Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2007, جريدة النهار, مقالات

الأم / السبت 14 تموز 2007

لماذا تغنّى الشعراء بالأمّ ولم يتغنّوا بالأب إلاّ قليلاً؟ ربّما كان أحد الأسباب أنّ الرجال هم الشعراء الأكثرون، وهم قريبون من أمّهاتهم. ولكنّ القصّة لا تكون بهذه السعة إن كانت مجرّد شعور ذاتيّ. هناك ما يتعلّق بكينونة الإنسان، وربّما بالمقاصد الإلهيّة التي تنزل علينا وجدانا. الإنسان البالغ يعرف أنّ ثمّة مشاركة بين الرجل والمرأة ليتكوّن الجنين، ومع ذلك تولي الإنسانيّة كلّها الأهمّيّة القصوى للوالدة.

في مرحلة أولى من تأمّلي أقول إنّ لفظة الرحمة مشتقّة من الرحم. هكذا في العبريّة وهكذا في الآراميّة، ولا يعقل أن تختلف العربيّة عنهما، وقد لاحظ هذا المستشرق ماسينيون. وهذا لا يمنع أن يصوّر الله كأب باعتبار التنظيم الاجتماعيّ في العهد القديم. غير أنّ عبارة الأحشاء الإلهيّة واردة غير مرّة في الكتاب المقدّس. ففي هذا يقول الله: «ترنّ أحشائي كعود من أجل موآب» (أشعياء 14: 11). كذلك في لوقا يتحدّث عن «أحشاء رحمة إلهنا» (1: 78). تأنيث صورة الله واردة في الكتب المقدّسة. ويقول الدليل عند قراءتنا موضعًا آخر في أشعياء:«هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها. حتّى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساكِ» (49: 15). هنا يشبّه الله نفسه بالمرأة. لذلك القول بذكوريّة الكتاب المقدّس في الحديث عن الله، ليس قولا حصريًّا. وعلى غرار الحديث التأنيثيّ ذهب بعض من آبائنا.

إلى هذا، ليس من انقطاع نهائيّ لحبل السرّة رغم عمل الطبيب الجرّاح، لأنّ العلاقة بين الأمّ والطفل المولود ليست مجرّد علاقة فزيولوجيّة. هناك امتداد بينهما لا نفهمه كلّيًّا، متّصل ربّما بكون الجنين يسكن تسعة أشهر في بطن الأمّ، بعد أن يتكوّن بلحظة وكأنّ صورة الاتّحاد بين الزوجين، لا تبقى هي الصورة السيكولوجيّة، في نفس المرأة، بحيث إنّ الطفل يسكن فيها وحدها وهي وحدها تغذّيه، وهناك نوع من وحدة التعايش يبدو أنّ الأمّ لا تتخلّى عنها، ولو بلغ الإنسان الكهولة أو ما بعدها. لماذا أوّل ما يتمتمه الطفل المولود هو حرف الميم بالعربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة والألمانيّة والروسيّة؟ لماذا أوّل صوت يصدر عن الطفل هو صوت الميم؟ من علّم الطفل هذا الحرف؟

لماذا يقول اللاهوت إنّنا عائدون إلى حضن إبراهيم وتمثّلنا الأيقونة هكذا؟ أليس لأنّنا نعتبره أبا الآباء وكأنّه ولدنا بإيمانه ما يجعلنا في حضنه؟ أجل الانتساب في القيود هو إلى الأب في كلّ الحضارات. هذا مجرّد تسلسل يتعلّق بالقيود أي أنّ هذا مصطلح مدنيّ لا فرق شعوريًّا في نظام القبائل بين أن تكون ابن حرّة أو ابن أمة. الفرق فقط ذكوريّ بحيث إنّ ابن الحرّة يرث وابن الجارية لا يرث، حتّى أحسّت فرنسا الحقوقيّة، في السنوات الأخيرة، أنّ ابن المرأة الشرعيّة له الحصّة الإرثيّة التي لغير الشرعيّة. هذا ليس في فهمهم تعزيز لمسّ قدسيّة الزواج. هذا في تفسيرهم يدلّ على أنّ كرامة الولد الطبيعيّ مثل كرامة الولد الشرعيّ في شقاء هذا الوجود.

الوالدة الناضجة بالحبّ الوالديّ تستطيع أن تقطع أدبيًّا حبل السرّة، غير أنّ مولودها لا يقدر على ذلك دومًا. هذه حالة مرضيّة قابلة للعلاج مبدئيًّا، ولكنّها استعداد لإفساد العلاقة بين الأمّ والولد. والتسلّط الذي تمارسه الحماة على كنّتها، حتّى التسبب بانفصال هذه عن الزوج، صورة عن هذا المرض الرهيب. والكنّة هي المكنونة في القبيلة، والسلطة البطريركيّة التي تحملها هنا الحماة ترفض حرّيّة الكنّة، أي حرّيّة تكوين عائلة جديدة، نوويّة كما يقول الأفرنج. تبقى إذًا هنا حتّى سلطة الرحم الممدودة التي تسع الأجيال كلّها ما أمكن استمرار الامتداد.

من الناس إذًا من لم يفهم قول الله: «ويترك الإنسان أباه وأمّه ويلزم امرأته، ويكونان كلاهما جسدًا واحدًا». حتّى يتمّ التصاق لا بدّ من انقطاع تعود بعده الرحمة للأهل المسنّين، وتكون هذه هي الصورة الصالحة للحبّ، الذي يعود من الجيل الفتيّ إلى ذلك الذي سبقه.

كيف تحبّ أمّك بعد فترة رفضها، ولا مهرب منها، إلى علاقة سليمة ولا سيّما إذا كنت ترى ما يسؤوك في طبائعها، هذا هو القبول الرحيم الغفور الذي لا تستطيع أن تطهّر نفسك بدونه. قال الربّ: «أكرم أباك وأمّك» ولم يقل أحببهما بالمعنى العاطفيّ الذي يذهب إلى امرأة أخرى، لأنّ الحبّ اختيار. هذا تغليب لشعور الاحترام والوقار والتقديس، وهو أساس لواجب الاستقلال في اختيار الزوجة. هناك لبس كبير أحيانًا عندما تسعى إلى فتاة تشبه أمّك، لتذكر أمّك في زوجتك، ولكن انتبه ألاّ تكون زوجتك كنّة مكنونة، وألا تكون أنت فتى مضمومًا مغناجًا.

الأمومة تبدأ بفرح الزوجيّة، أي بعهد التلقّي والعطاء بين كائنين متحابّين تعاهدا على البقاء معًا طوال الحياة، من أجل أن يكتملا بالروح القدس، ويكملا به بشريّتهما حتّى تطهر، ويصيرا إلى نورانيّة تقرب من نورانيّة الله حتّى يلقياها في اليوم الآخر. تلك هي الخطّة التي وضعها الله في الخلق، لمشيئته أن يمدّ البشر بالمحبّة التي في طبيعته ليمدّدها إلى آخر العالم، حتّى ينهي الله الزمان. يصاحب هذا ابتهاج في الروح والنفس والجسد، أي في كلّ الكيان البشريّ. وفي تواصل الرجل والمرأة يتمّ الاتّصال بالله وبهذا الطهارة.

غير أنّ كلّ هذا معطى من أجل مسؤوليّة هي مسؤوليّة الإنجاب، ليس أنّ الإنجاب غاية بحدّ ذاته للحياة الزوجيّة، ولكنّه الثمرة الطبيعيّة في إشراف النعمة التي تتنزّل على المحبّين، أي إلى المدعوّين إلى الحبّ البشريّ حتّى الموت، لئلاّ يتسرّب الموت الروحيّ إلى الحياة قبل انقطاعها. فإذا بدا الطفل في حياة الحبّ بين كائنين، تبدأ المسؤوليّة أمام الله لأنّ الولد هبة، أي هو له وليس ملكًا لأحد، ولو أطاع لأنّ طاعة الأولاد تدرّبهم على المحبّة، أي صعودهم إلى الربّ وإلى اكتمال شخصيّتهم به. تبقى التربية التي هي محاولة أخذ البنين إلى الربّ وهذا معنى كلمة تربية في لغتنا.

وهي عمل شاقّ جدًّا ولا سيّما في السنوات الأولى عند الولد. في هذه المرحلة دور الأمّ أساس لأنّها تسهر على طفلها سهرًا طويلاً، ليل نهار في الأشهر الأولى. هنا تتقبّل من الطفل الشيء الكثير، فهو يربّيها كما تربّيه، وتنتقل من الأمومة الجسديّة إلى الأمومة الروحيّة، إذ تتقدّس بالعطاء وتفرح بهذا العطاء. الأمومة نشأة للمرأة كما هي نشأة للطفل في سرّ لقاء عجيب. وهذا امتداد لـمّا يسمّيه المسيحيّون سرّ الزواج.

نموذج الأمّ هي مريم فإذا أعطت الوالدة نفسها لولدها عطاء كاملاً تصبح مريمًا جديدة. ألا تستطيع المرأة أن تصبح كمريم «ممتلئة نعمة»، لأنّها إن لم تصر كذلك كيف تمدّ وليدها بالنعمة، بالطراوة، بالبهاء الروحيّ الذي إذا لم ندركه لا نكون على شيء. فتّشت مرّة مريم مع يوسف عن ابنها الضائع، فلقيته في الهيكل يسائل العلماء. ما نفع الإنسان إن لم يسائل العلماء؟ قبل ذلك قدّمته إلى الهيكل فاقتبله سمعان الشيخ على ذراعية وسمّاه نورًا. ماذا ينفع الإنسان إن لم يتقبّله كبار الروحانيّين ليصير على مثالهم؟ هؤلاء أعظم من العلماء.

ثمّ نرى يسوع وأمّه في عرس قانا الجليل، وقالت له إنّ المدعوّين ليس عندهم خمر. فقال لها: «ما لي ولك يا امرأة لم تأتِ ساعتي بعد». والمعنى الظاهر أنّه لم يهتمّ لإكمالهم فرحهم بالخمر، ولم يشأ أن تهتمّ أمّه للأمر. فقالت، إذ ذاك، للخدم: «مهما قال لكم فافعلوه»، وكأنّها كانت موقنة أنّه سيستجيب لحاجتهم. وهنا حوّل الماء إلى خمر. هذه أمومة مارستها. «هذه بداءة الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده». هذه الأمّ العظيمة آمنت بوليدها العظيم ولبّاها لحبّه.

آخر مشهد للقائهما كان عند الصليب ومعها «التلميذ الذي كان واقفًا. قال لأمّه: «يا امرأة هوذا ابنك». ثمّ قال للتلميذ الحبيب: «هوذا أمّك». هذا الشاب لا نعرف عن هويّته واسمه إلاّ كونه كان التلميذ الحبيب. ولكونه الحبيب جعله السيّد ابنًا لمريم. الأمومة أمومة للحبيب أي الذي صار تلميذًا كاملاً ليسوع. تكتمل أمومة كلّ امرأة إذا حاولت أن تجعل ابنها كاملاً في الحبّ، حسب قول السيّد: «كونوا كاملين كما أنّ أباكم الذي في السموات كامل هو». ماذا تنفع الأمومة إن لم تكن غايتها محاولة إقامة البنين في المحبّة؟ هذا هو الدور الذي أراده الله لكلّ والدة. هذه هي مساهمتها في الخليقة المتجدّدة بالربّ، وإذا حاولت ذلك هذا هو مجدها.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الموت والقيامة / السبت ٧ تموز ٢٠٠٧

كفاك أن تشاهد التفجير والاغتيال لتدرك ان الموت جزء من حياة الذين ذهبوا والذين استبقاهم ربهم. بادئ بدء ليس هذا الفراق كارثة. انه حادثة. ولو كان من يتوفاه ربه عظيما فعظمته نرثها جميعا وهو يتمتع بجمالات الله في ملكوته. السؤال الباقي هو لماذا نخشى الموت او نرده عنا بالعلاج والصبر او ندنيه الينا بمخافته. أمي كانت تقول: «رب الموت خاف من الموت» وهي في مسيحيّتها كانت تعني المسيح. وفي فهمي ان الناصري خاف لكونه شاركنا في كل بشريّتنا وليدل انه ليس جبارا اسطوريا.

                     كانوا يقولون لنا في المدرسة المسيحية التي نشأت فيها اننا نخشى المنية لأن الله خلقنا من أجل الخلود فحلت الخطيئة وكسرت الخلود. ما يدعم هذا التعليم قول بولس: «أجرة الخطيئة هي الموت» (رومية 6: 23) وكأن الرسول يوحي ان الموت طارئ. لست أظن ان العلماء يناقضون بولس اذا قالوا: ان ما نعرفه عن الحياة حتى الآن يدل على انها منتهية ولكن واحدا منهم لا يستطيع ان يرى علاقة بين السبب والمسبب. هم يلاحظون الموت ويتكلمون عن سبب مباشر (القلب، السرطان وما اليهما) ولكن واحدا لا يجرؤ ان يحدد زمن النهاية. لعل ما يعذبنا اننا نجهل زمن انحلالنا او إسلام الروح.

                     نبقى اذًا أمام سر ليس معطى لإنسان اختراقه او ان يواجهه بكامل المعرفة ولا بشيء من التهيؤ. المؤمن يتعزى اذا كان حقا يعايش الله بما يبدو له فضيلة عنده او توبة فيه ولكنه لا يكابر ان كان مؤمنا لكونه لا يعرف في انه يقيم في توبة عميقة. كلمة السيد في هذا الصدد: «كونوا مستعدين لأنكم لا تعرفون الساعة» دعوة وهي ليست شهادة على اننا في كامل الحضور النقي اذ الرب وحده يعلن لك عند الدينونة وضعك الحقيقي أمامه.

