Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2008, جريدة النهار, مقالات

سبت لعازر / السبت ١٩ نيسان ٢٠٠٨

هذا هو اليوم الذي نحن فيه والحديث فيه عن بعث يسوع لصديق له اسمه لعازر اي الله عون او أزر وكان له أختان مرثا ومريم  ورد ذكرهما في غير موضع في الإنجيل. ويخيّل اليّ أن هؤلاء الثلاثة من حلقة الأتباع الواسعة المنتشرة في فلسطين الى جانب التلاميذ الاثني عشر. إصحاح (او فصل) كامل يخصّصه يوحنا الإنجيلي لهذه الحادثة ما يعني انها باتت جزءًا من لاهوته كبيرا.

         وفي هذا يتبع اسلوبه المألوف أن سردًا ما يكون صورة عن سرد سيأتي أكثر كثافة وأعمق معنى.

         جرت الحادثة في ضاحية من ضواحي أورشليم تسمّى بيت عنيا وهي معروفة اليوم باسم العازارية. أرسلت الأختان تقولان ليسوع وهو في طريقه الى اليهودية ليدخل اورشليم في اليوم التالي: «يا سيّد هو الذي تحبّه مريض». وهذه العائلة نعرف شغفها بالمعلّم وما كانت الأختان في حاجة ان تسميا أخاهما باسمه. غير ان المعلّم ما لبّى رغبتهما توًّا. وحاول التلاميذ ان يقنعوه بعدم الذهاب الى تلك المنطقة بسبب من عداء اليهود له. لعلّ يسوع استخف بعداوة اليهود اذ رآهم في الظلام فقال: «ان كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور العالم» كلمة نور واردة كثيرًا في الإنجيل الرابع ومنذ فاتحته تدل على شخصيّة المسيح. هنا قال يسوع: «لعازر حبيبنا قد نام». استخدم هذه العبارة ليدلّ على أن لعازر مات. وعبارة الراقد في المسيح واردة في كل الأدب الإنجيلي ولكن التلاميذ لم يفهموها حتى قال لهم المعلّم علانية «لعازر قد مات». بعد هذا مشوا الى بيت عنيا.

         «فلما سمعت مرثا ان يسوع آت لاقته فقالت له: «يا سيّد لو كنت ههنا لم يمت أخي»». عتاب لطيف مليء بمعرفتها لقدرة يسوع. «قال لها يسوع سيقوم أخوك» فظنّت أنه كان يتكلّم عن القيامة في اليوم الأخير فقال لها يسوع: «أنا هو القيامة والحياة. مَن آمن بي ولو مات فسيحيا وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت الى الأبد».

         قبل هذه الحادثة أوضح يسوع في إنجيل يوحنا نفسه أن البشر سيقومون في اليوم الأخير وسمّى ذلك قيامة حياة للأبرار وقيامة دينونة للأشرار. هنا يبدو أنه يدخل مفهومًا للقيامة جديدًا وهو انه هو القيامة للذين يؤمنون به. لم يلغِ الاعتقاد بقيامة الأموات ولكنه علّم هنا أنك إن كنت معه وله ففي حياتك على الأرض انت قائم من الموت الروحي وحياة الله بواسطة المسيح هي فيك. أظن أن القولة الركيزة في معجزة إقامة لعازر هي قولته لمرثا: «أنا القيامة والحياة». على هذا تأتي المسيحيّة كلّها تعلّقًا بالمسيح وليست هي كتابا الا بمقدار ما يقوّي هذا الكتاب عشقنا للمسيح. لا بد من كتب ولا بد من عبادات وطقوس وما نسمّيه أسرارا إلهيّة كالمعمودية وتناول القرابين. ولا بد من معابد وقانون ينظم حياة الجماعة. ولكن هذه كلها ما هي الا وسائل تقوّي الحب ليسوع ولقاءنا شخصه في كل حين عملا بقول بولس: «لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ».

         قد لا نكون كاملين في هذا لأن الخطيئة تحجب المسيح عن أبصارنا ولكن جهد التطهّر الذي نبذله هو أن نبيد فينا الغشاوة لتنظر عيوننا بنور المعلّم فنشاركه آلامه ونقوم معه فلا نموت الى الأبد واذا تبنا تتجدّد حياة السيّد فينا. ومَن أحبّ يسوع بلا تردّد ولا تساؤل أيّا كان مذهبه يكون معمّدًا بروحه لأنه يبثّ روحه عند القابلين اياه ويجعلهم أبوه جبلة جديدة.

         أجل الحب يقوى اذا قوّيته اي اذا شئت انت وشاء هو فيصبح هو فيك وتصبح انت منه اي أخًا له وجالسًا معه في السماويات فيما تعدو قدماك على الأض ويزول المدى بين السماء والأرض.

         وبعد ان قال يسوع لمرثا هذا القول سألها: «أتؤمنين بهذا؟» وكان لعازر لم يقم بعد. وما كان لها برهان حسّي على قدرته على نطاق الموت «قالت له نعم يا سيّد. لقد آمنت أنك انت المسيح ابن الله الآتي الى العالم». وبعد هذا مضت «المعلّم حضر وهو يدعوك». وهو لم يقل ادعي أختك ولكنها أرادت أن تشاركها الإيمان به كل هذا قبل بعث لعازر فقامت «مريم سريعا وجاءت اليه» ونعرف من الاصحاح الثاني عشر الذي يلي انها «أخذت منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها». حب كبير عند هذه التي كانت تريد دائما أن تسمع كلامه ولا ترتبك كمريم بأمور هذه الحياة. فلما رأته كان لا يزال خارج القرية قالت له مثل أختها «يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي». هنا أرادت أن تؤكّد قدرته على غلبة الموت او على منعه. فلما رآها يسوع تبكي «انزعج بالروح واضطرب». ربما أراد الإنجيلي ان يؤكّد بشريّة يسوع في مشاركته آلامنا. ولنا ان ترى في هذا إشارة الى آلامه التي ستكتمل بعد ايام قليلة.

         بعد هذا قال المعلّم اين وضعتموه فأروه القبر. اذ ذاك يقول الإنجيل: «بكى يسوع». والواضح هنا ان يوحنا الرسول الذي ملأ كتابه من الحديث عن ألوهية السيّد أراد أن يؤكّد ناسوته ربما ليدلّ على أن يسوع سوف يموت بناسوته كما ترضى ألوهيّته ان يموت. وفهم اليهود بعد بكاء المخلّص انه كان يحب لعازر ثم قالوا: «ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا ايضًا لا يموت. فانزعج يسوع ايضًا في نفسه وجاء الى القبر وكان مغارة قد وضع عليها حجر». هكذا سيوضع الرب في مغارة يسدها حجر. لعلّ يوحنا لمح أن السيّد ايضًا سيوضع في قبر بابه من حجر. اذ ذاك قال يسوع: «ارفعوا الحجر» فقالت مرثا «يا سيّد قد أنتن لأن له أربعة أيام» كانت تعرف قوة يسوع ولكنها لم تفهم مع ذلك ان النتانة يمكن بإرادة الله الا تحصل. قال لها يسوع وهو في حالة الاضطراب والبكاء: «ألم أقل لك أن آمنت ترين مجد الله»، هذا المجد الحال عليّ والساطع بي وبعملي. «فرفعوا الحجر». عند قبر يسوع رفعت قوة الله ممثلة بملاك الحجر عن قبره.

         صلّى يسوع للآب وطلب اليه ان يوحي للجموع ان يؤمنوا بأنه هو الذي أرسله. وما قال هذا في معجزات أخرى مع انه كان يريد في غير معجزة أن يؤمنوا. «ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجًا«. فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع حلّوه ودعوه يذهب».

         بعد هذا لا نعلم الى اين ذهب. نقرأ فقط في الإصحاح الذي يلي ان العائلة صنعت عشاء للسيد وكان لعازر أحد المتكئين. ثم جاء في تراث الكنيسة انه عاش هنا او هناك وصار أسقفًا ومات لأن جسده بقي جسدا بشريا قابلا للموت بخلاف جسد يسوع الممجّد الذي لم يتسلّط عليه الموت بعد قيامته.

         وتكتمل الرواية في الحديث عن رؤساء الكهنة والفريسيين الذين عقدوا مجمعًا ليتشاوروا بالمصير الذي كانوا يعدّونه للمسيح خاشين ان يؤمن به الجميع وخافوا على انه اذا كان هذا هو المسيح الحق الذي سيحرّر فلسطين من الاستعمار الروماني ويأتي هكذا باستقلالهم عن الاستعمار، خافوا ان يصطدموا بالمستعمر فقال قيافا رئيس الكهنة في تلك السنة: انه خير لنا ان يموت انسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ويؤكّد يوحنا الإنجيلي ان كبير الأحبار هذا «تنبأ ان يسوع مزمع ان يموت عن الأمة كلها وليس عن الشعب فقط بل ليجمع ابناء الله المتفرقين (اي البشر كلهم) الى واحد فمن ذاك اليوم تشاوروا ليقتلوه». بعث لعازر كان في رؤية يوحنا البشير سببا من أسباب قتل المسيح الى جانب الأسباب الأخرى التي ذكرت في محاكمته.

         ان الإنجيل أراد أن يبيّن في إقامة حبيبه لعازر ان يسوع له سيادة على الحياة والموت. وقالت العبادة التي نقيمها في كنيستي اليوم: «ايها الموت ان المسيح قد سباك الآن بواسطة لعازر» وتابعت من اجل منفعة كل مؤمن: «أتوسّل اليك ايها المحب البشر ان تنهضني انا الميت بالأهواء».

         سيعبر المسيح الموت. وقد جعل بعث لعازر بموته صورة عن موته هو وعن قيامته. ولذلك كان لا بد له ان يدخل اورشليم في احد الشعانين الذي نقيم ذكراه غدًا.

         لقد ألّف المسيحيون العرب خارجا عن العبادات الطقوسيّة أناشيد شعبيّة عن إقامة لعازر يرتلونها في بيوتهم فجاءت نشائد فرح اذ المسيحيون لا يتفجّعون عند موت المخلّص نفسه بل يغيرون التحيّة العادية التي نحيي بها بعضنا بعضا كل صباح ومساء فنقول المسيح قام ويجيب من نحييه: حقا قام وينتظرون خلال الأسبوع العظيم فرح القيامة موقنين انهم لا يموتون الى الأبد.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الوجع / السبت ١٢ نيسان ٢٠٠٨

ما من تساؤل موجع كالتساؤل عن الألم، عن أسبابه، عن غايته، عن مكانته في الكيان، عن طبيعته. صاحبه يقرأه او اشياء تمنعه من القراءة. الآخرون يتفرّجون او يشرحون وجلّ ما يعطونه الحنان. ولكن لا يمكنه ان يقيم في جسد يتألّم او نفس تعاني اذ لا يمكنه ان يحمل اوجاعه ولا سيّما اذا قال المصاب مع صاحب المزامير: «ووجعي مقابلي في كل حين».

                      هناك ناس أعرفم حملوا غير ضربة عشرات السنين بعضهم كل يوم وبعضهم في فترات. من الناس من يُساكن آلامه طول الحياة وهذا من النوع الذي يسميه الطب عجزا كأوجاع العظام ويقول له الأطباء للتهدئة أو الواقعية: هذا ستحمله الى القبر وفي هذا قال أشعياء: «امتلأت حقواي وجعًا وأخذني مخاض كمخاض الوالدة. تلويت حتى لا أسمع» (21: 3).

