وتمسّكوا بالأفضل كما يقول بولس. وهذا يعني انه لا ينبغي ان تكون المراقبة سيفا مصلتا علينا اذ الكتاب السيء يسقط من نفسه. وعدم الزجر يعني ان نثق بالإنسان القادر ان يلتقط الموعظة الحسنة التي تلهمك ان تتدبّر نفسك لتحييها ان قرأت والموعظة الحسنة هي الكلمة المنقذة  التي تسقط عليك من فوق.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

٢٠٠٨ / السبت ٥ كانون الثاني ٢٠٠٨

«ألف سنة في عينيّ الرب كيوم أمس الذي عبر أو كهزيع في الليل».

         عبرت سنة مؤلمة وأقبلت سنة نرجو أن تكون أقل إيلامًا حتى يحيا الشعب بكرامته ولا تسيل قطرة دم. ونحن في هذا البلد الصغير والقليل الموارد سعينا دومًا الى التفاهم. والناس العاديّون الذين يحتاجون الى لقمة عيش وتربية أولادهم يصلّون كلّ يوم ليرفع الله عنّا الغضب. لا أحد من الأذكياء والبسطاء مقتنع ان هذه الأزمة قائمة الى الأبد اذا الذين بيدهم الحل والربط يريدون ان يفكّوا عقدها. صح ان الله سيّد الأزمنة ولكنّه صح ايضًا ان الذين يرجون سلامًا قادرون عليه والتضحيات الآنية تعقبها جمالات حب بين ممن تولى شأن السياسة. والسياسة مجرد وسيلة غايتها الإنسان. ويأتي من يأتي الى الحكم ان كنّا له عاشقين ام لم نكن. والقائمون على أمورنا قادرون ان يتخالطوا. قلت «أن يتخالطوا» ليس فقط في ما سمي التوافق وهذه كلمة تحتاج الى ايضاح قانوني ولكن ما أردته ان تتحاب شرائحهم الاجتماعية كلها حقًا وان يستلم كلّ مسؤولية في الحكم وفي الأعمال الخاصة من كان مهيأ لها بصرف النظر عن معتقده الديني.

         اظن انك إن سألت اي لبناني عن مقولة «الشعب المختار» يضحك ويجيبك: بالمعنى الاجتماعي هذه خرافة وان الطوائف كلها غنيّة بالموهوبين ان ابتغينا الموهبة شرطًا للاضطلاع بالعمل. يبدو احيانا ان مجموعة يكثر أذكياء فيها اتخذوا تدريبًا فلسفيّا او سياسيّا. ولكن سرعان ما تجد المواهب الفكرية في كل مكان. لذلك عبارة وحدة الطائفة لا تعني لي  شيئا.

         مرات عديدة سألني بعض من أبناء كنيستي: ما هو المرجع عندنا. وهذا سؤال كنت أتّخذه بالمعنى الديني وكنت أجيب ان المطران عندنا هو المرجع ولكن جوابي ما كان يرضيهم لأنهم كانوا يطلبون مرجعيّة سياسيّة. وفي هذا قلت ان الارثوذكس لم يكن لهم يومًا منذ الاستقلال او قبله زعيم يعودون اليه. ان لاهوتهم القائم على الحرية او فيه حرية كثيرة كان يلهمهم الحرية السياسيّة ولم يؤسسوا حزبًا طائفيّا وينتمون -لا كلّهم- الى احزاب علمانية ويجتمعون معا صباح الأحد للصلاة على تباين آرائهم السياسيّة.

         انا في حقيقتي لست محلّلا سياسيّا ولي ثقة بالناس على تنوّع انتساباتهم وأريد ان اعتقد ان ليس هناك مشروع لتتسلط اية جماعة دينيّة على حكم لبنان لأنها لا تستطيع ان تضمن تفوّقها الفكري على سنوات عديدة واذا استبدلت تسلّطًا بتسلّط تكون قد وقعت بالخطأ الذي نسبته مرة للآخر.

         الأمر ليس سباقا على التناسل ان تكاثره لا يهم ولا يغني عن العظمة الفكرية وطهارة العيش. «قلت لها ان الكرام قليل». واذا حسدوك لكثرة العدد يحسدونك لقلّته ان باتت جماعتك متفوقة فكريا ونشيطة اجتماعيا. في فترة ليست بعيدة كانت الصين أكبر بلدان العالم ولم يكن احد يوليها قيمة لأنها كانت قليلة الإنتاج  في كل شيء. لذلك اذا بغيت الاختلاط اريده بالمعنى الحقيقي الصادق فنختار في كل شيء القادر ان يكون محبوبا لمزاياه.

#             #

         #      

         هذا يقودني الى القول ان السياسة ليست كل شيء وانها ليست أعظم شيء في دنيانا وان خير صورة للتمازج بيننا هو المحبة التي لا تدرّ عليك مالا ولا تعلو بك الى مقام ولكنها تجعلك مبدعا اي نافعا لقومك. التماسك بيننا هو في كل مجال وليس بالضرورة في شؤون الحكم، ومأخذي على بعض القادة ذهابهم الى انهم اذا تباوسوا صادقين حلت تلقائيا مشاكل البلد. هذا اذا اعتقده شعبنا يكون على غاية في السذاجة.

         لا بد من وضع أسس عميقة فكريا لاستعادة الثقة المفقودة. ولكن هذا لا يتم آليا ولن يتم قبل ما تنتهي المسائل العالقة التي تبدو في غاية الصعوبة. والمسألة الأساسيّة هي هذه هل نحن ممثلون أدوارا لغيرنا. صعوبة الصعوبات ان كل فريق يلقي هذه التهمة على الفريق الآخر. هل نحن دمى يحركها غير اللبنانيين اذ اختاروا البلد مسرحا لصراعاتهم وتاليا اننا اقنعة في لعبة تتجاوزنا. هل من التزام للأجنبي؟ هذا كان في كل احتراب جرى في الجبل بين مطلع الأربعينات والستينات في القرن التاسع عشر. في الحروب التي توالت منذ ١٩٧٥ انا بنفسي رأيت علامات بلدان على هذه البندقية او تلك. لعلّي قلت في هذه الزاوية استنادا الى أبحاث السفير عادل اسماعيل ان كل مجابهة تمت منذ القرن السابع عشر كانت فيها أصابع الأجنبي. هل نحن عملاء او حلفاء او مناصرون لهذه او تلك من الدول؟ اختر التسمية التي تريد. ولكن ما هو واضح اننا لسنا بلا علاقات تودد او محسوبيّة مع الأجنبي. هذا ما يضعف الثقة كثيرا ولكن هذا يمكن إلغاؤه اذا تبنا الى لبنان. هذا يعني -اذا صح الافتراض- ان نتوب نحن والا نطلبه الى حلفائنا القادرين كثيرا على تطويعنا.