                     لا يستطيع احد ان يواجه قبيل فراقه سؤال اللماذا؟ لماذا اليوم وليس غدًا؟. يقدر ان يواجه الى حد محدود الكيف. انسداد عدة شرايين بلا انتباه او معالجة على سبيل المثال. انتشار السرطان الى عدة اعضاء. هذا اذا اخذنا المرضين الأفتك في إحصاءات أوربا. ولكن كيف تعيش امرأة انقطعت لفقرها خمسة أشهر عن أنابيب الاوكسيجين، كيف يعيش انسان ثلاثين سنة وتتمشى فيه الخلايا السرطانية. الكيف اذا نفسه لا نعرفه. الطب علم احتمالات والمخلصون فيه يقولون لك ان فيه قسطا من الفن كبيرا اي ان مقدار الاختبار فيه كبير ويضيفون ان ممارسته تتطلّب مستوى من الأخلاق. نحن اذًا في عالم المجهول الكامل للسبب والكيف. لعل ذلك يشكل عنصر الخوف الأساسي.

#               #

#

                     اذا نظرنا الى الأمور نظرة طبيعية وطرحنا جانبا كل اعتبار إيماني يبدو لي ان الخطيئة الكبرى قول فرويد ان عندنا غريزة الموت. نحن ليس فينا الا غريزة الحياة. لذلك ينبئنا اقتراب الموت بانتهاء كل شيء ونحس على مستوى الطبيعة على انه العدم. الجانب النفسي فينا الذي هو رغبة البقاء الى الأبد يناقض الجانب البيولوجي الذي هو خراب هذا المختبر الكيميائي الذي اسمه الجسد كأن التصادم مسجل بين هذين الجانبين من كياننا الإنساني.

                     هناك كلام حديث عن تمديد الحياة. هل هو تمديد سيكولوجي على أساس الوعي يرافق التحديد الجسدي. الدراسات ليست متقدمة بالقدر الكافي. والدراسات الاقتصادية مخيفة اذ يترتب عليك ان تخدم معيشة ناس لا ينتجون الا اذا تقدمت المعطيات بصورة لا نترقبها بعد فيبقى الشيخ على عطائه كالكهل او الفتى. من المؤكد انه اذا عظم العجز وكثرت الأمراض قد يرغب المسن في خروجه من هذا الوجود ولكن قد تدخل عناصر علاج جديدة ولا يضعف الفهم وتتشدد عند الانسان غريزة الحياة.

                     من الواضح في الأبحاث كلها وتأمل السلوكيات ان البشرية «المتطورة» لا تتكلم إطلاقا في الأمور الروحية. ليس عندها اي انتباه لمسألة لماذا يرغب في إطالة العمر. الفلسفة الوضعية تحكم كل الأبحاث السائرة في العالم. يحكى احيانا عن الصلاة لغايات بيولوجية ولكن الصلاة تؤخذ اداة لغاية أمور في الدنيا. ولكن على رغم هذه الفلسفة الوضعية لا يتصالح احد والموت. يبقى عند الكل، إحساسا، طريقا الى إلغاء الوجود.

#                 #

#

                     كيف يعود الشعور بحياة ما جديدة الى انسان متيقن غريزيا من عدم المنعة فيه. اذا لم ينزل عليك شيء فوق الغريزة يستحيل عليك ان تغلب الموت بتجاوزه. لا تتخطاه الا بشيء آخر ليس منه وليس في طبيعتك، ذلك ان كيانك كله مجروح بمخافة الموت والعنتريات لا تنفع هنا. كلنا ضحايا هذا العدو، والعدو الأخير كما يسميه بولس. لذلك لا تطلب المسيحية ان تصالحه. تطلب ان تميت الموت وان ينشأ فيك عند ذاك شيء جديد لا يأتي منك فتصير، على رغم كونك في القبر، كيانا جديدا. اما ان تصالح جثتك فهذا مستحيل او ان تصالح جثة نسيب او صديق فهذا ايضا مستحيل اذ يعني هذا انك صالحت اللاشيء.

                     اذا كانت خشية الموت سيفا مصلتًا عليك انّى لك الا تخاف خوف الموت. انّى لك ان تخرج من هذا الخوف؟ في اللغة المسيحية انت تخرج من الموت بما نسميه «رجاء القيامة والحياة الأبدية». الرجاء رجاء الى ذاك الذي وحده يغلب الموت اي الله بحيث انه يتعهّدك من موت وينقلك اليه في الرجاء بانتظار القيامة التي تجعلك انسانا ذا جسد نوراني حرا من الفساد وحيا الى الأبد.

                     نحن لا نتحدث باستفاضة عن مآل الروح. نعرف انها في رعاية الله، في رحمته وهو يرحم من كان طالبا الرحمة، معتقا من وطأة الخطايا حسب قول بولس: «من مات تبرأ من الخطيئة»، له اتحاد بالله الذي يرفع عنه نير الموت والمعصية، ناقلا اياه من رتية الى رتبة في الرحمة لأن الإنسان لا يدخل الملكوت الا بها. لا نعرف في الكنيسة الارثوذكسية تحديدا لوضع النفس الا كونها في قبضة الله على انتظار القيامة. لذلك نصلي من اجل الذين ماتوا وهم في الحقيقة ضمن العطف الإلهي.

                     لهذا ينتقل لاهوتنا الى الكلام عن القيامة التي يوضحها بولس الرسول بهذه الكلمات عن نفسه: «هذا شأن قيامة الأموات: يكون زرع الجسم بفساد والقيامة بغير فساد. يكون الجسم بهوان والقيامة بمجد. يكون زرع الجسم بضعف والقيامة بقوة. يُزرع جسم بشري فيقوم جسما روحيا».

                     غير ان بولس يؤسس كل هذا على قيامة المسيح. فكما لبس جسم المسيح النور نلبس نحن ايضا النور. المادة كلها بما فيها مادة الكون تصبح نورا كاملا، حرا من الجسدانية التي كنا عليها من طعام وشراب وجنس لأن هذه من خصائص الأرض.

                     أنت حر من الموت بالنور، بالضياء الإلهي الذي يغمرك ويكونك الى الأبد فتسير في الله وتتجدد فيه الى الأبد. تذهب عنك الترابية وخصائصها ولكنك تبقى بشرا في هيكلية جديدة لا نعرف لها خاصة الا انها تشبه نورانية الله.

                     في هذا المنطق تبقى شخصيّتك هي إياها بما فيها روحك. لذلك كفّرنا في القرن الثالث من قال ان النفوس البشرية تذوب بعضها ببعض لتصبح روحا واحدا. روح الله يحيي روحك على الدوام كما يحفظ جسدك النوراني على وحدته ولا تختلط الأجسام بعضها ببعض. المهم عندنا ان شخصيّتك كلها هي التي تثاب ولا تذوب في الله اذ يكون هذا حلولية وكما رفضناها في الخلق الأول نرفضها في الخلق الثاني.

                     بغير هذه الرؤية نفهم التحرر من خوف الموت من حيث انك تغلبه بالرجاء وبتحقيق الرجاء عند القيامة. تستقبل، اذ ذاك، موتك لا بنكرانه ولكن بالايمان. انك تحيا توا  بالرحمة وأخيرا اذا بعثك الله من القبر. غير هذا هو في حسنا العدمية. والله لم يخلق احدا ليزيله من الوجود ولكنه يمنحه وجودا من نوع آخر. يوصلك الله اذًا من خلقه الاول الى خلقه الجديد ويجعلك دائم الوجود اذ تتقبل في السماء دائما نعمته وتتحقق فيك صورته بشكل دائم. وهذا هو الفرح.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

حول الكتابة / السبت في 30حزيران 2007

السؤال الاول: لماذا يكتب مَن كَتب؟ الجواب ان كان أديبا انه لا يستطيع ان يفعل غير هذا. تلك حالة الرسام او بيتهوفن لـمّا وضع السيمفونية التاسعة. كان أصم أي لم تسمعها أذناه. كيانه وضعها وكيانه تقبّلها بعد ان أعاد قراءتها. فيك جنين  ان كنت اديبا وهذا الجنين يجب أن يخرج، أنت تلد ولا تسأل نفسك لماذا تلد ولا يمكنك ان كنت مبدعا ان تضع الجنين لحظة واحدة قبل ان يشاء هو ان يخرج. اجل هناك لعبة بين انفعالك وصياغتك. ذلك لان الابداع ليس خارجا عن العقل. ولكن ان استخدمت العقل وحده فأنت عالم (في التاريخ، في الاقتصاد، في الفيزياء) ولكن ان خرجت الى الكون شاعرا ام ناثرًا شبه شاعر فالقلب والعقل متمازجان او متناضحان.

            نحن في سر كامل في ما يتعلّق بنشوء الجنين. كان الشاعر الالماني العظيم ريلكه يقول: «لي قصائد لست أنا واضعها» وأراد بذلك الإلهام او شيئا أعظم منه او وراءه. وقالت لي شاعرة: «عندما أعيد قراءة قصائدي لا أصدق اني كاتبتها». في العصور الوثنية كانوا يؤمنون بآلهة الشعر، وعند العرب عبقر موضع كثير الجن. ويقال عن إنسان انه عبقري لاعتقاد القدامى ان «روحا» ما وراء الخلق الغني الجميل.

            مَن أنتج جمالا باهرا قولا او كتابة وكان فيه مسحة روحية له ان يحس ان هذا أتاه من الله اذ تدل المقارنة بين النصوص ان بعضها ضعيف او عادي وان اي من أخذ القلم قادر عليه، ولكن ان كان ثمة التماعات نادرة الوجود في النطق فله ان يحس ان هناك من دخل الى روحه او حركها او ألهبها وانه يأتي هو من آخر. غير ان هذا النتاج لا يمكن ان يكون إلهيا ما لم يكن ملتصقا بالحقيقة والسمو. الفاسد خلقيا لا ينتج شعرا عظيما او قولا حلالا. علّمَنا الإغريق ألّا نفصل بين الحقيقة والخير والجمال. قلمك بديع ان كانت نفسك بديعة عندما تنتج. لذلك كان التأليف الجميل ثمرة التوبة او طريقا اليها. قد يكون فيك شوق الى البهاء الروحي فتضعه كلمات او تكون بعد تمزق ملت الى الله فتعبّر عن روحه بكلمات بشرية.

#           #

#

            السؤال الاخر الذي يطرحه الناس كثيرا: لمن تكتب؟ عندي جواب بسيط وجواب اكثر تعقيدا. اذا اتخذت موقف المعلم لفئة الصغار او فئة اكبر ولكنها ليست عظيمة الثقافة تضع الكلمات القادرة هذه الفئة ان تستوعبها اي يكون أسلوبك التربوي كثير الوضوح وتبسّط الكلمات والتركيب حتى الشفافية الكاملة الانك اخترت ان تكون مربيا او اختار لك ذلك وضعك. وتبقى مع ذلك عندك لعبة القلب والعقل فتبقى لك نفحات القلب ضمن تغليب العقل المربي. واذا لم يكن عندك قلب ملتهب لا ينفع عقلك في حال ولكنك تحاول تطويع الشعور للفكر بعد ان اخترت التبليغ رسالة لك.

            أما الشق الاكثر تعقيدا في السؤال فينشأ اذا اخترت نخبة من القراء وقدرت انك تستطيع ان تبلغهم ما شئت تبليغه. مع ذلك قيل لابي تمام: لماذا تكتب ما لا نفهم؟ أجاب لماذا لا تفهمون ما أكتب؟ هناك تمرين على البلاغة وعلى امتصاص الكلمة ان شئت على الا تفوت عن نفسك الجمالات.

            اما اذا أحس الكثيرون انهم لا يفهمون هذا مبدئيا يشعر ان الكثافة الوجدانية فيك بلغت مبلغا لا تقرب منها الكثافة الوجدانية عند بعض من قرائك. وقد يعثر بعض منهم على مفردات لا يعرفونها او على تركيب لجملك لم يألفوه. لذلك وضع العرب شروحا لدواوين كبار شعرائهم ظانين ان تحويل الشعر الى نثر يقرب القارئ من الفهم. عندي ان هذا يساعد قليلا لان الشارح ولو استطاع ان يوضح المفردات الا انه لا يستطيع ان ينقل لك الحالة الشعرية. لذلك كان السؤال الحقيقي: كيف تتقبل؟ هل تكون هيأت نفسك لدخول الحالة الشعورية عند من كَتب؟ هل صرت انت من طبيعة هذا الذي كتب؟

            الحقيقة ان الذي أبدع حقيقة كلامه لا يستطيع ان يخلق الجنين الذي فيه، فيأتي الكلام بلا افتعال ولا يكتب عند ذاك كمجرد معلم للأطفال او من كان تجاوز الطفولة الفكرية. يكتب لانه أحس ويرصف كلماته طاعة لما أوحي اليه ويعرف ان غير ذلك إسفاف. عند الوجدانيات العميقة لا يكتب الكاتب لجمهور محدد. ولكنه طبعا يتوخى التواصل بعد ان عجز ان يكبت ما في نفسه، فتأتي نفسه كما نحتها الله كتابة، ويبقى عند القراء ما يبقى وقد ترث قلة ما أعطيت وتنقله بأسلوبها للآخرين او تطلع الاجيال الآتية فتفهم.

            واحيانا يذهلك ان من نسمّيهم بسطاء يصلون الى عمق قصيدة او ما يشبه القصيدة لان قلوب هؤلاء تكون قد فتحت عقولهم لتتلقى، وكأن المسألة لم تبقَ مسألة فئوية اذ الاصطفاف ليس دائما اصطفاف كتل عقلية بل كتل روحية. ان ذلك سر لا نستطيع سبر غوره حقا.