                      هذا كثيرا ما رافقه الحزن والحزن يصل بك احيانا الى الأنين الداخلي والى حدود اليأس.

                      الى هذا الهمّ والقلق والاضطراب والتشنج. هذه الآلام المعنوية الى جانب الجسدية يكشف لنا ان في شعور الناس هذه التغيّرات في الإنسان التي تعني له ان القاعدة هي السلامة. هذا اذا نظرت الى غاية الخلق والى وضع الإنسان قبل ان يخطئ. ولكن المرئي الحاضر والذي يصل اليك باللمس والجس والسمع هي ان كل مخلوق عاقل في مرحلة من مراحل حياته او جلها او كلها مضروب الجسد او النفس او كليهما. انت لا تختبر قاعدة الخلق ولكن خلله ولا تعطى السلامة الا في اليوم الأخير.

                      انت على هذه الأرض ترجو ويتدبر المحبون جرح نفسك وأهل الاختصاص جرح جسدك. قبل ذلك كل بدنك وقلبك ونفسك ساقط قليلًا او كثيرًا ولكن لا تنشأ او لا تنمو على السلامة. هذا في الطبيعة غير معروف. ولكن في اللاهوت الأرثوذكسي نعرف ان الغاية من الجهاد الروحي ان تصل الى الهدوء اي التحرّر الكامل من الشهوات وتاليا التحرّر من وطأة الألم معنويًا عليك ولو أحسست أن في جسدك خللًا. والقوم الذين بلغوا هذه الحرية نسميهم هدوئيين. فاذا بت مستقلا عما فيك من وطأة الآلام مع انك مصلوب عليها تعود الى القاعدة الأولى التي خُلقت عليها وكأنك في الفردوس قبل سقوط آدم او في الملكوت الآتي، او كأنك مشاهد المسيح. هناك قوم حل الخلاص عليهم منذ هذا العالم. هذا لا يعني انهم لا يعرفون التجارب بعد هذا التجلي ولكن اذا عادوا الى التجليات يصبحون ملكوتيين من جديد.

                      ندرك الهدوء من بعد الموت اذ لا مجال، اذ ذاك، للسقوط وتلفتنا الرحمة الإلهية في حناياها. اما هنا فيبقى الهادئ ويبقى المضطرب الى ان ينسكب عليه الحب الإلهي مدرارا. اجل هناك نعمة الصبر والتدرّب عليه فيما نتابع المعالجة وتهذيب النفس حتى لا نؤذي أحدًا بالتذمّر. لا شكوى الا للمقربين اليك لأنهم قادرون على مشاركتك الحس ولو كان الله وحده هو الشافي.

#                   #

#

                      ليس من محتوم بمعنى أن نهاية الحياة ليست في يدك. اجل، كلنا يخشى الموت والكثيرون يعرفون انه قريب ولكن لا جزم للموعد عند أحد بصورة عامة. ذلك أن الموت سر لا يخترقه أحد. هناك حالة قريبة مني حيث قرر الأطباء ان مصابًا بالسرطان يعالجونه قرروا ان له من الحياة ثلاثة او أربعة ايام. ومرّ على هذا التقرير الطبي حتى اليوم خمسة عشر عاما والرجل لا يزال حيًا. هل أخطأ الأطباء؟ هل حدثت أعجوبة؟ هل يحرر الله الإنسان من نواميس الطبيعة؟

                      ما معنى ناموس الطبيعة؟ في كنيستي نعتقد ان ما يسمى كذلك هو الترتيب الذي وضعه الله بعد السقطة الأولى للبشرية ويسوس به طبيعتنا الساقطة ولكنه يحرر هذا وذاك من هذا القانون اذا شاء اي ينقله بحنانه الى الوضع البشري السابق للسقوط وكأنه أمسى انسانًا فردوسيًا. هذه البشرية حقل مزروع حنطة وزؤانا معًا والله يفرق بينهما في اليوم الأخير. القلب البشري يقوم على هذا الاختلاط الا عندما تاب صحيحًا.

                      السؤال الذي يتدحرج على ألسنة المصابين هو لماذا انا مضروب؟ ماذا فعلت لله؟ اذ يعيشون الألم كعقاب وهو ليس بعقاب واذا كان الله لا يعرف الكره والغضب والعداء فلا يقيمك في جحيم الألم. في القرآن ما عثرت على عبارة «عذاب أليم» او «عتاب أليم» لا فيما يفيد عذاب النار. وتاليا لا يعرف الله التشفي.

                      لا مانع ان تقول مع العهد القديم ان الله يؤدّب بالألم. ولكن هذا رسالة الى المتوجّع ولا يسوغ لك ان تقرأ أوجاع الآخرين تأديبيًا. هذا يكون منك تشفيًا او كراهية. ولا يجوز لك ان تقول ان خطيئة هذا انتقلت الى ابنه تأديبيًا. وهنا يقول حزقيال: «ما لكم ان تضربوا هذا المثل على أرض اسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأولاد ضرست… النفس التي تخطئ هي تموت». (18: 2 و4).

                      هل يعني هذا ان الموت دخل الى الطبيعة البشرية نتيجة للخطيئة؟ هنا يذكر بولس «ان أجرة الخطيئة هي الموت» (رومية 6: 23). ذلك ان الكتاب يقول ان كل انسان خاطئ وتاليا هو تائب. طبعا نحن لا نعرف الإنسان الا بعد سقوط الإنسانية الأولى. لا نستطيع أن نؤمن ان الله عند الخلق أعد الإنسان للموت. ربّ معترض يقول ان المسألة مسألة بوتاسيوم وملح وأمراض كثيرة او قليلة. ولكن غير المرضى والمرضى يموت دماغهم ثم يموت قلبهم ويبقى الموت سرًا على الجميع. في الحقيقة ان سياق كلام بولس «لأن أجرة الخطيئة هي موت» جاءت في سياق عن القداسة اذ يقول: «اذ أُعتقتم من الخطيئة وصرتم عبيدًا لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة ابدية لأن أجرة الخطيئة هي موت. واما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا» (رومية 6: 21-23). فلم يكن هاجس الرسول ان يتحدى الحركة البيولوجية فينا بربطها بالخطيئة ولكن همّه كان أن يتحدّى الخطيئة بالحياة الجديدة في المسيح.

#                   #

#

                      في مسألة الشر ليس عند المسيحيين فلسفة له. نحن لا نعرّفه الا نقصًا في الخير. لا نفسره ولا نفلسفه. جلّ ما نقول ان الشر هنا ونقطة مسيرته الأخيرة هي الموت. لذلك نزل المسيح الى منطقة الموت وبات فيها ثلاثة أيام ووطئ الموت بالموت. ولما دخلت الحياة الإلهية التي في المسيح نطاق الموت وضع في هذا النطاق تلك الحياة الأبدية. موقفتا -اذا شئتم- ليس فلسفيا ولكنه جهادي بمعنى انك إن كنت صديق المسيح بالتوبة يُنزل قدرته الإلهية عليك ويُقيمك من الموت ويكون قد عفا عن خطيئتك. نحن فقط نؤكّد ان «الموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع» (رؤيا 21: 4).

                      مشكلة الوجع عندنا محلولة عند الرؤية الأخيرة وكما ابتلع المسيح الموت بالغلبة هكذا يبتلع موتك اليوم وفي الحنان الأخير في القيامة. لذلك كان عليك في آلام الجسد والنفس هنا ان تكون عيناك الى الذي غلب الموت نهائيًا ويغلبه فيك لتصبح جسدًا ممجّدًا كما غدا هو جسدًا ممجّدًا فتدخل في المسيح.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المدينة / السبت ٥ نيسان ٢٠٠٨

في العصور الوسطى وما قبلها المدينة هي ذلك التجمّع المدني المحصّن. في لبنان وجواره المدينة أوسع من القرية وهو تصنيف يختلف بين بلد وبلد. في طفولتي كنا نقول مدن لبنان: بيروت، طرابلس، صيدا وزحلة. اليوم اتّسعت القرى كثيرًا والفرق بين المدينة والقرية تابع لرؤيتك المساحة. فاذا لازمنا الأفهوم القديم للمدينة فيحيط بها السور المحصن وبالسور تُغلق المدينة والسور ذو أبواب فتقول باب ادريس في بيروت مثلا وباب الرمل وباب التبانة في طرابلس والمدينة داخل هذه الأبواب. أما وقد اندثر كل هذا ولم يبقَ من حصن فلا تعريف حقيقيًا للمدينة الا الاتساع ووظائف الأسواق. وموضوع تنوع الأسواق استخرجه ماسينيون في كتابته عن المدينة الإسلامية.

          لماذا عندك سوق لمهنة واحدة (سوق الصاغة، سوق النحاسين، سوق النجارين) وما اليها؟ لأن السوق لا تقوم على التنافس ولكن على التعاون. رُوي لي انك اذا قصدت محلا في سوق معيّنة في زحلة قد يقول لك صاحب المحل: اذهب الى جاري الذي لم يبع اليوم وانا قد بعت ما فيه الكفاية. التجارة نفسها اذًا ليست للربح المفرط ولكن للعيش الكريم مع الزملاء. وقد يُبنى هذا التعاون كثيرا على النسابة. كنت ترى مثلا في طرابلس في الثلاثينات مجموعات أقرباء في سوق الصاغة ومن الطبيعي الا يكون بينهم تنافس الا على مستوى الجمال. وفرة المال لم تكن هي الغاية بل الحذق في المهنة.

          المدينة لم تكن فقط مجموعة مهنيين ولكن مجموعة محال وبيوت. فترى العائلة فوق الدكان او المخزن فيعمل الرجل في الطابق الأرضي وعائلته فوقه اي في رعايته. في طور آخر انفصل المسكن عن مكان العمل. ترى هذا ايضًا او كنت تراه في القرى اللبنانية.

          الأصل في الاجتماع تنوّع المهن في الأسواق وتكامل المهن من أجل حياة واحدة تؤمّنها المدينة. فلا تجد في المدينة كما في القرية دكان عطار يبيع ورقا وخيوطا ومسامير. المهنة الواحدة في مكان واحد هي ما يميّز المدينة عن القرية والمهن تُباعد بين الناس من حيث المعرفة والاختصاص وتقرّب بينهم بسبب من التكامل. فعندك اذًا تفرّد المهن وتوافق بسبب من التفرّد. التكامل والتعدد يضعفان الحزازات والروحية القبلية. ليس لأن المدينة خالية من روحية العشائر ولكن العشائرية فيها قائمة على الافتراق بسبب من تباين الثروات والتباعد بين العائلات الثرية.

#                      #

#

          المدينة هي اذًا التجمّع الأكمل والمتكامل. وليس خلاف ملحوظ بين العائلات اذ الناس يتعاطون حياة اقتصادية مختلفة وليس من تناقض في العيش بين الحداد والتاجر او بين المحامي والطبيب. والتصادم نشأ في العالم كله بين الجماعات الدينية وضعف كثيرا حيث التشريع ينص على فصل المؤسسات الدينية عن الدولة. وبنوع أخص منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم في أوربا نشأ صراع العقائديات السياسية التي اخترقت وحدة المدينة فلم يبقَ لها استقلال اذ باتت بسبب الأحزاب جزءًا من البلد. السياسة الإيديولوجية بعد الثورة الفرنسية وحيثما حلت فلسفتها خلقت اليمين واليسار والوسط وصرت أنت أقرب الى فئة من خارج مدينتك او واحدا معها وبات أهل المدينة تراكم أجساد ولم تبقَ جماعات تتلاقى في العيش الواحد الهنيء. ولما ضربت العقائديات السياسية وحدة المدينة ووحدة البلد وعى الناس ان هذا الاختلاف حاصل وحي وانه ينبغي خلق نظام يجعل القوم لا يتذابحون ولو اختلفوا وهذا ما سموه الديموقراطية.

