Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2007, جريدة النهار, مقالات

الفصح أيضا وأيضا / السبت ٥ أيار ٢٠٠٧

لا يزال ابناء كنيستي يتغنون بالفصح. لماذا هم سكارى الى هذا الحد؟ لماذا لا نقول شيئا آخر؟ لماذا لا نستطيع؟ في سفر الرؤيا ٨:١٣ يرد الكلام عن “سفر الحمل (بفتح الحاء والميم) الذبيح قبل انشاء العالم” وبالرجوع الى رسالة بطرس الاولى “المسيح هذا كان قد اصطفي قبل انشاء العالم” (1: 20) وبالمقارنة يتبيّن انه قد اصطفي للصلب قبل كون الخلق، أكان في علم الله السابق بخطيئة الإنسان ام لا. القديس مكسيموس المعترف علم ان السيد كان لينزل الى الأرض أاخطأ الانسان ام لم يخطئ وفي الحالتين هذا موت حب. خلقنا وخلاصنا واستمرارنا واشتراكنا بقيامة المسيح، كل هذا ثمرة المحبة الإلهية. وهذا هو العيد بكامل جوانبه.

                      لذلك عندما قال المعلم: “الآن تمجّد ابن الانسان وتمجد الله فيه”(يوحنا 13: 32) كان واضحا من حرف الجر في ان مجد الله كان قائما في جسد المسيح ودمه المراق. اي ان سمو الله وجلاله وقدرته وانعطافه علينا باتت في ذبح البشرية للابن لأن شيئا من الله لا يبدو حقيقة وفي العمق، الا اذا أبان هو نفسه في الحب المسكوب للبشرية.

                      عندما يسألنا الذين لا يؤمنون بهذا: لماذا هذه الذبيحة؟ أما كان الله قادرا ان يتكلم على محبته تكلما دون ان يجسدها بهذه الطريقة. أجل كان هذا ممكنا ولكنه اختار ان يفعل هذا. وبعد معرفتنا بالتجسد بتنا قادرين على فهم هذا الاختيار الإلهي. لقد آثر الله ان يكشف قرباه بهذا الأسلوب. هذا كان خياره الأزلي كما يقول العهد الجديد. ماذا لك على الله اذا أنسَ ابنه لنراه في أفعال ظاهرة فيأكل ويشرب ويشاركنا الموت فلا يكون غريبا عن حال من أحوالنا ما خلا الخطيئة.

                      لم يكن الله في حاجة إلى ان يقدم ابنه في كفارة دم. هذا تفسير سُمِع (بضم السين) عند مفسرين ما كانوا ينتمون إلى التراث. نحن ما همنا دم يسوع إلا سبيلا إلى الحياة الجديدة. همنا في هذه الذبيحة معنى الألوهة فقط تنسكب في نطاق الموت بجسد يسوع ليُعتَقَ (بفتح التاء) الإنسان بمحبته للمصلوب والقائم من الموت. في الجمعة العظيمة التي ندشن فيها الفصح لا نبرز الصليب فقط ولكن النزول عن الصليب. وعباداتنا يوم هذه الجمعة بالذات عبادات قيامية لا أثر فيها للحزن، نحن لا نتفجّع على المسيح ولا نهتم عاطفيا للظلم الذي لحق به. اننا مشدودون عبر آلامه الى هذا الذي سماه الكتاب فصحنا اي الى المسيح الظافر. يسوع هو نفسه الحياة قبل ان نعلن النصر في اليوم الثالت.

#             #

#

                      نتيجة لذلك نحن لسنا ديانة الألم ولسنا نستلذه مرضا او وجعا ولا يعني الشرق المسيحي شيئا ان يصاب انسان في بدنه. نحن لا نعزيه بأنه شريك سيده بالآلام. هذا لم يرد في قولة واحدة في العهد الجديد. اجل، تكلم بولس كثيرا عن مشاركة الآلام ولكنه عنى فقط شيئين اولهما اننا نموت معه في المعمودية وثانيهما اننا نغدو شركاءه اذا سعينا الى اماتة الشهوات فينا. هذا الاستلذاذ بالمرض واشتهاء الوجع او ان نبقى فيه هو من المازوشية ورغبة في شيء من الموت والمسيح معلم الحياة ومعطي الحياة ومن خدمته -لما كان في البشرة- ان يشفي مرض العقول والاجساد والخطيئة، الأمر الذي خصصت له الأناجيل صفحات كثيرة واعتبرته تبشيرا بملكوت السماوات.

                      انت ان مرضت تلجأ الى الله للإستشفاء لا لدوام المرض فيك. ان الملكوت نهاية الاوجاع وعليك ان تسعى الى الملكوت منذ الآن اي ان تصلي وتدعو الكهنة ليدهنوك بزيت وتدعو الطبيب للمعالجة.

                      نحن اذًا مع المسيح الحي. المهم الا نكون نحن من قاتليه. من العار ان نكون قوما فاتكًا بالله كما فعل اليهود والرومان قديما. يقبل المسيح جراحاتنا ويغفر ولكن نحن الذين اصطبغنا به كيف لنا ان نكون خائنين؟ الله يحتمل خياناتنا وينتشلنا منها ان صرنا من التائبين. واذا كان يهوذا صورة عن الخيانة المطلقة فهذا خنق نفسه قبل موت المسيح فنزل الى الجحيم ولما نزل اليها المسيح بموته اعتقه كما اعتق كل الجنس البشري الساقط والأبرار. ايقونة القيامة عندنا تمثل السيد بثياب بيض في مملكة الموت ينتشل منها آدم وحواء وكل ذريتهما حتى لا يبقى احد اسير الموت او اسير المعصية. واذا فهمنا قدرة المسيح على خلاصنا لا يضع احد على جبينه اكليل الشوك من جديد ولا يضربه بقصبة ولا يسمر يديه ورجليه بمسامير ولا يطعنه بحربة. من المسيحيين من يطعنون المسيح كأنهم لا يؤمنون بفدائه.

                      مع ذلك لملم منذ صلبه ويلملم اليوم كل شراذم البشر، الزواني والعشارين ومن اليهم. المصابون بالعمى الروحي يعيد اليهم البصيرة اذا قبلوه. قد تسمى باسمه وتحيد فعلا عنه فاذكر ولا تنسَ انك قد تصير مثل يهود ذلك اليوم والرومان. لا تقبّله بقبلة غاشة كما فعل يهوذا لأنه هو يقبلك بقبلات شفتيه للإيحاء اليك انك لا تزال حبيبه.

                      لا تتظاهر بالولاء له لأنك لا تستطيع ان تغشه وكما دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة سيدخل اليك ولو رفضته يقرع باب قلبك ويتعشى معك وتتعشى انت معه فإنه ضمك اليه قبل ان تلدك امك. وسيأخذك على صدره كما فعل بالتلميذ الحبيب في العشاء السري ويسميك باسمك كما سمى مريم المجدلية في البستان بعد القيامة فعرفته.

                      فيك اشياء كثيرة تجعلك حاجبا عينيك عن رؤيته. هذه الرؤية اساسية لتحيا. لن تحيا بمالك وقوتك ونفوذك وجمالك وعقلك. لست أنكر سحر هذا كله. ولكن قدرة المسيح على ان يسحرك اعظم بكثير. لا تضيع وقتك بما هو دون ذلك فإن المسيح بات فصحك اي عبورك الى الآب. وان احببت ان تصعد معه اليه فهو يجلسك الى عرشه منذ الآن اي قبل ان تأتي قيامتك وتجالس بعد القيامة من كانوا طيبين في الأرض أعرفوا اسمه ام لم يعرفوا لأن البهاء الروحي الذي يكون فيهم هو مصدره.

                      واذا عيدنا نحن للفصح ولا نزال قائمين في بركاته فليس لنحتكر ذلك وليس لأننا افضل الناس. ونحن للناس جميعا في أخوّة واحدة. ولكل انسان في هذه الدنيا انبعاثه من خطاياه ان كان من التائبين. ونحن لسنا كتلة منفصلة عن البشر لأن المسيح جاء ليبشر ان الناس جميعا من عائلة أبيه ان هم ارادوا ذلك بالعمل الصالح.

                      اما نحن فنعرف انه هو “الطريق والحق والحياة” ولكنا نعرف ان الذين يحبون الله من اي صوب جاؤوا هم شركاؤنا في المجد وليس لنا باللحم والدم ميزة على آخر ولكنه اختارنا نحن اتباعه لنعرفه كما كشف لنا نفسه بالكتب وله طرائقه ليكشف نفسه للطاهرين في كل أمة. ولا يفرق بيننا وبين الآخرين في حبه.

                      في هذه الدنيا عقائد مختلفة ولكل منا اخوه في المعتقد. ولكن محبتنا واحدة لجميع الناس بما فيهم الذين يشكون. نحن والعابدون لله والعابدون لذواتهم، نحن جميعا ابناء الله الواحد الذي يصطفي من يصطفي ولا نحاسبه على اصطفائه. وربك يدين كل امرئ على ما في قلبه ويحيي القلوب الجافة ويقيم في كل قلب بشري صار طريئا.

                      هذا هو الفصح الأخير وإطلاله على فرح السماء.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

شعب واحد في دولتين / السبت ٢٨ نيسان ٢٠٠٧

سمعت من عدة ناس عرب وأجانب ان المغفور له الرئيس حافظ الأسد كان رجلا صادقا وانه يبقى عند كلمته فلماذا لا نعود الى ذلك الذي في كلامه عن اهل سوريا ولبنان انهم شعب واحد في دولتين. واستغرب ان بعضا من اللبنانيين الى هذا اليوم لا يحبون هذا الموقف وأملي ان يعتبر الحكم السوري هذه القولة للمرحوم الرئيس إرثا يحافظ عليه.

                      المعروف ان لفظة شعب مقولة تاريخية مجتمعية وان الامة مقولة اخرى لم يستعملها هو. ولم اسمع ان الحكم السوري الحاضر استعمل لفظة الأمة. ولم يبقَ في لبنان من يقول اننا لسنا عربا بعد ان كرس دستورنا الجديد انتماءنا الى العالم العربي. واذا اعتبرنا مقولة «الأمة العربية» فهي تشمل بلدانا أخرى. ثم قال غير سياسي لبناني انه سأل السيد الأسد الأب اذا كان يرغب في صهر لبنان في دولة عربية موحّدة انه اجاب انا اضم موريتانيا قبل ان اضم لبنان. هذه جملة افهمها انه لم يكن عنده مشروع ضم لنا او لم يكن عنده مشروع قسري لإنجاز هذه الوحدة. واذا صح تشبيه انصهار طوعي بين بلدين فهذا اشبه بالزواج الذي يتطلّب موافقة طرفين.

                      ما وصل الينا من تصريح السيد الرئيس الراحل انه اعترف بوجود بلدين مستقلين ولا يسوغ لأحد نظريا او براغماتيا ان يتصرف كأن هذا الميراث لم ينتقل اليه. اما المناقشة حول هوية هذا الشعب فلا طائل تحته بعد ان اعترفنا جميعا اننا ننتمي الى الحضارة العربية والشعور العربي واننا مع سوريا في تداخل عميق. هذا اذا اغفلنا الكلام على الجوار والتفاعل العاطفي الذي يربط بين اهل البلدين.

                      وضعنا كدولتين مستقلتين لا يختلف عن وضع بلجيكا وسويسرا واللوكسمبور وإمارة موناكو. هذه البلدان المستقلة فيها كلها عنصر فرنسي ولم تطالب فرنسا بضم واحد منها اليها. كذلك في سويسرا شعب الماني وشعب ايطالي ولم تسعَ فرنسا والمانيا وايطالية الى ضم جزء من سويسرا اليها. القومية ممكن ان تكون منتشرة هنا وثمة. ولكن التاريخ هو الذي ينشئ الدول. الدولة تقوم على المواطنة اي انها كيان حقوقي فرضه التطور التاريخي.

                      واذا عدنا الى وضع البلدين الشقيقين ولو كانا يحتويان عنصرا عربيا واحدا ما كانا يوما دولة واحدة بالمعنى الحقوقي للكلمة. كان كل هذا الشرق بعضا من السلطنة العثمانية وعند انهيارها مرت سوريا في فترة دويلات مختلفة حتى توحدت ولكن لبنان القديم كان متصرفية تابعة مباشرة لاستانبول ولم يكن معروفا بوضوح في اتفاق سايكس بيكو (اذا اهملنا ذكر المندوب الروسي آنذاك) كيف ستقسم الأراضي التي انسلخت عن السلطنة. ولكن الحديث عند المفكرين العرب اذكر منهم نجيب عازوري وشكري غانم في باريس والدكتور خليل سعادة كان ان لبنان يجب ان يكون له تنظيم خاص او حكم ذاتي الى ان اعلنت فرنسا في اول ايلول السنة الـ١٩٢٠ ان لبنان دولة مستقلة.