            لذلك لك ان تصبح قادرا لتحسس نص يضعه مَن اختلف عنك بالمعتقد او بالمذهبية الشعرية او النثرية اذ يدق الموضوع والمرصوف باب فهمه وتنشأ وحدة بينك وبين قارئ يكون على الضفة الاخرى من المعتقد او المذهب الفني لان هناك عمقا واحدا عند المتحضرين او المؤمنين بالقيم العليا التي توحد نفوسهم والنص. هناك انصهار روحي مهيأ بين نفس الكاتب وإدراك القارئ، ذلك اذا كان النص على كثير من الوضوح عند من ألّف واذا كانت نفس القارئ على هذا الوضوح.

            انا من أتباع الوضوح اذ لا بد من جسر بينك كاتبا وبين من يقرأك اي اذا كان هناك بلورية مشتركة، لان الغموض لا يصل اذ لا بد من شيء من المعقولية لتخاطب القلوب ولا يكفي ان يرمي علينا الاديب انفعالاته لتبلغ نفس القارئ. المضمون المعقول يبلغ من وجب إبلاغه. هذا لا مفر منه اذا اعتقدت ان نفسك حاملة رسالة.

#               #

#

            الشيء الآخر الذي لا بد لي من قوله في هذا السياق ان الكاتب يجب ان تكون نفسه موحَّدة انا اقول مع ربها وقد اقول موحَّدة بالقيم. والذي لا يحيا هذه القيم او كانت نفسه معطوبة فليس عنده ان يعطي شيئا. يقدم ظاهر الكلام وألفاظا قد تكون جميلة على الصعيد الاستاطيقي ولكنها لا تقع جميلة في النفس فلا تجملها. واذا لم تستلم حلاوة داخلية لا يكون القائل حاملا هذه الحلاوة.

            سؤال آخر طرحته قديما على نفسي غير مرة وهو ما الفن؟ هل هو نتيجة تمزق داخلي او ألم، وهل الالم وحده ناطق ام للفرح ان يكون ناطقا؟ مررت طويلا بهذه المسألة حتى نبّهني احد ان المتصوفين عندنا وعند المسلمين اهل فرح بالله، وفهمت ان الله الذي في هؤلاء أعظم شاعر. الحلاج لم يكن ممزقا او متعبا. القديس سمعان اللاهوتي الحديث في بيزنطية لم يكن ممزقا ولا متعبا. واستطيع ان اذكر غير هذين ففهمت انه اذا كان من ألم داخلي عند شاعر فلا يستطيع ان ينتج شيئا عظيما الا اذا وضع نفسه في حالة الخروج من الالم. أفهم ان الالم يصدر عنه صرخات شعرية، ولكني اعرف ايضا ان الفرح يصدر عنه تنهدات تأتي من الاقتراب من الله وان كان لا بد من لعبة شعرية يلبسها فرحه. نبقى في السر الكامل.

            غير اني ابقى حزينا بعد أن أمست البشرية عندنا وعند الآخرين قليلة الإنتاج للشعر او ما يشبه الشعر وصارت مسطحة الإدراك للكلمة الوجدانية. هل نحن تحت تأثير الصورة وبتنا في حضارة الصورة وهل أغلق الكتاب؟ لا أفقد أملي بأن الكتاب لا يموت وان التكنولوجيا المصورة لن تسعدنا الى الابد. انا واثق ان الصورة التي تردنا وحدها لا تنقل الينا النفس المعذبة او النفس الفرحة وان الإنسانية بعد هذه السكرة لا بد لها ان تستيقظ لتتمتع بالكلمة الجميلة تلك الناقلة للحق، ذلك لان الصورة وحدها لا تحرر والحق يحرر.

            انا لست ضد الكتابة ان كانت غاية في التبسيط فهي لها منافع لاوساط كثيرة، ولكن الكلمة الملهمة اذا انبثقت عن الكيان الداخلي عميقة براقة فيها دائما تكليم وان الحقيقة التي في كل انسان متنور تتقبلها. من يعطيني ان  تكون مجموعات من البشر أفاض الله عليهم نورا قادرة ان تتحرك داخليا وان تسمو وتتطهّر.

            والقارئ الكبير يصير ما يقرأ، فإن قرأت ما هو عظيم تصبح بدورك ما انت قارئ. إن علماءنا في الاسكندرية في القرن الثالث للميلاد لما ابتغوا ان يشرحوا كلام المسيح: »انا خبز الحياة« قالوا انما هذا الخبز هو كلمة الحياة. سعيك اذًا ان تفتش عن كلمات  تحيا بها. هناك في البشر من له ان يعطي كلمة حياة اذا هو بلغها كائنا ما كانت طريقته في الاداء. قد يكون فقيرا في اللفظ ولكنه اذا تفوه بكلمة نارية تصبح فيك نارا ونورا.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

من هم عظماؤك؟ / السبت 23 حزيران ٢٠٠٧

كل منا له مثال يعظمه او يقتدي به لان كل إنسان له تصوّر للأعلى او للأسمى. فعظيمك الانسان الجميل او الغني او السياسي او المثقف او القديس. قل لي من عظيمك أقل لك من أنت. هذه هي طريقة لامتحان قلبك امام الحقيقة.

                 انا أفهم ان تحب الجمال. هذا شيء لا يحيد عنه الابرار اذا استقلّوا روحيا عن هذا العالم ولكنه مسعى باطل اذ لا تقدر كما قال السيد ان تزيد على قامتك ذراعا واحدة، ان تقصّر مثلا أنفك الضخم او ان تغيّر لون عينيك. لا تستطيع ان تقتدي بالآخر تشريحيا ولو اقتديت بالاناقة. حتى هذه لا  تُكتسب اكتسابا اذ تحتاج الى ذوق فيك. ثم ما يعني الجمال وما هي فائدته في العمق؟ اذا سحرت الصبية بذكاء مفرط او سمو خُلق تستغني عن فتنة جسدها. خذ مسافة من المنحوت البشري لانه ليس مكان لقاء حق. هذا سر الله في مخلوقاته وليس لك فيه شيء.

                 راقب إعجابك لان كل إعجاب التزام كما علّمني مرة بطريركي السيد اغناطيوس الرابع. ما تتأمّله اعرف مداه واحتشم في الكلام لان انفراط الكلمة يؤدي الى التفرّط بالعمل ودع الله وحده يسرّ بخلائقه.

                 بقوة هذا الخطر اغراء نفسيتك بالمال هذا الذي قال الله عنه انه ينافسه في الربوبية وقال فيه بولس مفسّرا: «محبة المال أصل كل الشرور». الاكتناز فرصة عشق والعشق له مكانة موقتة في نمونا العاطفي حتى ينتهي بالزواج. اما استمراره فمصدر اضطراب او خلل مقيم حتى يضربه الله بنعمة من عنده. هذه شهوة عدّها آباؤنا من الشهوات المؤذية. اذا أدركت سلطانك على المال وجعلته لا شيء في عينيك فتَدبَّر امره بمشاريع عظيمة او أغدقه بالإحسان. عندئذ يعظم في عينيك الكريم من اصحاب الثراء لان هذا يكون قد صار محبا ويكون قد تحرر من رؤية نفسه ذا كرامة خاصة.

                 انا ما قلت لك الا تجتهد لتحصيل الثروة بالطرق المشروعة. ولكن اذا لم يحصل هذا فتبقى على بهائك الروحي وعلى فهمك وتأكل خبزك بعرق جبينك وتكتفي بما تيسّر اي ما أتاك من يسر الله.

                 خشيتي من الوفرة لانها باب السلطة والسلطة طريق الى التسلط. اذ ذاك انت معبود. واذ ذاك اخشى عليك منافسة الله. خوفي ان تشتهي ان يتوسّلك الناس وان يتملّقوا حولك اشتهاء منهم لبعض مما عندك. عند ذاك لا يقيمون معك علاقة انسان بإنسان لانك قد صرت فرصة لشهوتهم وقطعت حقا علاقة القلب بالقلب.

                 في كل هذا اسهر على استقلالك عما بين يديك، عما تعطيه وما تأخذه واسعَ فقط الى انسكاب قلبك في قلوب الآخرين بالوداعة غير مقتحم أحدا تجد ميزانا لاستعمال المال. هذا يهديك الى العطاء والعطاء يزيدك محبة.

#          #

#

                 اما السياسة عندنا فهي، في واقعها، ويلة الويلات وان كان لا بد منها، وفي العالم اجمع هي كابوس على من يقوم بها ان كان مستقيما، وتجاورها اخطار كثيرة في الديموقراطيات اذا انحزب الناس ام لم ينحزبوا. ان يكون عندك سلطة وتمارسها بلا شهوة فأمر يكاد يكون مستحيلا. انا لست اقول ألا تتسيس ففي هذا خدمة للبلد، ولكن اعرف الا تدوس الناس وان تخاصم بشرف، بلا شتيمة ولا شماتة من اجل علو البلد ونقائه وقوته. قد لا يكون شيء فيه ترهب مثل النشاط السياسي. قد عرفنا ممن تبوأ أعلى سلطة في لبنان كادت طهارته تبلغ حد القداسة وفهم شعبنا في أويقات ان خدمة البلد في الإدارة والقضاء والجندية ممكنة نقاوتها. جل ما اوحي به اليك الا تتزلّف فالزلفى امام انسان آخر تقزّم. اجتنب هذا وكن مرفوع الرأس في دنياك اي مطأطئه امام الله وحده.

                 صعوبة المواطن العادي ان تقويمه للوضع السياسي يتطلّب معرفة كبيرة بما يجري وهذا لا يتوفّر الا لقلّة. والصعوبة الثانية في البلدان الصغيرة التأثّر بعوامل المنفعة الخاصة والطائفية وما اليها وهذا فيه بعض من خوف. وهذا ليس غريبا عن بلدان كبيرة. فعندما تتبّعت الانتخابات الرئاسية الاخيرة في فرنسا لاحظت ان عناصر كثيرة في الاختيار لم تكن دائما اسبابا سياسية واقتصادية وما اليها ولكن كان ثمة عناصر عاطفية كثيرة لا تمتّ الى الفحص السياسي بصلة.

                 كن في كل هذا داعية خير وداعية فهم وتحاب بين الطوائف وأقرب الى الوفاق ولو كان في الوفاق بعض من تسويات تخسر انت فيها ونحن لا نعرف دائما الاقْوَم اذ السياسة في الاخير تجربة وان باتت ضمن الاخلاق. تحصن بهذه واعرف وفي بلدنا لا تتبع الذي يقوم لك بخدمة شخصية فله فيها حسابات، ولكن انتصر لمن اختبرته محبا للبلد ساعيا اولا الى وحدته. من هنا انك تستطيع بما هو ممكن ان تستقل عن الدوافع العاطفية ليبقى ميزانك صحيحا.

                 واذا علمت ان معرفتك بهذا الزعيم او ذاك خيبتك فليكن لك خيار آخر وليس في التغيير عيب لاني اقول لك ايضا اننا في السياسة في عالم التجربة. هذا يذكرني بما قلته لقسس بريطانيين جمعني بهم مؤتمر ديني عندهم منذ ستين سنة. قلت لهم لماذا تعدون الشعوب بخيارات لكم وتغيّرون مواقفكم؟ قالوا نحن لا نكذب ولكنا نجرب واذا اخفقت التجربة نحاول أخرى. انا افهم هذا الموقف في لبنان فلا تتحزب بسبب من علاقاتك او عائلتك او طائفتك او كتلة كنت فيها، ولكن حصّل ما استطعت من الوعي الوطني واختر ودقّق في حسن اختيارك فترة بعد فترة ولا تعشق اي زعيم بعمى حتى يتبين لك الخيط الابيض من الخيط الاسود.

                 فوق الجميل والغني والسياسي نموذج المثقف عملا بقول الإمام علي: الفهم، الفهم. فقلّة التحصيل سبب لخلل في السلوك والخيارات والعصبيات. كان برغسون الفيلسوف الفرنسي يقول انت لا تستطيع ان تعرف لغة وتبغض شعبها. فالمعرفة تذيقك جمالات العقل وغنى الحضارات، وكلما عظمت تزيدك إحاطة بالكون كله فيستقيم ميزان القيم عندك فتتحوّل الثقافة الى قدرة في دنياك وربما كشفت لك عظمة الله وتجعل لك ذوقا رهيفا وغالبا ما قادتك الى تهذيب كلامك واستقامة تعاطيك وتبطل عندك الكسل. انها ليست كثرة معارف. هي تنوّع في المعارف ينزل الى القلب وكثيرا ما طهرت الاخلاق، فالمثقف الكبير لا يكذب لابتغائه الموضوعية ولا يتحزّب لنفسه في النقاش ويُسلم للحقيقة اذا انكشفت.

                 احيانا يتفاخر المتعلّم بعلمه ولكن الشائع ان المثقفين متواضعون ليقينهم بأن علومهم اكتسبوها من الاسلاف وقد بنوا شخصيّتهم بتعب كبير. وما من شك ان الجهل مؤذٍ ولا يعوّض عنه الا البر العظيم.

                 هذا يقودني الى قناعة لا تتزعزع ان اعظم البشر هم القديسون وهم قلة عزيزة. انها قداسة الله فيهم. فاذا تشبهت بهم تصبح منذ الآن انسانا من الملكوت. ان تقهر شهواتك المضرة في دنياك هو إعلان السماء انك صعدت اليها. هو فرح الله بك ليقود خطاك على الدرجات العلى من السمو. الكون يحفظه الابرار كما يوحي بذلك الكتاب الإلهي.

                 هذه الدنيا المتعثرة خطاها، الرازحة تحت خطاياها لا ينقذها الا الطاهرون وهؤلاء لا يزحزحهم إغراء مهما عظم ولا يتعصّبون لمخلوق ويهمهم فقط ان يجيئوا في كل قرار لهم من كلمة الله. هؤلاء وحدهم يعرفون كيف يتصرفون بالمال والسياسة والثقافة وكل مجال من مجالات الوجود. وهم احرار من الغنى اذا كان لهم ومن الفقر اذا كان نصيبهم ولا يفرحهم العلم، وان اضطروا الى معاملة السلاطين فلا يحابونهم وقد يوبخونهم او يلومون باتضاع. انهم ليسوا خارج هذا العالم اذ يأكلون ويشربون ويلبسون ولكن لهذه كلها صلة بقلوبهم.