         الأحد في ٢٢ كانون الأول في برنامج جورج صليبي سمعت ما حرّكني كثيرا في موقف ضيفه نصري الصايغ ومفاده قوله ان المشكلة لا تكمن في علاقاتنا الاقليميّة والدولية ولكن فينا، والمعنى كما ادركته اننا قادرون على التفاهم فيما بيننا. هو جزم بما فهمته ان ليس من طائفة مرتبطة ارتباطا عضويا بدولة خارج لبنان غير قابل للفك.

         لنعمل على هذه الأطروحة ونولي الثقة بصورة مبدئيّة للطرف الآخر. هذا أعمق من جدلنا على طبيعة الحكومة الحاضرة والآليات الآتية بمن سينصّب على هذه السدة او تلك، الأمر الذي يفرض الحوار من جديد. لا يمكن احدا ان يقول انا أولي الثقة ولكن… .اذا لم نجد حلا لأية مشكلة الآن ما لم نربطها بمشاكل اخرى فهذا يعني اننا أقفلنا كل الأبواب او علينا ان ننتظر تحوّلات عالميّة كبيرة ليس لنا رأي فيها ونرضخ لها على رجاء الممكن.

         ولكني في قرارة نفسي اودّ ان أتبنّى موقف الأستاذ الصائغ على أساس الافتراض اننا نسعى جميعا الى ان نكون قوامين على بلدنا.

#             #

#

         لعلّنا اذا اتفقنا على جامع واحد في الحد الأدنى من توافق القلوب لنا ان نكمل الطريق. غير ان هذا يفترض الا نقرع نحن باب الأجنبي ولا نجعله يستهين بنا. اذا برهنّا نحن اننا نحب البلد واننا قادرون على قيادته وضحينا ببعض من المواقف الجانبيّة نصبح قادرين على إلهام الأجنبي اننا نستحق التحرر منه والدخول في الأسرة الدوليّة بلا إملاء احد.

         هل في هذا أعجوبة؟ التاريخ السياسي مليء بالعجائب. ولكن المعجزات لا تنزل من السماء على غير مستحقيها. هل هذه السطور مكان لنطلب فيه من المسلمين والمسيحيين ان يدعوا الله ان يحفظ بلدهم وان يلجم الطامعين به؟ هل كل دولة تتحرش بنا تحسب نفسها عظيمة الى حد احتقارنا واستعمالنا كرة في ملعب الشعوب؟ واذ ذاك، لا تكون مُحبة للفريق الذي ترعاه. الدول لا تحب، انها تحسب.

#                 #

#

         نفتتح هذه السنة ونحن طالبون الإشفاق الإلهي علينا وعلى اولادنا فإن اليأس قتال. الشعب يختنق والقادرون على شفائه ينظرون الى هذا الاختناق بلا حراك ولا رحمة. الى هذا، نتّكل ونعقل معا ونرجو الا يقهرنا احد.

         وفيما نستمدّ أنوار الأعياد نصلّي بحرارة حتى لا نكسر بعضنا بعضا ونستعيد أخوة مصدومة ولا يجرح أحد في كرامته ونبني وحدة متصدّعة وننمي الخيرات التي منّ الله بها على أرضنا. فالبلد قائم بإرادتنا ونياتنا والحب.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

روسيا المقدسة / السبت29 كانون الأول 2007

استطبت، السبت الماضي، في هذه الصحيفة مقالا للسيّد سميح صعب عن روسيا فيما هي تواجه أميركا في اوربا وكلّه تحليل سياسي دقيق. ففي جهلي لن أغوص عليه وصف ما سماه الانبعاث الروسي في مجال الجيوبوليتيك. هذا لا يفي بفرض القول ان روسيا كانت حية قبل المجازر التي ارتكبها لينين وستالين وقبل الخراب الثقافي الرهيب الذي قام به البلاشفة منذ بدء ثورة اوكتوبر. الذي لم يقرأ شيئًا عن قتل مئتي وخمسين أسقفًا وستة آلاف كاهن أرثوذكسي ما خلا ألوفًا من المؤمنين العاديين له ان يفهم ان الانبعاث الروحي الحاصل في روسيا اليوم أعجوبة من السماء. الذي لم يتصفّح الموسوعة السوفياتيّة (باللغة الروسيّة) وقولها مثلا ان يسوع لم يوجد لا يستطيع ان يدرك هذا الغباء الذي كان منتشرًا في الأدبيّات السوفياتيّة. ان كان من عصر ظلمات في التاريخ فليس القرون الوسطى كما قال فلاسفة عصر الأنوار اذ كيف يكون ظلما عصر ابن رشد وتلميذه الأكويني وعصر الكاتدرائيّات والموسيقى الغريغورية؟

                      روسيا الأبدية تحدّث عنها منذ سنتين مثقّفون روسيّون تجاوزوا الستين من عمرهم في لقاء عقده البيت اللبناني الروسي الذي أخدمه مع بعض الأصدقاء. قالوا امام لبنانيين وعرب من الديانتين: «ما مضمون ثقافتنا الروسيّة؟ هي الأرثوذكسيّة». وكان هؤلاء طبعا نشأوا على العقيدة الماركسيّة. لماذا يريد معظم الناس هنا اذا تكلّموا عن الغرب ان نفهمه على انه فرنسا وبريطانيا واميركا بخاصة. افهم ان ثمّة ما يميّز غربي اوربا عن شرقها ولكن الذين يتحدّثون عن أوربا بهذه الصورة الحصريّة انّما تتلمذوا على الإرساليّات الغربيّة والانكلوسكسونيّة ولا يعرف احدهم شيئًا عن اوربا الشرقية وقلبها روسيا. وأريد بها ذلك البلد العظيم قبل ان يعجنه بطرس الأكبر عجنة غربية.