#              #

#

                      وتمثل لبنان في عصبة الأمم في جنيف واشترك في وضع شرعة الأمم المتحدة اي كان عضوا مؤسسا لهذه الهيئة. قبل ذلك عند تأسيس جامعة الدول العربية بعد ان عارض الوفد السوري مشاركة وفد لبناني عاد فقبله اي ان الدولة السورية اعترفت بدولة لبنان.

                      واذا ذكرنا، في تراتب القوانين، ان القانون الدولي يحكم القوانين الخاصة بالدول تكون دولة لبنان شرعية دوليا ويكون لبنان دولة قائمة بذاته. وعندما وضع مجلس الأمن ان تشكيل محكمة ذات طابع دولي مرتبط اصلا بمشاركة الهيئات اللبنانية يكون مجلس الأمن معترفا بالدولة اللبنانية استطاعت ام لم تستطع اتخاذ قرار يتعلق بهذه المحكمة.

                      ولكن فوق كل هذه الاعتبارات القانونية والتاريخية نرى ان الشعب اللبناني كله متفق على وجود لبنان ولو كان هناك مسائل خلافية حول الأزمة الناشئة بالبلد. كل فريق يصرح بلبنانيته. اذًا ليس عندنا اختلاف حول هوية البلد واستقلاله. ما من بلد لا يختلف حول مسائل سياسية هي بطبيعتها عابرة مهما اشتد الخلاف. الحامل على بطاقة هويته انه لبناني هو حقا كذلك.

                      الى هذا الاعتراف الصريح المسجّل السؤال الأعمق هو هل ابناء هذا البلد يؤمنون به حقا؟ بعد الطائف والدستور هذا السؤال غير وارد وليس عندك من تعبير شرعي عن لبنانيتك الا كونك قبلتها بقولك ان هذا البلد نهائي، الأمر الذي لا يباعد بينه وبين البلدان العربية الاخرى ولا سيما سوريا وفلسطين.

                      ما يبدو واضحا في حياتنا المشتركة اننا نريد ان نبقى من هذا الوطن لأنه موضوع حبنا وفخرنا. والحدود المرسومة قانونيا لا تمنع تعاطينا الواسع والمخلص مع الشعب السوري واية دولة تعترف بسيادتنا الكاملة اذ نحن موقنون اننا ننمو ونزدهر ضمن حدودنا وان لنا ما نعطيه الآخرين ببساطة وتواضع. واذا نحن نمونا بما عندنا من طاقات وأبدعنا – وليس في القول مكابرة – فكل انجاز لنا في اي مجال من مجالات الوجود خير للناس جميعا. والخيرات الأدبية والفنية والاقتصادية مشتركة بالحرية مع العرب الذين حولنا او البعيدين عنا. والمشاركة العربية لا تبطل مشاركات اخرى ضمن حريتنا.

                      هل نؤذي أحدا اذا احسسنا ان هذا البلد جميل وانه على صعوباته الداخلية قادر على خدمة نفسه والآخرين. والحدود المحددة لا تفرق بين وجدان ووجدان ولا تبطل العاطفة. قد نشبه بيتا صغيرا ويشبه بيت الآخرين قصرا وتحب انت ان تسكن كوخك وان يتمتع اخوك بقصره ولكنك تنام مع عيالك بمنزلك الصغير وينام اخوك الثري بقصره العظيم وتزوره ويزورك ويبقى كل منكما على كرامته.

#            #

#

                      في سوريا عقول كبيرة ومثقفون اعرف منهم بعضا في كل مدائنهم وكلموني بحب كبير عن لبنان وعن ضرورته للعالم العربي. أضيف الى هذا ان هؤلاء المثقفين حيثما حللت في المشرق العربي والمغرب العربي حدثوني بإعجاب عن لبنان وبتميز ابنائه بثقافة واسعة. هذا لم اتقبله باستكبار ولكني اؤكّد ان هؤلاء العرب يحسبون ان لنا رسالة في العالم العربي ويظنون اننا نؤلف جسرا بينهم وبين الغرب.

                      واذا كان هذا كله صحيحا فما يحمينا ويحمي الجار حدود واضحة آمنة وهذا له اهميته الأخلاقية منعا للفساد الذي يوقعنا فيه المهربون من كل صوب. ونحن على حجم صغير عصمنا انفسنا دائما عن الاعتداء كما يعصمنا ترسيم الحدود عن التآمر على سوريا في مقاهي رأس بيروت اذا صحت التهمة. ليس مثل الوضوح يقرب من الفضيلة.

                      وسوريا دولة كبيرة على الصعيد الاقليمي ومحترمة الجانب كثيرا عند الدول الكبرى وبخاصة في الزمان الذي نعيشه فليس لنا إرادة ولا قدرة على التدخل في مصيرها. جلّ ما نرجوه وهذا بكل اخوّة الا تتدخل هي بمصيرنا فلا يملي اي طرف منا شيئا على الآخر ونعيش معها بشفافية كاملة من شأنها ان توطّد القربى. والحب يأتي بعد العدالة فإنه ثمرتها.

                      وفي ظل المحبة والعدل نكون ادنى الى حل المشاكل اذا ظهرت ولكن نبقى دولتين حسب الإرث الذي استلمته سوريا من المغفور له حافظ الاسد. لا نطلب من سوريا الا ما طلبه هو اليها في تعاملها معنا.

                      مفتاح الحل لأزمتنا نحن هو في دمشق اولا. صعوباتنا ليست صعوباتها. وحكمها صامد ونحن نبارك لها هذا الصمود. فلا شيء يمنعها ان تبادر هي الى تحديد الحدود ولم اسمع من احد قادتها انه يرفض هذا مبدئيا. ولكن ارجاء البت يؤذينا نحن. والبت لصالحنا المشترك من شأنه ان يقرّب بين الفئات المتخاصمة في لبنان. ولست ارى مانعا في المبدأ ان يتفق الأفرقاء عندنا في هذه المسألة. الخلافات التي يتكلمون عليها قائمة على نقاط اخرى. والايضاح اذا جاء من دمشق قد يساعد على انفراج الأزمة اللبنانية.

                      التبادل الديبلوماسي يقوي اعتراف الواحد بالآخر والإقرار بنهائية كيانه ضمن العروبة. قال المغفور له حافظ الأسد مرة – وسمعته في التلفزيون- ان فلسطين هي سوريا الجنوبية ولكنه لم يقل يوما ان لبنان هو سوريا الغربية. وفلسطين تاريخيا كانت الأردن جزءًا منها. ومع ذلك – اذا لم أخطئ – في دمشق قائمة سفارة اردنية وفي عمان سفارة سورية. هل كثير ان تعاملنا سوريا الشقيقة كما تعامل الأردن؟

#             #

#

                      شؤون وشجون يمكن حلها اليوم بروح الصداقة في اي مكان في العالم ربما في خيمة كتلك التي جمعت الرئيس جمال عبد الناصر والرئىس فؤاد شهاب. قد لا نحتاج الى مثل هذا التعبير الرمزي ولكن ايضاح الحدود يوطد علاقات سوريا بالمجتمع الدولي الذي يكن لها ولنظامها كل الخير.

                      قناعتنا – وعبرنا عنها غير مرة – ان أمن سوريا من أمن لبنان والعكس صحيح. ولكني اقول اعظم من هذا. انا احلم ببلدين تخيم عليهما محبة كاملة لا يشترط فيها احدنا على الآخر شيئا كما في الزواج القائم على الوئام.

                      ألم يحن يوم تلاقينا وسوريا في العمق؟

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

العمر والأعمار / السبت ٢١ نيسان ٢٠٠٧

منذ سنوات قليلة انا مذهل بتركيب الجسد البشري. كيف تحوي النطفة في طاقتها كل الإنسان. أنشتين كان مهيأ لعظمته منذ اللحظة الأولى من تكوينه في الحشاء ولكنك تنمو في الزمن وتتشكّل وتتغيّر بالتربية والخبرة ولكن في حدود الجينات التي انت منها وفي حدود الذاكرة الجماعية التي منها تجيء. لا اتكلّم هنا عن الأبراج ولكن على ما اورثك ابوك وامك في عملية حب ومما يحملانه في جسميهما وربما في عقلهما ومن مناخ البلد وربما من نشوئهما الديني والثقافي. نحن امام سر كامل كنهه عند الله ونعلم قليلا «وغابت عنك أشياء». هذا ما زاد اعجابي في التكوين البيولوجي الذي يعجز العلماء كليا عن تقديره.

                      وفيما يلفتك في هذا المجال انك تأكل طعاما وبعد ساعتين يصير جزءًا من عينيك ويديك وكل أعضائك. نحن اذا مخبر كيميائي كامل وينتهي هذا المخبر باختلال وظائفه اي هذا التفاعل العجيب بين اعضائك.

                      هنا يستوقفني الموت المسجل فينا منذ تكون الجنين اذ نحيا من بعد الولادة ونموت معا بمعنى ان النمو لا ينتهي عند نقطة تبدأ فيها حركتنا الى الموت. الحياة والموت مترافقان منذ البدء وهذا بفضل الحب الالهي الذي أوجدنا وبهذا الحب نفسه الذي يستردنا الى الله عند اختلال وظائف الجسد.

                      بين هاتين الحركتين يعمل الأطباء. وظيفتهم ان يؤخروا الموت في علم تراكمي منذ هيبوقراط الذي كان لي فرح الصلاة على قبره في جزيرة كوس في اليونان. الاطباء حولوا الواقع الى نظريات وحفظوا خبرته وجعلوها فنا. انهم يصارعون معك الموت. ويلاحظون اقترابه او حدوثه المفاجئ وهذا ما اكسبهم الى التنظير فنا كبيرا فيه الكثير من الحدس. تعاون الاطباء على قدر ذكائنا ولكن ليس من عالِم في العالم يعرف متى تموت. وانا عندما أضع رأسي على الوسادة أستغفر لشعوري بأن شيئا في العالم لا يضمن يقظتي في الصباح الآتي.

                      وما زاد في ذهولي ان بعضا من نبات الطبيعة ولحم بعض الحيوان مكوّن بكيمياء ليصير جسدك. من وضع هذا الانسجام بينك وبين الطبيعة؟ هل أتى هذا كله بلا حساب ام ان فكرا واحدا جعل بينكما وحدة غايتها انت. لا تستطيع ان تنكر امام هذا العالم المتعدد، المتلون انه يتناغم والجسم البشري وكأنك انت غاية الطبيعة وان الوجود كله هو بالدرجة الاولى فكر متعال نقضي في هيمنته حياتنا على الأرض. واذا كان الانسان غاية هذا الكون وليس العكس فمعنى ذلك ان هذا الفكر (او هذا المفكر السامي) يحب الانسان على الطبيعة ويحب الأرض على بقية الأكوان ولهذا استطيع ان اؤكّد مطلع سفر التكوين: «في البدء خلق الله السماوات والأرض». لماذا جمع الكتاب كل المجرات والنجوم التي نعرف ولا نعرف باسم السموات وجعل الأرض متفرّدة عن كل الوجود. أليس لأن مليكها هو الإنسان الذي تقول التوراة ان الله خلقه على صورته كمثاله؟

#               #

#

                      فينا اذًا جمالات كثيرة قبل ان نموت. تنزل علينا رؤى ونبدع في الكلام والفنون والتقانة (ويؤثر الأكثرون على تسميتها التكنولوجيا). وبهذا الى اخلاقنا نشبه الله. غير اننا نمر بمراحل لندرك النهاية، نهاية هذا المطاف.

                      تأمّلت كثيرا في هذه المراحل بعد ان ادركت شيخوخة طاعنة اتخذ فيها وقايات كبيرة دفعا للموت ولست أرى ان كفاحنا البيولوجي وتحركنا النفسي يعنيان غير هذا. ويختلف عنهما الجهاد الروحي ومضمونه لقاؤك الله هنا وفوق وبهذا وحده تتغلّب على الترابية التي فيك.