          ومع الديموقراطية في اوربا ومع التكامل الاقتصادي بين المدن نشأت البلدان. ففي الماضي السحيق لم يكن بلد يسمى فينيقية بل كانت صور وصيداء وبيروت وجبيل والبترون وأرواد وأوغاريت كلها تتصارع وكل مدينة يحكمها ملك والمصريون يحكمون الكل والاحتلال جعل رؤية واحدة لهذة المجموعة ودلتنا حفريات تل العمارنة في مصر على التصادم بين هؤلاء الملوك الصغار وذلك في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. والبلدان الأخرى تجمّعت كذلك فخلق بسمارك المانيا السنة الـ ١٨٧٠ ونشأت فرنسا بامتداد سيد باريس وضواحيها وكان لا بد من خنق اللغات القومية وهي لم تكن لهجات من الفرنسية. ولكن في الأصل كانت المدينة. وخارجا عنها كانت الوحوش ولذلك كانت تُغلق البوابات في الليالي وكان البرابرة ولذلك كانت الحصون التي تحمي أهل المدينة.

          ويعرف أهل الداخل اذا كانوا متعددي الدين ان كل جماعة تستلهم إلهها او دينها لتبني المدينة بالعيش الواحد لأن العيش يقتضي إنتاج الخبز والأطعمة الأخرى والكساء والمسكن. وهذا لا بد له من تعاون. والله لازم لهذه الحياة الواحدة وما كان يخطر على بال أحد ان لا إله. تسمي إلهك كما شئت وتنعته بما شئت ولكن تستنزله على الأرض لتسالم الجماعة الأخرى والسلام كان هو القصد.

          ببركات هذا السلام اكتشف الإنسان فوق مدينته مدينة أخرى ينزل عليها نور الله. هكذا رأيت غير حاج مسلم يتوب ويجدّد علاقته بالله. كيف وصل الى العمق؟ انا الذي ما كان مأخوذا بالحج عند المسيحيين زرت القدس للمرة الأولى السنة الـ ١٩٤٧ اي في آخر سنة للانتداب البريطاني ولما رأيتها عن بعيد صلّبت وجهي وعندما أدركتها جثوت على الأرض وقبّلت ترابها. لا أذكر اذا كان ما اختلج في قلبي ان المسيح مشى على هذه الطرقات ولم يكن لي سبيل لتقبيل قدميه الا هذا السبيل. وكنت أعرف أن العهد الجديد تكلّم على أورشليم السماوية النازلة من عند الله في اليوم الأخير. ولم أفهم حتى اليوم لماذا لا يسمعنا أحد في الغرب عندما نقول مسيحيين ومسلمين معا، اننا نريد ان يسكن بعضنا قرب المسجد الأقصى وبعض الى كنيسة القيامة وان الله يسري بعبده ليلا -أنّى سكن- من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى. ولعل الله يقود روحيا بعضا منا الى كنيسة القيامة لنذوق آلام المخلص.

#                   #

#

           كل شيء في هذا السياق عمارة. الإنسان مدينة فيه من أبنية روحية اذا لم تدمّره خطيئة واذا اقتبل زرع الله فيه. وهو مدينة حسبما ينتسب لأن فيه حصنا يطرد الوحوش والبرابرة ويعرف -اذا تحضر- انه يحب الإخوة اذ يتكامل واياهم لإقامة انسان جديد يرتقي بالتواضع والتقوى الى وجه الله.

          وعليك -ان كنت من الفاهمين- ان تأخذ الحجارة المبعثرة التي فيك وتبنيها صرحًا جميلا واذا بكل الناس قصور. البهاء الروحي وحده يجعلنا جماعة اي مدينة تنتظر القيامة من بين الأموات ليس فقط في اليوم الأخير ولكن كل يوم اذا أحبّت. والغالبون الموت لا يطردون أحدا من المدينة لأن أحدا اذا أُخرج منها تموت المدينة بعدم الحب.

          هل يصير لبناننا مدينة الله اي هل يصير موطن العطاء الكبير؟ هذا سيتمّ إن نحن أردناه. ماذا يفعل الإنسان لو ربح وجاهة في الدنيا وخسر مدينته في قلبه؟ هل الذين منّ عليهم ربهم بهذه النزعة يتواثقون حتى لا يُقصى أحد من نعمة العطاء؟ هل تصبح المدينة او الوطن مسكنا لله في كل من توطن؟ تعالوا نبني مدينة الله اليوم وهنا. هذا شرط دخولنا الى السماء.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الحرية / السبت ٢٩ آذار ٢٠٠٨

                      أنت لا تحبني ما لم تترك لي حريّتي. لا أقول حريتي منك اذ بهذا أخفي المحبة ولكن حريتي من بعض أقوالك ومن كل نزواتك لأني ان قبلتها أكون عبدًا لك والمبتغى أن أكون حرا بك ومعك. وبهذا المعنى قال يسوع الناصري: «وتعرفون الحق والحق يحرّركم». أجل لكم ان تعرفوا السيئات وخبرتكم إياها فيكم وفي الآخرين وقد يقودكم هذا الى الحق وخبرته. دخوله اليكم يجعل نفسكم صافية غير خاضعة لمعاصيها وعيوبها.

                      ولن تصل الى الحق ما لم تقبل المصلوبية. استعرت هذا الرمز لأقول ان إبادة معاصيك فيك تجعلك متقبلا لنزول النور اليك وهذه هي القيامة على صورة المسيح الحر من الموت.

                      الأصل ان تحاول التحرر من نفسك الطاغية فالنزوات والهفوات تكبّلك تكبيلا فأنت فيك ما يسميه العهد الجديد الإنسان العتيق والإنسان الجديد المخلوق على صورة النقاوة الإلهية، وهذان يتصارعان في الداخل وليست الحرية في ان تختار بين الخير الذي تتوق اليه والشر الذي تلمسه فيك. انت لك فقط حرية الحق وهي تنزل عليك من فوق وتطلبها بصلاتك والدعاء لتنقي نفسك بالنعمة وهي مصدرك للتنقية. معنى ذلك ان تتقبّل كلمة الله وتجعلها كلمتك فتنقل بها الحق الى الآخرين.

                      الحق بلوري وعليك ان تحافظ على هذه البلورية ليعبر الى الآخرين ويصيروا حاملينه وتصبح الدنيا كلها بلورا حتى لا يختلط الأحرار بالعبيد. لقد رأى الإغريق القدامى ان المدينة مؤلّفة من أحرار فقط وخطيئتهم انهم حافظوا على نظام العبيد. وأخذت الحرية قرونًا عديدة لتظهر واقعا سياسيا ويسمّي الحر نفسه مواطنا اي معتقا من مملوكيته للملك وملازمًا الأرض التي هو عليها وسمّاها الوطن. غير ان العبودية على رغم زوالها من القانون بقيت تربط الضعيف بالقوي والفقير بالغني والمجتمع بالدولة القامعة، ذلك لأن القوة صعب ان تمارسها بلا شر فيك. تبدو الحياة اختلاطا بين الناس على أساس السوية، غير ان الواقع الحي هو ان ثمّّة من يطغى ليكسب مالا او نفوذا وهو يأتي بالمال. في الحقيقة الأقوياء واحد او قد يكونون كذلك اذا افادوا بعضهم من بعض والرقيق واحد لكنهم مقموعين معا. ويعيش الناس منقسمين أكان هذا منظورًا، محسوسًا او غير منظور. كيف نسعى الى حرية العبيد بلا كراهية منهم لأسيادهم؟ كيف نسعى الى تحرير الأحرار من طغيانهم حتى يزول القهر، تلك هي المسألة، حتى لا يسيء الحر الى الرقيق ولا يزيد الرقيق الحر استعبادا بكراهية لأصاغر القوم.

                      هل يعني هذا إنشاء مجتمع بلا طبقيّة؟ هل هذا ممكن ام ان القضيّة تقتصر على جهاد روحي لا يدخل فيه قهر أحد لأحد ونصبح فيه جميعًا إخوة على رغم تفاوت الثروة بين الناس. هل يمكن إقامة جماعة بشريّة لا كبرياء فيها مقوننة على أساس الثروة والطغيان؟ اذا كنا نؤمن بأن الناس سواسية وان قيمتهم في الله وليس في ما يملكون نقوم بهذا المسعى الخيّر ليتحرّر الأغنياء من شهوة مالهم والفقراء من حزنهم على الفقر ولو جاهدوا في سبيل العدل. لعل كلمة عدل هي الكلمة المفتاح للحريّة وليست تعني بالضرورة ان توزّع كل ما لك على المساكين ولكن تعطي الكثير منه لئلا تشتهي ما عندك او ما تعطيه ولكن عطاء ما يحرّرك من الشهوة ويقرّبك من الله. محبّتنا لله هي في الآخر طريقنا الى العدل.

#                  #

#

                      الحرية تُعاش في مجتمع سياسي يقوم على الزكاة في الإسلام وهي صورة عن الميزان فيزول -اذا طُبقت- الشرخ الكبير بين المؤمنين، وفي المجتمعات الأخرى صورة العدل هي الضريبة بمعناها القسري لكونها قانونا هذا اذا كان أهل السياسة مسلّحين بالطهارة السياسيّة واذا أقاموا الرقابة الحقيقيّة على المحاسبة وعلى قيام مجلس الأمة رقيبًا على الحكم واذا ذكّر اهل الفكر أهل السياسة على أنهم خادمون للأمة وليسوا عليها برؤساء خاضعين لنزواتهم. والدولة أصلا عادلة لأن وزارة المال ليس لها مال لذاتها ولكنها تستعمله في سبيل الجماعة. المجتمع يجب ان يكون غنيا بخدمة الدولة له فما الدولة الا آلية غايتها رفع المستوى الاقتصادي اتقاء لتخمة البعض وجوع البعض الآخر. والدولة رهبانية بطبيعتها تستخدم الأشياء في سبيل المواطنين وتحافظ على ثرواتهم لهم وليس لها. هي تقوم بتكليف واذا أمرت فلنفع من فُوِّضت حراستهم وتنقيتهم لتستغني الأمة ولا يبقى مجال للتذمّر، ويجب ان تعي الدولة انها آلة وانها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر لتبقى خادمة ويعيش الناس ويحيا الموظف فيها بقدر خدمته فلا استغلال ولا استعلاء ولا طبقة موظفين فالخادم ليس من طبقة ولكنه مأجور ليعلو ويقوى فهو حر اذا خدم وعبد اذا استثمر.

                      هنا الكفاءة العلمية لا تكفي. ولكن هل نفتح للمرشحين للوظائف مدرسة في التقوى حتى يتقن المواطن ان كل معاملة له يقوم بها ناس يتّقون الله ويصير فحص في التقوى كما يصير فحص في الكفاءة. التوظيف عمل نقاوة لا شهوة فيه والموظّفون ليسوا طغمة ولكنهم رهبان ساعون الى حرية قلوبهم وحرية المواطنين من إغراء الشهوة.

                      واذا وظفت فاختر الأنقياء خوفا على مال الدولة ومال المواطنين وحريتهم من عبودية المال. وهذه الحرية تقود الى كل حرية أخرى، الى الحرية من الخوف وتاليا الى الحرية من الموت. ومَن تحرّر من هذه يتحرّر من كل معصية ويجبه الأقوياء كما يجبه الضعفاء. لا مفر من التفاوت بين ما تملك وما يملك سواك اذا كنتما متساويين بالحب الذي هو حركة الله في نفسه وإسقاط هذه المحبة على البشر.