                      نحن كنا دائما على علاقة شائكة بالغرب الى جانب معرفتنا لغتين منه او ثلاثا. فرنسا تقول منذ ديغول عن اللبنانيين انها تحبهم جميعا على السواء. من قرأ الأدب السياسي الأميركي قراءة جيدة يعرف جيدا ان الولايات المتحدة لا تؤثر طائفة على طائفة او شريحة على شريحة ،اذا أرادت أن تتقارب من أحد فهي تقارب من عنده نفط. كل المسيحيين مجموعين لا يساوون عند الولايات المتحدة برميل نفط. فماذا ينفع حسب مصطلح مسيح صعب ان تقيم روسيا توازنا -ولست أقول حربا باردة- والبلاد الروسية. لقد أكّد لنا سيمون هيرش منذ فترة يسيرة ان بلاده ليست مناصرة لأحد في لبنان. انا ما استنتجت من هذا انه الأفضل لنا ان نختار محورا آخر. ولكني اقول ان تصريحات كهذه لا تقيمنا في مكان آمن وان حريّتنا في مصادقة بلد قوي في اوربا يدنينا من صدق المعاملة ويأتينا بدعم آخر قد يكون اقرب الى مصالحنا. واذا اتّخذنا هذا القول قد ينشأ عنه معادلة أخرى في الجيوبوليتيك.

#                  #

#

                      ولكني آليت على نفسي الا ادخل الى هذا المضمار وان أبقى في روسيا الأبدية. لا يهمّني اليوم ولا أفهم كيف تتحرك او كيف تشعر إزاء ايران. ما يهمّني مما أعرفه من المدارس المسكوبيّة التي درس فيها أبي وأمي ان اهل بلدنا تعلّموا اللغة الروسية ووما سعى معلّموهم ان يجلبوهم الى حب روسيا ذاتها كما فعل اساتذتي الفرنسيون. ولما درس بعض الفتيات الطرابلسيّات في بيت جالا اللغة الروسية جيدا عادوا بالعروبة وما عادوا بالعشق الروسي. في الناصرة نهل مخائيل نعيمة من الأدب الروسي قبل أن يتلقن بعض مبادئ اللاهوت في بولتافا.

                      اجل كانت موسكو تحس انها وارثة القسطنطينيّة وتتصرّف بموجب ذلك. هذه مشكلة معقّدة لن أتعرّض اليها. ولكني فقط اذكر ان القسطنطينيّة بقيت مسيحيّة ألف سنة وكانت استتركت ثلاثمئة سنة فقط لما نشب الخلاف بين روسيا والعثمانيين. ولكن نحن العرب ليس لنا علاقة بهذا وفي الجيوبوليتيك الحاضرة من المؤكّد ان فلاديمير بوتين لا شهوة له في لبلاد الأتراك. بوتين او من خلفه يريد ان يقول ان الولايات المتحدة ليست كل العالم وان روسيا شيء ولها ان تصبح بعد سنوات قليلة شيئا عظيما.

                      والكنيسة الروسية لها علاقات طيّبة ونظاميّة مع مسلمي بلادها والأرثوذكس والمسلمون عانوا معا من البلشفة. لذلك لن تسعى روسيا الى احتضان الأرثوذكس في العالم الا اذا وقع الظلم عليهم. ولماذا يقع الظلم في بلاد العرب عليهم وهم يرون انفسهم عربا. ولكن الأرثوذكس ليس عندهم نفط.

#                #

#

                      نبقى اذًا في الجماليات وربما في الطبائع القوميّة. في الحد الأدنى من الرقص تقصد البلّشوي. ولا يعلوه على الرقص فيه باليه في العالم ويعادله احيانا. والعجيب ان الشيوعيين لم يمنعوا هذا الفن «البرجوازي» وما منعوا المرأة عند دخولها المسرح ان تضع في رجليها حذاءً برجوازيًا عند وصولها.

                      ما قد يكون أقرب الى فهمي هو الشعر في رقّته العظيمة كما عند اخماتوفا هذا اذا اهملت القرن السابع عشر عند الفرنسيين وشكسبير. ولكنك لا تستطيع ان تفهم شيئا في المشاعر البشريّة اذا لم تقرأ دوستويفسكي أبا القصة في العالم من ايامه الى دهر الداهرين. لم يصل أحد الى مستوى الإخوة كرامازوفي او الجريمة والعقاب او الأذلة والمهانين وغيرهما من فن  القصة. هذا اذا لم أذكر تولستوي واخيرا سولجنتسين.

                      غير أن العبقرية الروسية بدت انسانية في رهبانية مذهلة وفي قداس ولا أبهى مع ترتيل لا تعرف ان كانت السماء او الأرض مصدره. وربما في تحرّك القلوب ليس من شيء يفوق الأيقونة عندهم على مختلف مدارسها منذ تسعة قرون الى اليوم. واذا رأيت الى أيقونة الثالوث لروبليوف على عقلانيّتك الجافة لا تفرّق بين ما هو للرسام وما هو لله. هل الرب وحده كتب هذه الأيقونة بأصابع روبليوف؟

                      مرة اصطحبني البطريرك الياس الرابع الى موسكو في عيد الغطاس وأقمنا الخدمة وتبادلنا الخطب نحن والبطريرك الروسي ودامت الصلاة ست ساعات ونحن والروسيون واقفون ولا تلين لهم ركبة.

                      وعلى كثرة الخمرة في الشتاء التماسًا للدفء تلمس النفس وديعة رقيقة على شيء من التواضع وكأن التتار الذين حكموا الروسيين مئتي سنة لم يتركوا فيهم شيئا. ما عدا ذلك الحكم حكم في كل بلدان العالم وليس ما يلطفه شيء حتى يبقى عسكر. اما الشعب فشيء آخر.