                      غير انه يجدر بنا ان نتأمّل في مراحل العمر وهي ثلاث: الطفولة مع المراهقة، الكهولة والشيخوخة لكي نثمر عند كل اجتياز. انا ما ذقت الطفولة لما كنت فيها ربما لأن والديّ أراداني على شيء من النضج فيها والقفزة فيها مخاطر لأن الطفولة ولا سيما المراهقة تنتقم اذا تجاهلتها. كان والدي يكرهني على مطالعة بعض من صحف ومجلة الدبور وانا في السابعة وقبل العاشرة كنت أفهم من هذه الأدبيات الكثير ولكني ما تعاطيت الرياضة في المدرسة لأن رفاقي اعتبروني غير فهيم في هذا المجال.

                      غير اني منذ اربع سنين لظروف عائلية لم تتسنّ لي من قبل شاهدت الأطفال للمرة الاولى في حياتي بمعنى التعاطي والحب وما استطعت من فهم. والى الآن لا افهم كثيرا المراهقة المتقلبة، المزاجية احيانا. فاستغربت ان الطفل ليس ببريء كما تظن العامة فعنده هزء يتسلّط  فيه وغنج يستغل فيه ولكن كثيرا ما كانت عنده العفوية وأريد بها العلاقة المباشرة التي يسميها الانكليز Immediacy ولو كان عنده احيانا بعض من سياسة اي نوع من التخطيط القصير المدى. رأيت في الطفل الخطيئة ولكن بلا محاسبة اذ يعوزه الرشد الذي يؤتي الانسان المسؤولية.

                      الى هذا الطفل قادر على العطاء وعلى عاطفة جريحة، احيانا ولو لم يحفظ السوء ولكنه يحفظ الخوف. احفظ من الاطفال هذه الصلة المباشرة التي يقيمونها بلا مواربة ولا محاباة. هذا ينبغي ان نبقى عليه طوال الحياة والا نبقى على الجهالة عند الأطفال ولا على تقلبات المراهقين حتى تستقيم الحياة عند الكبر.

                      لن اكلّمكم على شبابي اذ لست قادرا على تحليل نفسي كثيرا. ولكني اختلط بالشبان الذين ارعى ويروقني الرفض عندهم لاعوجاج القادة ولكون الفضائل المفروضة في الكهولة باتت باهتة. واعذر تمرّدهم وأخشى طموحات لهم متصلة بما يشتهون ان يكسبوا. وهذا ما أراه اكثر فأكثر اذ لا تكاد تسأل فتى لماذا اخترت درس علم الحاسوب فيجيبك هذا يدر مالا كثيرا. مع اني اكره مقارنة الأجيال لا بد لي ان اذكر بأن الذين اقبلوا منا على الحقوق والطب والهندسة ولم يكن غيرها في الجامعة اليسوعية ما سمعت منهم ان هذه المهنة او تلك تؤمّن لهم دخلا كبيرا. لست اقول اننا كنا قديسين ولكن كان عندنا تطلْع الى جوهر المهنة وانسانيّتها.

                      الشباب حيوي ولست اريد بذلك قدرة الاجسام في كل طاقاتها ولكنه يحس بالحياة ووعودها بما في ذلك حياة الفكر وتأجج الإلهية فينا. فالشاب اراه عظيم التقوى وعميق الرؤية الدينية في كثرة الأحوال صحيح ان النبي داود قال: «خطايا شبابي وجهلي لا تذكر». ربما كان صاحب المزامير يتوب عن معصية فظيعة ارتكبها ونحن نعرفها ولكن لا شيء يشير على ان الشاب افتك جهالة في هذا المجال من الكهول واحفظ من هذا العمر الحيوية التي اتمنّى ان تستمر فينا بلا زهو.

#              #

#

                      اما الكهولة فهي العمر الصعب والبركات ايضا. ففي سن الأربعين وما قبيلها او ما بعيدها تحدث لكثير من الناس اهتزازات نفسية وروحية سماها الروائي الفرنسي le démon de midi, Paul Bourget مقتبسا عبارة المزامير «شيطان نصف النهار». الاربعون هي مرحلة الشك ولكنها هي ايضا مرحلة الإبداع الفني والفكري اذ ان الأكثرين كانوا بلغوا الكهولة عندما شرعوا بالكتابة. ربما اتى الشك والإبداع معا من اضطراب الكيان اي بدء الانهيار الجسدي وشيء من الانهيار النفسي.

                      عند هذا التراجع الجسدي للحيوية من المؤكد ان معظم الكهول يصيرون اعظم سماحة اذ يلاحظون ان الضعف شأن جميع الناس وانهم اخفقوا في ان يكونوا عظماء في الروح. ولكن اذا حفظ الكهل عفوية الطفل مع الفكر وحيوية الشباب ولم يخسر مثاليّته يكون قد بلغ نضجا كبيرا.

#              #

#

                      لست اعلم بعد ان كان للشيخوخة خصوصية او حسنات فهي على ما ارى تكمل سماحة الكهول وربما في مقدار اكبر لأنها ترى الناس يضعفون. الشيخ بعامة ينام على امجاده ولا يحب الكفاح الذي منه التغيير وقد يكون على شيء من الحزن لأن انتهاءه في الأرض يكتمل. طوبى لذلك الذي تضمحل عنده خشية الموت ويحافظ على حيوية لا تأتي من جسده بحيث يكون -على صعيد الوجدان والرؤية- طفلا وشابا وكهلا معا فلا تخفي فضيلة فضيلة او هبة هبة وتكون الأعمار غير حاجبة للحياة الواحدة. واميل الى الاعتقاد اليوم ان طول العمر عطاء من الله لنتوب اليه اذ تأكلنا الشقاء او بعض شقاء فيصبح الكيان البشري بكل جوانبه فيرانا الله على بلورية تروقه.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

صلاة الجماعة / السبت ١٤ نيسان ٢٠٠٧

اذا أحزنك وضع البلد والإنسان تلجأ الى الله الصانع العجائب وحده وإحساس الكثيرين ان لبنان في حاجة الى أعجوبة تفتح الأبواب الموصدة. وفتح الأبواب يتطلّب منا أدعية مكثّفة والرب لا بد مستجيب. وأهم صلاة عندنا صلاة الجماعة حسبما ورد عن المسيحيين في القرن الاول: «وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة (او الشركة) وكسر الخبز (او المناولة) والصلوات» (اعمال الرسل 2: 42). يجتمعون يوم الأحد ليكونوا واحدا ويقووا بعضهم بعضا ويصيروا كيان المسيح الظاهر بالكأس الواحدة.

              لا ينكر احد الصلاة الفردية صباح مساء في البيت وفي كل مكان القائمة اصلا على ان تتلى في الكنيسة وما يرفعه المؤمن من أدعية ولكن لا دعاء فرديا يسمو صلاة الجماعة اذ نكون فيها في الحقيقة شخصا واحدا وفما واحدا وقلبا واحدا.

              في احد توما الذي اليه نصير غدا حسب تقويم كنيستي نقرأ في إنجيل يوحنا ظهورا ثانيا للسيد لتلاميذه وكان قد تراءى لهم مساء يوم الأحد الذي قبله اي يوم قيامته. اذ ذاك لم يكن توما معهم وأعطاهم الروح القدس اذ كانوا معا منتظرين المعزي الذي وعدعم به بعد العشاء السري. ثم ظهر الرب في الأحد الثاني وكان، عند ذاك، توما معهم وكان لم يصدق ان الرب ظهر فقال له المعلم: «هاتِ اصبعك الى هنا فانظر يدي، وهات يدك فضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا». لماذا وبّخ السيد هذا التلميذ على عدم الايمان؟ لا اجد طبيعة عدم ايمانه الا بأنه لم يصدق إخوته التلاميذ. كانت شهادتهم كافية ليؤمن. فلكون توما انفصل عقله وقلبه عن عقل زملائه الرسل وقلبهم وقع في خطيئة الجحود. كان ينبغي ان يكون مع الجماعة ولو غائبا عنها.

              المتخلفون عن قداس الأحد اذا سألتهم عن غيابهم يجيبونك: نحن نصلي في البيت. كيف تريدني ان اصدق ان الذي يغط في النوم ثم يحتسي القهوة مع زوجته ثم يفطر كان لحظة في حالة صلاة، انه يفكر في الواقع انه لا يحتاج الى ان يقف مع الجماعة المصلية وان يكون قلبه الى قلبها ووجهه الى وجهها ليرى الله من عليائه اننا نشكل معا وجه ابنه على الأرض. طبعا يؤلمني هذا التهاون وهذا الإعراض عن الاخوة اي هذا الانعزال العميق عن المشاركة.

              الفردية متأصّلة فينا- على هذا الصعيد وعلى غيره- والفردية هي الانقسام والتجزئة والتبعثر والخروج الفعلي عن الأمة المقدسة. قد لا يعي الغائب اننا نحن نصلي في الكنيسة للإخوة «الذين تغيّبوا عنا لأسباب ممدوحة». ما عدا ذلك ما العذر؟ انا لا اذكر هنا الذين فقدوا كل ايمان ولكني لست اظن ان في الشرق انسانا ملحدا بالمعنى الكامل. غير ان المحبة لله تفتر وافتقادنا للإخوة قد يتعطل وهذا اهمال للذين يحبونك ويريدونك مرصوفا في صفوفهم اي انهم لا يستغنون عنك وانت بالتغيّب استغنيت عنهم.

#           #

#

              عندنا قانون من بدء المسيحية يقول: ان من تغيب ثلاثة آحاد عن الكنيسة فليقطع اي فليخسر العضوية. والمعنى انك مدعو الى الكأس المقدسة ولا عذر لك ان خفت من ان يلقي عليك العسكر الروماني القبض. وكانوا يذهبون الى الكنيسة وهم تحت التهديد.

              يؤلمني جدا اذا اعطيتكم احصاء تقريبا عن الذين يحضرون صلاة الجماعة. ففي المنطقة التي ارعاها لا يتجاوزون العشرين بالمئة اذا كانوا كثرا. لست هنا لأعالج امام قرائي هذه الصعوبة. ربما وجب إكثار الكنائس ولكن هناك معابد تستوعب ومع ذلك يسود في احيائها اهمال كبير.

              في بلدان بعيدة عنا كثيرا يسوق المؤمن سيارته بين ساعة واربع ساعات ليصل الى الكنيسة لأنه ساع الى الخبز السماوي كما يقول يوحنا. عندما  كنت اسمع في البيئة التي نشأت فيها الكثيرين يقولون: احس بضياع كامل يوم الأحد اذا اضطررت الا اشارك في القداس الالهي. هل من له هذا الشعور اليوم؟ ليس يقول يسوع: «الكلام الذي اكلّمكم به هو روح وحياة». هل قصرنا بتبليغ هذه الرسالة؟ هل اهمل المسؤولون نقل الايمان؟ هذا بحث آخر ولكن هل معذوراحد بإهمال الألم الذي يكابده المصلون عندما يجدون انفسهم قلة اي عندما تتحول الكنيسة الى قاعة نصفها شاغر فلا تكون جماعة بل حجر.

              لماذا صلاة الجماعة؟ الجواب البسيط هو لكوننا كنيسة اي جماعة الذين يومنون بيسوع. حتى لو صلّى احد وحده فهو من الجماعة اي انه عضو في جسد المسيح. وانت تتحقق عضويتك في هذا الجسد عندما تتناول القرابين المقدسة اذ عند ذاك تصير من الجماعة. لكون هذه تجتمع قال بولس: «أليست كأس البركة التي نباركها مشاركة في دم المسيح؟ أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ فلما كان هناك خبز واحد، فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأننا نشترك كلنا في هذا الخبز الواحد» (١كورنثوس 10: 16و17).