                 انهم يحبون حرية الناس جميعا بلا تفريق مذهبي ويسعون الى الحق كائنا ما كان قائله ويرون خيرا كثيرا في كل الديانات ويعترفون بذلك بلا وجل، وسرهم العميق ان لا  حد لمحبتهم ولا تمييز لهم بين انسان وانسان في الحب، فاذا جعلتهم نماذج لك ذكرهم وحده ينقذك من الضلال لأن دأبهم ان يجعلوا الله في عقلك ونفسك والخيارات. واذا انشددت اليهم تنشد الى كيانك العميق حيث يتكلم الله ويحيي.

                 واذا جئت من هذا النموذج بعد اهتداء تكتسب حرية الحق، وبعد الهدى لك ان تنصرف الى العلم الكثير والى شيء من البحبوحة ان شئتها والى نشاط وطني حلال وخلاق. القداسة وحدها جمال الانسان في دنياه وآخرته.

كل منا له مثال يعظمه او يقتدي به لان كل إنسان له تصوّر للأعلى او للأسمى. فعظيمك الانسان الجميل او الغني او السياسي او المثقف او القديس. قل لي من عظيمك أقل لك من أنت. هذه هي طريقة لامتحان قلبك امام الحقيقة.

                 انا أفهم ان تحب الجمال. هذا شيء لا يحيد عنه الابرار اذا استقلّوا روحيا عن هذا العالم ولكنه مسعى باطل اذ لا تقدر كما قال السيد ان تزيد على قامتك ذراعا واحدة، ان تقصّر مثلا أنفك الضخم او ان تغيّر لون عينيك. لا تستطيع ان تقتدي بالآخر تشريحيا ولو اقتديت بالاناقة. حتى هذه لا  تُكتسب اكتسابا اذ تحتاج الى ذوق فيك. ثم ما يعني الجمال وما هي فائدته في العمق؟ اذا سحرت الصبية بذكاء مفرط او سمو خُلق تستغني عن فتنة جسدها. خذ مسافة من المنحوت البشري لانه ليس مكان لقاء حق. هذا سر الله في مخلوقاته وليس لك فيه شيء.

                 راقب إعجابك لان كل إعجاب التزام كما علّمني مرة بطريركي السيد اغناطيوس الرابع. ما تتأمّله اعرف مداه واحتشم في الكلام لان انفراط الكلمة يؤدي الى التفرّط بالعمل ودع الله وحده يسرّ بخلائقه.

                 بقوة هذا الخطر اغراء نفسيتك بالمال هذا الذي قال الله عنه انه ينافسه في الربوبية وقال فيه بولس مفسّرا: «محبة المال أصل كل الشرور». الاكتناز فرصة عشق والعشق له مكانة موقتة في نمونا العاطفي حتى ينتهي بالزواج. اما استمراره فمصدر اضطراب او خلل مقيم حتى يضربه الله بنعمة من عنده. هذه شهوة عدّها آباؤنا من الشهوات المؤذية. اذا أدركت سلطانك على المال وجعلته لا شيء في عينيك فتَدبَّر امره بمشاريع عظيمة او أغدقه بالإحسان. عندئذ يعظم في عينيك الكريم من اصحاب الثراء لان هذا يكون قد صار محبا ويكون قد تحرر من رؤية نفسه ذا كرامة خاصة.

                 انا ما قلت لك الا تجتهد لتحصيل الثروة بالطرق المشروعة. ولكن اذا لم يحصل هذا فتبقى على بهائك الروحي وعلى فهمك وتأكل خبزك بعرق جبينك وتكتفي بما تيسّر اي ما أتاك من يسر الله.

                 خشيتي من الوفرة لانها باب السلطة والسلطة طريق الى التسلط. اذ ذاك انت معبود. واذ ذاك اخشى عليك منافسة الله. خوفي ان تشتهي ان يتوسّلك الناس وان يتملّقوا حولك اشتهاء منهم لبعض مما عندك. عند ذاك لا يقيمون معك علاقة انسان بإنسان لانك قد صرت فرصة لشهوتهم وقطعت حقا علاقة القلب بالقلب.

                 في كل هذا اسهر على استقلالك عما بين يديك، عما تعطيه وما تأخذه واسعَ فقط الى انسكاب قلبك في قلوب الآخرين بالوداعة غير مقتحم أحدا تجد ميزانا لاستعمال المال. هذا يهديك الى العطاء والعطاء يزيدك محبة.

#          #

#

                 اما السياسة عندنا فهي، في واقعها، ويلة الويلات وان كان لا بد منها، وفي العالم اجمع هي كابوس على من يقوم بها ان كان مستقيما، وتجاورها اخطار كثيرة في الديموقراطيات اذا انحزب الناس ام لم ينحزبوا. ان يكون عندك سلطة وتمارسها بلا شهوة فأمر يكاد يكون مستحيلا. انا لست اقول ألا تتسيس ففي هذا خدمة للبلد، ولكن اعرف الا تدوس الناس وان تخاصم بشرف، بلا شتيمة ولا شماتة من اجل علو البلد ونقائه وقوته. قد لا يكون شيء فيه ترهب مثل النشاط السياسي. قد عرفنا ممن تبوأ أعلى سلطة في لبنان كادت طهارته تبلغ حد القداسة وفهم شعبنا في أويقات ان خدمة البلد في الإدارة والقضاء والجندية ممكنة نقاوتها. جل ما اوحي به اليك الا تتزلّف فالزلفى امام انسان آخر تقزّم. اجتنب هذا وكن مرفوع الرأس في دنياك اي مطأطئه امام الله وحده.

                 صعوبة المواطن العادي ان تقويمه للوضع السياسي يتطلّب معرفة كبيرة بما يجري وهذا لا يتوفّر الا لقلّة. والصعوبة الثانية في البلدان الصغيرة التأثّر بعوامل المنفعة الخاصة والطائفية وما اليها وهذا فيه بعض من خوف. وهذا ليس غريبا عن بلدان كبيرة. فعندما تتبّعت الانتخابات الرئاسية الاخيرة في فرنسا لاحظت ان عناصر كثيرة في الاختيار لم تكن دائما اسبابا سياسية واقتصادية وما اليها ولكن كان ثمة عناصر عاطفية كثيرة لا تمتّ الى الفحص السياسي بصلة.

                 كن في كل هذا داعية خير وداعية فهم وتحاب بين الطوائف وأقرب الى الوفاق ولو كان في الوفاق بعض من تسويات تخسر انت فيها ونحن لا نعرف دائما الاقْوَم اذ السياسة في الاخير تجربة وان باتت ضمن الاخلاق. تحصن بهذه واعرف وفي بلدنا لا تتبع الذي يقوم لك بخدمة شخصية فله فيها حسابات، ولكن انتصر لمن اختبرته محبا للبلد ساعيا اولا الى وحدته. من هنا انك تستطيع بما هو ممكن ان تستقل عن الدوافع العاطفية ليبقى ميزانك صحيحا.

                 واذا علمت ان معرفتك بهذا الزعيم او ذاك خيبتك فليكن لك خيار آخر وليس في التغيير عيب لاني اقول لك ايضا اننا في السياسة في عالم التجربة. هذا يذكرني بما قلته لقسس بريطانيين جمعني بهم مؤتمر ديني عندهم منذ ستين سنة. قلت لهم لماذا تعدون الشعوب بخيارات لكم وتغيّرون مواقفكم؟ قالوا نحن لا نكذب ولكنا نجرب واذا اخفقت التجربة نحاول أخرى. انا افهم هذا الموقف في لبنان فلا تتحزب بسبب من علاقاتك او عائلتك او طائفتك او كتلة كنت فيها، ولكن حصّل ما استطعت من الوعي الوطني واختر ودقّق في حسن اختيارك فترة بعد فترة ولا تعشق اي زعيم بعمى حتى يتبين لك الخيط الابيض من الخيط الاسود.

                 فوق الجميل والغني والسياسي نموذج المثقف عملا بقول الإمام علي: الفهم، الفهم. فقلّة التحصيل سبب لخلل في السلوك والخيارات والعصبيات. كان برغسون الفيلسوف الفرنسي يقول انت لا تستطيع ان تعرف لغة وتبغض شعبها. فالمعرفة تذيقك جمالات العقل وغنى الحضارات، وكلما عظمت تزيدك إحاطة بالكون كله فيستقيم ميزان القيم عندك فتتحوّل الثقافة الى قدرة في دنياك وربما كشفت لك عظمة الله وتجعل لك ذوقا رهيفا وغالبا ما قادتك الى تهذيب كلامك واستقامة تعاطيك وتبطل عندك الكسل. انها ليست كثرة معارف. هي تنوّع في المعارف ينزل الى القلب وكثيرا ما طهرت الاخلاق، فالمثقف الكبير لا يكذب لابتغائه الموضوعية ولا يتحزّب لنفسه في النقاش ويُسلم للحقيقة اذا انكشفت.

                 احيانا يتفاخر المتعلّم بعلمه ولكن الشائع ان المثقفين متواضعون ليقينهم بأن علومهم اكتسبوها من الاسلاف وقد بنوا شخصيّتهم بتعب كبير. وما من شك ان الجهل مؤذٍ ولا يعوّض عنه الا البر العظيم.

                 هذا يقودني الى قناعة لا تتزعزع ان اعظم البشر هم القديسون وهم قلة عزيزة. انها قداسة الله فيهم. فاذا تشبهت بهم تصبح منذ الآن انسانا من الملكوت. ان تقهر شهواتك المضرة في دنياك هو إعلان السماء انك صعدت اليها. هو فرح الله بك ليقود خطاك على الدرجات العلى من السمو. الكون يحفظه الابرار كما يوحي بذلك الكتاب الإلهي.

                 هذه الدنيا المتعثرة خطاها، الرازحة تحت خطاياها لا ينقذها الا الطاهرون وهؤلاء لا يزحزحهم إغراء مهما عظم ولا يتعصّبون لمخلوق ويهمهم فقط ان يجيئوا في كل قرار لهم من كلمة الله. هؤلاء وحدهم يعرفون كيف يتصرفون بالمال والسياسة والثقافة وكل مجال من مجالات الوجود. وهم احرار من الغنى اذا كان لهم ومن الفقر اذا كان نصيبهم ولا يفرحهم العلم، وان اضطروا الى معاملة السلاطين فلا يحابونهم وقد يوبخونهم او يلومون باتضاع. انهم ليسوا خارج هذا العالم اذ يأكلون ويشربون ويلبسون ولكن لهذه كلها صلة بقلوبهم.

                 انهم يحبون حرية الناس جميعا بلا تفريق مذهبي ويسعون الى الحق كائنا ما كان قائله ويرون خيرا كثيرا في كل الديانات ويعترفون بذلك بلا وجل، وسرهم العميق ان لا  حد لمحبتهم ولا تمييز لهم بين انسان وانسان في الحب، فاذا جعلتهم نماذج لك ذكرهم وحده ينقذك من الضلال لأن دأبهم ان يجعلوا الله في عقلك ونفسك والخيارات. واذا انشددت اليهم تنشد الى كيانك العميق حيث يتكلم الله ويحيي.

                 واذا جئت من هذا النموذج بعد اهتداء تكتسب حرية الحق، وبعد الهدى لك ان تنصرف الى العلم الكثير والى شيء من البحبوحة ان شئتها والى نشاط وطني حلال وخلاق. القداسة وحدها جمال الانسان في دنياه وآخرته.

كل منا له مثال يعظمه او يقتدي به لان كل إنسان له تصوّر للأعلى او للأسمى. فعظيمك الانسان الجميل او الغني او السياسي او المثقف او القديس. قل لي من عظيمك أقل لك من أنت. هذه هي طريقة لامتحان قلبك امام الحقيقة.

                 انا أفهم ان تحب الجمال. هذا شيء لا يحيد عنه الابرار اذا استقلّوا روحيا عن هذا العالم ولكنه مسعى باطل اذ لا تقدر كما قال السيد ان تزيد على قامتك ذراعا واحدة، ان تقصّر مثلا أنفك الضخم او ان تغيّر لون عينيك. لا تستطيع ان تقتدي بالآخر تشريحيا ولو اقتديت بالاناقة. حتى هذه لا  تُكتسب اكتسابا اذ تحتاج الى ذوق فيك. ثم ما يعني الجمال وما هي فائدته في العمق؟ اذا سحرت الصبية بذكاء مفرط او سمو خُلق تستغني عن فتنة جسدها. خذ مسافة من المنحوت البشري لانه ليس مكان لقاء حق. هذا سر الله في مخلوقاته وليس لك فيه شيء.

                 راقب إعجابك لان كل إعجاب التزام كما علّمني مرة بطريركي السيد اغناطيوس الرابع. ما تتأمّله اعرف مداه واحتشم في الكلام لان انفراط الكلمة يؤدي الى التفرّط بالعمل ودع الله وحده يسرّ بخلائقه.

                 بقوة هذا الخطر اغراء نفسيتك بالمال هذا الذي قال الله عنه انه ينافسه في الربوبية وقال فيه بولس مفسّرا: «محبة المال أصل كل الشرور». الاكتناز فرصة عشق والعشق له مكانة موقتة في نمونا العاطفي حتى ينتهي بالزواج. اما استمراره فمصدر اضطراب او خلل مقيم حتى يضربه الله بنعمة من عنده. هذه شهوة عدّها آباؤنا من الشهوات المؤذية. اذا أدركت سلطانك على المال وجعلته لا شيء في عينيك فتَدبَّر امره بمشاريع عظيمة او أغدقه بالإحسان. عندئذ يعظم في عينيك الكريم من اصحاب الثراء لان هذا يكون قد صار محبا ويكون قد تحرر من رؤية نفسه ذا كرامة خاصة.