                      انا ما كتبت هذه السطور لأعظ روسيا فهي عظيمة بلا شهادتي آخر مع ان الغرب حاول تحطيمها كثيرا كما حاول ويحاول تحطيم البلدان الأرثوذكسية منذ بدء الحرب الصليبيّة حتى الرابعة التي دنّست كنيسة اجيا صوفيا السنة ١٢٠٤. ولكن ليس عند الأرثوذكسيين حقد على الغرب وواضح عند الكتّاب الروس حبهم الكبير للغرب ولكن الغرب لا ينسى وان احدًا من الشرق المسيحي لم يحل به شيئا من الأذى. وقد حان الحين لتفهم اوربا الغربية انها ليست واحدة مع اميركا المهيمنة عليها وعلى العالم ولتدرك ان انبعاث روسيا المقدسة هدية من السماء الى اهل الشرق جميعا مسلمين ومسيحيين في انسجام نحبه.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

شباب بلادي / السبت 22 كانون الأول 2007

إلى نايلة جبران تويني

كل الأرقام التي قرأتها عن الأعمار في بلاد الناس قاطبة تقول إن الشباب أكثر من نصف السكان فمن خاطبهم يكون في الحقيقة مخاطبًا البلد في مسيرته. وتختلف القواميس في تحديد هذه الفترة من العمر ولكني آثرت أن أجعلها دون الأربعين أو لنقل من كان له من الصحة والجاذبية والنضج العقلي ما يجعله متأهّبا لخدمة أو نضال أو عمل على صعيد علم أو مهنة لأن الذي فيه خلل لا ندخله في أية فئة. قلت متأهِّبًا لخدمة، لاعتقادي ان الشباب من رأى ان له غدًا يجاهد فيه أو يبدع فيه ولا يحس بترهل أو ميل الى التكرار.

هناك التماع ما مع مضمون وعطاء يجعلك من جيل الشباب ولا شيء يمنع ان تأخذ معك هذه المعطيات الى الكهولة والشيخوخة. غير ان دعوتي اليوم، هي الى شبابنا المتعطش الـى قلب عادات في الحياة العامة والحياة الخاصة وهذا قد يكون انقلابا اذا تضخّم حجم التغيير ونوعيّته.

توًا يذهب فكري الى موقفكم من أهل السياسة. وهنا ينبغي الا يأتي رأينا فيهم تعميمًا اذ لا يشبهون بعضهم بعضًا والشيوخ أيضًا لا يشبهون بعضهم بعضًا ولكني أشاطركم القول بأن البلد الى خراب وبعضه خراب الأخلاق مثلما لم نشاهد قبل الحرب الأهلية أو شبه الأهلية. ولكنكم تنظرون الى المستقبل لأنه اذا طغت عليكم نظرة الماضي وحدها تحصرون أنفسكم بالاحتجاج والاحتجاج مرحلة اولى شرعية من مناقشة أحوال البلد ولكنها تبقى مرحلة أولى. ما يفرض اذًا نفسه ان تعرفوا كيف تريدون ان تكونوا.

لا أجادلكم هنا في خياراتكم السياسية اذ أسمع أن معظمكم مسيّس اي انكم تابعون لأهل السياسة القائمين، وفي هذا تكون قفزتكم الى الكهولة العقلية والمبتغى ان تأتوا بسياسة جديدة أو رؤية جديدة للبنان. واذا أحببتم أن تتبعوا الموجود فقدموا فكرا نيّرًا وليد خبرتكم أو صرخة من صرخاتكم. ليس في النقيق (النق) حياة. انشطوا، أنشئوا أنتم حياة جديدة ولكن هذا كله يقتضي حياة متأججة فيكم اي حبًا كبيرًا للإنسان وطهارة لم تنثلم وثقافة واسعة. ربما يتضح لكم انكم حاملو حضارة جديدة فيها الكثير من المرئيات المسموعة والإلكترونيّات. انا جاهل لاستعمال الحاسوب وليس عندي هاتف محمول ولا ألومكم على الإقبال على هذا. ولكني موقن – مع الذين درسوا الموضوع – انكم لا تقدرون على الاستغناء عن الكتاب وتكون حياتكم فارغة ان لم تستوعبوا أهم ما في تراث البشر من اليونان القديم وبلاد الرافدين ومصر وصولاً إلينا والى دياناتنا وشِعرنا امتدادًا الى اوروبا بما فيها روسيا المقدسة.

أعرف أن هذا يتطلّب الحياة كلها وان تتقنوا في الحد الأدنى لغة أجنبية صافية الى عربية أنيقة. يجب ان تفتشوا عن عظمة الفكر. العضلات والجمال والثروات والسيارات وكل بهرجة هذا العالم ليست بشيء. ولا تسمحوا أن يستهين أحد بحداثتكم في توهّم أن الكهولة أنضج. ليس للعمر نضج لكنه لا يحصل بلا تعب كثير. غير ان هذا لا يعني ان لكم الحق في ان تفتخروا بشبابكم اذ لن يحسب لكم الإقدام ولكن نتيجة الإقدام. سوف يسألكم ضميركم عن تعبكم ولكن المهم ان تغيّروا نفوسكم قبل أن تغيّروا العالم.

•••
لا تكبّوا الأشياء القديمة بسرعة وبلا تأمّل. اذا كانت الحقيقة ما تقصدون فهذه حملته الأجيال السالفة ايضًا. خذوها بقوتكم وضعوها في مراميكم. بلّروها وترجموها بلغتكم واخزنوها في مساعيكم لأن كل كلام لا حقيقة فيه مظهر من مظاهر الخطابة الإنشائية ولا دسم فيه. واذا شئتم آلية لتجمعكم اقرأوا كل شيء وتمسّكوا بالأفضل ولا تخشوا الأجهزة الأمنيّة اذا قامت على الباطل أو الانحياز السياسي. ولكن تصدوا للسياسات القائمة اذا آمنتم انها ضد الحق وضد الحرية اي صارعوها بفهم وبأسلوب سلمي لأن السلم دائما أفضل من الدم.


كونوا متواضعين فالتواضع ليس له سن. الشاب القادر على التواضع يعني خضوعا للحقيقة. راهنوا على الحق ولا تراهنوا على العدد فالعدد الى جانبكم لكونكم نصف البلد أو أكثر وحاولوا ان تقنعوا أهل الحكم أو مَن تعاطى السياسة وذلك بالحجة اذ ليس من فئة كاملة اعتراها الفساد وسوف يحاولون ان يخضعوكم بغير الحق ولكن ارفضوا كل كذب وكل اهتراء خلقي لأن شبابكم لا يعود يعني شيئًا. المهم في كل تحرّك ان تكونوا طاهرين.