              هذا يدل على ان خصوصية الكنيسة لا تقوم بالبناء وحسب ولكن بتناول الكأس. واذا كان ثمة ضرورة لإقامة الذبيحة خارج مبنى الكنيسة فالكنيسة قائمة في المجموعة البشرية التي تشترك بالقرابين المقدسة. في هذه الأيام، منذ عهد النهضة الذي بدأه شبابنا نرى المؤمنين جميعا يقتربون من الكأس ولم نبقَ في الزمان الذي لم يكن احد يقبل الى المناولة الا يوم الخميس العظيم او ثلاث او اربع مرات في السنة. صح ان الانسان يصبح عضوا في الكنيسة بالمعمودية ولكنه لا يبقى عضوا فاعلا الا اذا أقبل على الذبيحة الإلهية في كل يوم أحد وعيد. انى لك ذلك وانت مضطجع على سريرك  صبيحة الأحد مدعيا انك تصلي؟

              كيف تعيّد للقيامة كل احد وانت مستلقٍ في غرفتك؟ كيف تعي هذه القيامة عندما تتناول فطور الصباح في  منزلك ثم تقوم بنزهة مع أولادك؟

              صح ان الله موجود في كل مكان ولكن المسيح قال: «خذوا كلوا هذا هو جسدي» وقال عن الكأس: «اشربوا منها كلكم. هذا هو دمي للعهد الجديد». بهذا نقيم العهد معه اي بهذا نحبه ويظهر لنا ذاته. غير ان العهد قطعه هو على صليبه. ولكن كيف تعلن ايمانك بالمصلوب اذا لم تقبل قول الرسول: «فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تعلنون موت الرب الى ان يأتي» (١كورنثوس 11: 25).

              كيف تكون غريبا عن اخيك، كيف تنعزل عن المكان الذي قصده ليستمع الى الكلمة الإلهية التي تؤهله ليتحد بالمخلص فيصير من المخلص والمخلص اليه. للمسيح حضوران هو حددهما: اولا بالانجيل وثانيا بالكأس المقدسة. انا ما انتزعت المسيح عن قلبك اذا تواريت عن الإخوة. ولكن هذا الذي في قلبك اذهب اليه حيث يجتمع الإخوة وأعطهم ما في قلبك وخذ ما في قلوبهم لتكونوا جماعة يراها هو واحدة فيه. هكذا تسيرون معا اليه واذا انعم عليكم بالكلمة والكأس تسيرون في الله وتصبحون معا سكان السماء ولو بقيت أجسادكم الآن على الأرض.

              لقد تحسس بعض من شعبنا منذ سنوات قيمة الذبيحة الإلهية بعد ان كانوا قديما يهتمون للإنشاد وحده. باتوا الآن أكثر لصوقا بالمخلّص كل حسب فهمه وكل بمقدار حبه. والفهم يزداد عند من فهم قول الكتاب: «ذوقوا وانظروا ما اطيب الرب» (مزمور 34: 8). وهذا يتحقق بامتياز عندما تلامس الكأس شفتيك فتنزع آثامك وتطهّرك من كل خطيئة.

              اذا كنت لا تهجر عائلتك الجسدية كيف تهجر عائلة الرب وهم اقرب اليك من أبيك وأمك؟ الى هذا صلوات مختلفة خارج القداس لا تؤتى انت معانيها ما لم تلازم الكنيسة في المواسم الكبرى وفي المواسم الصغرى. وبعض منها يتمم خارج اوقات عملك. واذا كان جسدك يتنشّق الهواء فإن روحك لا تتنشّق بصورة كاملة الا اذا سكنها الله بكلمته. انها في امتدادها وعرضها وشرحها هي في الكتب الطقسية التي لا تقتنيها في بيتك. واذا تلوتها مع الإخوة او استمعت اليها ترتفع قامتك الروحية وتمتشق حتى السماء. لا تتقزم روحيا بالجهل. الله يحييك بما قاله مرة واحدة وبالعبادات التي وضعها بإلهامه آباؤنا القديسون.

              «استيقظ ايها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح» (افسس 5: 14). لا تسترخ. ان الله لا يحب المسترخين. بادر بالجهد الذي قال لنا الله كيف يكون. اهتزّ وتعال الينا فتستوعبنا ونضمّك الينا ويستوعبنا الله جميعا حتى نتحرك به واليه. الجماعة في حاجة اليك ولا تكتمل الا بك فتعرف عندئذ ان هذه الجماعة عليها بهاء الله.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

القيامة / السبت 7 نيسان 2007

«سبق (داود) فرأى وتكلم عن قيامة المسيح انه لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فسادا فيسوع هذا أقامه الله ونحن شهود لذلك» (أعمال الرسل ٢: ٣١ و٣٢).

ليس عندنا في الإنجيل وصف لخروج السيد من القبر أو لما قد يسمى انتعاشه. الايقونة القانونية للقيامة هي نزول المسيح إلى الجحيم، لمملكة الموت مرتديًا حلة من نور ويقيم بيديه الانسانية كلها ممثلة بآدم وحواء. هذا هو انتصاره على الموت. وعندنا في الأناجيل الأربعة وعند بولس تأكيد لظهورات السيد وتأكيد ان هذا الذي تراءى أمامهم هو هو الذي عُلق على الخشبة. من هذه الترائيات انه «اظهر نفسه للتلاميذ على بحر طبرية» لما كان تلاميذه ذاهبين إلى الصيد وما عرفوه في البدء. ثم يقول التلميذ الذي كان يحبه لبطرس هو الرب. المحبوبية تفهم.

واذا اكتفينا بشهادة يوحنا يذكر لنا ان مريم المجدلية جاءت إلى القبر باكرًا والظلام باق «فنظرت حجرًا مرفوعًا من القبر وأخبرت بذلك بطرس والتلميذ الذي كان يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه». هذا ما نسميه برهان القبر الفارغ. ثم كان لقاء المعلم مع مريم المجدلية في البستان وقد ظنت انه البستاني ثم سماها باسمها «فالتفتت تلك وقالت له ربوني (بالآرامية) الذي تفسيره يا معلم».

كان يهم الإنجيليين ان يقدموا شهادات ليقنعوا قراءهم. غير ان ابلغ شهادة عندي في كل الكتب ترائي المخلص لتوما الذي شك بعد الترائي الاول للتلاميذ ولم يكن فيه. فشك بما قال له التلاميذ. في المرة الثانية جاء يسوع والأبواب مغلقة فقال لتوما:”هات اصبعك إلى هنا وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا”. أجاب توما وقال له: «ربي وإلهي».

توما أبصر جراح اليدين وجرح الجنب. ربما كان هذا الرسول يعتقد ان زملاءه رأوا شبحًا لأنهم كانوا يهلوسون. هنا أراد يوحنا الإنجيلي في سرده الحادثة الثانية ان يقول ان هذا الذي عاينه توما هو اياه الذي علق على الخشبة وان آثار الصلب ما زالت في جسده. من هنا نستطيع ان نقول أننا أمام حادثة قيامة.

نحن لسنا اذًا فقط مع فكرة القيامة ولكننا مع انتقال يسوع الناصري من قبر كان في شكل مغارة مغلقة بإحكام وانه هو نفسه صار خارج المغارة. وعلى هذا بنى بولس كل ايمانه بالمسيح.

#     #

#

موته كان الحدث الأول في كل هذه المسيرة. وهذا كان امرا قرره احبار اليهود وحكم به الوالي الروماني وشهده شهود كثيرون. والقيامة دلتنا على ان هذا الذي رؤي كان اياه ذاك الذي رفعوه على الخشبة ثم رفعه الله اليه.

السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف كان جسد هذا الرجل عند القيامة. عندنا دليل واحد انه دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة. لا نقول نحن ان جسده اخترق الحواجز. نقول انه حضر ونبقى في السر الكامل. مجموعة الاوصاف تدل على انه تخلى عن كمدة الجسد، هذا ما يسميه العلماء l’opacité de la matière. ولكن كما رأينا في ما ذكرنا من ترائيات هناك تواصل بين المسيح المصلوب واياه قائمًا أو هناك تماه مع إضافة النورانية على هذا الكائن الذي بدا لأحبائه غير مرة.

غير أننا نستطيع مداورة ان نعرف شيئا عن مظهر يسوع في الوصف التي تقدمه الرسالة الاولى إلى أهل كورنثوس عن البشر الذين سيقومون في اليوم الأخير في الإصحاح الخامس عشر. الإنسان سيكون في عدم فساد (الفرق ان السيد لم يعرف الفساد قبل الموت وفي الموت). ثم يتابع بولس عن جسد البشر: «يزرع في هوان ويقام في مجد (يسوع عرف الهوان طوعًا). يزرع في ضعف (عرف السيد الضعف الجسدي طوعًا) ويقام في قوة. يزرع جسمًا حيوانيًا (بالمعنى البيولوجي وكان يسوع على هذا) ويقام جسمًا روحانيًا».

صار جسد يسوع بالقيامة جسدًا ممجدًا أي قائمًا بصورة محسوسة في المجد الإلهي وكان في المجد الإلهي بصورة غير محسوسة قبل ان يتجلى على جبل ثابور. القيامة لم تعطه مجدًا. كشفته فقط وهو قائم فيه إلى الأبد في ناسوته الجالس عن يمين الآب.

#            #

#

أثر هذه الحقيقة فينا أننا نحن المؤمنين به أمسينا قياميين أي قادرين على التغلب على الفساد والخطيئة والموت في اليوم الأخير. ايماننا ان قيامة جميع البشر ثمرة هذه القيامة التي تحققت في المسيح يسوع. نحن عندنا الطاقة الفصحية بالتوبة وغفران الخطايا واهلنا الرب على اقتبال النعمة التي في كنيستي قوة نور أزلي، غير مخلوق وينزله الله علينا في هذا الزمان. أي عندنا المألوهية في الطاقة وتصير تأليها أي نصبح مشاركين الله في هذه القوى دون ان نكون مشاركين الجوهر الإلهي. هذه المشاركة ليست شركا لأننا لا نعبر من وضع المخلوق إلى وضع الخالق. ليس من اختلاط في المألوهية بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية. ولكن هناك انسكاب النور علينا ومعمودية نور دائمة اذا نحن بقينا على التوبة.

على هذه الأسس نفهم ان الكنيسة تعيد للقيامة كل يوم أحد وذلك قبل تأسيس الفصح لأننا من هناك نجيء وبقوتها نرى المجد الإلهي ونحن على هذه الأرض. من الفصح تجيء ذبيحة القرابين في الأحاد والأعياد ونأخذ بالقربان قوة المسيح القائم من بين الأموات ونصير إلى القوة التي تتفجر في آخر الأزمنة.

إلى هذا كل شجاعة الشهداء الذين يموتون شهادة للمسيح آتية باعترافهم بالمسيح الظافر بالموت. يصارعون امبراطورية روما وهم عزل ويصارعون كذلك كل الدول التي تشبهت بروما وقست عليهم على رغم وداعتهم الساطعة. كل جرمهم انهم كانوا يرفضون تأليه السلطان العاتي وما كانوا رافضين الطاعة. تحاسبهم الدولة على ما في قلوبهم المؤمنة بوحدانية السلطة الإلهية. تروضوا على الوحوش وكانوا يتجاوزون أجسادهم النازفة والمفترسة بفرح ولا خوف.

قصة الشهيد مرداريوس في هذا الصدد تدل على ما كان يجول في نفوس هؤلاء. هذا كان نبيلاً رومانيًا يتمشى في قصره فسمع من الشارع ما اعتبره أغاني. أطل من شرفته فرأى قافلة تنشد. سأل خدمه: من هم هؤلاء ولماذا يرتلون. اجابوه هؤلاء يسمون مسيحيين وهذه رسالة جاءت من المشرق، انهم ذاهبون إلى الإعدام ويرتلون لأنهم يعتقدون أنهم اذا أعدموا يتحدون بمعلمهم الذي يدعى المسيح. قال رسالة كهذه عظيمة. نزل الرجل من قصره وانضم اليهم ليذهب إلى الموت.

الانخطاف الرئيس عند المسيحيين ليس إلى القيامة الأخيرة. انه انخطاف إلى المسيح الذي استقبلته مرتا أخت لعازر الميت وقالت له: لو كنت ههنا لم يمت أخي. أجابها سيقوم أخوك. قالت له مرتا أنا أعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع أنا القيامة والحياة. المعنى الظاهر ان عندك قيامة حقيقية فعالة هي قبل القيامة الأخيرة وهي أنا وفسر كلامه بعد هذا بقوله: «كل من كان حيا وآمن به فلن يموت إلى الأبد». قد يعبر بموت الخطيئة ولكنه ينهض منها اذا رآني على الصليب وخارجًا من القبر أي اذا شاهدني حاضرًا فيه.

المسيحيون المحدقون بالمخلص الآن قائمون معه في هذه الرؤية. حقيقة انبعاثهم هي اليوم ولهم ان يتطهروا الآن بلفتة منهم اليه فيصيرون خلائق جديدة مخلوقة بنوره. هذه العلاقة الحميمية به تجعل كل نفس من نفوسهم عروسة له اذ تعرف ان ليس لها حياة في ذاتها ولكنها تحيا به.