                 انا ما قلت لك الا تجتهد لتحصيل الثروة بالطرق المشروعة. ولكن اذا لم يحصل هذا فتبقى على بهائك الروحي وعلى فهمك وتأكل خبزك بعرق جبينك وتكتفي بما تيسّر اي ما أتاك من يسر الله.

                 خشيتي من الوفرة لانها باب السلطة والسلطة طريق الى التسلط. اذ ذاك انت معبود. واذ ذاك اخشى عليك منافسة الله. خوفي ان تشتهي ان يتوسّلك الناس وان يتملّقوا حولك اشتهاء منهم لبعض مما عندك. عند ذاك لا يقيمون معك علاقة انسان بإنسان لانك قد صرت فرصة لشهوتهم وقطعت حقا علاقة القلب بالقلب.

                 في كل هذا اسهر على استقلالك عما بين يديك، عما تعطيه وما تأخذه واسعَ فقط الى انسكاب قلبك في قلوب الآخرين بالوداعة غير مقتحم أحدا تجد ميزانا لاستعمال المال. هذا يهديك الى العطاء والعطاء يزيدك محبة.

#          #

#

                 اما السياسة عندنا فهي، في واقعها، ويلة الويلات وان كان لا بد منها، وفي العالم اجمع هي كابوس على من يقوم بها ان كان مستقيما، وتجاورها اخطار كثيرة في الديموقراطيات اذا انحزب الناس ام لم ينحزبوا. ان يكون عندك سلطة وتمارسها بلا شهوة فأمر يكاد يكون مستحيلا. انا لست اقول ألا تتسيس ففي هذا خدمة للبلد، ولكن اعرف الا تدوس الناس وان تخاصم بشرف، بلا شتيمة ولا شماتة من اجل علو البلد ونقائه وقوته. قد لا يكون شيء فيه ترهب مثل النشاط السياسي. قد عرفنا ممن تبوأ أعلى سلطة في لبنان كادت طهارته تبلغ حد القداسة وفهم شعبنا في أويقات ان خدمة البلد في الإدارة والقضاء والجندية ممكنة نقاوتها. جل ما اوحي به اليك الا تتزلّف فالزلفى امام انسان آخر تقزّم. اجتنب هذا وكن مرفوع الرأس في دنياك اي مطأطئه امام الله وحده.

                 صعوبة المواطن العادي ان تقويمه للوضع السياسي يتطلّب معرفة كبيرة بما يجري وهذا لا يتوفّر الا لقلّة. والصعوبة الثانية في البلدان الصغيرة التأثّر بعوامل المنفعة الخاصة والطائفية وما اليها وهذا فيه بعض من خوف. وهذا ليس غريبا عن بلدان كبيرة. فعندما تتبّعت الانتخابات الرئاسية الاخيرة في فرنسا لاحظت ان عناصر كثيرة في الاختيار لم تكن دائما اسبابا سياسية واقتصادية وما اليها ولكن كان ثمة عناصر عاطفية كثيرة لا تمتّ الى الفحص السياسي بصلة.

                 كن في كل هذا داعية خير وداعية فهم وتحاب بين الطوائف وأقرب الى الوفاق ولو كان في الوفاق بعض من تسويات تخسر انت فيها ونحن لا نعرف دائما الاقْوَم اذ السياسة في الاخير تجربة وان باتت ضمن الاخلاق. تحصن بهذه واعرف وفي بلدنا لا تتبع الذي يقوم لك بخدمة شخصية فله فيها حسابات، ولكن انتصر لمن اختبرته محبا للبلد ساعيا اولا الى وحدته. من هنا انك تستطيع بما هو ممكن ان تستقل عن الدوافع العاطفية ليبقى ميزانك صحيحا.

                 واذا علمت ان معرفتك بهذا الزعيم او ذاك خيبتك فليكن لك خيار آخر وليس في التغيير عيب لاني اقول لك ايضا اننا في السياسة في عالم التجربة. هذا يذكرني بما قلته لقسس بريطانيين جمعني بهم مؤتمر ديني عندهم منذ ستين سنة. قلت لهم لماذا تعدون الشعوب بخيارات لكم وتغيّرون مواقفكم؟ قالوا نحن لا نكذب ولكنا نجرب واذا اخفقت التجربة نحاول أخرى. انا افهم هذا الموقف في لبنان فلا تتحزب بسبب من علاقاتك او عائلتك او طائفتك او كتلة كنت فيها، ولكن حصّل ما استطعت من الوعي الوطني واختر ودقّق في حسن اختيارك فترة بعد فترة ولا تعشق اي زعيم بعمى حتى يتبين لك الخيط الابيض من الخيط الاسود.

                 فوق الجميل والغني والسياسي نموذج المثقف عملا بقول الإمام علي: الفهم، الفهم. فقلّة التحصيل سبب لخلل في السلوك والخيارات والعصبيات. كان برغسون الفيلسوف الفرنسي يقول انت لا تستطيع ان تعرف لغة وتبغض شعبها. فالمعرفة تذيقك جمالات العقل وغنى الحضارات، وكلما عظمت تزيدك إحاطة بالكون كله فيستقيم ميزان القيم عندك فتتحوّل الثقافة الى قدرة في دنياك وربما كشفت لك عظمة الله وتجعل لك ذوقا رهيفا وغالبا ما قادتك الى تهذيب كلامك واستقامة تعاطيك وتبطل عندك الكسل. انها ليست كثرة معارف. هي تنوّع في المعارف ينزل الى القلب وكثيرا ما طهرت الاخلاق، فالمثقف الكبير لا يكذب لابتغائه الموضوعية ولا يتحزّب لنفسه في النقاش ويُسلم للحقيقة اذا انكشفت.

                 احيانا يتفاخر المتعلّم بعلمه ولكن الشائع ان المثقفين متواضعون ليقينهم بأن علومهم اكتسبوها من الاسلاف وقد بنوا شخصيّتهم بتعب كبير. وما من شك ان الجهل مؤذٍ ولا يعوّض عنه الا البر العظيم.

                 هذا يقودني الى قناعة لا تتزعزع ان اعظم البشر هم القديسون وهم قلة عزيزة. انها قداسة الله فيهم. فاذا تشبهت بهم تصبح منذ الآن انسانا من الملكوت. ان تقهر شهواتك المضرة في دنياك هو إعلان السماء انك صعدت اليها. هو فرح الله بك ليقود خطاك على الدرجات العلى من السمو. الكون يحفظه الابرار كما يوحي بذلك الكتاب الإلهي.

                 هذه الدنيا المتعثرة خطاها، الرازحة تحت خطاياها لا ينقذها الا الطاهرون وهؤلاء لا يزحزحهم إغراء مهما عظم ولا يتعصّبون لمخلوق ويهمهم فقط ان يجيئوا في كل قرار لهم من كلمة الله. هؤلاء وحدهم يعرفون كيف يتصرفون بالمال والسياسة والثقافة وكل مجال من مجالات الوجود. وهم احرار من الغنى اذا كان لهم ومن الفقر اذا كان نصيبهم ولا يفرحهم العلم، وان اضطروا الى معاملة السلاطين فلا يحابونهم وقد يوبخونهم او يلومون باتضاع. انهم ليسوا خارج هذا العالم اذ يأكلون ويشربون ويلبسون ولكن لهذه كلها صلة بقلوبهم.

                 انهم يحبون حرية الناس جميعا بلا تفريق مذهبي ويسعون الى الحق كائنا ما كان قائله ويرون خيرا كثيرا في كل الديانات ويعترفون بذلك بلا وجل، وسرهم العميق ان لا  حد لمحبتهم ولا تمييز لهم بين انسان وانسان في الحب، فاذا جعلتهم نماذج لك ذكرهم وحده ينقذك من الضلال لأن دأبهم ان يجعلوا الله في عقلك ونفسك والخيارات. واذا انشددت اليهم تنشد الى كيانك العميق حيث يتكلم الله ويحيي.

                 واذا جئت من هذا النموذج بعد اهتداء تكتسب حرية الحق، وبعد الهدى لك ان تنصرف الى العلم الكثير والى شيء من البحبوحة ان شئتها والى نشاط وطني حلال وخلاق. القداسة وحدها جمال الانسان في دنياه وآخرته.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

لبنان الرجاء / السبت ١٦ حزيران ٢٠٠٧

                     لبنان الأبيض كما يعني اسمه في اللغات الشرقية يلبسونه السواد لتتغيّر حقيقته. من يضع المتفجّرات؟ انه مرجع واحد لا ريب في ذلك وليس مرجحا ان نعرفه واذا كان هاما لن نبوح باسمه ولا سيما ان التحقيق سري وبين التحقيق والمحاكمات يمضي وقت طويل. والوتيرة التي تمت فيها التفجيرات الأخيرة تنبئ بأن ثمة خطة موضوعة لمعاقبة هذا البلد وإضعافه ليسكت ولدفع ابنائه الى الهجرة. شيء ما يزعج بعضا في وجود هذا البلد وفي تمتّعه بالحرية وتلاقي أطيافه على السلام. ولن يعرف ذوونا القتلة. هذه حرقة في النفوس يريدها المجرمون لأن من شأنها زرع الخوف وإشاعة الفقر وشل الحركة الاقتصادية وتاليا اليأس من محاولات الوفاق الوطني الذي نبتغيه وربما أمل الفتنة بين الكتل السياسية المتخاصمة او بين طوائف.

                     هذا يذكّرني بالكتاب العظيم الذي وضعه السفير الصديق عادل اسماعيل عن الوثائق الدبلوماسية التي كانت تصدر لقناصل الدول منذ بضعة قرون الى عواصم بلادهم وقد أثبت المؤلف ان اهل البلد لم يزرعوا الفتنة مرة فيما بينهم وان الأجانب كانوا دوما يضعونها. لست أعلم اذا تغيّر المشهد الآن ولكن عندنا على الأقل التأكيد الجازم الا تقوم فتنة بين الشيعة والسنة والقناعة على ان المسيحيين لن يباشروا بالقتال بعد ان ضعفت شكيمتهم في حروب متتالية وانهم مصممون على ملازمة لبنان وفيه يجدون فرحهم.

                     الشدة الكبرى عند كل لبناني انه غير محفوظ وانه مرشح للموت في كل حين. لذلك صار يغلق محله باكرا ويلغي أحيانا سهراته ليحل محل ذلك القلق الدائم على نفسه وعلى اولاده بما يحمل ذلك من هزات نفسية وتمزقات داخلية تقود الى الاتهامات وضعف الثقة بعودة السلام. الناس باتوا كلهم على المحك وعلى اننا مسيّرون بقدر أعمى وأخطر ما فيه عدم الفهم وعدم المعنى لضعف الايمان بالانفراج.

                     انه لمن الصعوبات الكبرى ان تحس ان بلدك مستهدف وانك انت شخصيا معرض للموت وكذلك أولادك. السؤال المرعب الذي سمعته الأسبوع الماضي في برنامج «كلام الناس» هو سؤال نسيبة ضابط ذبحه واحد من »فتح الإسلام« لماذا قتل نسيبي؟ كيف تعالج غشاوة على القلب وضعها مجرم مأجورا كان ام غير مأجور؟ هل يعرف هذا المرتكب قيمة الرباط العائلي عند قتيله؟ هل تنسحب الانسانية من الإنسان الى هذا الحد؟ هذه كلها اسئلة تقلقني وأحاول ضبط نفسي وكبت دموعي.

                     أظن ان المجرمين في هذه الأحوال عندهم قدر من علم النفس ويعلمون نتائج ما يفعلون ويبتغون اكل البلد بالتفتيت والتشرذم عله لا تقوم له قائمة. وهذا يسليهم حتى يأخذهم الطوفان هم ايضا. هذا هو انتقام الله.

#            #

#

                     يبدو اليوم ان ثمة حلولا سياسية في الآفاق او تمهيدا لحلول. ليس في الحياة السياسية ما يمكن تأكيده. لكن اذا سرنا الى شيء من الهدوء السياسي لا بد ان يترجم هذا هدأة امنية. الناس تعبوا أصلا من التخاصم بكل ألوانه ولكن اذا سرنا الى بعض من سلام نرجو ان يلقى شعبنا شيئا من الرجاء وألّا يخنقه يأس من مصير البلد ليلازمه ويجد راحة لنفسه. والله معطي الرجاء ولا بد ان يقوي ضعاف النفوس فيحسوا انهم غير متروكين وان الرحمة تأخذنا والدفء يعود الى عائلات بذهاب الخوف.

                     مررنا بتجارب كثيرة وبآلام رهيبة وأحسسنا ان كل رياح الأرض تذهب بنا وما فهمنا لماذا نحن موضع غضب او موضع بغض. هل الله معاقبنا ام ان الاشرار المنتشرين في الأرض هم المعاقبون. أفهم ان ترتجف القلوب ولكن شيئا لا يؤذي الإنسان مثل الخوف. »نجّنا يا الله من الدماء، يا إله الخلاص«. نجّنا من غرق البلد وتحطيمه البطيء والمبرمج. نحن نشتهي فقط ان ينطوي الشر، ان تعود الأفاعي الى أوكارها. نرجو الا ينكسر قلب ولا عظم والا تسيل قطرة دم وألا تدمع عين حتى نهنأ قليلا قبل ان نموت بهذا البلد الطيب السمح وبالأحبة اذا نجوا.