يمكنكم خارج كل حزب ان تؤلّفوا حكومة ظل أو بضع حكومات ظل تدرس كل مشاريع الوزارات وتناقشها بكل وسائل الإعلام واذا جاء فكركم صالحًا وعلميًا لا بد له ان يهز ضمائر الحكام فيأخذوا منه ما يأخذونه وتتابعوا دراساتكم حتى يصل منها ما يصل وتُقلقوا من كان قابل القلق. العمل السياسي الصادق، الحق يأتي من القاعدة ومن تبادل الفكر في القوى الضاغطة التي تؤلّفونها. هذا لا يمنع مواجهتكم للأحزاب أو الكتل القائمة بحيث تأخذون منها ما يوافق تطلّعاتكم ولعلّها تتلقّى ما بلغتموه من فكر. يمكن البعض ان يتأثر بهذا القائد السياسي أو ذاك، ولا مانع، اذ ذاك، ان تختلفوا في ما بينكم، ولكن لا بد لكم ان تقولوا انتم كلمتكم وتصبروا عليها فتنشأ مواقف شبابية متقاربة أو متباينة وقد تبين أحزاب جديدة من صفوفكم، لكن المهم ان تنكشف افكار جديدة والتزام جديد.

غير ان الحياة المجتمعيّة في لبنان ليست محصورة في الفكر السياسي. يمكن ان تظهر منك أعمال على صعيد الواقع. لكم مثلا أن تقدِّموا اهتمامًا بنظافة الشوارع وتبنّي مؤسسات ترفع من شأن الفقراء. ضمّوا الفقراء اليكم. اجمعوهم حولكم. ابنوا بلدًا خارج الهاجس السياسي المباشر. قد يهزأ بكم بعض الزعماء وأزلامهم ويسمونكم جمعيات خيريّة. هل تكوين جمعيات خيرية سخيف الى هذا الحد؟ لا تكتفوا بالنقد الكلامي. اعمَلوا باستمرار ليؤمن الناس بكم ويعتبروكم مستقبل البلد. الخطباء قالوا لكم دوما انكم مستقبل البلد ولكنهم لم يسلكوا لتصبحوا حقيقة هكذا. برهنوا لهم ان الله يفتح أمامكم اليوم الحاضر والأيام الآتية. اجرفوا كل وساخة وافضحوا كل كذب في الحياة العامة واكشفوا الهدر في كل مجال. قد يعرضكم هذا للإهانة أو الضرب. هذه شهادتكم.

•••
بتجمّعكم الصادق، المخلص برهنوا لهم انكم لا تخشون احدا أو شيئًا لأن الكذب لا بد له ان يفتضح. ثابروا واصبروا ولكن لا ترجئوا قولا حلالا وعملا شكورا. لازموا البلد ولا تهاجروا وتبنّوا ما قاله مفكّر سياسي كبير: “لبنان ليس فندقًا ذا خمسة نجوم”. سوف تتعذّبون في لبنان. هذا هو صليبكم اذا آمنتم أن الألم شرط القيامة.

وقبل كل شيء لا تقيموا اي وزن وطني للانتساب الديني. لا تؤلّفوا قوى ضاغطة على أساس طائفي. شرط الاجتماع ان تكونوا من كل الألوان. ثابروا على ايمانكم إن كنتم مؤمنين وامتنعوا عن التكلّم على حصص طوائفكم الا اذا قلتم معا – بعد فحص دقيق – ان هذه الطائفة أو تلك مغبونة لأن رفع الغبن يكون، عند ذاك، رفع شأن البلد مجتمعا.

اذا كان بعضكم لقناعة فيه لا يحب استعمال كلمة عَلمانية لأنه لا يفهم مضمونها الحقيقي فهي ليست ضدّ أية عقيدة قائمة في هذا البلد، قولوا نريد حكما مدنيًا في لبنان. من كان مدنيًا بهذا المعنى الجامع فهو الإنسان الحضاري. خذوا ما أردتم من الإلهام الديني أو الروحي فهذا مكوّن من مكوّنات الحضارة. ولكن لا يدخل في شعوركم أبدا في العمل المجتمعي والسياسي ان هذا مسلم وذاك مسيحي. القوى الضاغطة من القلب الطاهر الشجاع وهذا ممكن وجوده في اي دين.

عيشوا اللاطائفيّة منذ اليوم في تجمّعاتكم ولا تسمحوا بجدل ديني أو طائفي في ما بينكم لأن هذا يجعلكم شبيهين بالموجود المهترئ. هناك من أحب لبنان حتى الموت. هذا خذوه في صفوفكم. اعلموا قبل كل شيء انكم لستم بلدًا موقتًا وان فيكم كل المقوّمات التي تجعلنا معكم وطنًا نهائيًا. كل بحث بينكم على أساس تجزئة البلد أو انقساماته أو مرحليّته بحث هدام يجعلكم طغمة تودّع الحياة.

لبنان فيه من الطاقات الخلقيّة والطبيعة ومواردها والحب ما يجعلكم قادرين على التأمّل في صموده في الحرية على أن تكون هذه الحرية فرصة للنمو الفكري والاقتصادي في الإبداع. المهم الا تقبلوا الشرخ بين طائفة واخرى والا تقبلوا ببلد فقير أعد للاغتراب. الفقير أو الضعيف الثقافة لا يهاجر. كيف يتألّف البلد ويزدهر بالطبقات المحرومة أو الجاهلة؟ تمسّكوا بهذه الأرض وبالأدمغة فيها. هذان العنصران قادران ان يُنشئا بلدًا يتجدّد. هذا يعني ان تحبوا البلد حبا لا حد له. ان تحبّوه هو ان تلازموه وان تخدموه ايا تكن الصعاب.

على هذه الأسس كلنا ننتظركم. لا تخيّبوا الآمال. اعطونا انتم الطمأنينة. انتم قادرون ان تستنزلوا علينا نِعم السماء.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

هذه الضوضاء / السبت ١٥ كانون الأول ٢٠٠٧

يرافق الضوضاء كثيرًا استعمال مفردات لم يقرأ القائلون بها القاموس. فالكونفدرالية التي يهمس بعض خفرا انها اتحاد دولة كاملة السيادة تشكّل مرحلة غايتها حلّ الاتحاد او تحوّله الى دولة فيديرالية. هبوا مثلا أن الموارنة في كسروان وجبّة بشري وعكار وبيروت والجنوب دولة في هذه الكونفدرالية. كيف يستطيعون أن يجتمعوا دولة خارجة عن لبنان لو أرادوا؟ وهبوا أن سنّة جبيل ضمن دولة إسلامية ذات سيادة، كيف تنفصل عن باقي السنة وما الى ذلك؟ عبارة كونفدرالية طوائف عبارة لا معنى لها في الحقوق الدستورية ما لم نجمع كل طائفة من الثماني  عشرة في منطقة، وهذا لا يتم عقليا الا بحرب. نبقى اذًا في النظام الطوائفي كما هو او نتعلمن. ولكن كل هذا اللغو او اللغط يحتاج الى حرب، والناس متمسّكون ببيوتهم وقراهم. بلا قتال استطاع ستالين وحده أن ينقل سكانا في الاتحاد السوفياتي.