وتتمكن من ذلك اذا عاشت الفصح وهو كلمة تعني العبور مما كان ينهيها عنه، اذا عبرت اليه وتأملت وجهه وحده وعرفته انه كل موجود. في هذا السياق ألف القديس سيرافيم الروسي تحية فكان يقول لمن التقاه: يا فرحي، المسيح قام. أي انه عندك في صميم قلبك وهو محييك وليس عليك ان تنتظر شيئًا آخر اذ لا يزاد على الفصح شيء.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

من الأسبوع العظيم الى الفصح / الاحد ١ نيسان ٢٠٠٧

ومضات فقط لنلتمس شمس الأسبوع الذي نفتتحه غدا بالشعانين  بعد بعث اليعازر من الموت اليوم. واهم ما في الحادثة حوار السيد مع مرتا اخت الميت لما قال لها: سيقوم أخوك فقالت له انا اعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع: «انا هو القيامة والحياة». المعنى ان القائم هو من كان في المسيح وان القيامة العامة تأتي تحقيقا اخيرا لهذا الحاصل اليوم. المؤمن في مماته او معاشه الظاهرين انما يأتي مني ويصير مثلي. واذا قام فيّ لا يحتاج الى شيء آخر يكمله. هذا العاشق ليسوع حيّ يعبر هذا الوجود وما بعد هذا الوجود.

                      في حادثة بعث أليعازر دشّن المعلّم موته اذ دخل الى اورشليم وخرج الجمع الكثير للقائه. سنخرج نحن بدءًا من غد من كل وطأة الدنيا لنلقى وجهه وفي هذا اللقاء غسل عينينا.

                      وبعد ان تنقضي الشعانين نقيم في كنيستي ثلاث ليال ما نسميه صلاة الختن. هذا مصطلح سرياني يعني العريس. ونرسم ليسوع العريس صورة لآلامه ونقيمها في الكنيسة لنقول ان من اقتبل منا، تواضع. هذا المسوق الى الذبح تصبح نفسه عروسة المسيح ولكن هذا يقتضي تشبها بالسيد في كل شيء. ونجترئ على الكلام على دخولنا خدر المسيح لأن حبه لنا هو زواجه الحقيقي مع الانسان. وهذا التزاوج بيننا وبين المخلص سيتحقق في دمه يوم الجمعة العظيمة عندما يرفعه الخطأة على الصليب، ذلك ان كل عرس لا يتم الا بالدم.

                      دخل يسوع الى اورشليم وأخذ يعلم. ندد بالفريسيين تنديدا واسعا، شديدا. ثم يحمل السوط ليطرد التجار من الهيكل. الاسبوع القادم صعب اذ كل منا مضطر ان يفحص قلبه ليعرف اذا كان من المنافقين او من تجار الهيكل وبعد ان يتعرى بتوبيخ يسوع له يصبح فقط من أحبائه.

                      عند ذاك يجالسه في العشاء الأخير وعند ذاك تهطل عليه الكلمات الجسام التي قالها السيد عن يهوذا الاسخريوطي: «ويل لذلك الرجل الذي يسلم ابن الانسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد». السؤال المخيف هو هل انا يهوذا آخر خائن لابن البشر بعد ان آلفته طويلا ثم حولت وجهي عنه لألهو بمغريات هذا العالم ام اتناول خاشعا، مكسورا المخلص ذاته بالحب عملا بقول الكتاب: «وفيما هم يأكلون اخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا».

                      نحن لا نزال في لغة الاتحاد حيث ينبث في كياننا كله وفي قراءة اعظم سحرا هو يأكلنا ويشربنا او بتعبير ابسط في العشاء السري هذا يحل فينا ونحل فيه. ابوه الذي نخطئ اليه ينسى، عند ذاك، كل خطايانا.

#                   #

                      في إنجيل يوحنا ذكر لعشاء عادي وليس فيه ذكر لتقدمة الخبز والخمر ربما لأن يوحنا كان قد تكلّم طويلا عن خبز الحياة في موضع آخر. ولكن بعد الإشارة الى ان يهوذا اشترك في الطعام قال البشير عنه: «فلماذا اخذ اللقمة دخله الشيطان ثم قال فلما اخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلا».

                      كل عشاء يتم في الليل. ما يذكره اذًا يوحنا لا يدل على الوقت. المعنى الذي استدل عليه من السياق ان التلميذ دخل الليل قلبه. هذا جزاء الذين ينكرون يسوع كل على طريقته.

#                   #

#

                      في هذا المخاض تتهيأ امة اليهود لتقتل الذي كان منها حسب الجسد وهي التي أسلمته الى الوالي الروماني. بعض علماء الغرب يقول ان بيلاطس هو الذي اصدر حكم الإعدام وما قامت على مجمع اليهود خطيئة. غير ان هذا المجمع مع الرعاع هم الذين ضغطوا على بيلاطس وبتأثيره خوفه من هياجهم الجماهيري أعدم السيد. ليس البحث الحقوقي مفيدا اليوم وما البحث في تبرئة فريق ذا معنى فكل خطيئة ارتكبها احدنا قاتلة للمسيح. ولا رجوع عن مسؤولية هذا الذبح الدائم الا بالرجوع الى وجهه والانضمام اليه.

#                  #

#

                      نحن لا نتحدث عن هذه الميتة الا لكونها مطرح النصر والبر فالقيامة. وقبل ان يتم القتل الفعلي اسلم المعلم نفسه الى مشيئة الآب في البستان. في هذه الصلاة » لتكن مشيئتك لا مشيئتي« وحّد المخلص ناسوتيته طوعا بإرادة ابيه وانهار الفاصل بين الله والبشر، هذا الفاصل الذي أقاموه ليستقلوا عن خالقهم ويؤلّهوا انفسهم على غرار آدم. كان يسوع هو الوسيط بينهم وبين الله. فلما غربوه عنهم ورفعوه على الخشبة غفر للقاتلين ولنا وبهذا «تمجد ابن الانسان وتمجد الله فيه».

                      ارادوا استئصاله ولما نظر اشعياء اليه قبل ذلك بقرون قال: «لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه». ولكنا الآن وبعد ظفره صار هذا الوجه كل النور. كذلك قال اشعياء «لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحمّلها… وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا… تذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق الى الذبح وكنعجة صامتة امام جازّيها فلم يفتح فاه»

                      هذا لا يزال المشهد امام كل مؤمن به على رغم فيض النور من كل جسده. ذلك انه لما أخذ على نفسه كل أوجاعنا رفع عنا التوجّع ولكن بقينا نتأمّل في آلامه لنكف عن معاصينا ونذكر ان الله اشترانا بثمن  عظيم لنخرج في غفرانه الى روحية النصر. لذلك لا نتفجّع لأنه حررنا من كل فاجعة وأقامنا معه في مجد لا ينقطع.

                      ان ايماننا هو ان الحياة الإلهية الساكنة في جسده نزلت الى مملكة الموت وأبادتها. لذلك عندما نريد ان نعبر عن القيامة لا نرسمه خارجا من القبر ولكنا نصوره نازلا الى الجحيم ومنهضا بيد آدم وبيد حواء اي جنس البشر قاطبة من حكم الموت وأتعاب الخطيئة ليجلسنا معه في السماويات.

                      لذلك استطاع صاحب سفر الرؤيا ان يقول: «رأيت سماء جديدة وارضا جديدة» اي كونا ضاهره كما تعرفونه وحقيقته ان الله يراه نورا ساطعا من المسيح. وأكمل كاتب الرؤيا: «سيمسح الله  كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون في ما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت».

                      بالدقة اللاهوتية هذا لن يكتمل الا عند المجيء الثاني. ولكن المؤمنين التائبين يذوقون مسبقا كنه هذا. تكسرهم ضعفاتهم هنا والأهواء ويتجلون بآن بمقدار ما يحبون بعضهم بعضا وليس من حب اذا استولت عليهم الشهوة. «بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي ان كان لكم حب بعضكم لبعض». ليس من مضمون للمسيحية الا هذه المحبة. وهي الفصح الدائم على هذه الأرض والفصح الأبدي في آخر الأزمنة.

                      الآن نسير الى الله وفي تعمقنا الروحي منذ الآن نسير في الله لكون البشرة فينا قد انضمّت الى ناسوتية المسيح بضيائه وحبه.

                      عندنا هذا هو مركز كل شيء ومدى كل شيء والله يحب العالم بقوة هذه المصلوبية التي تجعل الدنيا كلها محتواة في قلوبنا ولكن مضاءة. نحن الذين اتكأنا في حضنه كما التلميذ الحبيب في العشاء السري يرفعنا الى صدره لنسمع تلك الكلمات التي لا يسوغ النطق بها، لنتكلم مثلما تكلم ونصبح واحدا معه بسبب من عطفه وكرمه وانحنائه على كل ثنية من ثنايا كياننا. اي نكون في حركة العبور اليه كل حين.

                      هذا هو الفصح الذي هو البدء والمنتهى والنور الذي لا يعروه مساء.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

مريم المصرية / السبت ٢٤ اذار ٢٠٠٧

المسيحيون الأرثوذكس يلحّون كثيرا على التوبة الحقيقية اللابسها الكيان ولا يكتفون بالندم على ما تراكم فيهم من خطايا. في المبدأ كل المسيحيين واحد ويبتغون هذا الرجوع بالعمق الى الله غير ان الارثوذكسيين يملأون كل عبادات الصوم بهذه الفكرة وهذا  التصميم لكونهم يسعون الى مألوهية الانسان منذ الآن ويتوقون الى الا يقيموا فاصلا رهيبا بين هذه الدنيا والملكوت الأخير وتزعجهم – مع ان العلماء المدققين لا يرفضونها – عبارة مارتن لوتر ان الانسان دائما بار ودائما خاطئ. الأرثوذكسيون يشدون الخاطئ الى  البر بحدة ويهيكلون الصوم كله يوما بعد يوم ليرتفع الانسان الى اهتداء كيانه كاملا الى النور ولا تبقى ثنية من الظلام فيه.

                      لا يريدون حضورهم في الله مجرد توق. لا يحبون الرغبة. يريدون الاقامة في حضن. وتهيؤًا لمناولة القربان يطلبون ان يكون هذا القربان “لكمال ملكوت السموات” وكل من قرأ حرفا في اللاهوت يعرف ان هذا غير ممكن وان الكمال عند القيامة الأخيرة. ولكنهم هكذا في حالة اشتياق الى السيد يريدون ان يتحقق الملكوت الآن وان ينتصروا الآن على الخطيئة.

                      ويكويهم هذا الشوق فبعد أن تأملوا الصليب منذ أسبوعين يأتون الى ذكرى القديس يوحنا السلمي الكاتب الصارم على الخطيئة والفضائل  ثم يأتون الى هذه التائبة مريم المصرية التي لا نعرف احدا كسر الخطيئة كسرا وامتشق روحيا امتشاقا مذهلا مثلها وكانت اشد طهارة من نساك الأردن حيث عاشت وذهل بها صفرونيوس بطريرك اورشليم الذي كتب سيرتها ثلاثة قرون بعد انتقالها الى الرب.

                      لماذا حركت مريم المصرية كنيسة الشرق؟ ربما لأنها تعاطت الفسق وفي المسيحية العربية الكلمة تعني خطيئة الفتى العزب او الفتاة وتخصص كلمة الزنا للمتزوج او المتصل بمتزوجة. لماذا اتخذت الكنيسة نموذج فاسقة تابت مع ان آباءنا يعتبرون الكبرياء اشد هولا من الزنا. لست أظن ان استهوال الفسق دخل الينا من الرهبانية ولكنه دخل من استخفاف بالتراث اليوناني الراسب عندنا ولا سيما اهل الغنوصة او المعرفة. في التاريخ المسيحي بدءًا من بلغاريا (البوغوميل) وانتهاء بفرنسا (الكاتار) كان الفسق شائعا في هذه البدع لكونهم كانوا يحتقرون الجسد ويعتبرونه لا شيء. ثم ظهرت حركة فسقية في روسيا من ضمن المسيحية.

                      كانت المسيحية تخشى تدنيس الجسد ووضعه في مكانة دونية على رغم تقديسها للزواج بكلمات أخاذة عند بولس. ربما ان الاعتداء الفكري على العفة جعل الكنيسة تتخذ هذه الفتاة مريم المصرية التي انتهك عفافها صورة للخاطئ المهتدي.