                     نرجو ألا تبقى بيروت «تبكي بكاء في الليل… أعداؤها مطمئنون… اسمع اني أتنهّد فليس من يعزيني» (مراثي ارمياء). بعد هذا النحيب الفاجع يقول النبي: «مراحم الرب لم تنتهِ لأن رأفته لا تزول… ثم يقول: «قالت نفسي: الرب نصيبي فلذلك أرجوه». الرب صالح للذين ينتظرونه». تنزه المراثي عن النبذ الإلهي ولكن صاحبها يتوجع في المرثاة الرابعة ويقول: «الأطفال طلبوا خبزا ولم يكن من يكسره لهم حتى قال ما يشبه حالتنا في لبنان: «كلّت عيوننا من ترقب نصرة باطلة». اما نحن فلنا نصرة هنا وثمة وارجو ان يتعاطى الزعماء السياسيون بلا ذل. الغرباء يعرفون ان البلد يشرف على الهاوية ولكن الغريب لا يستطيع ان يكون مدبرا لنا في غياب وحدتنا وتناقض الخيارات.

                     وينهي ارميا مرثاته الرابعة فيقول: «أنت يا رب ثابت للأبد وعرشك من جيل الى جيل ويبقى في الرجاء».

                     شيوخنا والكهول على عادتهم الموروثة في هذا البلد المؤمن يقيمون على الرجاء. نرجو ان يأتي اليه شبابنا التشبث بالأرض. لو لم يكن للبنان رسالة لما قلت لأحد هذا. فالتراب والزهر والشجر والحجر في كل مكان ولك ان تجوب الأرض حرا. ولكني اعتقد ان لنا في اجتماعنا دعوة الى سلام كل الشعوب والى تنوع المواهب فيها وتلاقي المواهب. ربما كان لكل طائفة خصوصية قائمة على بعض المزايا وتجمع الخصوصيات يصنع لبنان.

                     غير ان الرجاء الى الله يلقي علينا مسؤولية الصبر اذا طال العذاب والصبر ليس استكانة بسبب من هزيمة. فقد اوضح المفهوم بولس: «بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء» (رومية ٤:١٥) وبعد هذا توا يتكلّم على إله الصبر. انه اذًآ لفضيلة نازلة علينا من فوق وليس بمجرد جهد بشري. وعندما تنزل الهبة يعضدنا الرب لنكمل النفس بكل عمل صالح. ان الصابرين على هذا النحو هم  الذين يشددون الأمة حتى لا نقع جميعا.

                     فاذا رأيت فاجعة حريق ودمار على الشاشة فادعُ دعاءً حارًا من اجل الضحايا وذويهم وامنع عن نفسك الحزن الشديد لأنه يدمر النفس ولو كان لك بعض من الحسرات. ربما استطعت ان تحلل سياسيا ولكن يزداد التحليل صعوبة وهو يتطلّب مراسا طويلا وقد دنا المراس من الاختصاص.

                     اجعل نفسك في حالة الهدوء العلوي لئلا تنهار مع الضعاف واعلم ان صبرك يقوي ايمانك اذ تعترف فيه بقدرة الله على إنقاذ لبنان والشعوب الفقيرة المضطهدة. في الحقيقة لكل شعب وجعه ونصلي من اجل السلام فيها جميعا لأن في هذا خير الانسانية كلها. ربما عززت آلامنا منذ ثلاثين سنة تعلقنا بالوطن. هذا التعلّق الشديد هو الذي يبعد الأعداء ويجعلهم يعقلون على اننا لا نؤتي أحدا أذية اولا لأن ليس عندنا وسائل الأذى وثانيا لأننا على أخطائنا الكثيرة لا نعرف الكراهية.

                     ان رغبتنا الحقيقية، شعبا واحدا، ان نسالم حسب طاقتنا جميع الناس. نصبر في الضيق عسى الله يلهم مضايقينا ليتوبوا فيرتفعوا في حضرة ربهم. ونبقى غير غاضبين. ويساعدنا على هذا قرارنا ان نلازم السلام والطهارة ونظل حارين في الروح، عابدين الرب، نبارك ولا نلعن حتى يفهم الغبي ويرعوي.

                     أظن ان جميع الفرقاء عندنا تعبوا وانهم يسعون الى كلمة سواء على أمل ان يسود العقل ويطمئن الواحد الى الآخر بسبب من ثقة نرجو ان تستعاد لنفهم للمرة الأخيرة اننا في حاجة بعضنا الى بعض واننا نتوق ان نصير جماعة واحدة بالغفران والمحبة.

                     لقد حان وقت اليقظة. اذ ذاك نسلك بلياقة كما في النهار. ارجو ان يكون الليل قد تناهى كما يقول الكتاب وتقارب النهار. دعائي ان نصير جميعا أبناء النهار بقوة واحدة وان نرى الجمالات الروحية عند الاخرين لنتمكن من رسم لوحة واحدة للوطن فنقبل خصائص الغير ومواهبه والعظام في حياة الروح متقاربة مواهبهم.

                     اذ ذاك تقوى لغة القلب على لغة السياسة المتفذلكة ونسلك تلك السياسة التي عرّفها أرسطو على أنها تدبير المدينة الواحدة من قبل الأحرار. رجائي الا يكون بيننا عبيد لهؤلاء عند أبي الفلسفة اليونانية لا يحق لهم ان يشتركوا في الحكم. الحر حر حتى ينسجم مع الحر الآخر ليرتفعا معا الى قدسية السياسة الكبرى التي هي في نهاية محبة نازلة من عند ربك.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الرئيس المقبل / السبت ٩ حزيران ٢٠٠٧

ليس الهاجس ان نعدد أربعا او خمسا من الفضائل لنفتش بمصباح ديوجين ان كانت متوفرة في هذا او ذاك من كبار الموارنة. من يجري الفحص وما قدرة الفضائل عند الفاحصين ليروها في المرشح. لذلك نحن مرغمون على افضل نظام سيء وهو الديموقراطية لنتحرى عن رجل قد لا يكون اصلح من مدير للأزمة ولكنه لا يخلو من الفطنة والشجاعة اللتين تقودانه الى حلها بسرعة مضطرين على الطائف الذي تدنى مقامه عما كان عليه من قبل.

               واذا ساغ لي التأمل المتواضع في الأمر لقلت ان هناك بديهيات لا يصح تجاوزها لئلا نبقى غرقى هذه الأزمة. الميزة الأولى ان يؤمن الرجل الآتي بلبنان وطنا حرا بينه وبين الرئيس زواج ماروني. وأقل ما تعني العبارة الا يكون عند الرجل صاحبة. الزواج يبيح المودات المهذبة العفيفة ولكنه لا يبيح الزنى. وأبسط ما يعني هذا ان يؤمن هذا الرجل بأن للبنان هوية وبأن له كيانه. الهوية هو انه ليس غيره او ليس من غيره. اعني بذلك انه لا يمارس التماس ولو مارس الملامسة التي هي قاعدة السياسة الخارجية لكل بلد والهوية اساس الكيانية التي عبرنا عنها بأن لبنان وطن نهائي.

               هذا لا نريده شوقا منه ولكنا نريده ممارسة ومواجهة والمواجهة في العربية تعني ان يكون الوجه للوجه بحيث لا تلغي ذاتك ولا تلغي ذات الآخر فالإلغاء عبودية ونكون، اذ ذاك، أضعنا نهائية الوطن. وهذا يعني قبل زواج المرشح ولبنان ان يكون قد كان عفيفا قبل بلوغ المقام لأن الفسق قبل الزواج قد يعرض الرجل اليه من جديد.

               من نافل القول ان يكون فهيما الى حد الفصاحة والعرب اهل فصاحة وبلاغة. غير ان ما كان اعظم من البلاغة ان يكون صادق القول يفي بما يعد بحيث ان لك عليه الحق ان تطالبه في كل حين بما وعد فيتدرب أهلنا بالحكم هم ايضا على الصدق الذي يعوزنا كثيرا وهذا ليس عند الآتي الينا بالأمر الصعب ان كان مطلعا على كل احوالنا ويعرف طوائفنا  ويحبها ويعززها كلها ويحس ميزات كل واحدة منها في تاريخها وقابليتها الحاضرة على عشق هذا الوطن.

#          #

#

               وهذا يستتبع ان يكون عارفا تاريخ البلد وان يفهمه من الداخل حتى يكمل هذا التاريخ بالمعرفة دون ان يكون أسيرا له لأن الرئيس رجل المستقبل قبل ان يكون رجل الماضي. يدور مع الناس والأشياء ولا يداور. يلين في مواقع اللين ويتشدد في مواضع الشدة وفي هذا كله الحكمة  يحب ولكنه يقاوم من اختال او تعرض لوحدة الوطن بخيانة مكشوفة او مبطنة اي يكون رئاسيا بلا اختراق للدستور اذ الشخصية البارعة هي التفسير للقانون ولا هو يكبلها.

               وقد يقتضي هذا معرفة بالاقتصاد او يحيط به اهل الاقتصاد ويتدبرهم هو ولا يتدبرونه لأن الرئيس لا يعرف كل شيء بالفطرة ولكنه قادر ان يعرف اهمية اوضاعنا المعيشية ليتصدى لها بكل ما أمكننا استخراجه من الأرض زراعة وصناعة فيضرب مسلمة تافهة تقول اننا قليلو الموارد واننا مؤهّلون للخدمات فقط. هذه أكذوبة كبرى أقنعنا بها الأجنبي لاستغلالنا. هذا بلد فيه رقي كبير  وذكاء كثير وقادر على اشياء كثيرة في الحقل الاقتصادي الذي يحمي سيادتنا بالدرجة الأولى.

               هذا من شأنه ان بمنع عنا شهوة الهيمنة من هذا وذاك لأن الهيمنة نكران لهويتنا وكيانيتنا ونختار نحن صداقات دولية نحس ان فيها اقل طغيان ممكن. لأننا ولو كنا نحيا بلا تبعية الا اننا نحيا ككل دولة صغرى او كبرى بالتساند والتعاضد وهو بطبيعته يجري في اتجاهين.

               والعفة عند الرجل ولو حجمت صلاحياته الا يكون له ثروة طائلة. وطالما اعتدنا ان نأخذ فرنسا نموذجا في أشياء فلنذكر ان رئيس جمهوريتها جان كازيمير Périer استقال السنة ١٨٩٥ لأن بعض النواب انتقدوه على ثروته وعلى كونه كان الأول في شركة مساهمة. وغيره وغيره استقال. التهاون مع ذوي الأموال ورجال الأعمال كان مكروها في ذلك البلد. فمن الصعب بمكان ان يكون الرئيس ثريا كبيرا ولا يتواطأ مع أترابه الذين له معهم مصالح. ديغول كان يتفاخر بفقره وكان هذا عنصرا من عناصر الإعجاب به. هذا يقودنا الى ان حياة الرئيس يجب ان تبنى ليس فقط على العفة ولكن ينبغي ان تذهب به عفته حتى النسك. الرئيس جورج بومبيدو الذي كان مصرفيا قبل توليه الرئاسة قطع كل علاقاته مع الأوساط المالية التي كان يتعامل واياها. رئيس الدولة يعيش بلا ترف والدعوات الى مائدته هي دعوات الى مائدة الجمهورية وليس له فيها شيء. الرئيس خادم ومن كانت له منافع في الأرض لا بد له ان يكثرها ويسعى الى ازديادها.

               الرئيس من شغله الوطن ولا يهتم لأقاربه وتوظيفهم. اليسر المفرط إغراء كبير وهو ايضا صاحبة.

#           #

#

               انا اعرف ان غبطة البطريرك مار نصر الله صفير  لا يريد ان يهمس باسم واحد من ابنائه ليجتنب العمل السياسي المباشر الممنوع في المسيحية  على المسؤولين فيها ولكنه يعرف الفضيلة في غير واحد من أبنائه ويحس بخطر هذا وخطر ذاك. ليس له ان يشير الى واحد ولكن أبوته لأبنائه الروحيين العظام في السياسة تؤهّله ان يرفض هذا وذاك حسب القواعد الأخلاقية التي السيد البطريرك حارسها.

               عناصر كثيرة او قليلة من الأزمة ستسقط ان أتينا برئيس صالح يقرب من الأسس المسيحية التي تقوم عليها الكنيسة المارونية والتي كان لها الفضل العظيم في إنشاء لبنان الكبير وقد أثبتت قيادتها العليا في حرب السنة الـ ١٩٧٥ حيادتها عن الأحزاب والميليشيات وأنا شاهد لذلك اذ كنت مندوبا عن كنيستي للمشاركة في القمم الروحية التي كانت تحاول ان تضمد جراحنا. كل القيادات الروحية كانت كذلك. ولن تتصرف هذه المرة على قاعدة اخرى اذا استؤنس برأيها بصورة رسمية وغير رسمية بالتنسيق مع بكركي.

               وليأتِ النواب كل النواب الى جلسة الانتخاب. هكذا نتحاشى الجدل حول عدد المقترعين. هذا أمر لا ينبغي ان يكون فيه «شطارة» اذا اردتم يا سعادة النواب  خلاص الوطن وان يبقى هذا الوطن سالكا طريقه الى الوحدة.

               لقد تمزقنا بما فيه الكفاية واحتددنا اكثر مما هو معقول في بلد يريد البقاء وسلمنا الله حتى اليوم من القتال الداخلي. للمشاحنات حد وليس للصفاء والمحبة حد. وقد برهنا ان التوافق الفعلي والوجداني في قاعدة التلاقي بيننا ولنا  ان نتحرر مما كان يفرقنا وان نسعى دائما الى ثبات لبنان وديمومته فهنا نريد ان نعيش وهنا يمكننا ان نعطي.

               واذا أصررت على نقاوة الرئيس في هذه العجالة سنتعلّم ايضا  ان نختار كل المسؤوليات من جماعة النقاوة. انا اعرف خطايا البشر في كل مجال من مجالات الوجود. وليس غريبا ان التمس العفة والفهم عند من ننتخب مندوبين عن الأمة وعلى من نستوزر. البلد في رؤوسه في السلطات الثلاث كلها. لست أطلب فردوسا على الأرض ولكن لنا ان نتوق الى الفردوسية مستقلين عن سطوة المال والاستكبار.