                      هنا تحضرني بعض من سورة الناس: «قلْ أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس». والشيطان هو المهرّج الكبير الذي ترى قناعه ولا ترى وجهه اي لا تعرف خلفيّة فكره التي يريد ان تتبناها.

                      ورقصة الشياطين على مسرح لبنان تجعلك تشكّ في أهل الدين الآخر. وأظن أننا على هذا المسرح المتعدّد الشخصيّات لا نزال نشك بوحدة المسلمين والمسيحيين، والشك يعني هنا أن تخشى أن يبتلعك الآخر. أهل العَلمانية أبرياء من الشكوك ولكن ما قدرتهم الآن؟ولا يطمئنني أن اللبنانيين اجتمعوا في الفريقين المتصارعين وتلازمهم خلفيّاتهم لأن كل طائفة تفكّر بسيادتها بدليل تمسّكها بالحقائب الهامّة وانا لست أشك في وسوسات الدول ولكن لو استلهمنا الحق وحده لا نبقى طائفيين في خياراتنا، او متبارعين في موضوع التعديل وآلياته بحيث نبقى رافضين لأي حل ولو رأينا فيه خير البلد. الأزمات الظاهرة التي لا نهاية لها يبطنها تأزمات نضمرها ويحس بها الآخر ولكنا جميعا باطنيون. الباطنية حضارة البلد.

                      لنأخذ مثلا قضيّة التوطين التي كانت تسع سنوات حديث الرئيس العماد لحود واتخذها الدستور. ولكن لم نفصل هذه المسألة عن تساؤلات كثيرة. هذه ليست قضية تخص المسيحيين وحدهم، فالفلسطينيون يريدون العودة ونحن نريدها لهم. ولماذا يأتي خطر التوطين عنصر إحباط عند المسيحيين. فلم نواجه فكرة التوطين لنقول ان لبنان يمنح الفلسطينيين هوية لبنانية ولهم ان يحملوا جواز سفر فلسطيني حتى يعودوا الى حيث يشاؤون، واذا لعبنا لعبة الخبث من قال ان المسلمين او بعض المسلمين يريدون هذا التوطين؟ كنت أتمنّى أن أسمع من غير جهة أنه يجب رفع الظلم والفقر عن أهل المخيّمات وأن يلحّ المسيحيون على ذلك.

#             #

#

                      لعل جزءًا آخر من الإحباط موضوع العدد. قبل كل بحث كنت أتمنّى على المسيحيين أن يقولوا أنهم مغتبطون بأن عضوية مجلس النواب مناصفة هي تضحية من قبل المسلمين بعد ان قال جميع الناس إن المسلمين أكثر من نصف الأمّة وانا لا أعرف النسبة ولست أظنّ أن مسؤولًا يعرفها بدقّة.

                      هنا نأتي الى موضوع أسلمة الأرض. لست أظن أن أحدا يقول إن المسيحيين يرتدّون عن دينهم. نحن اذًا مع موضوع شراء أرض يبيعها صاحبها بكل خاطره لكونه محتاجا، والمسلم على ما عرفته في صباي يؤثر الملك العقاري على أيّ استثمار آخر. لماذا لا يجتمع أغنياء المسيحيين في جمعيّة او مصرف قليل الفائدة ليدعم فقراء المسيحيين؟ لماذا لا تحول الكنائس وعلى رأسها الكنيسة المارونية المعروفة بكثرة أملاكها لتحل هذه المشكلة. أنا أفهم أن يضطرب المسيحي الفقير إن لم يبقَ له موضع يضع قدميه عليه او يضطرب لانتقال الثروة من طائفة الى طائفة، ولكن هذا كله لا يؤسس لإحباط إن كان أثرياء المسيحيين او رؤساء كنائسهم حريصين على بقاء الثروة في طوائفهم.

                      هناك قضيّة المناصب. هبوا أن مركزا من الفئة الأولى معيّن لطائفة ما قد لا يكون فيها أكثر من اثنين او ثلاثة لائقين بالمنصب، وان طائفة أخرى او أكثر فيها من كان أعظم كفاءة. أنت تكون ضد سلامة المؤسسة إن أصررت على إسناد المركز لطائفة محددة. قلت هنا غير مرة ان الفئة الاولى لا ينبغي ان تكون مسيّسة  ولكونها تقنية بطبيعتها لا علاقة لها بالانتساب الديني. هبوا  مثلا ان اية طائفة فيها مهندس نفط واننا أنشأنا مديريّة للنفط لا نجد من يشغلها الا واحد في كل الشعب. كيف يتم التوزيع؟ ان الحكومة نفسها لا تجد فيها دائما  واحدا من طائفة معينة ذات اهمية كبرى. أنا أفهم أن مجلس النواب ينبثق عن الطوائف كلّها في هذا البلد ما دمنا على هذا النظام  لأن النيابة عمل سياسيّ أصلا يقوم على مشاعر وروابط ولكن يحتاج الى حقوقيين. اما الوزارات ولئن كان بعضها فقط سياسيا، فما من شك ان بعضا منها يغلب عليه الفكر السياسي وكأن الوزير شبيه بالمدير العام. هذا يجب تقريره بعد مجيء الرئيس حتى ننهض بالمؤسسات على أساس علميّ.

#         #

#

                      أنت تهيئ لزوال الطائفيّة السياسيّة منذ الآن تدريجيا بحيث يحس المواطنون أن عظام الفكر اذا باتوا مغلوبين تأتي المؤسسة عرجاء ويبقى الشك في الأذهان ويذهب الناس الى أن أهل السياسة خاضعون لثنائيّة القلب واللسان وان الحكم اللبناني مسرحية كبيرة ولو ذكيّة بذكاء الوسواس الخنّاس.

                      انه لمن العسير جدا أن تعيش في بلد يشك كل الناس بكل الناس. ويكلّمونك عن الموازين ويفسرونها لك على ان كل فريق يتنازل عن شيء وكأن الأمر معادلة بين فريق وفريق وكأنهما هما الكيانان المتقابلان في حين ان طلب كل منهما هو الله او ينبغي ان يكون كذلك. انا لا أستطيع أن أنصح المسلمين فلهم علماؤهم وساسة منهم ويقدر كل مواطن ان ينصح سياسيا لأنه مدني يقوم يمسؤوليّته من أجلك . ولكني في الحديث عن المسيحيين لست أذكر أن أحدًا كلّمهم على غير السياسة وعلى غياب حقوقهم او ضعفها ولم أذكر أن أحدا ذكر لهم اسم المسيح ليروه رجاء في حالة يحسبونها إحباطا.