#            #

#

                      الاسكندرية موطنها. كانت في القرن الرابع اسبق مدن الإغريق في الحضارة . كان قد بقي فيها شيء من الفلسفة تعيش من أفلوطين وفيثاغوراس وفيلون الاسكندري (اليهودي) ولكنها كانت مبدعة في النحت والعمارة والفلك والأناقة المترفة وتدلنا على ذلك المنحوتات الصغيرة المحفوظة بمتحف الاسكندرية. أظن ان قديستنا عاشت في هذه البيئة المترفة لأن صفرونيوس يقول انها تعاطت الفسق طلبا للعشق وليس التماسا للمال. ما يعني انها لم تندفع الى الخطيئة بسبب الفقر.

                      في هذا الانجراف ما كانت واعية – على ما يبدو من تحليل دقيق للسيرة- انها كانت مصدومة بسبب من ايمانها. على الأغلب انها حجبته عن وعيها ولم تلغه ودليل ذلك انها أرادت ان تحج الى القدس بمعنى انها لم تطرد الله طردا كاملا من نفسها والسيرة تقول ان قوة سرية خارقة منعتها من دخول كنيسة القيامة. الأرثوذكسيون يفهمون هذا جيدا عندما لا يستطيعون ان يقبّلوا ايقونة اذا خطئوا ثم انحلت الصعوبة عندها.  

                      بعد هذا ذهبت وسكنت برية الأردن سبعا واربعين سنة. كيف عادت الى شفتيها آيات المزامير وكلمات الاستغفار؟ بالايمان نقول انها اعتمدت ببكائها بالعلم نقول ان هذا الاندفاع الرهيب الى الفسق صعقها صعقة قوية كما اخترقت الارض الاولى منذ ١٥ مليار سنة بشعاع من نور فجّرها وظهرت العوالم الاخرى. يُلمَس الانسان بلمسة علوية يعرفها المؤمن فيصير فورا انسانا جديدا. كيف يهدأ جسد فتاة دون العشرين. نحن نعرف ان الجنس يتحرك بقدرة من الدماغ وذلك بواسطة غدة وهرمونات. ان الخيالات المؤذية جمدت عند رؤيتها ايقونة مريم في كنيسة القيامة وصار هذا الجسد الى هدوء. هذا اقرب تفسير ممكن الى العلم ولا يناقض قول الأبرار عندنا الذين يقولون ان الله هداها. الله عندنا يستخدم قوى الطبيعة.

                      نصف قرن من النسك كان كافيا ليجعلها مجرّدة من كل شيء او في حالة الرث الكبير وتبدو هكذا تعيش من أعشاب الصحراء. القاص الكنسي كان همّه ان يقول ان الذين يلبسون الله ليسوا في حاجة الى ما هو من المادة. وقد اضافوا الى هذا في كتب النسك عندنا ان ما سموه “الأفكار” اي هذه الآتية من الدنيا انما تحولنا عن الرب. الفكرة المقولة في هذه الأدبيات ان النور الإلهي يغذّي المؤمن المجاهد. وهذا ليس من المخيلة اذ يعرف كل الصوامين ان الكلمة الإلهية تعوّض عن الطعام او تصير هي الطعام بمعنى ان الأتقياء لهم نواميس ليست من الطبيعة.

                      غير ان ثمة خبزا لا يُستغنى عنه وهو الخبز النازل من السماء ويريد به المسيحيون شيئين: الكلمة الإلهية التي تصير لهم طعاما وما يتخذونه كقرابين يعتقدون ان يسوع يجعلها بالروح القدس إلى جسده ودمه أي إلى كيانه.

                      مريم المصرية كانت في حاجة الى هذا الذي آمنت انه هو الذي يغفر لها خطاياها واختصارا لقصة زوسيما الذي تذكره السيرة اتى هذا الراهب اليها بعد ان اهتدى الى مكانها فتناولت بالقرابين المقدسة بعد انقطاع كبير فسميناها بفعل هذا التقديس العجيب امنا مريم المصرية التي استوطنت فلسطين ثم قلوب الصائمين اذا سعوا بجد الى الطهارة.

                      ثم عاد زوسيما ليناولها ثانية يوم الخميس العظيم في السنة اللاحقة فوجدها قد ماتت. وتجليّاتها لم تمت . لأن كلّا منّا كان مثلها بهذه الخطيئة المتحكّمة فيه او تلك وفي لحظة مباركة لامسته النعمة او انقضت عليه وحوّلت وجهة قلبه واتجاه فكره وتجرد من دنياه التي كانت فيه متحكمة الى الرب القدوس الحاكم وحده القلوب المرتدة اليه.

                      اظن ان الاعتبار الاساسي الذي وضعته الكنيسة نصب عينيها ان تقول للخطأة المتوغّلين جدا والمتوغّلين قليلا في الشر ان خطاياهم ليست نهائية او حاسمة او ان تكرارها حتمي. هذا هو بهاء الايمان ان له القوة على البقاء وان الشر لا قوة له الى الابد لأن الانسان مصنوع على صورة الله وحسب مثاله وانه قادر ان يتحرك الى الخير اذا انعطف الله عليه وهو عطوف واذا الانسان اراد ان يتخلّص من شره صادقا.

                      انا اعرف اناسا تابوا الى الله توبة طيّبة نصوحا وماتت ميولهم الى الشهوات المؤذية واعرف انه لم يبقَ لهم أدنى ميل الى سيئاتهم السابقة ولكن هؤلاء كان يجب ان يكتشفوا محبة الله لهم وان يستنتجوا من ذلك انه يمدهم بقدرته لتخطي ما كانوا عليه. ان الاستعفاف الكامل لفاسقة مثل مريم المصرية للدليل ليس فقط اننا قادرون على تجاوز هذا النوع من السقطات ولكن لكل سقطة.

                      الله سيد على المستحيل، لما احس به الانسان مستحيلا. والتوبة الحقيقيّة لا تقوم على ان الدنس يزعجنا ونؤثر عليه الصلاح لكونه يريحنا. التوبة ان تتوجه بكل قدرتك وكل عزمك وكل قلبك ونفسك الى الاله المحب لتقيم معه أُلفة كالألفة التي كانت لك مع معاصيك. لا يكفي ان يكون دافعك الاستراحة من المعصية ومن أذاها. فإن لم تستجب لحب الله إياك بحبك اياه اي بالطاعة يكون ما اعتبرته توبة حركة بشرية انت مركزها. التوبة العميقة هي التي كان الرب مبدئها ومرجعها.

                      التوبة في الأخير هي عبادة للرب اي خروج من أناك المنغلقة على ذاتها والتي كانت تسعى الى ملذات الدنيا لترتاح اليها. واذا اكتشفت ان سلامك هو العودة الى وجه الرب تبدأ بالإيمان بأن هذا ممكن والممكن برأفة الله يصبح فيك حقيقيا.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

المجد الباطل / السبت ١٧ آذار ٢٠٠٧

 لبنان بلد المجد الباطل. ولست أتكلم بالضرورة على كبار القوم الجالسين على الآرائك. فمن عظماء الدنيا مَن تواضع امام الله والإخوة ومن أدنياء القوم مَن استكبر. وقد تكون شهوة السلطة – اي سلطة- في البيت، في الدكان والمكتب والعمل ذروة ما يشتهي امرؤ يوهم نفسه انه هام، ذلك انه يؤمن بـأهميّته اذا اعترف الناس به على ما يرى في نفسه من قيمة. فاذا لم تقرأه كما يقرأ نفسه تكون عاقا او خائنا او عدوا. وينتفخ بك ولو كنت من أتفه الناس اذٍ. يجب الا ينقص مادحوه. والناس  ناسان. ناس يؤمنون ان الله ناظرهم وناس يهمهم رأي الآخرين فيهم. والمعنى انك اذا كنت سائرا في المجد الباطل اي ذاك الذي ينبغي ان يكون مركز انتباه للآخرين يتضمّن هذا اعتقادك ان الله ليس مركز الحياة وان وجودك انت هو الوجود. وفي مسيرة إلغائك الله من المحبوبية تكون قد أقمت مقامك وتصبح مثل آدم لما أغرته الحية ليكون مثيل الله.

                      في إمارة مولدافيا في القرن الرابع عشر اي قبل ان تتوحد رومانيا كتب أمير إلى ولي عهده (المزمع ان يصير أميرا): « يا بني لا تشتهِ ان تصبح أميرا ولا أسقفًا ولا رئيس دير لأن هذا كله من مجد العالم».

                      لا تطمح بأن تكون مرئيا ولا ان تغدو مائدتك أسخى مائدة في البلد ولا ان تبني اجمل بيت في بلدك. وفي السياق نفسه لا تشتهِ ان تطمع بالمال واشتهه كثيرًا اذا كنت مزمعا ان توزعه على المساكين. في بلد كهذا قائم حتى الآن على قانون انتخابي سيء اذا طمعت بالنيابة لأنها تنمي قدرتك على الخدمة فهذا ممدوح ولكن ان طمعت بتعظيم نفسك فأنت مقيم في دنيا التفاهة.

                      ويتغذّى المجد الباطل بمديح الناس إياك، وهنا يوصينا باسيليوس الكبير ان نسكت فورا ما دحينا اذ قد نعجب بأنفسنا ويقودنا، اذ ذاك، المجد الفارغ الى الكبرياء. لذلك يقول النبي: «ادخل في الصخر وتوارَ في التراب … عيون البشر المتشامخة تُخفض وترفع الإنسان يوضع ويتعالى الرب وحده» (اشعياء 2: 10و11) فمنعًا للتشامخ يقول القديس يوحنا كاتب سلم الفضائل: «ان ذوي الأخلاق السامية يتحمّلون الشتائم بنبل وفرح» ولهذا الراهب العظيم نعيد غدا في كنيستنا.

                      إن الخفاء افضل من الظهور ما لم يفرض عليك واجب الهداية ان يعرفك الناس. وان لم يكن عندك ما تقوله اصمت لأن الصمت اقل أذى من الثرثرة وهي دائما لا مضمون لها. فإن عرفت نعمة الخفاء تدرك ان الله يراك وحسبك هذا عزاء. واذا اضطررت الى الاختلاط فلا تتوخَ ان تبدي ذكاءك او معرفتك للغات او انجازاتك الدنيوية والروحية. لأن ما كسبته في هذه الدنيا من مال ونفوذ وقوة فهو من الدنيا. اما المواهب الروحية فليست ملكا لك. انها ودائع الله فيك لتقول كلمته وتشهد له.

#             #

#

                      فليأتِ كل ما تقوله او تفعله من التواضع الذي هو معرفتك انك لا شيء فلا تجعل نفسك شيئا لأن هذا روح شر ويهدم الآخرين. لا تعمل شيئا حسنا ليكافئك الرب فالمكافأة في السماء ولا تطمع بها بل اطمع بالرضاء الإلهي وغفران خطاياك ومعنى ذلك الا تشهر فضائلك لينمو بها الآخرون. هم يلمسونها ان كانت حقا فيك. وان كنت من المثقفين وكتبت مقالا او كتابا فلا تسل أحدا اذا قرأك اذ تكون آنذاك، في كثرة أحيان، ساعيا الى المديح وهذا قد يدمّرك. واذكر قول الكتاب: «الويل لكم ان قال فيكم جميع الناس حسنا» (لوقا 6: 24).

                      ان تطرب بهذا الإطراء يعني انك لا تزال من اهل الأرض. ابتغِ بالحري بساطة القول وبساطة السيرة وفتش عن اقتباس الفضائل عند الآخرين لتتشبّه بهم. وعند ذاك تعرف انك تجيء من الأبرار وانك لست آتيا من جهودك اذ يقول القديسون عندنا: لا تدخلك جهودك الروحية العظيمة الى السماء بل رحمة الذي يرحم من يرحم ويرأف بمن يرأف. انت لست ثمرة اعمالك مهما عظمت. انك زرع القديسين فقط فاذا عاشروك لا تفخر بما استمددت منهم بل افخر بأن المخلص تنازل اليك ليهبك شيئا من التواضع.

                      واذا تعلّمت ذلك فلا تأخذ زائرك الى قصرك ان كنت ذا قصر لتتباهى امامه بما بنيته لأن المال الذي بين يديك وديعة من اجل الفقراء وان عشت في الترف فمن المؤكد انك تصاب بالعُجب (مع ضم العين) فالثري الكبير مهدد به والقلة لا تقع.