                      عند ذاك يبقى لك لتعرف وتفهم وتتثقّف ويكون هذا همّك الأساسي ومجتمع العارفين هو مجتمع المتساوين والمتنافسين على اقتناء الحق وتاليا على تنقية ذواتهم بالمعرفة والمشاركة. والمشاركة ليست طلبا للأخذ. انها طلب للعطاء. وانت تطلب الشريك العارف والقادر ان يطهّرك. اجل يتفاوت الناس في الفضيلة. هذه هي المنافسة في الحسنى كما يقول الإنجيل وهذا كله لمجد الله لأن الصالحين لا يطلبون مجدهم بعضهم من بعض لئلا يفنى إيمانهم. اذ ذاك، يعلي أحدنا الآخر على نفسه لأن التواضع اقتناء الحق فلا يحسد احدنا الآخر اذا فاقه في الروعات الروحية ولكنه يغتبط للجمالات التي يوزّعها الله على الناس لأن الأصل في كل علاقاتنا تمجيد الله ومنه وبه ننال المجد الذي أعدّه للذين يحبونه وينالون الإكليل في هذه الدنيا قبل البهاء الذي سينالونه  في الآخرة. ينالون الرؤى التي هي تعابير عن رؤية الله.

                      كل قصة الحرية الداخلية في هذا العالم ان نجعل هذه الدنيا سماء والا كانت دنيا تعقيدات لا تنتهي وخصومات تدمّر الواحد الآخر اي حروبا معلَنة او مضمَرة. «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟» (متى 16: 26) . الحرية كلها ان تربح نفسك وخلاصك وقد يقتضي هذا ان ترمي الكثير مما بين يديك. ان تكون انت في المجد الإلهي هنا هو كل شيء وهذا هو فرحك وغبطتك في اليوم الأخير. ولا ينفعك شيء آخر.

#                 #

#

                      الى هذا ان يكون بلدك مستقلا عن  كل بلد آخر قد لا يكون شرطًا لحريتك الداخلية ولكن ينفعها لتعيش في محبة أهل بلدك وتعمل معهم لتزداد أواصركم متانة  وتحسوا بأنكم قادرون ان تعيشوا معا بحرية هي واحدة لكل واحد. طبعا البلدان متشابكة كثيرا ورغبة الطغيان لن تنتهي من هذا العالم ولك ان تقنع الغريب بأن حريتك نافعة له وان المشاركة في التبادل مفيدة للجميع عسى تصير الأمصار كلها مسرحا للحرية التي يريدها الله لكل قطر.

                      انا عارف بأننا لم نصل بعد في السياسة الى ملكوت الله ولكنه مسعى ينبغي ان نسعاه حتى نحب كل الشعوب ويحبونا وننتج معا بتبادل السلع والأفكار والثقافات. ان حرية كل بلد تنمو بحرية البلدان الأخرى وهكذا تزداد العلاقات مودة وفي هذا قربى لله.

                      الحرية الشخصية والحرية المجتمعيّة والحرية الدولية أشياء متماسة. هي حلم لنا جميعا حتى تزول العبودية من وجه الأرض ويكون الله الكل في الكل.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الصمت / السبت ٢٣ آذار ٢٠٠٨

ان كانت الثرثرة تسرّك فانظر الى مساجلات التلفزيون والى أغانيه التافهة. فاذا تفهت كلمات الأغنية كما في أحايين كثيرة لا يبقى الا الجسد المتخلع الذي يقول أشياءه فقط لأنه غير مصحوب بالكلمة فينهيك ليس فقط عن الكلمات ولكن عن معانيك التي تسعى الى فهمها ولا تسمع الا ضجيجا.

                     الى هذا في المساجلات السياسية في كثرة من الأحيان يقول المناقش جملة ثم يكررها مرة او مرّتين ليؤكّدها. والجملة، مقولة مرة، تفيد المعنى ولا فائدة في تردادها ولكن في قوة معناها. وإحساسي ان الضعف هو الذي يدفعك الى التكرار. الأمر الآخر ان المتناقشين في كثرة الأحوال يصرخون ويقاطع أحدهم الاخر فلا تفهم شيئا وقد جلست امام الشاشة لتفهم. والكثير يلقون عليك أقوالا ولا تدرك حججهم وتذكر ان معظمهم في الحديث السياسي يطلق ما سجّله في دماغه فريقه فيأتي صدى للأذكياء من فريقه. وفي حسي ان المذيعين والمذيعات أوضح من الضيوف أحيانا اذ يطرحون سؤال العارفين ويكفوننا لو ألقوا هم الدعاوة التي يظنون في براءتهم انها ستخرج من أفواه المتكلّمين. وأنت تجلس متواضعا لتتلقّى دروسا في السياسة ولكنك تسمع ضجة الأعصاب.

                     ربما كان هذا في التلفاز او في الحياة اللبنانية العادية التي هي صورة عن الحضارة الألفاظية التي يتعاطاها العرب الذين يتقن شعراؤهم الهجاء او المديح الى جانب الغزل او الملاحم المزعومة. أظن ان العرب موالون لأنفسهم لأنهم لم يغيّروا الأنواع الأدبيّة التي سادت كلمتنا منذ الجاهلية.

                     نحن لسنا هنا لنخوض ونلعب. كونوا حريصين على عقول الناس وعلموهم تعليما وقصّوا عليهم أحسن القصص لئلا تقعوا أنتم واياهم في التفه. والا فالصمت أولى.

#                #

#

                     في البدء كان الصمت ونعني به صمت الآب ولم يخطئ يوحنا البشير لما استهلّ كتابه بقوله: «في البدء كان الكلمة» لأن الكلمة خرج من الصمت اي من المعنى المطلق الذي هو الآب وما قاله في هذه الدنيا لا تستطيع أن تحذف منه حرفا واحدا لأنه متدفق من المطلق. صمت الآب يجعل الابن يتكلّم ولا يقول شيئا بلسان متدحرج. يأخذ المعنى الكثيف من الله ويجعله كلمات غارقة في الأبد يتلفّظ بها هنا لسماع القلوب وتقدر القلوب ان تتصاعد بها اليه. يسوع لم تمسه حضارة الألفاظ ولم يضع كتابا. كان هو الكتاب وما دُوِّن في ما بعد إنجيلًا ولو كان تكليمًا باللفظ الا انه كان صورة عن المسيح.

                     هو الذي قال للأعمى والأصم والأعرج ومن اليهم: كن فكانوا. انى لله ان يقول لمسيحه: كن اذ، حسب يوحنا، في البدء كان ومن كان لا تقول له: كن. الكلمة كان قبل بدء الخليقة في حضن الآب الصامت وبدأ منه منذ الأزل في السماويات وفي كيانه البشري الذي كان عليه جاءت كلماته البشرية مما كانه في البدء وبسبب من تكليمه البشر استعار تعابيرهم ليوصلوه ويدخلوا المعنى الأبدي الذي اذا زادوا عليه شيئا يتحذلقون. ليس فيها عسر كما يظن البعض ولكنها تنزل بالرحمة الى الكلمة البشرية فتصبح هذه عند الأقدسين أيقونة لكلمات الله. وهذا ظاهر عند المتكلّمين بالإلهيات وهم عندنا ثلاثة: يوحنا الإنجيلي، غريغوريوس النزينزي، سمعان اللاهوتي الحديث الذين استنزلوا الى قلمهم المعنى الإلهي الكامل. باتوا اذًا في صمت الآب من حيث العمق ولو انتقلوا الى كلمات بدت بشريّة.

#             #

#

                     عندما قال بعض اليهود عن السيد: »لم يتكلّم انسان مثل هذا الإنسان« ما كانوا عالمين من أين أتى. هو كان يعلم ممن أخذ وماذا كان يعطي وأراد أن يصعد اليهود – حقا لا لفظًا – الى هذا الذي أرسله. وكانت الكلمات دليلا على هذا الإرسال. وما كان في استطاعتهم ان يفهموا ان وراء كلامه كان الصمت.

                     تشبيها بالله يجب على أصحاب الكلمة ان يتعرفوا على الصمت فاذا راعوه كثيرا ينفضون عن لسانهم او قلمهم كل كلمة بطالة. لقد صلّى القديس افرام السرياني ان يعتقه ربّه من الكلام البطّال وطلب ان يعرّفه ربّه عيوبه وذنوبه اذ من فضلة القلب يتكلّم اللسان. فاذا كان قلبه ناشئا على البذاءة تتدحرج هذه على لسانه وتأتي الشتيمة ويأتي الغضب وليس هو مستعد ليأخذ عن مخاصمه الفكر الحسن فيكون محاورا.

                     مرة قلت لأحد الناس: انت لم تسمعني قط لأني لو ربطت كل الجمل التي تفوهت انت بها أراها حديثا متصلًا فلم يكن همّك اذا ان تسمعني وتتأثر بما قلته لك فتصحّح رأيك. فالحوار يقتضي اذا تقبّلت كلامي ان تغير بعضا من كلامك. فاذا نطقت عليك بالحق واستمعته تنطق علي بالحق ولا تستكبر بإصرارك على كلام  بيّنت لك انه خطأ ولا تأتي بظن ان عرفت ان ما قلته لك هو حق لئلا يقول لك ربك في يوم الدين انك كنت ثرثارا فتشكر النعمة التي نزلت عليك بفمي فتترك الفضل لله وتصبح من العالمين.

                     لا إملاء في الحوار وليس من سياسة مطلقة الحق. اما اذا كانت قناعتك ان الآخر ليس فيه حق فلماذا تحاوره؟  واعرف ان تتخلّى عن رفقائك او على دقائق ما يقولون. ان استحببت الحق فلا بد ان تتجلّى والنور الذي يكون الله قذفه عليك يعلّمك كل شيء وتكون من أبناء النور.

                     ولكن انضبط اولا بالصمت واذا أملى عليك صمتك كلاما حلالا فقله اذ هو مشاركة واذ ذاك تصل مع الآخر الى كلمة سواء. وتصبح انت للآخر حاملا هدى ورحمة وقد تصير له غلى اختلافك حبيبا وهو لك حبيب. ايها القوم تعالوا الى عبرة الصمت ثم الى مبرات الكلام يرضَ الله عنكم وعنا ونكون معا من المفلحين.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الصيام الأرثوذكسي / السبت ١٥ آذار ٢٠٠٨

لماذا هذا العنوان؟ لأن الصيام في كنيستي يتبع من حيث الإمساك القواعد التي وضعها المجمع الخامس-السادس في أواخر القرن السابع ونحن بها متمسكون لكونها مبنية على وحدة الجسد والنفس في الكيان البشري ولأنك لا تستطيع ان تملأ بطنك طعاما وتبقى نفسك حرة من الشهوة. ولكني لست اعرف صوامين جهلاء يمتنعون عن الزفر الا اذا ضموا نفوسهم الى هذه الشهادة.

                      المسيحية ترفض ثنائية الجسد والروح وتجعل الكيان البشري المتكامل تحت إشراف الروح القدس. الجسد كما النفس مشدودان إلى إيثار الله على كل شيء. هذه البنية البشرية كلها ينبغي ان تتحرك بالتقشف الى ان نصل الى رؤية الرب بالمحبة. بلا هذه المحبة ليس من صوم.