                      لنذهب على ان المسيحيين بعد عشرين سنة أضحوا فقط ثلث البلد وبعض يقول انهم اليوم على هذه النسبة او اكثر بقليل، هل يكون المسيح قد غاب إن هم خفّت أراضيهم او ابنيتهم ولم يرضَ المسلمون بزوال الطائفيّة السياسيّة او أصروا على انتخاب اي رئيس جمهورية من الشعب. ماذا ينتقص عند ذاك من بهاء المحبين للمسيح؟ هل تنحدر فاعليّتهم الروحية والفكريّة وطهارتهم؟ لا يفهمنّ أهل السياسة هذا القول على ان ما يحتجون به باطل او ان المسألة السياسية غير واردة عندي. انا لا أنفي عن الإكليروس حقه في الدفاع عن المسيحيين، وما يسر الجميع ان كبارهم ولا سيّما في الكنيسة المارونية همهم كل لبنان، ولكني أتمنّى على كل الساسة المسيحيين المؤمنين الا يخافوا لأن المسيح قام. مئة ألف مسيحي يضيئون كالمصابيح في لبنان خير من كل رمل البحر.

                      الخوف قتّال لأنه يلغي الفكر او أقلّه يوحي بفكر مغلوط وعصبيّة. الى هذا أضيف انه عيب ان يخيف احد أحدًا. واذا أتانا رئيس لا بدّ ان تنقلب الموازين وأخشى، اذ ذاك، مواجهات جديدة.

                      ونحن ماضون الى الأضحى اي الى النحر، واذا أجاز لي المفسّرون بالمجاز فهذا نحر خطايانا اذا كنا نشترك جميعا بالأضحى معنويا. كذلك نحن مقبلون  على ميلاد المسيح الذي أحد أسمائه السلام. كنت أتمنّى أن نقدّم لله نحر أحقادنا وسلام قلوبنا بحيث يصير لبنان كله قيامة عنيت بها بساطة الثقة.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الرئيس ايضا وايضا / السبت ٨ كانون الأول ٢٠٠٧

فيما أكتب لست أعلم بما سيجري يوم الجمعة (أمس). وهنا تحضرني الآية: «يا أيها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع» (سورة الجمعة، الآية ٩). واذا ترجمتها للنواب على أطيافهم أقول الانتخاب يتضمّن دعاء في القلب وان يذر مندوبونا البيع بمعنى التفاوض والنقاش الذي لا منتهى له حتى نموت اختناقا بالكلمات التي تولد احيانا عقما رهيبا فاذهبوا ان لم تذهبوا بعد وقلوبكم مطهّرة وأتونا بالحسن ان لم يكن الأحسن لئلا تهمشوا نفوسكم عن حب الجماعة التي دعتكم الى حمل وزرها عالمين ان كل نسان مكتوب عليه الموت وان البلد مدعوّ الى القيامة بكم او بمن تستخلفون.

                      هنا أذكر حديثا لصديق لي كان يقودني الى مطار باريس أرجع منه الى لبنان وكانت على يمين الطريق مقيرة مليئة بأكاليل زهور بسبب من ذكرى للموتى في الكنيسة الكاثوليكية فقال لي رفيقي: «انظر الى هذه القبوركلها ملأى بناس لا غنى عنهم». وانا في شيخوختي ارتب بعض أموري برؤيتي موت قد أكون معه على موعد قريب. ثم اذا نظرت الى ما قد يعتبره أصدقائي إنجازات لي أفكر دائما بأن خلفي قد يكون عظيما ويكمل الطريق.

                      لقد تعب محبو هذه الأمة من الكلام على صفات الرئيس وهو أتى من أمّة كما أتى. وأنتم تختارون واحدا من الموجودين في هذا الشعب ولا تأتون بالضرورة بعبقري او قديس. فاذا كنتم لم تُجمعوا على واحد أمس فأجمِعوا على الممكن وجوده بين الأبرار والفاهمين ومن أعدتهم طبيعتهم للقيادة. وهذا أمر قابل للنقاش بينكم اي قابل للاستنساب. صونوا أنفسكم بالإخلاص وانا آمن انكم خرجتم او تخرجون باختيار من يناسب المقام وان المقام سيعلّمه أشياء كثيرة ويمده بملازمة الحق بمحبة لنا جميعا. واما الحكومة والمناصب والحقائب فستأتون بها في حينه وفي دستورنا هذه أهم من الرئيس في صلاحياتها وأفعل واذا أصررتم على رؤية جامعة لهذه الأمور فقد لا تبلغون شيئا من مراد الأمة.

                      والأمة راغبة في إتمام هذا الاستحقاق لتستعيد رجاءها ولا تخشى الجوع الذي يهددنا حقيقة ولعل كل ما يهمها من أمر السياسة ان يأكل الأطفال ويدرسوا ويحبوا بعضهم بعضا ويتهذّبوا.

                      لقد اصطلحنا في هذا البلد على كلمتين: الحكم والحكومة. والحق ان هذا الاصطلاح كان ذا أساس قبل الطائف والحاكم  من نفّذ. اما الآن فالنص يقول ان الرئيس رمز الوحدة ولا يعترف له بصلاحية تفسر على انه حاكم وظننتم ان هذا التغيير يسكت المدفع ولكن تحول المدفع من آلة الى كلام يقتل هو ايضا على صعيده.

                      مع ذلك اؤمن بأن رئيس الجمهورية هو ليس فقط رمزا لكونه يختار بمشاورات ملزمة رئيس الوزارة التي وحدتها انها تقرر مجتمعة.

#            #

#

                      فمن المؤكد أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون أكثر من رمز وهذا له ان ينتزعه ممارسة لا بتجاوز القوانين ولكن بالإيحاء الذي تعطيه طهارته وشهامته ونفوذه المعنوي »الكتاب« كما كان يسميه الرئيس فؤاد شهاب لا يكفي. يجب ان يصبح الرئيس بنظره الثاقب ومرونته واقترابه من الأطراف المتنازعة حَكما يحكم بالقانون والحب معا.