                      لا تتبختر بالسيارات التي عندك ولا تدع زوجتك تقتني الأثواب الفخمة الكثيرة محتشمة كانت ام غير محتشمة فلا شيء يقنعني ان خزانة المرأة بالثياب الكثيرة الفاخرة لا تعرضها الى التباهي. فلتتعلم المرأة أيا كان بهاؤها وأية كانت مقتنياتها الخاصة انها من تراب والى التراب عائدة. هذا لا يعني ان النساء معرضات الى الزخرف اكثر من الرجال. وعلى كل منكم ان يراقب شريك حياته بتواضع ولكن بالحزم الذي توحي به التقوى لأن الأناقة المغالية والاقتناء المفرط يعرضان الى التنافس والآخرين والى تفاهة الكلام والسلوك واذكر كلام بولس: «يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم» (غلاطية ٢٧:٣). فاذا لبست المسيح لا تستطيع ان تزيد عليه فخرا. هذا يملي عليك البساطة في كل شيء.

                      انا لست بقائل: لا تحب جمال الفن في منزلك والكثير من الاشياء الضرورية في عالم اليوم ولست موحيا ان ترتدي الرث من الثياب او المتصدع من الأثاث ولكني قائل لك فقط «ان مَن افتخر فليفتخر في الرب» (1كورنثوس 1: 31).

                      هذا ما قاله بولس بعد ان قال: «من كان في العالم من غير حسب ونسب وكان محتقَرًا فذاك ما اختاره الله؛ اختار غير الموجود ليزيل الموجود، حتى لا يفتخر بشر أمامه».

                      هذا يقودنا الى انتفاخ بعض بعائلاتهم وما يغذي عصبياتهم الأسرية كأنك تستمد من ذويك مجدًا وليس عند انسان مجد. فلا تحتقر ان كان اسم عائلتك مشهورا عند الناس الذين لا شهرة لهم لأنك لست بالضرورة مثل اسلافك الصالحين فالفضيلة لا تورث واسم البشر زائل بزوال هذه الأرض وتبدل الأزمنة. واعلم ان عائلتك ان خسرت اموالها فغالبا ما يتعرض مجدها الى الزوال. لذلك من جعله الرب كاهنا في كنيستنا اذا خاطبناه لا نذكر اسم  عائلته بل نقول ان فلانا خادم للرعية الفلانية. وعلى غرار هذا كلما تقدست تزول ذاكرة عائلتك من ذهنك ويبقى ذكر القديسين الذين بفضلهم نلبس المجد.

                      اجل هناك زهد بكل ما تقتنيه ومن هذا زهد بجمالك و بثقافتك. فهذه كلها ملك للرب ونحن ليس عندنا ملك ولكوننا مؤتمنين على ملك الله ونديره لمجده وعزة الفقراء. وملكاتنا العقلية ليست لنا وهي فينا للخدمة فقط وهذا كله إذكاء للبهاء الإلهي في الناس.

                      كل ما قلته في هذه الأسطر هو لتحفظ الله في قلبك واذكر قول يسوع: «مجدًا من الناس لست أقبل» (يوحنا 5: 41) وفي هذا الإنجيل نفسه قال السيد ايضا لليهود: «كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبون» (يوحنا 5: 44).

                      ان ترفض المجد الذي ظننت انك ورثته او ذاك الذي يأتيك مما تملك او مما تقول وذاك الذي انت عليه جسديا كذلك الذي تؤتاه من حسناتك هذا شرط لتتقبل المجد الذي يكللك به الرب. فعند ذاك يضيء الله عليك بنوره وتمشي امامه لكون الدنيا غير قادرة ان تزينك. فإن اخليت نفسك من كل عجرفة وادعاء ووعيت انك فراغ يغدق الله عليك غناه ويجعلك من المقربين ويرى نفسه فيك وانت تعي نعمته فقط ويحل الملكوت فيك في أزمنة الدنيا حتى تنتقل الى الملكوت ههنا ينزل عليك فاذا اختطفك تسير في الله وتكتمل فيك صبغة الروح ويقول الله فيك منذ الآن كل شيء ويرى هو انك اصبحت كلمة من عنده.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

سلام المصلوب / السبت ١٠ آذار ٢٠٠٧

لبنان مصلوب كلّه. اصحاب المنافع في الدنيا يصلبونه. يصلبوننا نحن الذين لا مصلحة لنا أنانية في هذا الوطن. ان الذين يعتبرون انفسهم كبارا يميتون الصغار الذين لا يفيدون من هذا البلد شيئا. قلبي على الأطفال الذين لا يفهمون لماذا عند البالغين شحنة بغضاء، لماذا ليس عندهم طراوة الطفولة فيتكاذبون، لماذا لا فرح فيهم، لماذا يصممون الموت بعد ان خُلقوا للحياة، لماذا يصنعون صلبانا لبعضهم البعض، لماذا لا ينشدون صادقين: كلنا للوطن، للعلى الذي لا يتكوّن الا بالتواضع. هذا البلد يبدو مملكة شيوخ عجز فقدوا حسهم بالورود. يريدون ان يحيوا بلا اشتمام للجقيقة ولا تذوّق للخير واذا تصالحوا فلكي يقتسموا الغنائم ولا يوزّعون المغانم للمحتاجين الى النور.

                      يريدنا الأكابر طعاما لهم ولا يريدون انفسهم غذاء للجميع. قال المسيح: «خذوا كلوا هذا هو جسدي». الوطن يقدّم نفسه طعاما لمن أراد الحياة وهؤلاء الأكابر يعطوننا حجرا بدل الخبز وانقساما عوض عن الوحدة. لماذا جفاف القلوب العطشى الى الماء الحي؟

                      لكوننا نعرف ان البشر الضعفاء محكوم عليهم بالمصلوبيّة وضعت كنيستنا يوم غد ذكرى ترفع بها على الرجاء مصلوبيّة الناس. في بلد يتباغض الناس فيه بلا سلاح اردنا ان نرفع البغضاء بالحب. لذلك تجيء غدًا، الأحد ذكرى الصليب الذي يقول للبشر ان واحدا منهم رُفع على هذه الخشبة لكي ينال كل واحد منهم حياة عوض الموت العميم ورجاء بدل اليأس. وهذا يجري في طقس اذ يوضع صليب وسط صينيّة فيها رياحين او زهور ويُطاف به ونجثو امامه ذاكرين الصلب والقيامة معا. ويعطي الكاهن المؤمن زهرة ليقول له رمزيا: ان المسيح فرح العالم وان الانسان لن يبقى مقهورًا الى الأبد اذا عانق المصلوب فاتخذ هذا مصلوبيّة الانسان ليجعله قياميا.

                      نحن فصحيون ولا نميت احدا لأن يسوع مات ليخلّص العالم وليس فقط الذين ينتسبون اليه بالمعمودية. انت، ايا كنت، تطلب الحياة وهي تبدأ بالحياة الجسدية. «لم يظهر الروحي اولا، بل البشري، وظهر الروحي بعده» (١كورنثوس 15: 26). وانتظام الدولة قائم اولا لخدمة الانسان الطبيعي ثم نداء الله اياه يجعله ممتلئا حياة روحية. في البدء يكون المجتمع المدني ثم يصعد من داخله ناس يتروحنون بالعطاء الإلهي الذي ينسكب عليهم فيكونون على الأرض اهل سماء وفي عصر الأزمات لا تتوارى عن اهل الحب السماء التي يحجبها الكثيرون عن انفسهم وهي تخترق نفس من احب اختراقها لكي تجعله منذ الآن انسانا ملكوتيا.

                      لماذا نقيم هذه الذكرى في منتصف زمن الصوم؟ اننا قد لاحظنا ان بعضا من الصائمين يملّون جهادهم وينحون الى الاسترخاء فلئلا تضيع صورة المخلّص عنهم نضع لهم هذه الصورة التي اذا انطبعت في قلوبهم تمكّنهم من الاستمرار بالجهاد اذ ليس يجوز في الحب الملل ولا يسوغ التراجع بعد ان نزلت عليك الرؤية. وينتج عن قبلة الصليب ان المؤمنين يتعانقون وقد عرفوا ان السيّد نفسه بموته قد عانقهم ونقّاهم ورفعهم بالروح الى الآب.

#         #

#

                      ينتج عن هذا ان قتل النفس لا يجوز طلبا للسلام. فالرب لا يميت ولكنّه يؤدّب. وانت تدع خصمك او من ظننته كذلك للرب الذي يحييه بتهذيب من عنده فإنك ان قتلت احدا تخرجه من إمكان التوبة وتتحجّر نفسك او تنصدع بحيث يستحيل عليك ان تضمن لك توبة في اي يوم من ايام حياتك. وامام حرمة الحياة يستوي الخاطئ والصالح. كلاهما الله ضامنه وواعد بتنقيته وهو الذي جعل في يديه وحده سلطان الحياة والموت. ونحن نعيش بعضنا مع بعض على رجاء كسب كل منا الطهارة الذي تنزل علينا من فوق.

                      لم يفوّض الرب أحدًا بأن ينفّذ عنه موت الآخر وهو القائل لكل قاتل: «قايين، قايين اين أخوك؟» اي كان عليك ان تعايش أخاك الذي لم يكتب عليه الفناء بيد أخيه. وتعميم المعنى ان كل انسان اخوك لأنكما اتخذتما عطاء الحياة الواحدة ووعدا إلهيا بأن تنموا معا. واذا خفت نشوز اخيك فعليك بالموعظة الحسنة وان تصالحه بالرأفة التي فيك عسى الا تنبت بذور الخطيئة ويرد لك الصالح بالصالح وتلتقي نفسك بالبهاء الذي في نفسه اذ ليس من احد خاليا من البهاء.

                      كان عندي قبل الحرب في لبنان موظّف نسمّيه قواسا وهو حارس للأساقفة في بلدنا وللقناصل والسفراء في استانبول وهذا من باب رعاية السلطنة العثمانية لهذه الفئات من الناس وكان لهؤلاء الحق ان يحملوا سيفا وفي العصور الحديثة مسدسا. وفيما كان هذا الشاب يتمشّى في بيتي امامي احسست ان تحت سترته مسدسا. سألته: ما هذا؟ قال هذا سلاح رخصته الدولة. اجبته انا لا اريد ان تحميني لأني اؤثر ان أموت من ان يُحكم على شخص آخر – ولو قتلني ـ بالاعدام او السجن المؤبّد وغالبا ما كان رب عائلة وانا ليس عندي عائلة وجرّدت الرجل من السلاح.

                      الرب أعزل ونحن على مثاله وليس لنا شأن بالسلاح. لذلك كنت دائما اكره كلمة صليبيين التي اتخذها الفرنجة في القرن العاشر لما هاجموا بلادنا. كانت صدمتي بأنهم يقتلون باسم من قال: «يا بطرس رد سيفك الى غمده لأن من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ». وهذا الكلام جعل الملايين من المسيحيين يشهدون اذا استشهدوا. وهذا الكلام ادخل الى القانون الكنسي ان الكاهن او الراهب لا يسوغ له الدفاع عن نفسه لأن في ذلك احتمال قتل لآخر. والقانون عندنا يقول ان الكاهن لو قتل شخصًا  عن غير عمد اي بحركة خاطئة ينبغي ان يوقف عن اقامة القداس الإلهي كل ما تبقى له من حياة.

                      لما حل المسمّون بلغّتهم صليبيين في بلادنا وأمعنوا فيها الفساد كان عند المسلمين لياقة اخّاذة انهم سموهم فرنجة ولم يسمّوهم صليبيين لعلمهم ان المسيحيين لا يقتلون.

                      المسيحيون باقون بقوة المسيح فقط ولا يسعون الى طريقة اخرى وهم يغفرون للقاتل. ليس لديهم سلاح آخر وما لهم شهوة النفوذ ولا الحكم ويعرفون ان الغلبة لكلمة الله ومشيئته. لذلك لا يقتنون سلاحا وقد قيل لهم: »لا تخافوا ممن يقتل الجسد خافوا بالحري ممن يقدر ان يلقي النفس في جهنّم« وجهنّم، طبعا قائمة للمعتدين.