                      كل حديث عن تخلية الجسد من النسك في سبيل حصره بالنفس وهم سيكولوجي لا علاقة له بالحياة الروحية.

                      من الثابت طبعا ان ثمّة ظروفا شخصية وجماعية تدخل عندنا شيئا من التغيير في تفاصيل النظام. على الصعيد الشخصي القانون نفسه ينص على ان المريض لا يصوم وفي الجماعات أباحت كنيسة القسطنطينية في القرون الوسطى للشعب اليوناني ان يأكل من ثمار البحر لأن النبات كان قليلا في بلادهم واليوم تغض الكنيسة الروسية النظر عن أكل المؤمنين السمك لكون مناطقهم فقيرة جدا في النبات.

                      اللجنة المهيئة للمجمع الأرثوذكسي العالمي طرحت مسألة الصوم ولكن هذا المجمع لم ينعقد حتى اليوم.

                      الإنجيليون ليس عندهم صوم إلزامي في الزمن السابق للفصح وربما صام بعض منهم في مجرى حريتهم.

                      هذا ما أراه ولكن المشكلة غير واردة في الحوار الكاثوليكي- الأرثوذكسي لأن الطريقة التي نتبعها عاديا الا نناقش في مسألة الممارسات الطقوسية عند الأخ الآخر علما بأن الليتورجيا كثيرًا ما تحمل مضامين عقائدية (مثل استدعاء الروح القدس في القداس وقضايا أخرى تتعلّق بالأسرار المقدسة). على هذا الأساس اعتبر ان المناولة من الكأس شيء عقائدي بسبب من النص الإنجيلي.

                      نحن مع الصائمين من كل أمة لأن هنا قربى الى الله. عندنا ليس هذا أمرا منعزلا ولكنه انضباط كنسي على ما أوصى به السيّد: «ان هذا الجنس (الشيطان) لا يخرج الا بالصلاة والصوم» (متى 17: 21). ولكن عندنا ان الجماعة اذا أجمعت على شيء صالح مقدّس يكون الرب قد ألهمها. لذلك ليس عندنا فسحة بين ما قاله الله وما تقوله الكنيسة لأن الله عندنا لا يدخل في ترتيب يتعلّق بالطعام والشراب والإمساك عن بعضها. من هنا حريتنا في ان نعدل التنظيم اذا كان فيه خير للإنسان.

#                #

#

                      عندنا ان الصيام ليس مجرد حمية وليس هو كذلك في اي دين ففي لغتنا نقول انه اتحاد بالله عن طريق مراقبة شهوة الطعام والتأكيد على الفضائل لاكتسابها من خلال ما نسميه أعمال الرحمة وهي الاقتراب من الانسان ثمرة للاقتراب من الله. هو اذًا عملية شاملة يصعد فيها الكيان من فضيلة الى فضيلة وذلك بمكافحة الأنا المتقوقعة، المنغلقة.

                      أصوم ليس لأصبح «قديسا» عظيما. لأن ليس ملكوت الله أكلًا وشرابا بل بِرّ وسلام وفرح في الروح القدس (رومية 14: 17). أنت تضع الطعام المباح وغير المباح في مكانه وتتدرج فوق هذا الى وجه الرب بالصلاة التي هي قرينة الإمساك. مرة سألني أحد الناس: كيف تقدرون انتم ان تظلّوا ساعات بلا طعام؟ كان جوابي نحن نأكل صلاة. وهي عندنا الصلاة الجماعية لمن استطاعها ومعظم الناس قادرون على أدائها لأنها مسائية في البيعة. والتعليم مكثّف فيها اذ ان معظم فحواها من المزامير وبعض الأفاشين (اي الصلوات) التي ألّفها آباؤنا.

                      وقد تستطيع قلّة ان تؤدي الصلوات الأخرى من الكنيسة. هناك دائما بعض القوم حول الكاهن والمرتل يطلبون الانتعاش. نتسلق درجات لمعرفة الرب. كل شيء منظّم لكي تتقبّل ـ إن اشتركت ـ دعوة الله إليك.

                      جوهر ذلك أن الصيام ليس فقط إمساكًا ولكنه فرح بالرب وفرح بالإخوة المحتاجين. الذين أكلوا عند جوعهم تصير معهم كنيسة واحدة. لذلك كتب أحد المدافعين عن الايمان الى الامبراطور في القرن الثاني ما مفاده ان العائلات الميسورة تصوم لتوزع ثمن الأطعمة على المحتاجين فكتب في القرن الرابع القديس يوحنا الذهبي الفم ان ليس في رومية بين المسيحيين والوثنيين عائلة واحدة لا تأكل عند جوعها. يوحنا هذا نفسه قال: بعد ان تقيم الذبيحة الإلهية في الكنيسة تذهب الى «مذبح الأخ» الذي هو أفضل. انه لقد جعل المشاركة هنا اكثر كرامة من القرابين الإلهية لأن القربان موجود ليوزّع ويوزّع الخبز الذي مثله.

                      السياق الحقيقي للصوم المسيحي انه صيام فصحي. نقرأ المقاطع الإنجيلية التي تقودنا معانيها الى الأسبوع العظيم او أسبوع الألم ويرافق هذه التلاوات الصلوات والتراتيل المرتبطة بالمعنى الإنجيلي او ما جاء به بولس. وفي كل يوم من أيام الأسبوع رجوع الى التلاوة التي قرئت حتى يسيطر الروح القدس على الفكر والسلوك ويمتلئ كل إنسان من بهاء الله.

                      واذا انت رحمت قريبك وأحببته في واقع الحياة واستغفرته وأنحنيت أمامه عشية الدخول في الصيام تكون ذاهبا الى الفصح الذي ليس ورقة علي التقويم بل فعل إلهي فيك وتغيير.

                      أما بعد، فالدعوة الى الصيام دعوة الى القيّمين على الدولة ليصبحوا صائمين عن مال الدولة ويتنزهوا عن شهوة السلطة ولو مارسوها. واذا كانت وجوههم الى ربّهم فيتوب اليهم ويتوبون اليه كي لا يضيع البلد. كان الروائي العظيم دوستويفسكي يقول: «يا ليت الدولة تصير كنيسة». في هذا البلد ان رؤساء الأمّة مدعوّون ان يكونوا  أحباء الله وخدّامه ويسهموا في ضبط لبنان في صوم دائم بحيث نتنزّه جميعا  عن شهوات العالم ونتدرّج الى الملائكة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

أنوارعلى العقل / السبت ٨ آذار ٢٠٠٨

السؤال الذي يطرحه بسطاء ومثقفون هو هذا: اذا كان العقل سيدا فينا كيف نصل الى كل ما يقوله الوحي؟ ليس المجال هنا لأعود الى ابن سينا والفارابي وابن رشد عند المسلمين او الى توما الإكويني الذين انشغلوا بعلاقة الكتب المقدسة والفلسفة اذ الأجوبة كانت مختلفة عند هؤلاء. لذلك لن أطرح مسألة العلاقة بين الوحي والعقل. وفي المسيحية ليس الجواب واحدا بين المذاهب. فالكنيسة الكاثوليكية حددت في مجمع الفاتيكان الأول (١٨٧٠) ان العقل وحده يصل الى الله. والسعي الى العقل مستقلا عن اية قوة فينا ليس أمرا واردا في الكنيسة الأرثوذكسية. استقلالية العقل عن كل قوة أخرى فينا ليست واردة في فهمي للإيمان.

                      المشكّكون ينطلقون من ان لكل انسان ان يشاهد الحقيقة. اذا كان هذا صحيحا فلماذا يختلف البشر في كل شيء، لماذا يغير المرء رأيه بين فترة وفترة؟ الحقيقة قائمة في ذاتها وهي تبلغك بأدوات موضوعة فيك ولكن هل هناك وسيط واحد بينك وبين الحقيقة وهو العقل ام هو القلب ام تلاحما معا بحيث ينزل العقل الى القلب ليتطهّر فيه ثم يصعد الى مرتبته منقًى ويستطيع، اذ ذاك، ان يعرف.

                      محاولة جواب عن هذا البحث ان الله لما «نفخ في أنف الانسان نسمة حياة صار ادم نفسًا حية» (تكوين 2: 7). والنفس هي كل الكيان البشري الداخلي بما فيه الشعور والعقل والإرادة. واذا اتخذنا نظرية داروين عن نشوء الأجناس نرى ان ثمّة هوّة بين الحيوان والإنسان بحيث ان الروح البشرية في كل طاقاتها ليس ما يماثلها عند الحيوان. فالإنسان ناطق ليس بمعنى انه يقوم بالنطق او الكلام ولكن بمعنى ان كلامه موحد ويقدر على التواصل مع انسان آخر ويُعمل عقله وتتلاحم كل هذه القوى فيه لتعبر عن الإنسان تعبيرا واحدا. فليس هناك تعبير منطقي بحت او تعبير نفسي بحت ولكن كل هذه القوى تتفاعل وتتلقى العقل بمشاهدة النور وتنقل هذه المشاهدة كلامًا وسلوكًا ومواقف.

                      ورد عند بولس قوله: «صار آدم الإنسان الأول نفسا حية وآدم الأخير (اي المسيح) روحًا محييا. لكن ليس الروحاني اولا بل الحيوانيّ» (الترجمة الأميركية، البشري في الترجمة اليسوعية) وكلاهما خطأ. فاللفظ اليوناني Psychicos تعني النفسي او النفساني. آدم وُلد نفسيّا او نفسانيّا بمعنى الإنسان الطبيعي وروحانيّة الروح الإلهي تنزل عليه في ما بعد بالمسيح. لم يقل عاقلًا ولا ناطقًا بمعنى استعمال كلمات ملفوظة. تأكيد العهد الجديد اذًا هو ان القوّة الداخليّة التي تقابل الجسد ليست العقل ولكن النفس الحاوية العقل وأشياء أخرى معه (شعور، إرادة).

#               #

#

                      قال الإغريق قديمًا ان العقل البشري تشوهّه الشهوات. ليس هو اذًا ميزان لا يختل. الإنسان لا ينطق فقط عن عقل بلوري محض. ينطق عن هوى او عن غرض. في اللاهوت المسيحي الأرثوذكسي العقل ككل ملكاتنا الداخلية ضربته الخطيئة الجديّة (الجد الأول) فهو مصاب ككل طاقة أخرى في النفس. الإنسان ليس عقلا ولكنه ذو عقل ولكن أمكننا أن نقول انه نفس لأنه يسع كل طاقاتها.

                      مرة ألحّ صديق لي في محادثة لنا دينيّة الى العقل. أجبته هناك ألوف من الأشياء نعملها بلا عقل جامد مغلق دون طاقاتنا الأخرى ثم أردفت: هل كان زواجك نتيجة عملية عقليّة؟

                      اذا كان الحق (هنا اؤثره على كلمة حقيقة) هو النورالذي قذفه الله في القلب، يتحرر القلب من نزواته اي يقولب الله نفسك لتتمكّن من المشاهدة اذ لا بد ان تدنو نفسك من الداخل الإلهي لترى. فاذا قلت للمؤمن هاتِ برهانك العقلي، يمكن ان تحاول بعض الأشياء وهنا يسند عقلك الرؤية ولكن في كثرة الأحوال لا تستطيع ان تفسّر ما يجري فيك تفسيرًا كاملا.