               هذا التوق اعجوبة ولكن الأعاجيب بفضل الله وسعينا ممكنة. عند ذاك نستعيد بياض لبنان وبهاءه. البلد ليس بجباله ووديانه وسهوله والبحر. الوطن هو ناسه.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الاكليريكي / السبت ٢٦ أيار ٢٠٠٧

لما وزع فاتح فلسطين يشوع بن نون أراضيها على اسباط بني اسرائيل لم يعط بني لاوي المولجين خدمة الهيكل حصة قائلا ان الله نصيبهم. وفي الترجمة اليونانية للعهد القديم نصيب تقال كليرس التي جعلنا منها اكليروس لتعذر البدء بالساكن ومن كان يخدم الله تحديدا في أمة المؤمنين سميناه اكليريكيا وهي كلمة تشمل مختلف الرتب.

ويقال عنهم القسس او القسيسون كما وردت في القرآن او القساوسة وهي لفظة سريانية او سامية بعامة. اما لفظة رجل دين فهي لفظة شائعة ولا نعرفها في الكنيسة ولا يعرفها الاسلام لأن كل المؤمنين واحد والرجال كلهم رجال للدين.

صحّ ان القانون الكنسي منذ القرن الرابع يستخدم كلمة اكليروس مميزا اياه عن العوام وفي الاستعمال الحديث فقط نقول علمانيين وهذه لا معنى لها لاهوتيا اذ تعني الذين في العالم وكلنا في العالم. الاكليريكي، كاهنا كان ام أسقفا، يرئس صلاة الجماعة ومن رئسها هو إمامها. له ميزة او مكانة من حيث يتقدم الجماعة في اداء الشعائر ولكن ليست له قدسية خاصة وليس هناك تفريق بين مقامين امام الله اي انه ليس من هو فوق ومن هو تحت. هو بالمصطلح المسيحي خادم للأسرارفيقيم مثلا المعمودية والقداس ولكن في الجماعة. وليس من اساس اطلاقا لاحتسابه وسيطا بين الله والناس فما من قداس يقام بلا حضور الشعب ومشاركته ولننته اذًا من هذا. اعتزاز المسلمين بأن ليس عندهم رجال دين وان عند المسيحيين طبقة شفعاء او وسطاء بين الله والناس آمر غير مؤسس. ليس من بشر عندنا يستنزل عليك نعمة الله. القيام بالأسرار المقدسة إمامة لازمة لآداء الخدمة فكان التوقير اذًا بسبب من كون القس اداة لا سببا.

#       #

#

الاكليريكي بشر ويخطئ كبقية اليشر وقيامه بوظيفة من وظائف الكيان الكنسي لا يدل على طهارته الشخصية وكثيرا ما كان عامة الناس أرقى منه على معارج الطهر. انه رجل يحمل صليب الخدمة ومسؤوليته الرعائية تعرضه الى اغراء لا يتعرض له العامة. ومقاومته للإغراء تقتضي له صمودا كبيرا وقياما امام وجه الرب حسب كلام الياس النبي: «حي هو الله الذي انا واقف امامه». هذا الرجل يثبت فقط بالاله الذي يثبته فإنه به يحيا ويتحرك ويوجد.

الى هذا ومع ان الكاهن هو المسؤول الأول في رعيته يذكر المؤمنين تذكيرا بما هم يعلمون ويجتنب حدة الطباع وعندي انه يجتنب التوبيخ ما مكنه من ذلك كلام الله فاللوم المقرون بحزم ولين معا افضل من التوبيخ الشديد ليقيني ان التوبيخ طالما رافقه الغضب والغضب يـؤذي دائما ويجعل الواعظ غير رقيب على لسانه. كيف تكون خادما ورئيسا معا. تلك هي المسألة وقد قال المسيح عن نفسه انه خادم وهذا يتطلب وداعة كبيرةوتواضعا لا حد له. وترعى الرعية بمزايا راعيها ووهجه الروحي ولا ترعى بتفرد الراعي برأيه ولا بتحيزه لفريق دون آخر. والانقسام يتأجج بانحياز المسؤول وتحوله، اذ ذاك، الى مسيطر.

واذا بقي غير فاهم واستفحلت أخطاؤه فهناك تدابير إدارية لكبح جماح أهوائه. اما اذا ارتكب معاصي انكشفت للملأ وأحدثت خللا ومعاثر فهو خاضع للمحاكمة الكنسية بما فيها الايقاف عن الخدمة والتجريد من الكهنوت. كذلك الأسقف خاضع للتأديب في مجلس المطارنة حتى درجة التجريد من الكهنوت ايضا.

#           #

#

في بعض الاوساط الضعيفة اذا حزن انسان من كاهن يقاطع الكنيسة واحيانا يترك المذهب نفسه. هنا يجب ان نذكر ان المسؤول عابر وان عليه مسؤولا له قدرة الحل والربط. اما ما ينبغي ان نلتفت اليه فهو اننا اعضاء في كنيسة المسيح القائمة الى الابد فيه وقد يكون الراعي فيها من اية درجة كان تافها. نحن نأتي من حضنها والكاهن لا يكوننا . يكوننا الصالحون وقد يكون منهم او لا يكون. اجل «ويل لمن تأتي عن يده العثرات». ان حصلت نتجاوزها ونصلي كيف يمحو الله خطايا من أخطأ ونتابع الطريق ومعنا وفوقنا خاطئون. اذا نظرت الى كنائس كثيرة ولمست الضعف فيها لا ينتابني شك في ان من قادها منذ ألفي سنة هو المسيح نفسه. ولكن المسيح يحتاج الى فعلة له على الأرض وتظهر الخبرة احيانا كثيرة انهم غير اكفياء.

في المبدأ تعرف ان الراعي يحمل اليك الله كلمة الله لكونه درسها واحبها واحبك. ولكن قد يكون اميا او شبه امي في هذه الطائفة او تلك. احيانا هذا الأمي يرعاك بقلبه والذي قرأ لاهوتا كبيرا قد لا يكون على شيء من محبة الرب وانسانا بلا قلب.

المشكلة الكبرى انك لا تعرف الرجل الا بعد تسلمه مسؤوليته. نظريا وفي الكنائس الراقي تعليمها اللاهوتي تأتي بحامل شهادة يدل اساتذته على كفاءته. ولكن هل يعرف معلم اية مادة ان كانت الجمالات الإنجيلية متوفرة في الرجل. في المبدأ فقط اذا تقدم احد الى الدراسة يحسب انه محب للرب ولكنه فتى ويعسر عليك ان تمتحن محبته الحقيقية لله وقوة شخصيته وبراعة كلامه ونزاهته عن عشق المال ولطفه وما الى ذلك.

على رغم كل المؤسسات التعليمية وتنوعها وعلى رغم كل تفحصك للشباب المتخرج لا تستطيع ان تعرف اهلية احد العميقة لخدمة اسرار الله. ماذا تفعل ان بان لك تقصيره فيما بعد؟ يحكى اليوم على التربية المستمرة. هذا حسن ولكن هذا جزئي وانت لا تقدر ان تخلق الانسان خلقا جديدا. لذلك كانت الكنيسة في رئاستها دائما مكان التقصير والجهل وكانت ابدا هوة بين المتكلم والكلام الالهي الذي انسكب علينا.

لعلم الله بذلك يفتقد هو كنيسته بمواهب الروح، بالقداسة، والفهم، والغيرة عند الناس العاديين ويرممون ما كان في حاجة الى ترميم في كنيسة الله. واذا حركهم الروح يحركون الآخرين والنار تنشئ النار فترى محطات للروح هنا وهناك على رغم التدهور الذي يكون عليه الرعاة. يبعث الرب برعاة كبار ويبعث بناس ظاهرهم انهم عاديون وكثيرا ما كانوا اعظم من الرعاة. يصلح الله احدنا بالآخر بالكلمة او بالإشعاع الشخصي، في البهاء الذي يبدو من المسلك.

هذا لا يعني انه علينا ان نتكل على هذه البعثات الطارئة اذ نحن مسؤولون جماعيا عن إصلاح الرعاة. كلنا معا نبني جسد المسيح بسلامة الحياة الروحية وقوتها وكل ما فيها من حلاوات.

التاريخ دائما محزن على رغم وجود الشهداء والقديسين والذي يعرف كثيرا يتمزق كثيرا. ولكن قيل عن الكنيسة في الكتاب العزيز: «الله في وسطها فلن تتزعزع». هي حفظت أعضاءها ولم يحفظها الرعاة الفاسدون. لقد ارتضى المسيح ان يجعلها مسكنا له وهو بانيها يوما فيوما فلا ييأس أحد ويشددنا عظماء الروح ونبقى بهذه الأعجوبة الدائمة التي هي الكنيسة.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الشبيبة المارونية المؤمنة / السبت 19 ايار ٢٠٠٧

منذ بضع من سنين اكتشفت البهاء الروحي في الشبيبة المارونية. هذا لم يكن يلفتني كثيرا في الماضي بسبب الغليان السياسي الذي كان مستحوذا على هذا البلد. ولست اوحي بهذا الكلام ان المسيحيين ما كانوا روحانيين بمقدار. ولكن عشت الأحد الماضي في كنف سيدة النجاة في بكفيا خبرة رائعة. كان هذا لقاء مع لجنة مسكونية للشباب المسيحي منه بعض الأرثوذكسيين من ابرشيتي.

                      فترة تأمل في البدء وصلاة الغروب الأرثوذكسية في المنتهى مع شغف في اكتشاف الآخر وضمه الى الصدر وقناعة اننا جميعا للمسيح مع بقاء كل واحد في كنيسته. هذا الشباب كان هاجسه في ذاك الاجتماع التقارب في الصميم ابتغاء وحدة يهبها الرب احباءه. واذا وصفت غير لقاء لي في السنوات الأخيرة بكهنة موارنة شبان يهيئون اطروحات ويلتمسون مشورة من اسقف ارثوذكسي رأيت ان مناخ العلاقات بيننا تغير تغيرا كبيرا معزيا بحيث ترى ان المخلص يشق طريقه في القلوب بلا هذا الانغلاق الذي كنت أعانيه قبل اربعين او خمسين سنة من اليوم.

                      طبعا شبان ابرشيتي الذين هم جزء من هذه اللجنة نالوا بركتي للانضمام الى رفقائهم الموارنة وهم على صلابة معروفة في الاوساط الارثوذكسية وفي الوقت نفسه على طراوة نمت عند احتكاكهم بالآخرين. انت لك ان تكون شديدا ولينا بآن. وأظن ان هذه ظاهرة آخذة بالنمو الآن ولا تفسير عندي لذلك الا ان محبتك ليسوع تدفعك الى كل من أحبه. فاذا كان الحبيب واحدا فماذا يفصلك عن المسيح حبيبا؟ وان يدعى اسقف ارثوذكسي كان يوصف بالتمسك الشديد بعقيدته في جو كان يقال فيه «نحن واحد» والقول على عمقه لمن يفهم الاعماق كان في حقيقته ميوعة لا تحل المسائل الخلافيةولا تقرب كما المسيح يريد.

                      ما لفتني في التأمل في بكفيا انه كان قائما على ثلاثة فصول انجيلية كان من اراد يعلق على جزء منها. والتركيز على النصوص التأسيسة عنى لي ان هؤلاء الشبان والشابات ارادوا انفسهم آتين من كلمة الله ومجمعين عليها ومجتمعين في ما توحي اليهم اي ان الانجيلية لم تبق محصورة بتلك الكنائس التي تنعت نفسها كذلك. فالانجيلية هي اولا ارادة الانجيل. طبعا النقاش بيّن اننا لا نفهم النصوص دائما فهما واحدا. ولكن هذه حالة كل قراءة لأي نص في العالم وفي الاديان.

#         #

#

                      المناخ السائد ان هذه الكثلكة الشبابية كانت ترى نفسها واحدة ولو متقابلة العناصر. لعلي فهمت اكثر مما كنت افهم في اجتماع لاهوتيين ان ثمة وحدة في العمق لا تأتي من العقل الفاحص المدقق ولكن من القلب المكسور. ادركت هذا بتحسس كبير لما قالت فتاة مارونية: ماذا نفعل بيسوع المصلوب؟ فهمت انها تعني انه بانقساماتنا لا يزال مصلوبا وان هذا الامر مسألة المسائل.

                      انا دعيت لأطرح المشكلة اللاهوتية التي تعيق وحدتنا كما دعيت الى الحديث في التطلعات التي ارنو اليها لنكسر الجليد.

                      قلت لهؤلاء الاخوة: «ليس من وقت لاستعراض كل المسائل الخلافية بيننا. سأحصر كلامي بما ورد في الرسالة الجامعة: «ليكونوا واحدا» للبابا الراحل وفيها مقظع صغير قال فيه ما مفاده: لنفحص ما المكانة التي كانت لاسقف روما في الالفية الاولى. سرّ الارثوذكس وغيرهم لهذه الفكرة الجريئة للبابا يوحنا بولس الثاني واخذ العلماء يعملون على هذه القضية. ،انها لقضية تاريخية بحتة لا تداخلها المذهبية. واذا كان المقام البابوي مستعدا ان ينتهج مسلكية الالف سنة الاولى يكون هذا هو الحل. غير ان بعض المرجعيات الكاثوليكية اوضحت ان معوفتنا التاريخية لا تلغي العقيدة التي حددها مجمع الفاتيكان الا،ل السنة الـ ١٨٧٠ وقد نصت على «الولاية العامة والمباشرة للبابا على الكنيسة جمعاء كما نصت على عصمته اذا تكلّم عقيديا   ex cathedra اي على المنبر الرسولي». لا نكون والحالة هذه قد قمنا بشيء. نكون قمنا بدراسة اكاديمية قد تؤثر على بعض الاداريات ولا توحد بين الكنيستين.