                      لست أقول ان المسيحيين يجب ان يكونوا محتشدين وراءه او حوله. هذا رئىس البلد وليس فريقا طائفيا. والسدة نفسها دلّت منذ الاستقلال ان رئيس الجمهورية لم يكن في خدمة حماسية لطائفته او متحيّزا لها. فاذا راق المسيحيين ان ينصروه وهو قائم في عدله فقد يشفي المحبطين منهم ومجموعتهم اذا تجمّعت -وهذا نادر- قد يزيد انتعاشها ويقل إحباطها اذ لا ينبغي ان ندرك يوما يشعر فيه المسيحيون بضعف بعد ان كانوا أقوياء.

                      في الإنجيل هذه الكلمة: «مبارك الآتي باسم الرب»، لنترجمها سياسيا ونقل «مبارك الآتي باسم الشعب اللبناني» ممثَلا بالنواب كما هم اذ ليس لنا وسيلة اخرى افضل. بعد ظهور الرئيس واذا نضج الوضع لنا اننتكلّم على نظام رئاسي. غير ان هذا يزيد في التوتر الحالي. ولا يمنع نظريا النظام الرئاسي على ان نبقي على رئيس ماروني. هذه قد تكون رمزية نافعة. كلنا يذكر الدور الذي لعبه المغفور له الرئىس سليمان فرنجية عندما تكلّم باسم العرب في الأمم المتحدة. عرف العالم عند ذاك ان العرب فيهم غير دين ولم يشك المسلمون اللبنانيون ان هذا كان عملا مليحا.

                      واذا جئنا على ذكر العسكر أذكر اني كنت أكلل عميدا في الجيش أرثوذكسيا لا يزال حيا يرزق وكان الشاهد في الإكليل المرحوم الرئيس كميل شمعون فلما جاء وقت الموعظة قلت للعريس: أنت عسكري في الثكنة ولن تكون عسكريا في البيت. لقد رئس شارل ديغول وأيزنهور بلديهما وصارا مدنيَين. وما يبقى من ديغول خارج رئاسته لفرنسا انه كان كاتبا بليغا. وهكذا ستعرفه الأجيال. القول الحسن والتصرف الحسن اي الحكمة ستخلعان اللباس المدني على رئيس عسكري اذا ما أتى.

                      «الطبيعة تكره الفراغ». والنساك قالوا لنا ان الفراغ يملأه الشيطان. اجعلوا الله في البلد واشتموا إبليس الذي يضع الفوضى في عقول الناس وقلوبهم واعلموا يا سعادة النواب ان لبنان اذا تحوّل الى جحيم بسبب من خصوماتكم لن يبقى على ما نعرفه عليه. قالت المزامير: «نجّني من الدماء يا الله». عوا هذا القول لئلا تفنوا وأتوا برجل فاضل ان لم تأتوا به أمس. الدنيا فيها أبرار والقديسون العظام قلائل. لا تحدثوا في أية نفس خيبة فقد تختلط الأوراق بعد انتخاب الرئيس ولا يتساجل المتساجلون او تختلف نقاط السجال. ويحل سلم كبير او بعض من سلم حتى نتلاحم في الوقت الذي تنزل علينا فقط حكمة الله ورأفاته.

#           #

#

                      لبنان يعلونا جميعا وهو دائم بوحدتنا على اختلاف السياسات. ومن طبيعتها أن تختلف. الاختلاف بلا حقد هو الفن الممكن ان كنا رحماء وطوبى للرحماء. هذا بلد فيه طاقات مذهلة ولكن يجب ان تتجمع واذا أردتم الا يتلاعب بكم احد فأنتم على ذلك قادرون. اذ ذاك نكون قد بلغنا الاستقلال الناجز. ليس الاستقلال بأن نتباعد عن أحد ولكن ان نجتمع بعضنا الى بعض اي انه عمل داخلي اولا وهذا فيه مساعي الكل وان يعي الشعب اولا انه يحكم الحكام ويدربهم على انهم مسؤولون أمامه.

                      واذا قمنا بسياسة الحكم المدني تتضاءل الطائفيات اذ رغبتنا جميعا ان نربّي اولادنا وان ننعش مناطقنا ونبني وطنا قائما على العمل وعلى الفهم وعلى ايماننا بأننا متراحمون بحيث لا يتهمّش أحد لأننا في حاجة الى مساهمة كل الأطياف ولا سيما الأدمغة النيّرة العالمة وهذا لا ينقصنا.

                      وتبدأ السياسة بالعمران والاقتصاد فلا تبقى طريق لا تُسلَك ولا قرية ينقصها ماء او إضاءة او مدرسة ولا تُهمل الموارد التي نتكلّم عليها وتلك التي ينبغي ان نفتش عنها ويكون مال الدولة مقدَسًا كمال الأفراد. ذلك لأن أساس كل إصلاح هو الاستقامة في تعاملنا والدولة.

                      لبنان فيه كل المقدرات التي تجعله وطنا وحكما عصريا يحس فيه المواطن بالطمأنينة وانه عديل كل مواطن آخر في الحقوق والواجبات. هل تؤمنون بإمكان ظهور هذا اللبنان؟ ومن كان هذا إيمانه فليتقدّم الى النيابة والمسؤوليات الأخرى. وليترك لكل امرئ اعتقاده بالقضاء وحريته الشخصية وقدراته على الإنتاج في كل مجال من مجالات الاقتصاد والمعرفة والفنون.

                      واذا رحّبنا بالمبدعين في كل مضمار فهم يغيّرون الناس في مضمارهم اذ لم يكتب القدر لعنة على شريحة من شرائحنا ولم يكتب علينا دوام التحالف. والإبداع تساعد عليه الدولة الجيّدة فلا يموت احد بسبب من عطائه او حدة فكره. والتنوّع لا قيمة له الا ان يعضد الفهماء من كل صوب حتى لا نموت يأسا من البلد. فعند ازدهارنا الجماعي الحق وعند عدالة الحكم يرجو الناس الى مستقبل زاهر نضعه في خدمة العرب وخدمة العالم ونصبح على صغر حجمنا وعددنا نافعين للعالم كله.

                      هذا كله يتطلّب جمالات في النفس اي هداية الى الحق او تحوّلا الى الله. وبعد هذا يهبنا ربك كل ما نحتاج اليه لمجده وبهائنا تحت مجده.

Continue reading