                      في البدء كان تسليم القلب لله واذا آمنت تعقل ليس انك تعقل اولا ثم تؤمن. قال لي الناس غير مرة: اثبت لنا وجود الله. قلت لا أستطيع لأني أبدأ منه. هو دليلي. ولست أصل إليه بأدلة قاطعة. لا يحتاج الرب الى أدلّة ليكشف ذاته لك ولا تحتاج انت الى أدلة لتعانقه. هناك فهم داخلي تقول عنه المسيحية انه نعمة من لدن الخالق. والكتاب يقول: «الله يريد أن جميع الناس يخلصوا والى معرفة الحق يُقبلوا» (١كورنثوس 2: 4). هذا تأكيد كتابي على أن الله يُنزل نعمته على كل البشر وان ثمّة من يتقبّلها لأن نفسه في حالة التقبل للنور ونفس أخرى ليست في حالة التقبّل ولا أحد يختزن سرّ ذاته ولا سر الآخرين ولنا نحن المؤمنين ان نشهد فتصل الشهادة او لا تصل. انت رأيت وسمعت وتقبّلت فارتضيت وأطعت فعشت الحياة الجديدة فكأنك انتقلت منذ الآن الى وجه الله. وهناك من لا يزال في حاجة الى ان يلمس المخلّص عينيه لتنفتحا ويُبصر.

#              #

#

                      انت تسلم لله من شيء تحرك في نفسك وربك منشئه فيك. يقول القديس مكسيموس المعترف الذي عاش في فلسطين وغالبا ما كان عربيا انك تقرأ الله في الكون الذي كون كل شيء فيه بالكلمة الذي كان من البدء. فإن الكون كلمات. ويقول يوستينوس الفيلسوف الشهيد النابلسي (القرن الثاني) ان الله قبل العهد الجديد زرع كلماته في الخلق وفي الفلسفة اليونانية. كانت نوعا من التجسّدات الإلهية قبل ان يُتمّم الله تجسّد ابنه في الخلق. ويستنتج مكسيموس ان الروح القدس في كل مكان واذا حاولت إيضاح فكره يكون قد قال ان الروح الإلهي مبثوث في كل مكان. عليك اذًا ان تفتّش عليه في هذا او ذاك من البشر المسيحيين منهم وغير المسيحيين، ان تفتش عنه في الأفراد كائنين من كانوا. ومكسيموس شجب اليهودية من حيث هي نظام ديني ولكنه لم ينكر وجود الروح القدس في الأفراد اليهود.

                      لك ان تشاهد انت هذا الروح في كل البشر الذين حولك ان كانوا أتقياء وتراهم يتصاعدون الى الحق. لا يعني هذا ان يسوع الناصري يتجلّى لهم بإنجيله اذ هناك أساليب لله يتكشف بها لمن أحبّهم. وبهذا المعنى ليست الكنيسة محصورة بالمعمّدين ولكنها تمتدّ الى كل من اصطفاهم ربّهم برحمته ويمكن أن يكونوا من الموحّدين او من الهندوس والبوذيين ويوضح الله في اليوم الأخير من هم له وله كل من لمسهم بروحه ووضع فيهم كلمته حسب اختياره.

                      يبقى ان ثمة تبشيرا او دعوة اذا اعتقدت ان ما انت مؤمن به هو الطريق المستقيم على أساس ان الناس أحرار وانهم قد يرون ما أنت راءٍ على الّا تدين أحدا ولا تصدر أحكامك على الطرق الأخرى ولا على إنسان لا يدين بما انت تدين. لذلك لا تحكم انت على أحد في الطريقة التي يسلكها وتعايشه بالمحبة والسلام والمحبة هي ذروة الكشف والسلام يلازم الحرية.

                      هذا يشرط تعايش أهل الأديان. فلا تقتل أحدا ولا تقمع أحدا ولا تفرض عليه عيش او احكاما من عندك ولن يقول الله رأيه في دين أحد منا في اليوم الآخر ولكنه يدين الشخص من حيث هو شخص. ولا تحكم على أحد بالنار لأن الخالق لم يخوّلك بأن تصدر هذا الحكم وهو الذي يتراءى لكل مخلوق في اليوم الآخر وينتشله من العذاب ان لم يكن من المحكوم عليهم بالعذاب.

                      «لأنه الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاءاذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم» (رومية 2: 14). انت يحكمك ضميرك فإن كنت خالص المودّة لله يراك له ويقول لك هذا في اليوم الذي يدين الله سرائر كل إنسان. ومن بعدها يأتي هذا المجد.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

اللطف / السبت ١ اذار ٢٠٠٨

                     اللطف استقبال القلب للقلب. يتجاوز الحديث المهذب او الراقي اذ قد يكون نتيجة انضباط لا يدوم. وفن الحديث يكتسب ويصقل ولكن العمق في مكان آخر فأنت لا تولد لطيفًا من بطن أمك ولكن تولد من أحشاء الله على ما قاله بولس الرسول: في رسالته الى أهل غلاطية فبعد ان يكون عدّد «أعمال الجسد» بصورة الجمع يصل الى القول: «اما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام واللطف» اي ما هناك من هبات إلهيّة ولكنه استعمل صيغة المفرد «ثمر الروح» وكأنه يقول ان هذه الفضائل التي يذكر منها المحبة اولا إنّما هي واحدة، ويربطها جميعا بمصدرها وهو الله. لطيفا وٌلدتَ من مشيئة الله ورحمته.

                     ينسب الكتاب اللطف اولا الى الله واذا تكلّم على الإنسان يتبيّن ان لطفه آتٍ من فوق ويعطفه الكتاب على التواضع والوداعة وكأنهما مكونان او ينبوعان للطف. فإذا كان التواضع ان تعتبر نفسك لا شيء ولا تفتخر بعطاياك ولا تستعظمها فما ذلك الا لكونك ترى الانسان الآخر كل شيء. واذا كانت الوداعة ان تزيل كل نتوء منك في معاملة الآخر فإيحاء ذلك انك ترفض صدامه وتجريحه خشية ان يخسر رقته. تريده مثل نفسك اي مقتنعا انه هو ايضا يجب ان يفرح برقّتك ويأخذ منها وانت تعيها اذا وصلت اليه.

                     في القرآن الله هو اللطيف الخبير (الأنعام، 3). وتلازم هاتين الصفتين الإلهيّتين وارد في غير آية. اما عن الإنسان فلا يطلق عليه هذه الصفة بالاسم وان ورد معناها بمفردات أخرى.

                     اللطف لا يأتي من ميوعة او ضعف ولكنه يأتي من قوة داخلية لا يستكبر الإنسان بها لكون الاستكبار إلغاء للآخر وانت حريص على وجوده واستمراره لإيمانك بأن الإنسانية واحدة ولا تشفيها الا به. هو اذًا طلب للعافية الروحية عند الجميع. وهذه شرطها ان تكف عن الصراخ والغضب في كل حين لأنهما مناوءة للإنسان اية كانت نيّتك.

                     في هذا رأيت مشهدا لافتا منذ أيام حيث لم يرضِ كلام أحدنا أحد المجتمعين وانا أعرفه على تهذيب نادر فاذا به يعلي نبرته في الدفاع عن موقفه فأجابه واحد بصوت يكاد يُسمع فزال الصراخ. هذا لا ترد عليه بالصراخ لئلا يقع الآخر في الغضب فيجرحك ويجرح نفسه.

                     هذا لا يعني انه عليك ان تقمع الحماسة في كلامك ولا سيما في الخطابة. ولكن عليك السهر على صوتك لئلا تقودك الحماسة الى الغضب وتاليا الى ايذاء الآخر. والحماسة ان يتحكّم عقلك بما فيك من شهوة لئلا تقودك الشهوة الى البغض. فبين الحماسة والغضب خيط دقيق. والأفضل ان يصدر عنك صوت رتيب ولكنه مقنع اذ غاية الحديث ان تقنع لا ان تظهر حمسا. المضمون الكلامي الدسم والمليء بالمعنى يصل الى المستمع ومن شأنك ان تكسبه الى طرحك اذ هي غاية كل حديث. الصوت المرتفع حجر تضرب به الناس ولا يقبلون موقفك بسببه بل يرونك منفعلا ويضعف طرحك كثيرا. ان تتكلّم وكأنك تشتم فريقا آخر لا يقنع احدا بمنطقك.

                     طبعا هناك أسلوب كلام وتربية بالكلام ولكن ليس هناك ضرب لهذا الغائب الذي تصرخ في الكلام عليه وكأنك تريد القضاء عليه. هذا يذكر بأننا، تلاميذ، كنا نساق الى حفلة خطابية ضد وعد بلفور وهذا قبل ان يحتل اليهود فلسطين، فبتّ أعتقد اننا في الساحة التي كنا فيها قضي على مطامعهم. ويكرر الكلام كل سنة وما قال لنا خطيب من هو بلفور وما هي قدرات أهلنا في فلسطين ليمنعوا تحقيق هذا الوعد وكيف يجب ان نتربّى على حب فلسطين. اجتماع هادئ سلامي كان من شأنه ان يربينا على فهم الحق.

#                #

#

                     القاعدة هي هدوء العقل في كل خطاب او حديث لأن السبيل الوحيد الى خفض الاخر صوته وأن يستأصل شراسته واياه والآخر في مخاطبة العقل والعقل. انظر الى الطبيعة. كل عناصرها في انسجام فلا تضرب نجمة نجمة ولا تأكل  شجرة شجرة ولا تفترس بعضها بعضا الا الوحوش. واما الحيوانات المدجّنة اي التي فيها اثر  للإنسان فلا تفعل ذلك وقد درس الفلاسفة اليونانيون نظام الطبيعة وفهموا ان المواطنين اذا اجتمعوا فيؤلّفون المدينة ثم ادركوا ان تخاطبهم وتفاعلهم يكون بالعقل. وما كانت الآلهة تتنافس الا لأن شيئا من الحيوانية كان فيها حتى تأنسنت الآلهة كلها اذ كان الإله الواحد يجمعها.

                     الإنسان صورة هذا الكون البديع المتسالمة أجزاؤه فيجمع عقله الى قلبه المستنير بالله فيهدأ العقل ليتمكن من جمع أجزائه و يخرجها لمنفعة العقول الأخرى وهذا لا يتم الا بعد ان يكون العقل تطهّر بالقلب ويكون القلب قد استقام بالعقل وكأن الإنسانية جمعاء باتت عقلا واحدا. الحب طريق الى اتحاد العقول والعقل والقلب يتلاحمان للاعتراف بالحقيقة.

                     هنا أود ان أذكر حادثة جرت معي. كان المجمع المقدس عندنا برئاسة السيّد اغناطيوس الرابع وتغدينا بعد جلسة الصباح وذهبنا الى البهو لنتناول القهوة ونوافذ القاعة مشرعة وكان رجل مغترب جاء لزيارة الدير فسمع احد الأساقفة يتكلّم بصوت عالٍ فسأل عنه فقيل له هذا هو المطران خضر. ثم بعد يومين او ثلاثة اصطحبني هذا الرجل الى قريته لأزوّج ابنه. فقال لي اذا لفظت كلمة طريق بصوت عال او صوت منخفض هل يتغيّر المعنى؟ فقلت لا. ثم قال اذا لفظت كلمة سيارة بهذه الطريقة او تلك هل يتبدّل المعنى قلت لا. فقال لي: لماذا كنت تصرخ في حضرة المطارنة؟ فصمتّ واتخذت كلام هذا الرجل درسا الى الأبد. هذا الإنسان جعل فيّ عبرة اعتبرتها إلهية. وحاولت هدوء الصوت بعد ذلك.