                      ثم قلت لهم: ما اجمع عليه العلماء هو ان اسقف روما في الالفية الالولى لم يصدر قرارا واحدا ليأخذ به الشرق. كان هو يرعى الغرب حصرا – ارادته في الرئاسة – وهذا قديم جدا- لم تحمله على اتخاذ قرارات نافذة في الشرق على اي صعيد.

                      ثم الشيء الاخير الذي كان لا بد من ايضاحه وهو من المسلمات عند العالمين ان الشرقيين لم يناموا ليلة مؤمنين بالرئاسة البابوية وأفاقوا في الضحى ليتمردوا عليها كلهم معا. اضظررت ان اقول هذا لان التعليم الذي اتخذته في طفولتي ان الشرقيين امة تمردت فجأة وتنكرت لعقيدة راسخة. ،من المعروف عند العلماء الكاثوليك ما اكده ايف كونغار رحمه الله ان كل المؤرخين  الكاثوليك قالوا بوضوح ان الشرق المسيحي لم يكن يتكلم على الاولية البابوية كما كان الغرب يراها. نحن اذا في مأزق حقيقي سوف تفحصه لجنة الحوار الكاثوليكي- الارثوذكسي المشتركة العائدة الى اجتماعاتها.

#               #

#

                      الاسئلة التي ظرحها الشباب الماروني كانت مرتكزة على موقع دفاعي يمكن ان تتوقعه من غير محترفين. مثال على ذلك ما اعتبروه ترجمة صحيحة: انت الصخرة وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي (او في الترجمة اليسوعية القديمة انت الصفاة وعلى هذه الصفاة سأبني كنيستي). كنت مصمما الا أساجل احدا ولا سيما ان مناقشة النصوص في الاصل اليوناني غير متوفرة. وفي اليونانية لا يستعمل السيد لفظة الصخرة مرتين ولكنه يقول: انت بيتروس Petros  وعلى هذه الصخرة يقول petra. والاسم بطرس نحته السيد من الصخرة ولكنه لا يعني الا ذاته ولا يعني الصخرة.

                      ما احببت ان اوضحه ان آباءنا في الالفية الاولى لم يؤسسوا كرامة الاسقف الروماني او مكانته على اولية بطرس في المصف الرسولي. وقال بعضهم ان كل اسقف خليفة بطرس وقال آخرون ان كل علماني له ايمان بطرس هو خليفته. اي ان اولية بطرس في المصف الرسولي لا تنتقل الى بابا رومية. هذا قبل الكل بمكانته الاولى على اساس تاريخي لا كتابي.

                      طرح علي ما تلقاه هؤلاء الشبان في مدارسهم. والواضح كان اننا امام تفسيرين مختلفين لا لقاء بينهما.

                      سألوا ما الحل. الحل هو في اللاهوت الكاثوليكي الحديث الذي يميز بين المجامع المسكونية السبعة التي تقبلها الكنيستان لما كانتا مجتمعتين والمجامع العامة. فقد انفرد الغرب بمجامع سماها هو عامة. ووجود كلمتين يدل بوضوح على انه يستحيل ان يكون لهاتين الفئتين الالزامية نفسها. الشرق كانت له ايضا مجامعه الخاصة ولا يستطيع ان يفرضها على الكنائس الغربية فرضا. كل فريق يتبنى ما يسمح له تراثه بأن يتبناه وهذه هي الطريقة التي كانت متبعة بالقديم اعني طريقة القبول اللاحق. واذا لم يحصل هذا يكون ما سميته عقيدة انت رأيا لاهوتيا حرا. فاذا كان مجمع الفاتيكان معتبرا على انه حدد العقيدة البابوية (الرئاسة والعصمة) مجمعا عاما لا مسكونيا تكون هذه العقيدة غير ملزمة للشرقيين الذين لم يقولوا بها. وتبقى في الكنيسة الجامعة خلافا شرعيا. فلا تكفرني اذا لم اقل بالعصمة البابوية ولا اكفرك اذا قلت بها ونتناظر اخويا في المحبة.

                      هناك مقاربات جديدة وشجاعة عند بعض اللاهوتيين الغربيين الذين يقزمون المواقف القديمة في الفاتيكان الاول. اما ان ينتظر الفاتيكان «عودة» الارثوذكس فهذا امر لا شيء مهيأ عندهم له.

                      اما بعد فقد سعرت بفرح لا يوصف عندما لمست الغيرة الملتهبة عند هذا الشباب الماروني على كنيسة المسيح- غير ان التوجيه المسكوني يبقى «شاعريا» في كل كنائس هذا المشرق وليس لي اطلاع كبير في صفوف الشباب على الموقف الآخر. الطهارة التي لمستها فيهم لا تكفي. ان من مسؤولية القيادات طرح الإشكالية القائمة وتبيان مواقف الاخرين لأن النور لا يكتمل الا بالمعرفة.  المعرفة نوع من الصلاة.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

عشق المال أو عطاؤه / السبت ١٢ أيار ٢٠٠٧

كتب العبادة في كنيستنا مليئة بعبارة «عشق الفضة» معتبرة (بفتح الباء) على أنها شهوة مركزية من حيث انها تؤدي الى طلب السلطة واشتهاء هذه اشتهاء فاتك لأنه استعباد للآخر وكل استبعاد الغاء. وكلما احتدمت رغبتك في متاع الدنيا وتوسعت هذه الرغبة لا يبقى حد لمطمع شرعي وترى نفسك مخطوفا ويعطل عندك نظام العقل اذ لا يبقى انتظام بين نفسك وبين ما ترغب فيه فاذا الذي بين يديك مالك عليك وانت تاليا مأخوذ اليه.

كل قصتنا مع الشهوة انها تنقل مركزك من حيث يجب ان يبقى اي من الاعتدال الى حيث يريدك الهوى. معنى ذلك انك تخرج من السلامة التي جعلك الله فيها لتسكن الخلل.

ليس في هذا الكلام مغالاة لأن استيحاذ المال استيحاذًا على كل الشخصية يجعلك تصير ما انت تحبه وعند اقصى سلطان الشهوة عليك تخسر محبتك للإخوة وفي منتهى هذا العشق تنغلق نفسك فتعجز عن العطاء اي عن الانتباه والخدمة. قال لي صديق ثري كلما ربحت مبلغا من المال كبيرا اوزع منه قدرا كبيرا خشية تعلقي بما ملكت. كان يخشى ان يصير عبدا.

بهذا المعنى جاء في العظة على الجبل: «لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك» (متى ١٩:٦-٢١). هل المعنى انه لا يسوغ لك ان تفتح حسابا في المصرف؟ الوضع الاقتصادي الذي كان المسيح يتكلم فيه كان وضع فقر شديد وكان يتطلّب اذًا ان تشارك الآخرين ما عندك. كان يسوع يريد ان تجعل محبة الله كنزنا حتى نتعلق بها فلا نشتهي ما بين ايدينا في اي وضع اقتصادي يكون البلد فيه. لذلك تابع كلامه هكذا: «لا يقدر احد ان يخدم سيدين. لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر او يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى ٢٤:١٦).

الفضة كانت عنده ان تملأ قلبك من الله او ان تملأه من المال. هو لم يثر مسألة نظام اقتصادي. مجال يسوع الناصري مجال القلب. السؤال هو ماذا انت عامل بقلبك؟

#              #

#

علمنا المغفور له رفيق الحريري كلمة هدر وما كنت اعرف استعمالها بالمعنى الذي استعمله بها. ثم ادركت انه لجأ الى هذه اللفظة لكونه كان حريصا على تهذيب اللسان وكان يريد بها السرقة. وكنت افهم انك اذا بددت مالك الخاص تبديدا فهذه خطيئة اقل شدة من تبديد المال العام حتى علمني العالمون ان الفرنسيين عندهم عبارة ان «الذي يسرق الدولة ليس بسارق». والدولة افهمها انها الناس اي ذلك الترتيب الذي يسهر فيه المسؤولون على سلامة الوطن وازدهاره وعافيته ورعاية الفقير والمريض والشيوخ وحماية البلد بالجيش وكنت قد قرأت عن سعد زغلول انه اذا كان في مكتبه وأراد ارسال كتاب الى احد انسبائه يرسل الحاجب ليشتري له ورقة وغلافا لأن الورق الذي كان على مكتبه يخص الدولة المصرية ويستعمل لخدمتها فقط. كذلك فهمت ان الموظف العالي في سويسرا اذا اراد نزهة مع عائلته يستعمل سيارته الخاصة لا سيارة الدولة لأن المكلّف لا يدفع لك ثمن المحروقات لانبساطك الشخصي.

كذلك علمت ولم ادقق ان هناك اسماء موظفين مسجلة على جدول وزارات عندنا وهم لا يعرفون باب الوزارة. واشياء مماثلة لو تحققناها لما وسعت مقالتي ذكرها. ثم فهمت ان الهدر شائع ايضا، ربما بمقدار اقل، في بلدن »راقية« ولكن هنا من يحاسب ويقاضي عظاما فيها بما في ذلك رئيس الجمهورية اذا حان وقت رفع الحصانة عنه. انهم يدركون ان مخالفة الشريعة قائمة في العالم ولكنهم يفهمون ايضا ان قضاة الدولة يسألون المرتكب عنها ولا ينتظرون محاسبة الله لنا في اليوم الأخير بعد ان أخذوا عن القدامى ان العدل اساس الملك. وقد فرقت الكنيسة عندنا في القرن الرابع بين مال الكنيسة ومال الأسقف فإن هذا له ان يستعمل المال الذي ورثه من ذويه وان يستعمل مال الأمة لحاجاتها.

في ايام شبابي اي منذ ستين سنة عرفت قضاة يعيشون من راتبهم فقط اي بشيء من التقشف كما عرفت من كان منزها عن الرشوة وكنت اقرأ لهؤلاء احكاما رائعة. وما كان علمهم دون الاحكام الفرنسية التي كنت اقرأها في المجموعات الحقوقية الكبيرة اذ كنت في هذا الحقل. اي ان هؤلاء الأساتذة كانوا على بعض من الحرمان ومع ذلك يقضون ساعات طولى بالتنقيب فإنهم كانوا موقنين بأن القضاء رهبانية وان مكافأتهم كانت بمجرد الأحكام العادلة وإرضاء ربهم وسلامة ضمائرهم.

وعرفت كهنة يرتضون بصداقات المؤمنين ولا يتذمّرون من الضائقة التي كانت تحل بهم وما كان لهم سبيل لشراء عقار وكانوا مؤمنين بأن غناهم هو في الفقر وكانوا يبيتون في ملكوت الله وهم على الأرض. عرفوا ان موطنهم هو في السماد. وكان بعض الفنانين في اوربا يبيعون لوحاتهم بسعر بخس. واليوم ترى مطربين ومطربات كما هم يسمون انفسهم وليس لبعضهم صوت ولا معرفة بالألحان ويجنى المال بالقد المياس.

#              #

#

قلت مرة لأحد أصدقائي ان المخلّص لم يتكلم ضد الأغنياء بحد ذاتهم ولكنه تكلم على خطر دخولهم ملكوت السموات. قال لي ان الخطر ليس في الثراء ولكن باختزانه اي بعدم توزيع بعض منه. وفحصت كل ما قاله الانجيل في هذا الموضوع وتبيّن لي حقيقة ما تقوله كنيستي في هذا الباب وهو ان الخطيئة هي عدم الإحساس في اي مجال انت تخطئ فيه. وفي مجال المال المعصية هي في عدم شعورك بالآخر. فأنت قائم في هذه الدنيا لتحب الآخر.وهذه المحبة توجدك وليس لها حد. نحن لم نحدد نسبة عطائك المالي ولكن الكلمة قالت في المزامير عن الكريم: «بدد، أعطى المساكين فيدوم بره الى الأبد» (٩:١١٣).

ثم جاء آباؤنا الكبار امثال باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم  وأغسطينوس وأوجدوا نظرية الائتمان فقالوا: بيدك مال جاءك من إرث او عمل. هذا ليس لك. هو ملك الله وانت مؤتمن عليه غاذا ذهبت الى المسرح وكنت أول الواصلين لا تقدر ان تقول ان هذه الكراسي لي. وقالوا ان ألبستك وأحذيتك هي لك وللآخرين ولهم حق فيها. فأنكروا قدسية الملكية الفردية. هذه هي عندك وليست لك. هي للمحتاجين اليها. ليس لك ان تحفظ ما عندك الا بقدر حاجتك اليه. واذا كان الآخر في حاجة تصبح له وكأنهم قالوا انت لست متصدقا (ولو استعمل الكتاب اللفظة). انت تفرق ما عندك ليعيش الآخر وتعيش انت ايضا.

انهم لم يأتوا بنظام اقتصادي. هذا شأن الدولة. والدولة لم تكن تعنى  بنظام. وانت لا تبغي شيئا مما تعطيه. انت تطلب لنفسك برا وطهرا وقداسة. وهذه لا تقوم فقط بأنك تحفظ الوصايا فإن الوصايا تختصر بالمحبة كما علّم بولس. لك ان تملك كشخص اودعه الله الملك لتدبره وتحس بالأخوة.

وجمع بعض آبائنا مالا لا يقدر وأقاموا به مطاعم شعبية ومستوصفات وما الى ذلك. وما كانوا في مواعظهم على رفق مع الأغنياء ومع ذلك كانوا يجعلونهم كرماء حتى قال يوحنا الذهبي الفم ما مفاده ان مدينة روما لم يبقَ فيها فقير مسيحي او وثني لأن المسيحيين كانوا يبددون أموالهم على الجميع.

المال شيء عظيم اذا استعملته وفق هذه القاعدة فالمحبة ليست كلاما معسولا او اشتياقا او تحببا كلاميا. من لا يترجمها في العطاء – ان لم يكن شديد الفقر- تبقى عنده حكيا يحكى. واما من اخرج المال من جيبه او حسابه المصرفي فهي قلب مسكوب. والقلب المسكوب هو كل الوجود في هذه الدنيا.

Continue reading