                      ليست الدنيا تقاسم غنائم. انها إنفاق مغانمك على المحتاجين والمحتاج اذا شاركته ما عندك يرفعك الى السماء لأنك لا تقدر ان ترفع نفسك وحدك الى السماء ولكن يرفعك الإخوة ان احببتهم والإخوة هم كل الناس الى اية عقيدة انتموا. وانت قادر بالرحمة ان تجعلهم من اهل السماء في اليوم الذي يديننا الله فيه اجمعين. «يأتون من المشارق والمغارب ويجلسون في احضان ابراهيم وابناء الملكوت يلقَون خارجًا». ضمانتك الوحيدة لتصبح من ابناء الله ان ترى ان لله أب لجميع البشر.

                      انا ما دعوتك الا تنادي بالمساواة بين ابناء الوطن الواحد. ولكن اعلم ان ليس لك كرامة مستقلة عن كرامة الآخرين. وعليك ان تطلب حريتك لأنها هي الكرامة. ولكن قد تداس. عند ذاك تسعى الى الآخر بالكلمة ونضال الكلمة ولا تكون من زبائن الاجنبي لأن ذاك لا يصون الا نفسه ولو قال غير ذلك. والكلمة فعالة ان كنت انت عظيمًا في الحب. قد يكون لسواك لغة غير هذه اللغة. هذا شأنه وله من يدينه. اما انت فلك فقط جهاد النفس. ولا احد يقدر ان يكون على قلبك طاغية وانت انسان القلب ولا سيما ان المسيحية لا تعرف نفسها كتلة بشرية او حزبية. لذلك لا تناصر الا المظلومين ولكن دائما بالكلمة الحلال والبروز الطاهر للنفس. واذا كنت من القارئين فالوحي عند المسلمين يقول: «من قتل نفسًا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (المائدة ٣٢). فعلى صعيد التعامل الشخصي نحن مع المسلمين واحد.

                      لذلك كانت الميليشيات كلها باطلة في عيني الرب وكان القتال الداخلي باطلا ايضا في عينيه. واعلم ان الفتنة مدخل الى القتل.

                      نحن جميعا مدعوون الى الجدية كاملة اذا اردنا الا يموت احد بيدي انسان فنكون من الظالمين فكل منا وكيل الآخر على حياته ونموه وازدهاره والحفاظ عليه في كل ظرف من ظروف البلد وفي كل ازمة من التاريخ حتى يعلو حق الله ولا نمحق وجودا جعله الله لمجده وصانه مع عياله وفوّضنا امر حياته مهما اشتدّت علينا المحنة اذ الرب قادر ان ينجينا من وطأة التجارب بسلام ينزله علينا نعمة من عنده.

Continue reading
2007, جريدة النهار, مقالات

الحرية الكاملة / السبت ٣ آذار ٢٠٠٧

ان تكون على علاقة حميمية مع الرب يعني ان تكون حرا من كل انسان وفي البدء حرا من قلبك. انا افهم ان تجمعك مع قومك – اهل الضيعة او بني طائفتك ـ انسجام عاطفي، طبائع متقاربة، عصبية تاريخ، دفء. ولكنك لا تجيء منهم لأن عمقك لا صلة له باللحم والدم ويجب الا يكون اسير التاريخ  ولا أثر فيه للخوف اذ الخوف يحدث القوقعة والقوقعة تحتاج الى تلك الحرارة التي تجعلك من ذويك او بعض من ذويك.

                      اما اذا نزلت من فوق حيث انت جالس مع الله ولو سرت على هذه الأرض فالسماء مدخلك الى الناس وانت مرجعهم اليها اذ ينشدون بك الى رب السماء ويتصرّفون هنا كأهل سماء فاذا عادوا اليك لا تحركهم عصبية ولا يثيرهم سلطان شهواتهم اذ يعرفون انك لا تشاطرهم شهواتهم لأن ما يحركك انت سلطان لا يأتي من تراصهم ولا من غضبهم الجماعي الذي يأتيهم من انتفاخهم.

                      افهم ان تدفع لحمة العقيدة الى خدمة ذويك ولكن الخدمة ليست التناصر. انت تنصر اخاك على الظلم اي اذا بات مظلوما ولكنك لا تنصره اذا ظلم هو نفسه لمجرد ان بينك وبينه نسابة او وحدة دين. الدين ينزل من عند الله ولكنه لا يصل الى كل النفوس او يصل مكسورا او مجزأ او مشوهًا. هذا الإنسان لست كفيله في اعوجاجه. ما من شك انك راعيه ولكنك انت راعي الآخر وتضحي من اجل الراعي والمرعي.

                      انت من رعية اهل الله فقط ولك معهم عهد الطاعة للإله الجامع بينكم. وانت فيهم كفيل الفقراء والبسطاء لأن هؤلاء الله نصيبهم. واذا كنت من ذوي اليسر فاقترب اليهم ليعرفوا ان الخلاص في الدنيا يعطيه المحبون. اجعل المحتاجين مجتمع الحب اي الذين يعرفون ان الرب يملأهم من خيرات الأرض ويعزيهم بما يقوله لقلوبهم وبما ينفحهم من نفحات الروح.

                      ولكن هذه المجتمعات التي ينشئها الروح الإلهي والنفوس الملطفة به مولودة عند فجر الجودة وليست من المدى ولا الزمان ولا تتموضع فيهما. لذلك لا يسري عليها حكم التراص. من هنا انها تبدد بلاقوة فهي لا تتفاخر بما تملك اذ لا يعني لها ما تملك شيئا وتشعر بأنها كلما افتقرت الى الله تزداد هنا قوة وعزما واذا تعرت فالله ثوبها او جاعت فهو طعامها. لذلك ليس لها وجود بمقاييس اهل الدنيا، ولكنك تحس بغيابها اذا غابت.

#               #

#

                      لا يفهمنّ احد اني احزن اذا رأيت لصوق المسلم بالمسلم او المسيحي بالمسيحي على سبيل المثال. ففي كل مجموعة تراث واجبة رعايته وربما اتسمت كل طائفة بطبائع جميلة ولياقات تحمل السلام وسكائب روحية تشفي النفس المتعبة. المسألة كلها في حركتك الى من كان من مجموعتك الروحية ومن لم يكن منها على المستوى الجماعي كان هذا او على المستوى الفردي. هنا لفظة طائفة في لبنان ملتبسة. على صعيد القلب. انت معها لأنها وريثة الله بتعليمها وصلاتها ولست منها في حركتها الاجتماعية اذ يجب ان تتحرك وطنيا فليس من وطنيات صغيرة ضمن الوطنية الكبيرة. انت ليس عندك اصطفاف طائفي الا بسبب قيود الدولة واذا كنت مسيحيا لك مع إخوتك المؤمنين اصطفاف في جسد المسيح وهذا لا يعني شيئا على المستوى الأرضي الا ما نسميه اعمال الرحمة. ولكن ليس من تضامن ازاء تضامن وتنتفي هنا العصبيات.

                      من هنا اود ان اقول ان في الحياة الدينية شيئين مختلفين كليا وهما العقيدة والمحبة. فعلى مستوى العقيدة انت موحّد مع ابنائها وهذا يراه الله وله تعابيره في العبادات. اما المحبة فواحدة لجميع الناس إطلاقا فأنت محسن للمؤمن بديانتك ولغير المؤمن بها وتنصر اهل الحق وتقوم معهم بحركة واحدة نابعة من القلب.

                      من هنا اني لا افهم كلمة الأمة كما يستعملها المسلمون. لا انكر على المسلم ان يكون اخا المسلم في العقيدة ولكن هذا لا معنى له في الاصطفاف. اركان الاسلام شيء آخر وتوحد.  ولكن وحدة القلوب واحدة مع كل الناس بما فيهم المشركون والملحدون لأن الله وحّد نفسه بهم بما يسميه المسيحيون أبوة الله.

                      الأمة هي امة الله حسب الاستعمال القرآني واذا شنت استعمالها هكذا ولا تريد ان تتطوّر الدلالة لا مانع عندي. عند ذاك يجب ان تفتش عن مفردة اخرى للدلالة على المجموعة الوطنية حتى تحس انك واحد منها وواحد فيها. من الواضح ان المجموعة الوطنية كيان عضوي او جعلناه عضويا بسبب التوحّد الوطني الذي اصطلحنا عليه. كذلك الطائفة كيان عضوي قائم على المعتقد الديني. الكتلة الوطنية، مجموعة، لا دين لها ولذلك اذا تكلمت على دولة دينية – وهذا زال في الشعوب المسيحية – تعني استلهاما لقانونها الوضعي من شرع إلهي. وهذا ما هو حادث في الدول الاسلامية ولكن حيث لا شرع مسيحيا لا مجال لدولة مسيحية. من هنا انه لا مهرب من وجود كتلة وطنية موحّدة بالروح الوطنية والإخلاص لدولة ولكن ليس فيها إخلاص لمعتقد ديني كما انه ليس فيها من إمكان لنفي اي معتقد ديني اذ تبطل ان تكون دولة لتصير كنيسة او امة إلهية كما هي الحال في الاسلام. بكلام آخر، انت مضطر على العلمانية اذا اردت ان تقيم دولة بالمعنى الحديث، ذاك الذي يقوم فيه التمييز – ولم أقل التفريق – بين المعطى الإلهي والمعطى الدنيوية

                      نحن في لبنان لسنا مرتبطين كدولة بمعطى إلهي. لذلك ارتضينا الطوائف كما ترتضي هي نفسها دون ان نناقش اساسها الديني.

                      من هنا انه يسوغ ان تكون لمجموعة طوائف موقف وطني واحد لأن هذا الموقف مبني على المصالح الوطنية التي هي من هذه الدنيا.

#              #

#

                      هذا الفكر الحديث ما في ذلك ريب مصدره فلاسفة عصر الانوار في القرن الثامن عشر وقبل هذه الحقبة لم تكن من دولة حديثةولم تكن حرية دينية ولا شيء يقنعي  ان الدولة الدينية تعترف بحرية الاأديان بصورة كاملة. لها ان تعترف بشيوع الوظائف على كل المواطنين وحرية العبادة ولكنها لا تعترف بالامتداد غير المحدود للديانات الأخرى ولا بالحوار الديني اللانهائي او الدعوة او التبشير.

                      عندنا اليوم تكتلات حزبية من مختلف الطوائف وهذا بحد نفسه حسن وقد يكون هذا شبه ضمان لعدم الاحتراب الديني او المذهبي ولكن لا يعني هذا اننا استأصلنا اساس التوتر الطائفي اذا تغيرت الأحوال السياسية. اتمنى ان يعني هذا اننا فصلنا الدين عن القتال. واتمنى – اذا صدقنا جميعا – ان نزيل اسس التحارب في علمنة معيشة وان لم نقل بها جميعا من الناحية النظرية.

                      اذا حل السلام – وهو اسم من اسماء الله الحسنى- نفحص في جو من الأخوّة الشأن الديني المجتمعي وإمكان الحوارات الدينية والتلاقي بين الأديان في المجال المجتمعي وربما في المجال النظري بحيث نكافح الانغلاق النظري وتاليا الانغلاق الحياتي.

                      ويعزيني انا المسيحي الارثوذكسي اننا غدا نعيد لقديس عاش في القرن الرابع عشر يدعى غريغوريوس بالاماس اوضح المعتقد المسيحي القديم القائل بأن ثمة قوى إلهية أزلية نشترك فيها فنكون آتين روحيا من الله نفسه تقديسا كما أتينا منه خلقا دون ان نقتحم الجوهر الالهي لأن هذا يكون شركا. متى يصبح اللبنانيون مألوهين (والكلمة اسلامية) ؟ اي متى يتخلقون بالاخلاق الإلهية (والعبارة اسلامية ايضًا)؟

                      كل رؤية اخرى ترقيع. البلد لا يقوم فقط على القوانين والمؤسسات. هذه حسنة ولا بد منها. البلد يقوم على الطهارة وهذا ما يسمونه – باللغة السياسية مكافحة الفساد. غير ان طهارة الوزراء ومندوبي الأمة وموظفيها هي اعلى درجة من مكافحة الفساد. هي ان يدنو اهلنا من الله دنوا صادقا، شجاعا حتى يصبح الله – في عقولنا- ملك البلد كما هو في ذاته. متى نعترف بأن لنا في الطاعة له حياة فضلى بل افضل حياة؟ هذه هي حريتنا الحقيقية التي اذا اقترنت بالحريات العامة تقيمنا في تجليات عظيمة.

Continue reading