                     اللطف لا يمنع التأديب لكونك حريصا على تقويم الآخر. ولكن للتأديب شروط وأداء. غير ان احدا لا يسلم اذا احس ان من شرع بتقويمه انما يقوم بعمل تقويم خالصة نيته لوجه الله وليس في الأمر شدّة وبأن لا بد ان نعلم ان تصحيح الخطأ لا تجوز فيه الدينونة. انه محاولة تصحيح من اجل الحقيقة وخلاص النفس ومن أحبّك يقوّمك.

                     هناك قواعد تربوية قائمة لا تنفصل عن القيمة المطلقة للإنسان الآخر. فالقسوة ليست قاعدة تربوية لأنها تتضمّن ما يبدو تمسكا بالفضيلة وحقيقتها انك تضرب الاخر ضربا شديدا ظنا منك انك تحفظ فضائله. السؤال الوجيه هو هل يصح لك ان تقوّم انسانا اذا كان شرط التقويم تجريحه ام انك تنتقل من النبرة الشديدة الى الحقيقة كمضمون في الوقت المطلوب للوم وذلك بلا رد الغضب بالغضب. اللطف   بالخاطئ هو تصحيحه لئلا تقع بالانتقام او ما يفهمه ذاك انتقاما.

                     طبعا يجب ان تحذر ان يفسّر الآخر هدوءك على انك لا تبالي بالخطيئة ولا تهمّك سلامته الروحية فتحيد عن كره الخطأ. هذا مؤذٍ كثيرا ويعني انك لا تبالي الا بنفسك او راحتك وكأنك بالصمت شريك بالمعصية او الأذى الذي ارتكب.

#                   #

#

                     اللطف إحساسنا ان الآخر كل شيء وانه هو الذي يجب ان يعظم ونتوارى نحن  وان لهذا روحانية وأساليب. الصوت هو الإنسان. كيف تنفذ الى الآخر بلا اقتحامه، تلك هي المسألة. اللطف هو إقرارك بوجود نفسك اذا انسكبت، بمقدار ما تنسكب. لفتني ان القرآن كثيرا ما يقرن اللطيف بالخبير اذا تكلّم على الله. هل يعني ذلك ان الرب لطيف بعباده لأنه يعرفهم ويعرف حاجتهم الى الحنان وجمال معونته؟

                     أظن اننا نستطيع ان نطبّق هذا الكلام عن الله على تعامل البشر فيما بينهم. فإن خبرتك للناس تجعلك حاسا بأنهم يحتاجون الى رحمتك والى احتضانك. وفي الحقيقة لست في حاجة ان تكون بهم خبيرا لأن أكثرهم ساقط وقررت انت ان تكون بهم لطيفا.

                     اللطف تشبّه بالله وبأخلاقه. هو عطف الله على قوم قليل. هو رفع من تلطف بهم الى رؤيته في صفاته، في أسمائه الحسنى حتى تردم الهوّة التي أقامها البشر بينهم وبين ربّهم. هذه هي صورة الله وحركة الى التمثّل به. هذا دخول القلب الى القلب لتمحى السيئات، لنرتفع الى السماء ونحن في هذه الدنيا. هذا معراجنا جميعا الى الملكوت حتى تبدو الدنيا قد دخلت الآخرة منذ اليوم الى ان يصير الله الكل في الكل فتتحقق، اذ ذاك، بنوّتنا له.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الكذب / السبت ٢٣ شباط ٢٠٠٨

الكذب كثير في البلاد المتخلّفة حيث الناس تخشى القوي القدير الذي يدعم العيش ويستقوي القوم به ويخشون عقابا منه او رفع حمايته عنهم. وفي هذه البلدان لا ترعاك دولة فحيث ترعاك هي سترك ازاء الأقوياء. عدلها درعك اذ القضاء يساوي بين الناس. اما اذا خشي القاضي نفسه الأقوياء فلا ملجأ لك سوى الكذب تحمي به نفسك.

                      اما البلد المتحضّر -اي القائم في الحضر وليس البداوة- فقائم على ان القوة محصورة في الحكم يرعى الناس جميعا ولا يخشى نافذًا. الحكم اذا قام حقا يهدد مَن سوّلت له نفسه الاعتداء فيردع او له قوة الردع ان لم يفسد.

                      غير ان الكذب ليس مرتبطا فقط بالبيئة وان أثارته. هو نتاج الضعف الشخصي امام القوة. فالتلميذ في المدرسة يخشى معلّمه ولا سيما اذا قسا والموظف يخشى مَن وظّفه او الإدارة الساهرة وفي العائلة خوف عند الفريق الضعيف رجلا كان ام امرأة. الكذوب يطمئن الى انه ينجي نفسه ولو الى حين ولكن الخوف يتكرر في ظرف آخر. يحسب ان الصدق يهدد وجوده او مصالحه ويختبئ في مخبأ هش لأن الكذب يجرّ الكذب فيصبح عادة متأصّلة في الكيان. يجب، اذ ذاك، ان يتغلّب على ضعفه بالتماس الصدق من الله. معنى ذلك ان هذه الآفة لا تقضي عليها الا النعمة النازلة من فوق. الطمأنينة الى الله تزيل الخوف عندما يقتنع الخائف ان ليس من إنسان قادرا على ان يلغيه او ان يؤذيه حقا.

                      هناك كذب بغير قول يخفي الحقيقة او يشوشها. فاذا قلت نصف الحقيقة تكون قد غششت الآخر. واذا وقفت موقفا يضلل الآخر مع ملازمتك الصمت فأنت مؤذٍ لمن تعامله عندما يكون له الحق بمعرفة موقفك الحقيقي. مثلا اذا شكت بك امرأتك وكنت خاطئا وسكت عن الجواب فأنت كاذب. اما اذا شك في هذا شخص آخر وليس له الحق بالمعرفة لك الا تجيب بشيء لك ان تخفي الواقع عن شخص ليس له الحق بمعرفته فمن حقك الصمت. ليس من كذب اذًا اذا حجبت الواقع عمّن ليس له الحق بمعرفته.

                      الحقيقة تتطلّب ان تكون مكشوفًا للذين من حقهم ان يعرفوا الحق وان تبيّن موقفك للذين لهم الحق بمعرفته. فاذا اعترفت للكاهن بخطاياك لا تستطيع ان تخفي حادثة او قولا او فكرا لأنه لا يستطيع أن يرشدك ما لم يعرف ما جرى في نفسك وما يعتريها من سقطات وان لم تكن مستعدا لذلك فالزم مكانك والتحف بأكاذيبك التي لن تنجيك يوما.

                      ماذا يقول الكتاب المقدس في هذا المجال؟ يقول السيد لليهود: «انتم من أب هو ابليس وشهوات ابيكم تريدون ان تعملوا. ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق. متى تكلّم بالكذب فإنما يتكلّم مما له لأنه كذاب وابو الكذابين» (يوحنا 8: 44). هذا كلام شديد الوضوح اذ رأى الرب ان الانسان الكاذب على صلة صحيحة مع حامل الشر الذي هو ابليس وليس فيه حق وكأن يسوع يريد ان يقول ان الكذب يعطل كل فضيلة فينا لأن كل فضيلة صدق ونور. ويتكلّم في عهديه عن الأنبياء الكذية المدعين ان ما يقولونه هو من الله مع انهم يلفقون كلامهم تلفيقا. هذه هي الخطيئة الأعظم. ولكن أليس كل كاذب ينسب كلامه الى الحق اي الى الله الكامن في قلبه. هو ضمنا في حالة تجديف. لذلك يقول سفر الملوك الثاني (4: 16): «رجل الله لا يكذب». لذلك يقول بولس: «رجل الله لا يكذب» (كولوسي 3: 9) ويؤسس هذا على ان المؤمنين خلعوا الانسان العتيق اي ذاك الذي كان مملوءا بالشهوات. وبعد ان يكون اغتسل بالماء والروح يكون قد تعافى.

#                    #

#

                      تبيانا لكون الكذب ليس فقط مجرد كلام ولكنه تعطيل للكيان جاء عند يوحنا الانجيلي في رسالته الأولى الاولى الجامعة (1: 6) «نكذب ولا نعمل الحق». هنا تلتقي الآية مع ما قلناه ان ثمّة كذبا في الموقف وليس في الكلام وحسب. لذلك يشجب الرب القسم الكاذب.

                      ماذا في الإسلام؟ هناك آيات فريدة في معناها مثل قول القرآن: انظر كيف كذبوا على أنفسهم (الأنعام ٢٤) ومعنى آخر قوله هؤلاء الذين كذبوا على ربهم (هود، ١٨) ومثلها في آيات عديدة من افتروا على الله كذبا. وربما كان قريبا منها الذين كذبوا بالآيات اذا نزلت.

                      في القرآن فحص متعدد الجوانب والاتجاهات في الذين يكذبون وهناك ربط للكذب بالاستكبار. والعاقبة قوله: «قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله» (الأنعام ٣٤). وهنا يطيب لي بلا تأويل ان أقول ان لقاء الله الذي ينفيه الله على الكاذبين غير منحصر في اليوم الأخير اذ فيه يلقونه ولكني أحس ان الكتاب يعفي لقاء الكاذبين بربهم، في نفوسهم في الدنيا. ويلتقي الكلام الإلهي في الإسلام بالعهد الجديد اذ يربطان الكذب بالشهوات.

                      ولعل ذروة الكلام عن الكذب من الناحية الفنية لو سمح لي المسلمون بهذا النعت هو ما ورد في سورة الرحمان اذ يقول: «فبأي الأ ربكما تكذبان» والآية تأخذ القسم الأكبر من السورة. وفي مطلع سورة المنافقون يقيم ترادفا بينهم وبين الكاذبين. وبصرف النظر عن سبب النزول في هذه السورة وردت لفظة المنافقين في عدة سور ما يدلّ على كره الوحي للكذب وألوانه المختلفة.

                      اذا كان الكذب متعلّقا بالبيئة الى حد كبير، اذا كان متصلا بالفقر نسبيا فما من شك ان تطور البيئة الى الأفضل من حيث الثروة والتربية لا بد ان يصبح المواطنون أقرب الى الصدق. في البلاد الصناعية الكبرى انت تفترض ان الآخر صادق وتعامله على هذه القاعدة. من زمان ليس ببعيد عشته في مطلع شبابي هنا كان معظم الناس يثقون بالآخرين وكانوا يستدينون مبلغا كبيرا بالعملة الذهبية العثمانية بلا وثيقة ويدفعون ديونهم واللجوء الى المحاكم ما كان يطرأ على بالهم. البلد  كان مزدهرا الى حد بعيد وما من شك ان الإيمان الديني الذي كان قويا الى حد بعيد كان يساعدهم على قول الحق. وما من شك ان التضخم المالي وسقوط الليرة اللبنانية السنة الـ ١٩٣٦ قد زاد نسبة الانحراف الأخلاقي الذي نعرفه اليوم.

                      واذا أخذت المدرسة اذكر ان التلميذ كان يحس ان المعلّم يريد معاقبته على هفوة صغيرة وكان يترقّب العقاب ويخاف. هناك بيئات صغيرة كانت تغذي الكذب العام الذي أخذ يستشري في البلاد. هناك تغيير للعلاقة بين الأستاذ والتلميذ لا بد منه. علاقة الحنو والثقة يمكن دعمها. مشاركة ما لتلاميذ بمناقشة إدارة المدرسة شيء وتكلّم عليه غيرنا في اوربا وأعطى ثمارا.

                      يبقى ان التربية العائلية لها الفضل في تغذية الصدق عند الاولاد. كنت أعرف عائلات يُشار اليها بصدقها، لانعدام الكذب كليا فيها وهذه التربية تقاوم كل سوء يطرأ على الولد في مجتمعه المدرسي او غير المدرسي.

                      ثم ما أتمنّاه على المؤسسة الدينية هو التركيز على الفضائل وعدم الانحصار في الدعوة الى العبادات والتقاليد المرافقة لها. ينبغي ان يعرف المنتمي الى اي دين ان مراجعه المسؤولة صادقة كليا وان هذه المراجع يركن اليها في ما تقول.

#                         #

#

                      مرة سألت شابا في موقع ارشاد: هل أنت تكذب؟ اجاب نعم. ولكني لا اؤذي احدًا. قلت له: بل هناك واحد تؤذيه وهو انت لأنك تقزّم نفسك. هناك دائما في الكذب تحجيم للشخصية وارتعاد امام القوة الواقعة او المظنونة.

                      اجل هنا من وُلد ضعيف البنية او النفس. هؤلاء يميلون الى الانقباض والتواري ولكن الإنسان مدعو الى اتخاذ دوره وهو تأكيد الذات وتثبيتها وليس ادنى الى تثبيت الذات مثل تحدي من نعتبره ذا فعالية كالوالدين والمعلّم ومدير الشركة التي نعمل فيها والسلطات المدنية.

                      ربما كان من وجوه التحرر من الكذب الصمت والابتعاد عن الثرثرة والمزاح. ينفعك الا تتبجح بأكاذيبك وبعامة الا تظهر خطيئتك حتى لا تسيء الى السامعين. تحاشَ الرياء فإنه مصدر لتشويه الحقيقة. ابتعد عن مدح أصحاب المقامات فهذا يؤذيك ويؤذيهم معا. الانسان الصادق مرجع ومكان طمأنينة اذ يرتاح الناس الى قوله ويعرفون ان ينظّموا أمورهم بنصائحه لأنها لا تتغير.

                      الانسان الصادق شبيه بالمسيح الذي يقول عنه الكتاب انه الأمين اي الأمين الى كلامه الأبدي الذي لا يتبدل ونجد فيه راحة لأنفسنا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

التواضع / السبت ١٦ شباط ٢٠٠٨

الناس المعجبون بنفسهم كثر. كل هؤلاء يرون في ذواتهم قيمًا نابعة من ذواتهم واذا كانوا كذلك دائما يفتخرون، يركّبون ذواتهم من مجموعة حسنات اذ يظنون انهم دون هذه الحسنات هم في العدم والإنسان لا يرغب في العدم. لذلك لا مفر من ان يكون معظم الناس الصورة التي اصطنعوها عن أنفسهم وغالبا ما يحسبون ان ليس مثلهم شيء. الانسان يخشى الموت المعنوي قبل خشيته الموت الجسدي. لذلك يحيا بهذه الجمالات التي تتراءى له فيه. هذا هو العُجب (بضم العين) الذي تليه الكبرياء التي يرى فيها الإنسان انه فوق القوم جميعا. هناك اذا عبادة ما للنفس. هناك دائما شرك محجوب عن صاحبه. فالكبرياء في ذروتها ازدراء للآخر وتحقيق وثناء مقول او غير مقول عن الذات.

                     وكثيرا ما تأتيك الكبرياء من المديح. ومن المديح يتولّد الغرور والطمع بالمقام الأول في هذا المجال او ذاك. جاء عند القديس يوحنا السلّمي: «عاتب شيخ احد الإخوة على تكبّره معاتبة روحية. فأجاب الأخ: اغفر لي يا أبي فإني لست متكبرا. فقال له الشيخ الكلي الحكمة: يا ولدي اي برهان تعطينا على تكبّرك أفضل من قولك «لست متكبّرًا»؟».

                     كل إنسان صريع الوهم. وينتج عن هذا ان المتكبر يزدري الودعاء. ان مقت هؤلاء مقت للأقربين الى الله لأن الله وداعة. لذلك لم يخطئ آباؤنا لما اعتقدوا ان الكبرياء أكبر الخطايا لأنها في التحرك الوجداني أن احدا ليس مثلك وانك انت صائر مثل الله كما اعتقد آدم.

                     مشكلة المستكبر انه في كثرة الأحيان لا يعرف نفسه كذلك وان لم تهبط عليه نعمة من فوق لا يعرف التمييز في نفسه ويظن نفسه فقط موهوبا ولا يرى انه منتفخ بمواهبه او ما ظنها كذلك. لذلك لا بد له من فضائل كالإحسان ليصلح نفسه اذا اعتبر ان الإحسان إلهام له من الله. وقد يُحْسِن أحيانا لأن هذا يزيده تعظما ولا يحس بأن من يحسن اليهم كثيرا ما يكونون أفضل منه على كل وجه. الجمالات الروحية يجب أن ترسو على التواضع والا كانت رذائل مبطّنة. هذا يرى نفسه مثلا لا يزني ولا يسرق ولا يكذب ولكن هذه المحظورات لا نفع فيها ان كانت تقوي استكباره. فقد علّمنا أهل القداسة انك ان عففت مثلا وبقيت غير محب فقد هتكت عفتك ولست بشيء. المحبة وحدها تضرب الكبرياء وتمزقها لأنها اعتراف بالآخر وهذا الاعتراف هو الذي يوجدك. كتابنا يبيّن لنا كيف نهرب من الزنا وبقيّة الخطايا وقد وضع آباؤنا قواعد لهتك الخطيئة ولكن الخطيئة تبقى مكانها ان انت حسبت انك صرت عفيفا لكونك تُمْسك. ليس الإمساك بشيء الا اذا جللته المحبة التي لا تنكسر عندها القلوب.

                     قد يظن بعض انك متكبّر لأن عندك أسلوب تعاطٍ لا يفهمونه او لا يذوقونه او انت حيي فيحسبون انك لا تخاطبهم لأنك استعليت. افحص نفسك عند كل قولة. المهم ما يراك الله عليه في اليوم الأخير او قبل انتقالك اليه. ولكنك في الأخير لا تعرف نفسك مقيما في الانتفاخ الا اذا وبّخك ضميرك على ذلك فالكبرياء تُكسر كسرا حتى يحل محلها الحب.

#                 #

#

                     مقابل هذا التضخيم للذات والعيش الدائم في الاستيهام يبدو التواضع انقباضا تصوريا للذات ولو كان المتواضع أعظم رجل في الدنيا. قد يرى في نفسه حسنات من الطبيعة كالجمال والذكاء وما الى ذلك ولكنها تبقى على حجمها من حيث انه لا يفتخر بها. فكل ما فينا من خيرات الطبيعة يأتي معنا بالخلق او نرثه من الصالحين الذين يتجهون الى تغيير الكون. انت تشكر لاقتناء او حرمان. كلاهما عطف إلهي ولو تغير الأسلوب.

                     المتواضع لا يقزّم نفسه اذ يحرّم الناس ما لهم حق فيه وبآن لا يدين نفسه ولا يجلدها. يأخذ بشكران ويفتقر بشكران. امام العطاء الإلهي ما من كلمة تبقى لك الا ان تقول مثل العشار في الإنجيل: «ارحمني يا رب أنا الخاطئ». حالتان مسجلتان فيك انك خاطئ وان ربك رحيم واذا ادركت رحمته تتبرأ من كل معصية مهما عظمت. فاذا رأى الخاطئ نعمة الرب نازلة عليه وتبتلع ذنبه كليا يرى نفسه لا شيء اذ يراها كل شيء. هذا هو الإنسان المتواضع.

                     عند المسيحيين نموذج الإنسان المتواضع هو يسوع القائل: «احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني، لأي وديع ومتواضع القلب» (متى 11: 29). منذ سنين تتحداني هذه الآية اذ تسائلني لماذا لفت السيد فقط الى هاتين الفضيلتين فيه وله من المزايا ما لا يحصى. لعله رأى في التواضع الذروة اذ تستطيع ان تتدرج الى ما فوقها ولا تقدر ان تبلغها الا اذا دست كل الشهوات. وعلى الصعيد الفني في الكنيسة الأرثوذكسية هي أيقونة المسيح-العريس الذي يُرسم نازلا الى القبر عاريا ليختفي بالجسد كليا ويقوم من بين الأموات. المسيح العريس (او الخَتَن بالسريانية) عندما يقيم مشيئة الآب لا مشيئته البشرية ويتزوّج الانسانية كلها بموته.

                     وهاكم القديس العظيم إسحق السرياني المولود في قطر. «كل الكلام على التواضع هو الكلام على الله. انه وشاح الألوهة لأن الكلمة المتجسد تسربله وكلمنا عنه من خلال أجسادنا. فكل من يتسربله يتشبه حقا بذلك الذي انحدر من علوه وغطى فضيلة عظمته بالتواضع وستر مجده به».

                     ماذا يعني لنا هذا الكلام؟ انه يعني ان حياة الله خفية فينا ولم «يظهر بعد ماذا سنكون». عند هذا الخفاء لا يمكنك ان تظهر الله الا اذا أخفيت نفسك . الرب يظهر بك اذا أدركت درجة الخفاء أعني درجة اعتبارك لا شيء.

                     كان لي صديق سوري كبير مستقر في سويسرا وكنت قد نشأته في مطلع شبابه على الايمان الأرثوذكسي وكانت شبيبتنا ملتهبة بالروح. ثم صار صديقا لكبار العرب في كل ديارهم وكان يستضيف بعضا منهم في دارته. ومرة بعد وفاته دعتني بنت له الى مائدتها. وقالت لي: ان والدي كان يتعامل مع الخدم عندنا بالتهذيب والوقار اللذين كان يحيط بهما رؤساء الدول العربية.

                     غنيا كنت ام كبيرا بين المثقفين اذكر ما ورد في نشيد مريم حسب إنجيل لوقا: «حطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين» (1: 52). اذا قلت: انا عزيز في قومي فقد أعطيت نفسك شهادة في الثقافة او الزعامة. الله يعلّيك وحده واذا استعليت على أحد تجرحه. ولذا أقرن يسوع في ما ذكرنا الوداعة والتواضع اذ الوداعة تصير في الآخر كعسل في فمه اذ هي فن الإزالة لكل نتوء بينك وبين الآخرين لكونها بنت التواضع او طريقا اليه. من هم قومك؟ «ان الشعب عشب حقًا. والعشب ييبس وزهره يذبل واما كلمة إلهنا فتثبت الى الأبد» (اشعياء 40: 7 و8).

                     لسان حال بعض مما حسب نفسه كبيرا انه يقول والآخر لا يقول. لأن من قال يصير شيئا والآخر في المنطلق ليس بشيء. الاستكبار إلغاء معنوي للآخر اي لون من ألوان الإبادة. انت، متكبر، تضع لنفسك عرشا لم ترثه وافرض انك ورثته. تبقى على ترابيّتك وعظمك ولحمك وكلها فانٍ الى ان يقيمك ربك من الموت الروحي هنا بالتوبة التي تعرف بها انك دون الناس جميعا.

                     كتب أمير مولدافيا في القرن الرابع عشر لولي عهده: «لا تشتهِ ان تصير أسقفا او رئيس دير ولا أميرا (والإمارة كانت مُعدَة له)، لا تشتهِ لأن كل هذا مجد العالم». المجد تُعطاه في اليوم الأخير إن صممت على ان تنأى عن أمجاد هذه الدنيا وقد يكسر الله العرش الذي أقامه لك خيالك فتصبح من الجائعين. جعْ الى اللّه ليجلسك على عرش له في السماويات.

Continue reading